د. رمزي بن دبكة

قسم العلوم السياسية

الجامعة الإسلامية العالمية ماليزيا

يمكن اعتبار مسألة القومية كأيديولوجية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على أنها القضية الأولى بالنقاش من حيث مخرجاتها التاريخية أو تبعاتها الآنية وماأسفرت عنه من وقائع مختلفة للدول الحاملة لها آنفا. يلاحظ بأن كتابات وأفكار رواد هذا التيار ومؤسسيه كالحصري وغيره، وكتابات القوميين العرب الآخرين، لا تبدي اهتمامًا بل وتجاهلًا تامًا أحياناً للكيانات والمقومات الإقليمية الأخرى، لا سيما التراث الديني في المنطقة ومجموع الأقليات الغير العربية الأخرى. إن تراث الحضارة العربية الإسلامية مثلا غائب عن خطابهم، ليس كمرجع فقط بل وحتى كمصدر إلهام وتغذية للوحدة المرجوة إلاّ فيما نذر (انظر أعمال الحصري مثلا).

وباختصار، يتصوّر القوميون الإقليمية العربية ولكن خارج أي مرجعية دينية أو سلطة شرعية أو تصوراً شاملاً أو باعتبار المكونات الأخرى للدول في المنطقة. إذ إنّ السلطة الوحيدة المعترف بها هي السلطة الخارجة عن روحها، أي عروبة بلا إسلام. يبدو أن هذا الفهم لا يخرج عن المرجعية الأوروبية في الطرح من خلال فهم الوحدة والتوجه الإقليمي على أساس لغوي أو قومي منفصل عن الأساس الأصيل الجامع ألا وهو الدين من هذا الأساس في المنطقة. فالعروبة كعقيدة وأديولوجيا في الشرق الأوسط هي قديمة قدم ما قبل الإسلام الذي جبّ كلّ عقيدة قبله، ولكنها حديثة حداثة الحضارة الغربية من حيث التبني والفهم والطرح. ويمكن الاشارة إلى أن ماحدث في أوروبا كان استجابة لمشاكل ومقومات تخص المنطقة الأوروبية حينها ومنه فتبني نفس الطرح في المنطقة لعلاج قضايا غريبة عنها، هو في حد ذاته اعتراف بفشل إطار الوحدة الغريب عن المنطقة العربية ذاتها. وفي الحين أنّ هدف القوميين العرب هو توحيد العرب، فإنّ الوسيلة والمرجعية هي غربية بالأساس وبالتالي فهي دخيلة من هذا الجانب. وفي هذا الصدد، حاول الطيبي مثلا، التمييز بين القومية العربية في دول الشرق الأوسط عن القومية الأوروبية من حيث التكوين والتاريخ الذي يرتبط أساساً بأصل تأسيس الدولة. ومع الفرق الموجود، فإنّ بناء الدولة في منطقة الشرق الأوسط يعتمد بشكل وثيق على مفهوم الوطنية (المواطنة) كمفهوم جديد في المنطقة مواز لمفاهيم أخرى كالخلافة والوحدة، وهذا مشابه في الحقيقة للطرح الغربي الذي يؤمن بالمواطنة كعقيدة وييتجاهل شروط الوحدة إن كانت ناتجة عن دين وعقيدة أوغيرهما.

