د.إيمان أحمد عبد الحليم، إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

تعددت أبعاد تفجير جسر “كيرتش” الرابط بين روسيا وشبه جزيرة القرم، الذي وقع يوم 8 أكتوبر 2022، وأدى إلى مقتل ثلاثة أفراد، وإلحاق أضرار جسيمة بالجسر الذي بُني باعتباره الرابط البري الوحيد لروسيا مع شبه الجزيرة التي تم ضمها إلى البر الرئيسي الروسي في عام 2014، بالتوازي مع حالة من غموض الملابسات بشأن الانفجار الذي لم تتبنه أي جهة، ولم تُوجه روسيا اتهامات صريحة إلى أوكرانيا بالمسؤولية عنه، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى الدلالات الرمزية المهمة لاستهداف الجسر الذي افتتح بعد 4 أعوام من ضم روسيا لشبه جزيرة القرم، في تأكيد لترسيخ النفوذ الروسي هناك. لا سيما مع تأثير الانفجار في خطوط الإمداد الروسية على ساحات القتال الرئيسية في جنوب أوكرانيا، خصوصاً مع صعوبات طرق الإمداد البديلة للجسر، وتضرر البنية التحتية الروسية عموماً من جراء الحرب المستمرة؛ ما يجعل العملية ذات دلالات وتأثير في مسار الحرب، مع تراجع أداء القوات الروسية عموماً في ساحات القتال، والشكوك في مدى حصانة الإجراءات الأمنية لروسيا، مع تراجع معنويات القوات الروسية، في مقابل ارتفاع الروح المعنوية في أوكرانيا التي قد تتحمس لتوسيع هجومها المضاد على روسيا، مع بقاء احتمالية أن يؤدي تفجير الجسر الحيوي إلى تصعيد الهجمات الروسية في أوكرانيا، لا سيما مع تصاعُد دعوات العديد من المسؤولين في روسيا إلى تدمير البنى التحتية الحيوية لأوكرانيا.

ملابسات التفجير

يمكن استعراض أبرز مُلابسات تفجير جسر “كيرتش” بين روسيا وشبه جزيرة القرم، لا سيما مع غموض الجهة المسؤولة عن التفجير، وتزامُن التفجير مع ذكرى ميلاد الرئيس الروسي؛ وذلك على النحو التالي:

1- إعلان روسيا استهداف شاحنة جسر “كيرتش”: أعلنت موسكو في 8 أكتوبر 2022، عن انفجار شاحنة على الجسر الرابط بين روسيا وشبه جزيرة القرم فوق خليج “كيرتش”؛ ما أدى إلى مقتل ثلاثة أفراد، واشتعال حريق هائل وإلحاق أضرار جسيمة بالجسر، الذي بُني باعتباره الرابط البري الوحيد لروسيا مع شبه الجزيرة التي تم ضمها إلى البر الرئيسي الروسي في عام 2014. وأدى الانفجار إلى اندلاع حريق في جسر مجاور للسكك الحديدية، مع اشتعال النيران في قطارات ناقلة للنفط.

2- غموض حول الجهة المسؤولة عن الانفجار:لا تزال الملابسات الدقيقة لهجوم جسر “كيرتش” غير واضحة، وخصوصاً مع عدم إعلان أي جهة مسؤوليتها عنه. وأشارت روسيا من ناحيتها إلى انفجار شاحنة كانت مليئة بالمتفجرات، رغم اجتيازها تفتيشاً على البر الرئيسي الروسي قبل الانفجار بدقائق، ودون أن تُوجه اتهاماً صريحاً بالمسؤولية عن الهجوم إلى أوكرانيا، حتى مع تنديد مسؤولين مدعومين من روسيا في القرم بما وصفوه بتخريب ممارس من قِبل أوكرانيا، التي إن احتفى مسؤولوها بالانفجار، وهددوا في السابق بضرب الجسر، مطالبين القوات الروسية بمغادرة شبه جزيرة القرم – بجانب المناطق التي سيطرت عليها موسكو منذ بدء الغزو في فبراير – لكنهم أيضاً لم يؤكدوا تورط كييف في الهجوم.

