على ضوء إصدار عدة هيئات وزارية تعليمات بإلزامية استعمال اللغة العربية في المراسلات والتعاملات الإدارية، وما صاحب ذلك من نقاش، يتفاعل رئيس المجلس الأعلى للغة العربية البروفيسور صالح بلعيد، ويبدي رأيه وتقييمه لهذه الخطوة ويحدد نقائصها. كما يجيب في حوار مع “الخبر” على تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الخطوة منفردة أو شعبوية أو تندرج في إطار السياسات العامة، وحول آثارها على الإطار الفرنكوفوني، ومدى قدرة اللغة العربية على استيعاب النشاط الإداري الذي تكثر فيه المصطلحات باللغة الأجنبية.

عاد النقاش حول اللغة في الجزائر بعد إصدار عدة وزارات لتعليمات تلزم باستعمال اللغة العربية في المعاملات والمراسلات الإدارية، أليست الحالة اللغوية في الإدارة الجزائرية كمن يجلس على كرسيين؟

أولا، أشكر هؤلاء الوزراء على هذه المبادرة النبيلة، وأذكر أن هناك وزارات سباقة صارت اللغة العربية تشتغل في دوائرها بشكل جيد، على غرار وزارات الدفاع والعدل والتربية والتعليم والإعلام. وأرى أن هذه المبادرات نوع من الوعي اللغوي الذي بدأ يظهر في المجتمع الجزائري، وبكل بساطة هو تطبيق للمادة الثالثة من الدستور التي تنص على أن اللغة العربية لغة رسمية ووطنية. لكن هذا لا يعني أن نقع في الانغلاق اللغوي، وإنما يجب أن ننظر للمسألة بأنها بمثابة انعتاق من اللغة الفرنسية التي كانت لدى النخبة ويسمونها “غنيمة حرب”، في حين أطلق عليها الأديب مالك حداد مقولته الشهيرة “أشعر بنفسي في الفرنسية في منفاي”.. فهي منفى حقيقي لا غنيمة حرب، والآن صار من غير المعقول أن تكون المدرسة تشتغل بالعربية، بينما الإدارة تعمل بالعربية جزئيا، وعليه فإن الجزائري يطالب بأن يجد نفسه في لغته العربية ولغته المحلية وبخاصة الأمازيغية التي هي لغة رسمية ووطنية كذلك.

نحن في المجلس الأعلى للغة العربية لا نريد أن يحدث لنا القهر اللغوي أو الانفصام اللغوي، القائم على أسس ثنائية، من يتقن الفرنسية فهو من النخبة ومن يستعمل العربية فهو من بسطاء الناس.

أضف إلى ذلك التناقض المتمثل في تدريس الآداب والعلوم الإنسانية باللغة بالعربية، وتدريس العلوم الطبية والطبيعية باللغة الفرنسية، والذي سيحول النظر إلى اللغة الوطنية بمنظار النقص والاحتقار والتأكيد على مقولة أنها ليس لغة العلم والمستقبل.

وعليه نحن لدينا اللغة العربية الجامعة واللغة الأمازيغية بوصفها لغة وطنية ورسمية أيضا، ولم يحدث أن أجدادنا اختلفوا في المسألة اللغوية وإنما احتضنوا اللغة العربية وعملوا على تطويرها وأخرجوها إلى الأندلس لفترة 8 قرون وإلى إفريقيا.

وبالعودة إلى التوصيات الوزارية، أتمنى أن تحذو بقية الوزارات حذو الوزارات المبادرة، لكي يكون هناك انسجام جمعي، لأنه لم يثبت تاريخيا أن أمة لديها تعددية لغة لا يوجد بها لغة قطب، ولم يثبت التاريخ كذلك أن أمة تطورت وازدهرت بغير لغتها.

ومن غير السوي أن يكون الرأس يفكر بلغة واليد العاملة تفكر بلغة أخرى، فهذا يُحدث قلاقل في المجتمع، لأن لكل لغة حمولة ثقافية محددة قد لا تنسجم مع ثقافتنا، خصوصا أن الازدواجية اللغوية الموجودة في الجزائر ليست متكافئة وإنما ازدواجية متوحشة، باعتبار أن اللغة الفرنسية صارت نافذة وحيدة بالنسبة للجزائريين.

وأعتقد أنه قد آن الأوان لكي تكون لدينا استراتيجية دقيقة في التعامل مع اللغة، لأن هناك تجارب سابقة فشلت لافتقارها نظرة مستقبلية.. فتعميم اللغة يستدعي تخطيطا لغويا، ويبدأ بالشؤون المستعجلة مثل قضاء المصالح والإدارة وتعاملاتها، ثم التعميم والإشباع اللغوي، ووضعها في الاستعمال، مع التفتح على اللغات الأخرى وليس الفرنسية فقط. ثم نصل إلى الترجمة والتعددية اللغوية، ثم المدى البعيد القائم على تطوير اللغة العربية.

إذاً وضع اللغة في الاستعمال يجعلنا نتفادى القلاقل التي تحدث على مستوى المجتمع والخلافات في اللغة والهوية والشك، ويسمح بتوحيد الحمولة الثقافية المشتركة.

ومن منبري هذا أدعو المعنيين بالأمر لأن تكون لديهم استراتيجية واضحة، أما بالنسبة لدور المجلس الأعلى للغة العربية، فقد أعددنا أرضية معرفية لتعميم اللغة العربية، ليس للمصطلحات فقط، بل خاص بلغة الخطاب والحديث اليومي الذي يستعمله مثلا الطبيب مع الممرض وفي الدبلوماسية وفي السياحة، وغيرها من المحادثات التي تطبع المعاملات وترافقها.

