في 7 نوفمبر 2022، فرضت وزارة الخزانة الأمريكية، عقوبات على الأخوين؛ نوفل أكبر، ويونس أكبر، في جنوب أفريقيا، وكذلك؛ محمد أكبر، وعمر أكبر، وقالت إنهم كانوا “أعضاء في خلية داعش العاملة في جنوب أفريقيا، الذين قدموا الدعم الفني أو المالي أو المادي للتنظيم (داعش). فيما دقت السفارة الأمريكية في جنوب أفريقيا مرتين ناقوس الخطر بشأن الإرهاب في البلاد. وفي 26 أكتوبر 2022، أصدرت إنذاراً أمنياً بشأن هجوم إرهابي محتمل في ساندتون المركز المالي في جوهانسبرج، وهو ما يثير تساؤلات حول أسباب اهتمام داعش بتعزيز وجوده في جنوب أفريقيا.

محددات رئيسية

بالنظر إلى إجراءات الولايات المتحدة لتتبع شبكات دعم وتمويل تنظيم “داعش”، في جنوب أفريقيا، التي برزت خلال عام 2022، لفرض عقوبات على أشخاص متهمين بتمويل “داعش”، يمكن الإشارة إلى محددات رئيسية، بالتدقيق في بيانين لوزارة الخزانة الأمريكية: الأول في مارس 2022، والثاني في نوفمبر 2022؛ وذلك كالتالي:

1- تتبع أمريكي موسع لشبكة داعش بجنوب أفريقيا: يشير بيان (نوفمبر 2022) لفرض العقوبات الأمريكية الجديدة، إلى تكثيف إجراءات الولايات المتحدة لتتبع شبكات “داعش” في جنوب أفريقيا، والتدقيق في صلات الأشخاص الواردة أسماؤهم في بيان (مارس 2022) مع أطراف أخرى، واحتمالات علاقاتهم بتمويل الإرهاب؛ إذ كشف بيان العقوبات الثاني، أن الأشخاص الأربعة يعملون كشركاء في خلية يتزعمها شخص يدعى “فرهاد هومر”، وهو الشخص الذي كان مشمولاً بالعقوبات في البيان الأول لوزارة الخزانة الأمريكية. وهنا فإن البيان الثاني لا يكشف عن خلية جديدة لتمويل “داعش”، بقدر ما يُحدد باقي أعضاء هذه الخلية، التي تنشط في مدينة “ديربان” على الساحل الشرقي لدولة جنوب أفريقيا.

ووفقاً للبيان الثاني، فإن العقوبات شملت الأخوين “نوفل أكبر ويونس أكبر”. ويُعد نوفل أكبر شخصية قيادية مركزية في الخلية، فيما يعمل يونس منفذاً تنفيذياً ومنسقاً لوجستياً للخلية، إضافة إلى اثنين آخرين من مساعدي هومر، هما “محمد أكبر وعمر أكبر”.

كما شملت العقوبات ثماني شركات مقرها جنوب أفريقيا مرتبطة بخلية “هومر”، وتتصل أربع شركات منها بـ”نوفل أكبر ويونس أكبر”، وهي: “MA Gold Traders (PTY) LTD، وBailey Holdings (PTY) LTD، وFlexoseal Waterproofing Solutions (PTY) LTD، وHJ Bannister Construction CC”، فضلاً عن أربع شركات تتبع “فرهاد هومر”، وهي: “Sultans Construction CC، وAshiq Jewellers CC، وIneos Trading (PTY) LTD، وShaahista Shoes CC”.