3- تزامُن التفجير مع “عيد ميلاد بوتين”:جاء حادث التفجير بعد يوم واحد من عيد ميلاد “بوتين” السبعين، ليوجه ضربة موجعة لروسيا؛ ذلك لأن جسر القرم لا يمثل طريق إمداد مُهم للقتال العسكري الروسي في أوكرانيا فحسب، بل يمثل أيضاً رمزاً لقوتها في منطقة البحر الأسود؛ حيث تم بناء الجسر لتأكيد ضم روسيا شبه الجزيرة في عام 2014. وقد افتُتح الجسر البالغ طوله 19 كيلومتراً، في مايو 2018، وسط ضجة روسية إعلامية، وبتكلفة كبيرة بلغت 3.7 مليار دولار. وفي العام التالي افتتح “بوتين” جسر السكك الحديدية الضخم الأطول في أوروبا، والموازي للجسر البري، قائلاً إنه “يثبت” قدرة روسيا على تنفيذ مشاريع واسعة النطاق، وإنه من المتوقع أن ينتقل 14 مليون مسافر ونحو 13 مليون طن من البضائع عبره.

معاناة موسكو

ثمة تداعيات سلبية محتملة لانفجار جسر “كيرتش” على أداء القوات الروسية في أوكرانيا، لا سيما ما يتعلق بخطوط الإمداد الروسية، التي تعتمد اعتماداً رئيسياً على الجسر في ضوء إنهاك خطوط الإمداد مع المناطق الأوكرانية التي ضمتها روسيا حديثاً، وهو ما يُمكن استعراضه على النحو التالي:

1- تأثيرات سلبية على خطوط الإمداد العسكرية لروسيا:أعلنت السلطات الروسية في اليوم التالي للانفجار، إعادة فتح جسر “كيرتش” أمام حركة المرور على الطرق والسكك الحديدية، وطمأنت السكان المحليين في شبه جزيرة القرم بأن إمدادات الغذاء والبنزين ستستمر، وقدمت تأكيدات ضمنية أن روسيا ستظل تزود الجبهة في أوكرانيا كما كان من قبل.

ولكن رغم تلك التعهدات، كان لاستهداف الجسر تأثيرات مهمة في خطوط الإمداد الروسية على ساحات القتال في أوكرانيا؛ ذلك لأن خطوطه الحديدية هي الخط الوحيد العالي القدرة الذي يخدم القوات الروسية التي تقاتل في منطقة “خيرسون” بجنوب أوكرانيا، كما أن الجسر يمثل شرياناً رئيسياً لميناء “سيفاستوبول”؛ حيث يتمركز أسطول البحر الأسود الروسي.

وذلك ما يفسر تكثيف الروس جهودهم المبذولة لتزويد خطوطهم الأمامية بعد الانفجار الذي تسبب في وقف حركة المرور على الطريق الذي يعتمد عليه الجيش الروسي لشحن الإمدادات والمعدات إلى منطقة الحرب في جنوب أوكرانيا، وستضطر روسيا على الأرجح إلى الاعتماد على المخزونات المحدودة من الأسلحة والذخيرة وغيرها من الإمدادات العسكرية التي تمتلكها بالفعل في شبه الجزيرة لتزويد الجبهة في البر الرئيسي لأوكرانيا خلال الأيام أو حتى الأسابيع المقبلة.

2- صعوبة اعتماد روسيا على طرق الإمداد البديلة:إن طريق الإمداد الوحيد الآخر للقوات الروسية يمر عبر الأراضي التي تم ضمها مؤخراً في جنوب شرق أوكرانيا، لكن من الصعب اجتياز ما يسمى “الجسر البري” الذي أنشأته روسيا بضم المناطق الأوكرانية الأربعة إلى برها الرئيسي، ومع الإشارة إلى أن خطوط السكك الحديدية قليلة ومتباعدة، ومعظمها ذات مسار واحد، ويجب أن تعبر الجسور فوق الأنهار وقنوات الري التي تتدفق إلى شبه جزيرة القرم وبحر آزوف والبحر الأسود.

3- إنهاك البنية التحتية خلال الحرب يضاعف المشكلات:كانت الضربات الصاروخية الأوكرانية على البنية التحتية للسكك الحديدية الروسية، قد حدت بالفعل في السابق وبشكل كبير من قدرة روسيا على إعادة إمداد القوات عبر الجنوب براً، وخصوصاً أن روسيا فقدت أيضاً أعداداً كبيرة من الشاحنات خلال حربها في أوكرانيا؛ ما يجعل من الضروري للغاية بالنسبة إلى روسيا إعادة إمدادات السكك الحديدية عبر جسر “كيرتش”.