ألا تشكل هذه التوصيات الوزارية بإلزامية استعمال اللغة العربية عائقا أمام الإطار السامي الذي تكون باللغة الفرنسية، خصوصا في الوزارات التي تتعامل بلغة موليير كوزارة الصحة؟

ربما عشنا هذه الحالة بعد الاستقلال، صحيح، فكل شيء في البداية لا بد أن يشهد صعوبات وردود أفعال، لكن يجب أن يكون لدينا وعي لغوي ونواصل العمل. لاحظوا أن كبار الدول الثمان وأيضا مجموعة العشرين تقدمت بلغاتها لا بلغات أجنبية. وأعتقد أن المسيّرين حاليا كلهم من خريجي المدرسة الجزائرية التي تشتغل بالعربية.  أتساءل: كيف يمكن تحرير وثائق بالفرنسية وأنت في الجزائر؟ هذا غريب، رغم أنني أدرك أن هناك متشبثين بالفرنكوفونية ويتعين علينا معاملتهم بالقوة الناعمة واللطف، أي بالترغيب والتحبيب في اللغة العربية والتخطيط لها في الوقت ذاته.

هل نحن أمام قرارات تندرج في توجه عام للدولة، أم أنها مبادرات وزارية منفردة؟ وإن كانت كذلك فهل نحن أمام ضرورة اتخاذ قرار سياسي لتجسيد ما ذكرته؟

القرار السياسي موجود وهو يتمثل في المادة الثالثة من الدستور التي تنص على أن اللغة العربية لغة وطنية ورسمية، ونحن لا نريد أن تكون عبارة عن موجة ثم تهدأ، وإنما يتعين أن يكون تنسيق وتراكم. ففي فرنسا مثلا تم اشتراط التدريس باللغة الإنجليزية لـ126 تخصص ماستر. وفي هذا الصدد أدعو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي إلى أن يخطط ويفكر في هذه المسألة، لأن التخطيط السياسي واضح.

هذا على الصعيد المؤسساتي، ماذا عن الصعيد الشعبي، حيث يحرص الكثير من الأولياء على تعليم أولادهم الفرنسية على أساس أنها لغة تساعدهم في التوظيف والهجرة؟

صحيح، هناك توجه إلى تعليم الأبناء الفرنسية، خصوصا في المدارس الخاصة، لكن أجد أن هذا ينطبق على فئة من الآباء الذين يفكرون تفكيرا غربيا، وهم قلة لا يمكن أن نقيس عليها، بالمقابل من حق هؤلاء أن يعلموا أولادهم الفرنسية في إطار التعدد اللغوي أو الطموح لمناصب دبلوماسية، وغيرها من الوظائف التي تحتاج إلى اللغات. ومن يريد أن يتعلم ابنه اللغة الفرنسية فليقم بتوجيهه إلى قسم اللغة الفرنسية في الجامعة بكل بساطة. وعليه نطلب من المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التخطيط وتحديد ما هي احتياجاتنا في هذا المجال اللغوي، حتى لا نقع في الهدر اللغوي، أي نقوم بإعداد وتكوين الأفراد ليُستفاد منهم في الخارج، فالجزائر تنفق عليهم ثم عندما يستوون يتم استقطابهم من بلاد أجنبية.

هذا الاستقطاب، أو التفكير الغربي كما تفضلتم، أليس هو نتاج مقارنة بين العالم الغربي الذي يبدو متطورا والعالم العربي الذي يعيش أزمات مزمنة ويبدو متخلفا؟ وهو الواقع الذي يدفع الجزائريين إلى المبالغة في تعليم أبنائهم الفرنسية ليلتحقوا بركب العالم المتقدم؟

أنا مع هذه المعاينة، وصحيح هناك وهج وألق غربي، يقابله ظروف استثنائية دائما في العالم العربي، وعدم اهتمام بالمواطنة اللغوية وبعض المؤسسات عاجزة، لكن من زاوية أخرى: لماذا لا يحدث هذا مع بولونيا وفيتنام وسوريا وكلها كانت مستعمرات فرنسية؟ كما أذكر هنا أن ثمة عوامل ساعدت على تشكل هذه الظاهرة، أولها انفتاح الجزائريين على التكنولوجيا وإغراءات الفضاء الأجنبي، والأهم كتلة الجالية الجزائرية بفرنسا التي قاربت 6 ملايين، وكلها عوامل سمحت بإعطاء الفرنسية مكانة أرقى على حساب اللغات الأجنبية الاخرى.

لوحظ أن بعض السياسيين والمسؤولين عندنا يستعملون مسألة تعميم العربية بشكل شعبوي وانتهازي لتحقيق مآرب سياسوية، خصوصا عند اشتعال الأزمات الدبلوماسية مع فرنسا..

الأعمال بالنيات.. أما نحن فنتعامل مع الواقع وما يجب أن يكون. وما يقوم به هؤلاء الذين تحدثتم عنهم يعنيهم هم فقط. وما أنا مقتنع به أن عملية تعميم اللغة قد تشهد صعوبات في البداية وعثرات واستعمالات وتضاد، لكن في نهاية المطاف سنصل إلى المبتغى ويكون الاستعمال للغة العربية، وهذا لا يعني أننا لا نستعمل اللغات واللهجات المحلية.