عامر مصباح، جامعة الجزائر 3

من الناحية النظرية، المأزق الأمني المطروح من قبل جون هارتز يعني بحث الدولة عن الأمن سوف يكون على حساب أمن الدول الأخرى، مما يؤدي إلى خلق مصادر تهديد جديدة؛ ومأزق الأمن المجتمعي المطروح من قبل بول رو يعني أن التحول الديمقراطي يؤدي إلى خلق حالة الفوضى وخوف الأقلية من حكم الأغلبية؛ أما مأزق الانتقال الديمقراطي فيعني أن المطالب التحول الديمقراطي تخلق الفجوة بين الطموحات الشعبية وعجز أو غياب القيادة الديمقراطية التي تستطيع تأمين العملية ومنع انزلاق الوضع الأمني إلى العنف المجتمعي.


أثبتت مظاهرات الجمعة 23/02/2019 ومظاهرات الطلبة يوم 26/02/2019 أن هناك حاجة متزايدة لترسيخ السلوك الديمقراطي في المجتمع كثقافة وكأسلوب حياة من أجل الحفاظ على الأمن المجتمعي وحماية قوة الدولة، لكن كلا الحدثين وما يأتي بعدهما يحملان مخاطر كبيرة ناجمة عن فجوات كبيرة في العملية السياسية، وفي مقدمتها وجود مطالب نحو التحول الديمقراطي دون وجود قيادة جديرة للقيام بالعملية والمحافظة عليها ومنع الانزلاق نحو العنف المجتمعي، ووجود احتمالات عالية للعودة إلى المربع الأول الذي حدث في يناير 1992.
المشكلة الأساسية للأحداث الأخيرة واللاحقة طرحت من جديد مشكلة الأمن المجتمعي وليس أمن الدولة بشكل حاد، بسبب أن الأول يتعلق بالحياة الاجتماعية للناس فرادى؛ وهنا المفارقة الأمنية الصعبة والمحددة بأن مطالب الانتقال الديمقراطي المشروعة يمكن أن تخلق مصادر التهديد المجتمعي، التي تجعل بدورها الكثير من الناس يطالب بالأمن بدل الديمقراطية.


تطرح المفارقة السابقة ما أسماه بول رو Paul Roe “بمأزق الأمن المجتمعي”، والذي يعني ظهور مظاهر الاحتقان، التفكك، الفوضى الأمنية، الاضطرابات المجتمعية أو أي شكل آخر مقوض للأمن المجتمعي المصاحبة لعملية التحول الديمقراطي والمطالب الديمقراطية المتعلقة بحقوق المعارضة، شفافية الانتخابات، التداول على السلطة، وحرية عمل وسائل الإعلام. المستوى الأكثر تعقيدا، هو المستوى اللاحق لتطور الأحداث المحدد في ميل الرأي العام نحو مطالبة تدخل الجيش لحسم المشاكل السياسية بالوسائل العسكرية، كحاجة أكثر واقعية وإلحاحا للناس العاديين من الديمقراطية نفسها. خاصة إذا لم توفر المعارضة قيادات ذات كفاءة في إدارة المرحلة الانتقالية أو تكون بديلا جيدا للحكومة الراحلة.


بناءً على الوضعية الموضوعية التي يطرحها مأزق الأمن المجتمعي، فإن أي محاولة تحول ديمقراطي يجب أن تركز على العملية وليس الهدف؛ بطريقة أخرى، إذا استطاعت قوى المعارضة والمجتمع الجزائري المحافظة على مبدأ التعبير الحر عن الآراء على المستوى الشعبي هو إنجاز كبير وأهم من تركيز الاهتمام على مطالب التغيير الجذري للنظام السياسي.
لتجنب الوقوع في فخ مأزق الأمن المجتمعي، لابد من تركيز الاهتمام على عملية التحول الديمقراطي واستمراره بدل من تركيز الاهتمام على هدف ترشح الرئيس من عدمه.