دلالات متباينة

في هذا الإطار يمكن إلقاء الضوء على عدد من الدلالات المحتملة حول تفجير جسر “كيرتش”، والتداعيات المحتملة للتفجير، على الجانبين الروسي والأوكراني؛ وذلك على النحو التالي:

1- تأكيد الانفجار تراجُع أداء القوات الروسية:يأتي تفجير جسر “كيرتش” ليضيف إلى دلائل تراجع أداء القوات الروسية في ساحات القتال؛ حيث وقعت عدة انفجارات في منشآت عسكرية روسية في شبه الجزيرة في الأشهر الأخيرة، ودُمرت قاعدة “دجانكوي” العسكرية في أغسطس من جراء انفجار في مستودع للذخيرة اعترفت روسيا في النهاية بأنه كان نتيجة عملية “تخريب”.

وبحسب البعض، فإن ضرب الجسر كان يعتبر أحد الخطوط الحمراء التي يمكن أن تؤدي إلى رد فعل غاضب قد يشمل الرد النووي، غير أن رد الفعل الروسي جاء فاتراً على غير المتوقع، وهو ما يرجعه المتابعون إلى قدرة روسيا المحدودة على الانتقام بسبب أدائها الضعيف في ساحة المعركة والفشل في تحقيق التفوق الجوي، فيما أثبت الأوكرانيون نجاحاً في اعتراض عدد كاف من الغارات الجوية.

2- إثارة الشكوك حول الإجراءات الأمنية الروسية:إذا صدقت رواية أجهزة الأمن الروسية، التي أشارت إلى أن شاحنة بيضاء مخففة كانت مسؤولة على الأرجح عن الانفجار، فإن الحادث يُمثل إخفاقاً أمنياً كبيراً؛ حيث من المفترض فحص كل شاحنة قبل السماح لها بالصعود إلى الجسر الذي ادعت السلطات الروسية من قبل أنه يمثل “جسراً منيعاً”. وقبل خمسة أشهر فقط، تفاخرت صحيفة “كومسومولسكايا برافدا” الدعائية بأن أي مهاجم أوكراني سيحتاج إلى عبور 20 خطاً من الحماية، بما في ذلك الدلافين العسكرية؛ وذلك في الوقت الذي تحدثت فيه مصادر أوكرانية عن تأثير اقتتال داخلي بين دائرة “بوتين” ومشغلين روس. يأتي هذا فيما سمح الكرملين مؤخراً بتوجيه انتقادات علنية لاذعة لأداء الجيش الروسي في وسائل الإعلام الحكومية ومن جانب بعض المسؤولين.

3- انعكاسات سلبية على معنويات الجيش الروسي:بحسب التقرير، يضيف التفجير إلى أسباب تراجُع معنويات القوات الروسية؛ فحتى إن لم تتبن أوكرانيا رسمياً الهجوم، لكنه يعتبر الأحدث في سلسلة من الضربات الجريئة على البنية التحتية العسكرية في شبه الجزيرة وفي أماكن أخرى خلف خطوط العدو، دون إغفال أنه منذ تمكن أوكرانيا من إلحاق الهزيمة بالقوات الروسية في منطقة “خاركيف” الشرقية في سبتمبر الماضي، توجه الرئيس “بوتين” للإعلان عن تعبئة جزئية لقوات الاحتياط بالجيش، والتحرك لضم المناطق الأوكرانية الأربع، والتهديد باستخدام الأسلحة النووية للدفاع عنها، غير أن هذا التصعيد أدى إلى نتائج عكسية غير متوقعة؛ حيث فر نحو 100 ألف روسي إلى كازاخستان لتجنب التجنيد.

