د.محمد عبدالرحمن عريف

هو عبارة عن التجمع السياسي الذي أقيم في دمشق بمشاركة ممثلين عن كافة مناطق سورية العثمانية من أواخر حزيران/ يونيو 1919 إلى أواخر تموز/ يوليو 1920. حيث تشكل المؤتمر السوري الذي يعرف أيضاً باسم “المؤتمر السوري الكبير” في حزيران/ يونيو 1919 في دمشق تحضيراً للجنة (كينغ- كراين) لتقصي الحقائق بشأن مستقبل سوريا بعد زوال الدولة العثمانية (وكانت سوريا حيثما ذكرت تعني بلاد الشام أو سوريا الطبيعية).

لقد كان أغلب أعضائه من نواب البلاد السابقين في مجلس المبعوثان (مجلس النواب العثماني، وبلغ عددهم تسعين عضوًا من كافة أنحاء سوريا الحالية ولبنان والأردن وفلسطين. كان هذا المؤتمر بمثابة برلمان سوري، وفي اجتماعه في 8 آذار/ مارس 1920 أعلن هذا المؤتمر أبرز مقرراته وهو استقلال سورية باسم المملكة السورية العربية بحدودها الطبيعية، ومناداتها بالأمير فيصل بن الحسين ملكاً عليها.

عندها تلا محمد عزة دروزة سكرتير المؤتمر مندوب نابلس القرار على الجماهير الحاشدة من شرفة مبنى بلدية دمشق في ساحة المرجة في 8 آذار/ مارس 1920. فقد دعا المؤتمر خلال جلساته إلى الوحدة العربية وخصوصاً بين سوريا (بحدودها الطبيعية) والعراق. وأظهر المشاركون التأييد الساحق لمطالب الأمير فيصل بن الحسين. وأقر المؤتمر أن “ليس ثمة انفصال للجزء الجنوبي من سورية والمعروف باسم فلسطين، ولا للمنطقة الساحلية الغربية والتي تشمل لبنان عن البلاد السورية”. واستجابةً لذلك أوصت لجنة (كينغ- كراين) بأنه “ينبغي الحفاظ على وحدة سوريا”.

يعتبر المؤتمر السوري العام أول برلمانٍ وطني في تاريخ سوريا، تمثلت فيه كل التيارات السياسية والطوائف، وكان فيه نائبٌ عن اليهود، ولكي يضع بريطانيا وفرنسا أمام الأمر الواقع صوّت على قانون إعلان استقلال سوريا الطبيعية باسم المملكة السورية العربية في 8 مارس/ آذار 1920 وتحول بذلك إلى مجلسٍ تأسيسي وشكل لجنة لوضع أول دستورٍ للبلاد، وقد ترأسه محمد فوزي العظم (والد خالد العظم السياسي المعروف ورئيس الوزارة) حتى وفاته في تشرين الأول/ أكتوبر 1919، وخلفه هاشم الأتاسي تـ(1960) السياسي السوري المخضرم ورئيس الجمهورية فيما بعد منذ 8 مارس/ آذار 1920، وبعدما ترك الأتاسي ليشكل الوزارة خلفه محمد رشيد رضا تـ(1935) مؤسس مجلة المنار في القاهرة بوصفه شخصية معروفة من قرية القلمون قضاء طرابلس الشام. وكان مرعي باشا الملاح ويوسف الحكيم نائبا الرئيس.

جاء المندوبون والمشاركون من أبرز أعضاء المؤتمر السوري الكبير محمد فوزي العظم وتاج الدين الحسيني عن دمشق، وحكمت الحراكي عن معرة النعمان ونواحيها الثلاث، وإبراهيم هنانو عن قضاء حارم، وسعد الله الجابري ورضا الرفاعي ومرعي باشا الملاح والدكتور عبد الرحمن الكيالي عن حلب، وعبد القادر الكيلاني عن حماة، وأمين الحسيني عن القدس، ومحمد عزة دروزة عن نابلس، وصبحي بركات عن أنطاكية.

نعم كان الممثلون يحملون توكيلات من جمعياتهم أو أندية مدنهم أو موقعة من العديد من ذوي الرأي والشأن في مناطقهم، وشكلت لجنة للتدقيق في وثائق توكيلهم، ضم المؤتمر تسعين عضواً ذكر محمد عزة دروزة في مذكراته أسماء سبعة وثمانين شخصاً منهم ممن تذكر حضورهم المؤتمر. كما ذكر أن تمثيل فلسطين وسورية الداخلية كان أفضل من تمثيل الساحل السوري (وبضمنه لبنان) بسبب وقوع تلك المناطق تحت الاحتلال الفرنسي الذي منعهم من المشاركة.