2- تأسيس “داعش” نشاطاً شبكياً منذ سنوات: بالمقارنة بين التفاصيل المقدمة في بيان وزارة الخزانة الأمريكية الأول وبين البيان الثاني، يمكن الإشارة إلى ملاحظتين رئيسيتين: الأولى أن تنظيم “داعش” لا يرتبط بخلية واحدة في جنوب أفريقيا، ولكن يتصل بنشاط شبكي على مستوى أكثر من خلية؛ إذ يكشف البيان الثاني أبعاد خلية “هومر” فقط التي تنشط في “ديربان”. أما البيان الأول في مارس 2022، فيشير إلى تعدد الأطراف التي تتواصل مع تنظيم “داعش” لتقديم الدعم لعمليات التنظيم، دون ذكر أي علاقة مع خلية “هومر”، إضافة إلى أن أحد المشمولين بالعقوبات في البيان الأول يُدعى “سراج ميلر”، وكان يقود مجموعة من أنصار “داعش” في مدينة كيب تاون.

أما الثانية فهي أن تنظيم “داعش” بدأ يرسم شبكة الدعم والتمويل منذ سنوات؛ أي إن نشاطها لا يرتبط بتوقيت فرض العقوبات الأمريكية. ويُحدد بيان وزارة الخزانة الأول بداية تورط الأشخاص المشمولين بالعقوبات في النشاط الداعم لـ”داعش” بين عامي 2017 و2018، وتحديداً خلية “هومر”، التي يُعتقد أنها تأسست في هذا التوقيت.

3- تعدد أنشطة شبكة الدعم لـ”داعش”: يتضح من البيانات التي قدمتها وزارة الخزانة الأمريكية، أن شبكة “داعش” في جنوب أفريقيا، تنشط على أكثر من مستوى لتقديم الدعم لفرعيه: “ولاية موزمبيق وولاية وسط أفريقيا”، وبخلاف الدعم المالي والتمويل – وهو العامل المشترك لكل الأطراف المشمولة بالعقوبات – فإن ثمة أوجه دعم أخرى لكل طرف؛ فعلى سبيل المثال قدم “هومر” ممتلكات سكنية ومركبات مسجلة باسمه لرعاية اجتماعات أعضاء خليته وأنشطتها العملياتية، وتمكن من جمع الأموال لصالح فرعي “داعش” من خلال عملية الاختطاف مقابل الفدية وابتزاز الشركات الكبرى، فيما قام عبد الله حسين أباديجا المشمول بالعقوبات في البيان الأول، بتجنيد شباب وإرسالهم إلى معسكر للتدريب على الأسلحة، كما أقدم على دفع مرتادي المساجد التي كان يسيطر عليها إلى تقديم أموال لصالح “داعش” وتحويلها إلى التنظيم خارج جنوب أفريقيا.

وأقدم سراج ميلر” المشمول بالعقوبات في البيان الأول، على تدريب أعضائه على عمليات السطو لجمع الأموال لداعش، إضافة إلى المساعدة في توفير منازل آمنة مؤقتة لـ”داعش” عام 2018، في حين ساهم “بيتر تشارلز مباجا” في تيسير تحويل الأموال من جنوب أفريقيا، وسعى لدعم “داعش” عبر المساعدة في شراء المعدات من جنوب أفريقيا.

4- استجابة بطيئة لسلطات جنوب أفريقيا: يكشف البيان الثاني لوزارة الخزانة الأمريكية،الذي يرتبط بالأساس بتوسيع ملاحقة عناصر بارزين في خلية “هومر”، عن ضعف استجابة السلطات في جنوب أفريقيا خلال الأشهر القليلة الماضية، بالنظر إلى الفارق الزمني بين البيانين الذي يقترب من 7 أشهر تقريباً، وربما كانت كفيلة بالتدقيق في صلات ودوائر علاقات “هومر” للتدقيق في أبعاد الخلية التي أسسها لتقديم الدعم لتنظيم “داعش” في موزمبيق والكونغو على وجه الخصوص، وفقاً لتأكيدات وزارة الخزانة الأمريكية، خاصة مع إشارة بعض التقارير إلى اعتقال “هومر” مع محمد أكبر و10 آخرين في 2018 بعد تورطهما في زرع أجهزة حارقة في مسجد شيعي في فيرولام ومتاجر وسباق خيول في ديربان، وربما كانت هذه الواقعة أساس التدقيق في التعاملات المالية لهذه الخلية.