4- تشجيع أوكرانيا على توسيع الهجوم المضاد:إن الاضطراب الحادث على ساحة القتال قد يساعد أوكرانيا على توسيع هجومها المضاد ومحاولة استعادة المناطق التي تم ضمها من روسيا. وبعد أن كان يُنظر إلى آمال أوكرانيا في استعادة شبه الجزيرة على نطاق واسع على أنها حلم بعيد المنال لسنوات، حتى في كييف، فإنها تبدو الآن أقل خيالاً؛ حيث تضغط قواتها لتعظيم مكاسبها على الأرض، وقد ترى أوكرانيا الفرصة الآن للاستفادة من ميزتها النفسية في ساحة المعركة، مستغلة تراجع معنويات القوات الروسية المحاصرة في الضفة الغربية لنهر “دنيبر” في “خيرسون”، مع مواجهتها أيضاً هجوماً أوكرانياً في مقاطعة “لوهانسك” في الشرق.

5- دفع موسكو إلى المزيد من التصعيد في ساحات القتال:من المتوقع كذلك أن تصعد روسيا هجماتها في أوكرانيا في الأيام المقبلة، وقد دعا بعض أشد مؤيدي الحرب “بوتين” إلى مزيد من التصعيد من خلال تدمير البنية التحتية الحيوية لأوكرانيا، مع الدعوة إلى تدمير الجسور والسدود والسكك الحديدية ومحطات الطاقة وغيرها من البنى التحتية في جميع أنحاء الدولة، فيما حث بعض المشرعين الروس “بوتين” على ترقية العملية العسكرية في أوكرانيا إلى “عملية لمكافحة الإرهاب”؛ ما يسمح للكرملين بتوسيع سلطات الأجهزة الأمنية، وحظر التجمعات، وتشديد الرقابة، وفرض قيود على السفر، وتوسيع التعبئة العسكرية الجزئية التي أمر بها “بوتين” الشهر الماضي.

وختاماً، فإنمن المتوقع أن تتزايد حدة العمليات النوعية الروسية خلال الفترة المقبلة، لاسيما مع إعلان مسؤولين أوكرانيين عن وقوع هجوم صاروخي روسي في صباح اليوم التالي لانفجار جسر “كيرتش”، استهدف مباني سكنية في مدينة “زابوريجيا” بجنوب شرق أوكرانيا، أسفر عن مقتل 13 شخصاً على الأقل وإصابة 87 آخرين، من بينهم 10 أطفال، وكان الهجوم هو الثاني من نوعه الذي تتعرض له المدينة في ثلاثة أيام؛ حيث أسفر هجوم وقع يوم 6 أكتوبر عن مقتل 19 شخصاً، وفيما تخضع معظم مناطق المدينة، بما في ذلك المحطة النووية، للسيطرة الروسية منذ الأيام الأولى للغزو الروسي لأوكرانيا في فبراير الماضي، ولكن عاصمة المدينة لا تزال تحت السيطرة الأوكرانية.

المصادر:

Crimean bridge explosion leaves Russian supply lines exposed, The Financial Times, October 9, 2022, Accessible at: https://www.ft.com/content/453d8aff-b8f2-42a3-919b-10a327475dfb

Ukraine war: Russia tightens security on Crimea bridge after huge blast, euronews, October 9, 2022, Accessible at: https://www.euronews.com/2022/10/08/ukraine-war-car-bomb-sparks-major-blaze-on-bridge-linking-russia-and-crimea

Ukraine braces for retaliation after an attack on the bridge from Crimea to Russia, The Economist, October 8, 2022, Accessible at: https://www.economist.com/europe/2022/10/08/ukraine-braces-for-retaliation-after-an-attack-on-the-bridge-from-crimea-to-russia

Max Hunder and Jonathan Landay, Russia missile strikes in Zaporizhzhia kill 13, Reuters, October 8, 2022, Accessible at: https://www.reuters.com/world/europe/russias-ria-state-agency-reports-fuel-tank-fire-kerch-bridge-crimea-2022-10-08/

Max Hunder and Jonathan Landay, Russia bombs cities across Ukraine at rush hour in apparent revenge strikes, Reuters, October 10, 2022, Accessible at: https://www.reuters.com/world/europe/russias-ria-state-agency-reports-fuel-tank-fire-kerch-bridge-crimea-2022-10-08/

– Explosions rock Kyiv a day after Putin accuses Ukraine of terrorism, The Financial Times, October 8, 2022, Accessible at: https://www.ft.com/content/24da8f9c-e27b-4522-a520-d2d29f8f2469

What caused the blast on the bridge to Crimea?, The Financial Times, October 9, 2022, Accessible at: https://www.ft.com/content/6e807a1a-f5b7-4e04-8770-6dec3835f13c