الواقع أن بيان الوزارة السورية المنبثقة عن “المؤتمر السوري العام” صدر عن هذا المؤتمر، وكان له الأثر الأكبر في الحياة السياسية لـ “سوريا” ما بعد إعلان الاستقلال والاعتراف بها دولة موحدة، والمطالبة برفع الحواجز الجمركية. رفض اتفاقية سايكس بيكو ووعد بلفور، وكل المشاريع الهادفة إلى تقسيم البلاد. مع رفض الوصاية السياسية التي ينطوي عليها نظام الانتداب. ومد يد الصداقة لكل دولة، وقبول المعونة منها شريطة ألا تنتقص هذه المعونة من استقلال البلاد واستقلال قرارها، وألا تؤثر على الوحدة الوطنية للشعب مع رفض أية معونة فرنسية مهما كان شكلها.

ما جاء في بيان استقلال سورية: “إن المؤتمر السوري العام الذي يمثل الأمة السورية العربية في مناطقها الثلاث الداخلية والساحلية والجنوبية (فلسطين) تمثيلاً تاماً يضع في جلسته العامة المنعقدة نهار الأحد المصادف لتاريخ 16 جمادى الثانية سنة 1338 وليلة الاثنين التالي له الموافق لتاريخ 7 آذار/ مارس سنة 1920” القرار الآتي:

“إن الأمة العربية ذات المجد القديم والمدنية الزاهرة، لم تقم جمعياتها وأحزابها السياسية بمواصلة الجهاد السياسي ولم ترق دم شهدائها الأحرار ولم تثر إلا طلباً للاستقلال التام والحياة الحرة، بصفتها أمة ذات وجود مستقل وقومية خاصة، لها الحق بأن تحكم نفسها بنفسها أسوة بالشعوب الأخرى التي لا تزيد عنها مدنية ورقياً”.

البيان جاء فيه أن سوريا “اشتركت في الحرب العامة مع الحلفاء، استناداً إلى ما جهروا به من الوعود الخاصة والعامة في مجالسهم الرسمية وعلى لسان ساستهم ورؤساء حكوماتهم، وما قطعوه خاصة من المبادئ السامية القائلة بحرية الشعوب الكبيرة والصغيرة واستقلالها على مبدأ المساواة في الحقوق وإنكار سياسة الفتح والاستعمار، وإلغاء المعاهدات السرية المجحفة بحقوق الأمم، وإعطاء الشعوب المحررة حق تعيين مصيرها التي وافق عليها الحلفاء رسمياً كما جاء في تصريحات المسيو بريان رئيس نظار فرنسا بتاريخ 3 تشرين الثاني/ نوفمبر سنة 1915 أمام مجلس النواب، واللورد جراي وزير خارجية بريطانيا العظمى في 23 تشرين الأول/ أكتوبر سنة 1916 أما لجنة الشؤون الخارجية، وتصريح الحلفاء على مذكرة الرئيس ويلسن بتاريخ 10 كانون الثاني سنة 1917، وتصريح المسيو بيو رئيس نظار فرنسا بتاريخ 22 مايس/ مارس سنة 1917 أمام مجلس النواب، وبيان مجلس النواب الإفرنسي ليلة 4-5 حزيران/ يونيو سنة 1917، وبيان مجلس الشيوخ بتاريخ 6 منه أيضاً، وما جاء في الخطاب الذي ألقاه المستر لويد جورج في غلاسكو بتاريخ 29 حزيران/ يونيو سنة 1917”.

تبقى أنها بدايات جاءت عندما استطاعت فرق من قوات الحلفاء دخول سوريا في آخر أيلول/ سبتمبر 1918. وفي العالم التالي التأم “المؤتمر السوري العام”، كأول برلمان سوري معاصر، وأعلن الاستقلال وقيام المملكة السورية العربية عام 1920، غير أن الحلفاء رفضوا الاعتراف بالكيان الجديد، وقامت فرنسا بحلّه بعد معركة ميسلون في حزيران/ يوليو 1920، لتبدأ مرحلة الانتداب الفرنسي، بصدور مراسيم التقسيم لأراضي المملكة التي شملت بلاد الشام لعشرة كيانات مستقلة، اتحدت خمس منها لتشكيل سوريا الحالية، أولاً عن طريق الاتحاد السوري عام 1922 الذي أعلنته فرنسا لتخفيف من حدة الانتقاد لسياستها، ثم استبدل عام 1925 بالدولة السورية، وهو العام نفسه الذي شهد اندلاع الثورة السورية الكبرى التي استمرت حتى 1927، وفي العام التالي، وكنتيجة غير مباشرة للثورة، جرت انتخابات الجمعية الدستورية التي وضعت دستور الجمهورية عام 1930، وانتخبت عام 1932 محمد علي العابد كأول رئيس للجمهورية.