فرص التمدد

على الرغم من عدم تحديد وزارة الخزانة الأمريكية، حدود وطبيعة العلاقة بين تنظيم “داعش” والأشخاص والشركات المشمولة بالعقوبات الأمريكية، تحديداً على المستوى الأيديولوجي، بصورة يمكن من خلالها تحليل روابط التنظيم داخل جنوب أفريقيا، هل تعتمد فقط على المصالح المشتركة مع عصابات وشبكات إجرامية، أم تستند إلى قاعدة موالية لأفكار التنظيم، إلا أن ثمة عوامل ربما ساهمت في بناء شبكة لـ “داعش” بجنوب أفريقيا، وأبرزها:

1- أقوى اقتصادات منطقة جنوب القارة: تُصنف جنوب أفريقيا باعتبارها أحد أقوى الاقتصادات في القارة الأفريقية لعام 2021، خلف نيجيريا ومصر على الترتيب، بالاعتماد على إجمالي الناتج المحلي (2020 – 2021) البالغ 301.9 مليار دولار، كما أنها تعتمد على اقتصاد يتسم بالتنوع والتطور، وبذلك تكون أكبر اقتصاد في منطقة جنوب القارة الأفريقية، بما يجعلها أحد الدول المهيأة لنشاط تمويلي لتنظيم “داعش” في جنوب القارة الأفريقية، لدعم فرعيه: “ولاية موزمبيق وولاية وسط أفريقيا”، من خلال نشاط غسيل الأموال أو توفير التمويلات اللازمة.

2- ارتفاع معدلات الجريمة بجنوب أفريقيا: بخلاف الاقتصاد القوي الذييُميز جنوب أفريقيا،فإنها تُعد مؤهلة لتشكيل شبكة لـ”داعش”، في ضوء ارتفاع معدلات الجريمة إلى مستويات كبيرة، وهي بيئة مناسبة لاتجاه التنظيم في بناء علاقات وروابط مع عصابات الجريمة المنظمة؛ إذ تأتي جنوب أفريقيا في المركز الـ19 عالمياً في النشاط الإجرامي، والخامس على المستوى الأفريقي، وفقاً لمؤشر الجريمة المنظمة العالمي لعام 2021، الصادر عن المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، كما أنها تحتل المرتبة الـ33 عالمياً من حيث نشاط السوق الإجرامية، مع ملاحظة أن جنوب أفريقيا تتعدد فيها طبيعة الفاعلية على مستوى الجريمة المنظمة، سواء كانت شبكات إجرامية محدودة، أو نشاطاً يتبع “المافيا”، أو فاعلين رئيسيين أجانب.

3- نشاط متزايد لتجارة الأسلحة: توفر جنوب أفريقيا ميزة لتنظيم “داعش” للاتجاه لتأسيس خلايا دعم وتمويل، في ضوء النشاط المتزايد لتجارة الأسلحة؛ إذ يكشف مؤشر الجريمة المنظمة العالمي لعام 2021، تصدُّر تجارة الأسلحة ترتيب الأنشطة الإجرامية، متقدمةً على غيرها من أنشطة عصابات الجريمة المنظمة الأخرى مثل الجرائم المرتبطة بالاتجار بالبشر وتهريبهم، أو الجرائم المرتبطة بالحياة النباتية والحيوانية، ومن ثم فإن النشاط الإجرامي لتجارة الأسلحة يمكن أن يدعم استمرار تدفق الأسلحة إلى أفرع تنظيم “داعش” في القارة الأفريقية.