(Read more) التدخل الدولي الإنساني – International Humanitarian Intervention

هناك قضية أخرى وجب التنبيه عليها عند دراسة القومية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحيث يصعب التغافل عنها ألا وهو سبب تأسيس الأجزاء –الدول- في المنطقة. يعتقد الجابري مثلاً، أنّه لا يمكن دائمًا تحديد الأيديولوجيا بشكل موضوعي وفقًا لمبادئها ولكن يجب النظر إليها جنبًا إلى جنب مع أيديولوجية معارضة لها. إذ غالبًا ما يكون تحديد العدو أو المعارضة خطوة رئيسة في بناء قومية ما. فعلى سبيل المثال، بمجرد أن تبلورت فكرة القومية العربية، نمت كفكر وكحركة سياسية من أجل التحرير ثم من أجل بناء دول جديدة كمصر والجزائر والعراق وسوريا. ففي البداية، كانت القومية التركية معارضة لها ومنه فإنّ القومية العربية كانت مقابلة للقومية التركية، ولكن بعد ذلك، تم تبني الأيديولوجيات الأوروبية ومفاهيمها للوطنية والوحدة مع احتلالهم لمعظم الدول العربية. لقد أصبح من الصعوبة بما كان للدول في المنطقة بأن تتبنّى فهماً مخالفاً لأصل بنائها لذلك لم يكن من الممكن تبنّي التراث الديني لأنّه قد يتعارض مع أصل هذا البناء ويدفع نحو التعاون والوحدة مع المعارض للأديولوجيا كتركيا مثلاً. فسقوط الخلافة في تركيا هو سقوط للوصاية في نظر القوميين ومنه فإنّ تبنّي الفهم الإسلامي للإقليمية يستلزم الوحدة مع تركيا ومنه رجوع تلك الوصاية أو الاحتلال كما يوصف أحياناً. وكمرجع للقوميين العرب، فإنّ التراث الديني مرادف للإمبراطورية العثمانية، والتي سيطرت على المنطقة باسم الإسلام لما يقرب من خمسة قرون. علاوة على ذلك ، فإنّ أغلب العلماء يرون بأنّ المرجعيّة الإسلامية هي مرجعية مطلقة أي أنها مقيّدة لممارسات الأجزاء بحيث وجب تطبيقها للشريعة ومنه فإنّ المعيار الإسلامي هو وصاية كذلك من العلماء على الناس.

ويضاف إلى ذلك، أنّ مفهوم القومية العربية الذي كان يقوم على تجنّب إقصاء النصارى العرب وأنهم هم المؤسسون الحقيقيون للعروبة ومنه حاول القوميون العرب، مسلمين ونصارى، ربط أنفسهم بالثقافة واللغة العربية دون أي مرجعية دينية لإظهار الوحدة الإقليمية مع إخفاقها في تحقيق ذلك واقعاً. إنّه من الصعوبة بما كان فصل الثقافة العربية عن الإسلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مع العلم أنّ الدين يشكّل حياة الناس اليومية. وفي هذا الصدد ، فإن النتيجة المحتملة وفقاً لهذا الفصل ستعني أولاً، عن قصد أو بغير قصد، استبعاد الهوية الإسلامية، وهي هويّة الأغلبية وإطار الثقافة والحضارة في المنطقة. وثانياً، الإسلام هو المصدر الحقيقي للروحانية لكثير من العرب ولذلك، ولتجنب هذا الارتباط بين اللغة العربية والإسلام، والذي من شأنه أن يؤدّي إلى الارتباط بالإمبراطورية العثمانية والإسلاميين، فقد تبنّى القوميون العرب شعار العلمانية لتوحيد الناس في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا دون التفكير في أيديولوجيات وأفكار أخرى قد تكون مآلاتها أكثر ضررا من تبني التيارات الأخرى أو مشاركتها لتأسيس الدولة الحديثة. فإقصاء البنى الأساسية للهوية في المنطقة من أجل تبني مفاهيم الدولة الوطنية، هو في حد ذاته تفكيك لها بما أن الدولة الوطنية جامعة للهويات المختلفة من جماعات وأفراد. وبالتالي فإن القومية العربية حملت بذور فناء الدلوة العربية مذ تأسيسها بسبب التصور الخاطئ لمسألة الهوية وأساس الوحدة.

(Read more) الاستراتيجية الروسية تجاه أزمة الصحراء الغربية

يُنظر إلى الأفكار الدينية على أنها تهديد للقومية العربية. وهكذا، فإن ما حددت القومية العربية بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية كانت الأفكار الدينية المقابلة لها، وهذه من أهم المعوقات الأيديولوجية التي واجهتها القومية العربية، لأن الثقافة والتراث العربيين إسلاميين أيضًا وعليه فإنه يصعب الفصل بين الأصل والفرع في جوانب الهوية. ولقد تسبب تمسك القوميين العرب بالفكرة القومية كأساس لوحدة المنطقة، مع تواصل القومية بالقوة السياسية والسلطة في عدد من الدول كمصر والجزائر وسوريا، تسبب كل ذلك في ارتفاع الأصوات المعارضة لفكرة القومية العربية مثل معارضة اللغة العربية الفصحى واستبدالها باللهجات المحلية لإظهار الشعور بالانتماء، وكذلك من خلال معارضة التاريخ العربي الإسلامي واستخدام التاريخ المحلي للجماعات ولبعض المجتمعات مثلما حدث في شمال إفريقيا، “الفرعونية” في مصر، “الكردية” في العراق ، إلخ. إذ إن عزل المكونات المجتمعية الغير قومية في المنطقة جعل من تلك المكونات تشعر بخطورة غياب الانتماء وبضروة التحرك لإيجاد زاوية مناسبة من اجل بناء انتماء يليق بتلك الجماعة التي شعرت على أنها مستهدفة أيديولوجيا بفكرة القومية العربية.

ومن ناحية أخرى، فإنّ الشعور بالانتماء ينطبق على عدة كيانات داخل الدولة من شأنه إحداث النزاعات والصراعات البينية أو الأفقية. إذ يمكن أن يصبح أحد الكيانات كأولوية بالنسبة لفئة مجتمعية في كثير من الحالات، خاصة في الأزمات والحروب. فعلى سبيل المثال، عندما أصبحت المذهبية أولوية بالنسبة لبعض الناس كبديل للأيديولوجية القومية، فإن الخطوة الثانية هي تحويل هذا الشعور بالانتماء إلى ولاء لدولة (دول) أخرى غير دولة الوطن. إذ إن الدولة الوطنية أصبحت لا تمثلهم ولا تسمح لهم بتبني عقيدتهم ومذهبهم ككيان مرجعي في بناء تلك الدولة وعليه فإن إيجاد البديل القابل للتبني أولى من التمسك بدولة لا تمثل كيانهم ولا تعترف به بل وقد تحاربه قوى السلطة على كل الأصعدة. وبمرور الوقت، يصبح هذا الكيان أيديولوجيا هو كذلك، ويستخدمه أصحابه للتأثير على الناس في المنطقة من أجل مخرجات تناسب مصالح وأطراف خارج الدولة الأم بل وقد تؤثر سلبا على الدولة الوطنية ذاتها التي يسكنها ذلك الكيان وينتمي إليها ولو إداريا من حيث الوثائق. ومن ناحية أخرى ، فإن تمسك الدولة في المنطقة بأيديولوجيات معينة كالقومية يمكن أن يخلق هذا الوضع تضاربًا في المصالح حيث أن لدى شعب الدولة شعورًا مختلفًا بالانتماء يتعارض مع أيديولوجية النخبة أو السلطة. وعليه فإن مراجعة أساس بناء الدولة مع مايحويه من تصورات وأفكار أصبح ضرورة قصوى في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

(Read more) ما الأهداف التي تسعى طهران إلى تحقيقها من زيارة بوتين؟

تتطلب مشاريع بناء الدولة وتعزيز مصالحها. أفكارا وجهودا عظيمة من أجل تحقيقها وكذلك الحال بالنسبة للوحدة العربية. إذ ترتكز الوحدة من مفهوم القومية أكثر على اللغة العربية ولا تشمل كيانات أخرى مثل الدين والتاريخ والهويات الأخرى في مختلف دول المنطقة. ومنه وعند مراجعة الأفكار الوحدوية بشكل نقدي من منظور العروبة والقومية العربية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يدفع المرء إلى الاستنتاج بأن، كما ذكر بول سالم بعد أكثر من ثمانية عقود من النشاط الأيديولوجي، الثقافة السياسية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لا تزال في حالة فوضى كبيرة. لا يوجد تعريف واضح للوحدة الإقليمية، ولا أساس متفق عليه للوحدة السياسية، ولا يوجد فهم واضح للواجبات الوطنية أو الإقليمية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، كما لا يوجد إطار عمل مستقر للتفاعل الإقليمي في المنطقة، ولا توجد أجندة أهداف معترف بها على نطاق واسع وهذا إخفاق للقومية العربية كأيديولوجيا. ورغم محاولاتها للالتفاف أحيانا والعودة بمظاهر مختلفة، إلا أن طلب الوحدة بعيدا عن المقومات الفعلية للأمة هو دائما الصخرة التي التي تنكسر عليها تلك المحاولات، لا سيما إن حوربت تلك المقومات وكان هنالك إهمال للمكونات الوطنية بغض النظر عن انتمائها للقومية.