4- الجوار الجغرافي المباشر لأفرع “داعش”: إضافة إلى العوامل السابقة، فإن موقع جنوب أفريقيا الجغرافي، والحدود المشتركة مع موزمبيق التي تشهد نشاطاً لفرع “داعش” هناك، تُمثِّل فرصة لتأسيس شبكة للتنظيم هناك، تُمكِّنه من نقل الأسلحة والاحتياجات اللوجستية لهذا الفرع عبر الحدود مثل “الدراجات النارية، أو الطائرات المسيرة، أو الهواتف، أو شرائح اتصالات.. وغيرها”، بالتنسيق مع عصابات الجريمة المنظمة، وهو ما يوفر جهداً وأموالاً لاستقدام احتياجات الفرع في موزمبيق من جنوب أفريقيا مقارنةً بدول أخرى، كما يمكن استخدام النقل البحري لتلبية احتياجات فرع “داعش” بفضل الموقع الساحلي لها، كما يُمكن أن تُشكل جنوب أفريقيا نقطة تجمع لعناصر أجنبية ترغب في الانضمام لفرع “داعش” في موزمبيق أو الكونغو.

5- ضعف البنية الرقابية لمنع تمويل الإرهاب: إذتشير تقارير عدة إلى اتجاه فرقة العمل المعنية بالإجراءات المالية (FATF) – وهي هيئة رقابة حكومية دولية على غسل الأموال وتمويل الإرهاب – إلى إدراج جنوب أفريقيا على قائمتها الرمادية. ويرجع ذلك إلى أن “جنوب أفريقيا فشلت في تحديد هوية ممولي الإرهاب أو التحقيق معهم أو مقاضاتهم أو معالجة تمويل الإرهاب. وفي يوليو الماضي، حذر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة من أن جنوب أفريقيا تُستخدم بشكل متزايد كقناة لتمويل الإرهاب في موزمبيق وجمهورية الكونغو الديمقراطية، كما أشار تقرير مجموعة العمل المالي إلى ذلك عندما أشار إلى أن إحجام جنوب أفريقيا عن “تصنيف أعمال العنف ذات الدوافع السياسية على أنها أعمال إرهابية” يحد من قدرتها على معالجة تمويل الإرهاب.

6- تنسيق أمني محدود بين جنوب أفريقيا والولايات المتحدة: في ظلتفشي الفساد في الأجهزة الأمنية وارتفاع معدلات الجريمة المنظمة، فإن ضعف التنسيق الأمني مع الولايات المتحدة، يمكن أن يكون مؤثراً في بناء “داعش” شبكته في جنوب أفريقيا؛ ففي أكتوبر الماضي، انتقد الرئيس سيريل رامافوزا الولايات المتحدة لإصدارها تحذير “ساندتون” ضد الإرهاب دون استشارة حكومته، على الرغم من أن مصادر أمريكية ألمحت إلى أنه تم إبلاغ بريتوريا. في حين أشارت تقارير إلى غضب بعض مسؤولي الأمن في جنوب أفريقيا من العقوبات الأمريكية ضد هومر والآخرين (مارس 2022)، خاصةً في ظل محاولات التقليل في جنوب أفريقيا من خطر الإرهاب.

إجمالاً؛ يمكن القول إن تنظيم داعش يحاول توسيع نفوذه في منطقة الجنوب الأفريقي من خلال وسائل شتى، لا سيما توسيع وجوده العملياتي في جنوب أفريقيا؛ إذ يعتمد داعش على جمع التبرعات والسرقة والاختطاف من أجل الفدية والتجارة غير الشرعية مثل غسيل الأموال. وتبدو حكومة جنوب أفريقيا أقل كفاءةً في محاربة ظاهرة غسيل الأموال في البلاد، وهو ما يهدد أمن واستقرار منطقة الجنوب الأفريقي؛ لأن هذا الوجود العملياتي يساعد التنظيم على استعادة ترتيب صفوفه وتسليح عناصره برغم الخسائر التي يتكبدها في موزمبيق والكونغو الديمقراطية. ويوفر الوجود العملياتي للتنظيم في جنوب أفريقيا الفرصة للتنظيم لمهاجمة المصالح الغربية ومصالح جنوب أفريقيا في حال زيادة الضغوط العسكرية على التنظيم في موزمبيق والكونغو الديمقراطية، وقد هدد التنظيم أكثر من مرة من انخراط جنوب أفريقيا في جهود مكافحة الارهاب في موزمبيق.

بقلم محمد الفقي – إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية