أحمد عبدالقادر يحيى – إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية

على عكس جميع استطلاعات الرأي التي أُجريت في الشهور الأخيرة، أظهرت النتائج شبه النهائية لانتخابات الكنيست الخامس والعشرين، التي أعلنتها لجنة الانتخابات المركزية في إسرائيل، مساء الخميس 3 نوفمبر الجاري؛ فوز المعسكر الذي يقوده زعيم المعارضة رئيس الوزراء الأسبق بنيامين نتنياهو بـ64 مقعداً في الكنيست من إجمالي 120 مقعداً، فيما حصد معسكر رئيس الوزراء الحالي يائير لابيد على 51 مقعداً فقط، وهو ما يسمح للسياسي الإسرائيلي المُحنك أو مَن يُطلق عليه “الساحر” بين أنصاره، بالعودة لرئاسة الوزراء بعد أقل من 18 شهراً من إزاحته من المنصب، وتشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة التي يُـتوقع أن تكون أكثر الحكومات يمينيةً في تاريخ إسرائيل. هذا وقد هنأ رئيس الوزراء يائير لابيد نتنياهو بفوزه في الانتخابات، مؤكداً إصداره تعليمات لكافة فروع مكتبه بالتحضير لانتقال منظم للسلطة.

هيمنة يمينية

تُظهِر نتائج انتخابات الكنيست الخامس والعشرين هيمنة واضحة لأحزاب اليمين وأحزاب أقصى اليمين، مع تراجُع واضح لأحزاب الوسط والأحزاب اليسارية، وكذا الأحزاب العربية، وهو ما يحمل الكثير من الدلالات التي يمكن إجمالها على النحو التالي:

1– تصاعُد اليمين المتطرف في السياسة الإسرائيلية: تُدلِّل نتائج الانتخابات الأخيرة بشكل واضح على عُمق التحوُّلات التي شهدتها إسرائيل في السنوات الأخيرة وأدت إلى صعود وربما هيمنة اليمين الديني المتطرف المُعادي للعرب على المجتمع الإسرائيلي، وهو ما تُرجِم إلى حصول كتلة “الصهيونية الدينية” بقيادة إيتمار بن غفير وبتسليل سموترتش على المركز الثالث بعد الليكود ويش عتيد؛ فوفقاً للنتائج النهائية، حصدت الكتلة 14 مقعداً في الكنيست بعدما كان لديها 6 مقاعد في الكنيست المُنحل، كما عزز حزب شاس لليهود الشرقيين المتدينين مكاسبه بـ11 مقعداً بعدما كان لديه 9 مقاعد.

على الجانب الآخر، نجد أن الأحزاب اليسارية وأحزاب الوسط واجهت صعوبات كبيرة في الانتخابات الأخيرة؛ حيث تراجع حزب العمل من 7 مقاعد إلى 4 فقط، كما فشل حزب “ميرتس” لأول مرة في تخطي نسبة الحسم؛ فبعد فرز جميع الأصوات، بدا أن الحزب عاجز عن تخطي نسبة الحسم 3.25% من الأصوات الصحيحة للبقاء في الكنيست، في إشارة واضحة إلى عمق التحولات في مزاج الناخب الإسرائيلي تجاه اليمين. جدير بالذكر أن “ميرتس” كان ممثلاً في الحكومة الإسرائيلية المنتهية ولايتها بوزيرَين أحدهما عربي.

2– خفوت شعبية الجيش في الشارع الإسرائيلي: على الرغم من المكانة الرفيعة التي حظِي بها قادة الجيش السابقون في الحياة السياسية الإسرائيلية، أشارت العديد من استطلاعات الرأي إلى تراجُع نفوذ وشعبية هؤلاء القادة لدى الناخب الإسرائيلي، لا سيما مع تحول المزاج العام الإسرائيلي تدريجياً نحو الأحزاب اليمينية المتطرفة. ولعل هذا ما أظهرته نتائج الانتخابات الأخيرة؛ ففي مقابل تصاعُد نفوذ الأحزاب الدينية المتطرفة، نجد أن نتائج الانتخابات الأخيرة أظهرت تراجُعاً ملحوظاً لنفوذ وشعبية قادة الجيش في السياسة الإسرائيلية؛ حيث تراجعت كتلة “المعسكر الوطني” بقيادة وزير الدفاع بني جانتس وجادي أيزنكوت – وكلاهما من أبرز قادة الأركان في إسرائيل – إلى 12 مقعداً في مقابل 14 مقعداً في الكنيست الأخير.

3– محورية الليكود ونتنياهو في السياسة الإسرائيلية: تؤكد النتائج شبه النهائية لانتخابات الكنيست محورية حزب الليكود في الحياة السياسية الإسرائيلية، الذي يُصنَّف باعتباره الحزب الرئيسي في يمين الوسط الإسرائيلي؛ حيث يُهيمن الحزب بشكل شبه كامل على السياسة في إسرائيل منذ الانتصار التاريخي عام 1977 لمناحم بيجن على شمعون بيريز من حزب العمل، وهي أول هزيمة للحزب الأخير منذ إقامة إسرائيل.

كما تؤكد نتائج الانتخابات محورية الدور الذي يلعبه نتنياهو أو “الملك بيبي” كما يُناديه أنصاره في النظام السياسي الإسرائيلي؛ ففضلاً عن كونه صاحب أطول مدة حكم كرئيس وزراء في إسرائيل في التاريخ – حيث تولى رئاسة الحكومة في الفترة من 1996 إلى 1999 وكذلك في الفترة من 2009 إلى 2021 – يُعتبر نتنياهو رجل السياسة الأول في إسرائيل في العقدين الأخيرين؛ حيث تمحور التنافس في الانتخابات الخمسة الأخيرة للكنيست بين المعسكر الداعم لنتنياهو والمعارض له.

ولعل النفوذ الكبير لنتنياهو على أعضاء الكنيست ووسائل الإعلام الإسرائيلية هو ما ساهم بشكل أساسي في إرباك حكومة التغيير بقيادة “بينت – لابيد”، وصولاً إلى تفكُكها في النهاية، وحتى الأيام الأخيرة السابقة للانتخابات شن نتنياهو حملة ضغوط غير عادية على حكومة لابيد في محاولةٍ لعرقلة اتفاق ترسيم الحدود مع لبنان، وتشويه لابيد وإظهاره في موقف الضعيف أمام ضغوط حزب الله.

4– تراجُع نسبة التصويت العربي مقارنة باليهودي: شهدت الانتخابات الأخيرة كثافة تصويتية كبيرة؛ حيث ارتفعت نسبة تصويت اليهود فيها إلى 73%، وهي النسبة الأعلى منذ عام 1999، مدفوعة بشكل أساسي بالخشية من الوصول إلى انتخابات كنيست سادسة في غضون أقل من أربع سنوات، وهو ما ساهم في هذا النجاح الكبير للأحزاب اليمينية. على الجانب الآخر، نجد أن دعوات المقاطعة شهدت رواجاً كبيراً بين عرب إسرائيل؛ حيث نجد أن نسبة تصويت العرب بلغت 58%.

ويعود هذا “الإحجام العربي” إلى إحباط الشارع العربي من سياسات الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وفقدان الأمل في إحداث تغيير حقيقي من داخل الحكومة الإسرائيلية على نحو ما كانت تأمل القائمة العربية الموحدة، بالإضافة إلى التشظي الواضح للأحزاب العربية؛ حيث انقسمت القائمة المشتركة في الانتخابات الأخيرة إلى كتلتين؛ هما: تحالف الجبهة الديمقراطية، والقائمة العربية للتغيير برئاسة أيمن عودة وأحمد الطيبي، وقائمة حزب “التجمع الوطني” بقيادة النائب سامي أبو شحادة. وقد أدى انقسام القائمة المشتركة للأحزاب العربية لكتلتين إلى وجود ثلاث قوائم عربية مشاركة في الانتخابات؛ حيث سبق أن انشقت القائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس عن القائمة المشتركة في انتخابات 2021.

اللافت أن هذا التشظي للأحزاب العربية قد أدى إلى تراجُع عدد مقاعدها في الكنيست بشكل لافت؛ فحينما شاركت الأحزاب العربية في كتلة واحدة تحت عنوان القائمة العربية المشتركة في انتخابات سبتمبر 2019 جاءت في المركز الثالث في الكنيست بعدد مقاعد بلغ 13 مقعداً، كما حصدت القائمة المشتركة 15 مقعداً في انتخابات مارس 2020، وهو أعلى تمثيل للعرب في تاريخ الكنيست. وفي ظل حالة التشظي الحالية حصدت الأحزاب العربية 10 مقاعد فقط؛ حيث حصلت القائمة العربية الموحدة على 5 مقاعد، فيما استطاع تحالف الجبهة الديمقراطية والقائمة العربية للتغيير حصد 5 مقاعد.

تداعيات مختلفة

من المتوقع أن يُسارع نتنياهو إلى تشكيل حكومة يمينية صرفة مكونة من الليكود وأحزاب أقصى اليمين، وهو ما يحمل في طياته الكثير من التداعيات الداخلية والخارجية؛ وذلك على النحو التالي:

1– تشكيل حكومة يمينية ضيقة أكثر استقراراً: نظرياً، من المتوقع وفقاً لنتائج الانتخابات النهائية التي أظهرت حصول معسكر نتنياهو من الليكود والأحزاب اليمينية على نحو 64 مقعداً، فإن من المتوقع أن يتمتع نتنياهو بأريحية في تشكيل الحكومة القادمة، وأن تمضي مفاوضات تشكيل الحكومة بسلاسة، على الرغم من أن تلك المفاوضات عادةً ما تحمل الكثير من المفاجآت. ومن ثم فإن من المتوقع بعد خمسة انتخابات للكنيست في غضون أقل من أربع سنوات، أن نشهد حكومة يمينية صرفة؛ الأمر الذي قد يُساهم في استقرارها إلى حد بعيد بعد سنوات من الحكومات الائتلافية غير المتجانسة.

2– تضاؤل احتمالات محاكمة نتنياهو بـ”الفساد الأخلاقي”: يخوض بنيامين نتانياهو معارك قانونية مختلفة نظراً لمواجهته اتهامات مختلفة بالفساد وتلقي رشى، ومن ثم من المتوقع أن يُعزز حصول معسكر نتنياهو على 64 مقعداً نفوذ الأخير في الداخل الإسرائيلي بشكل كبير؛ الأمر الذي دفع الكثير من المراقبين للإعراب عن خشيتهم من أن يسعى نتنياهو لتمرير قانون لإنهاء محاكمته أو إقالة المدعي العام الحالي وتعيين شخص جديد بدلاً منه. بيد أن شبهة الدخول في أزمة دستورية ربما تُرجح دخول نتنياهو في صفقة يتم بمقتضاها تخفيف الاتهامات الموجهة له، واقتصارها على بعض الإدانات الصغيرة دون قضية الفساد الأخلاقي.

جدير بالذكر أن هناك بعض التصريحات المنسوبة إلى “بن غفير” يؤكد فيها أنه سيطالب بسن قانون بأثر رجعي، يسمح لنتنياهو بالتخلص من محاكماته بتهم الفساد، كما سبق أن أعلن بتسليل سموترتش عن إصلاح شامل لنظام العدالة من شأنه أن يشمل إلغاء جرائم الاحتيال وخيانة الأمانة من القانون الجنائي.

3– تفاقُم التوترات في الشرق الأوسط: من المُرجح أن تُفاقم عودة نتنياهو إلى السلطة التوترات في الشرق الأوسط، لا سيما مع معارضة نتنياهو أي مفاوضات مع إيران. ومن ثم فإن الفترة القادمة قد تشهد المزيد من الاختراقات الإسرائيلية للداخل الإيراني، وتصاعُد لهجة التهديدات الموجهة لإيران، كما يُتوقع أن تتزايد الضربات الإسرائيلية في سوريا.

وعلى الرغم من تأكيد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية “نجيب ميقاتي” أن “الضمانات الأمريكية ستحمي اتفاق الحدود البحرية مع إسرائيل في حال فوز رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق المحافظ بنيامين نتنياهو بأغلبية في الانتخابات”؛ فإن هذا الملف قد يحمل الكثير من التوترات في الفترة القادمة، خصوصاً مع تهديد نتنياهو بإبطال الاتفاق في حال فوزه في الانتخابات قائلاً: “سأتعامل معه (الاتفاق) تماماً كما تعاملت مع اتفاق أوسلو”.

كما لا يبدو أن العلاقات الإسرائيلية–الأردنية ستكون في أحسن أحوالها، لا سيما مع حديث العديد من التقارير عن تحذيرات من نتنياهو للأردن من مغبَّة التدخل في انتخابات الكنيست لدعم معسكر لابيد، كما يبدو أن هناك خشية أردنية حقيقية من سعي نتنياهو لإحياء ما تُسمَّى “صفقة القرن” وتبني المزيد من التصعيد في القدس؛ الأمر الذي يُهدد بتقويض الوصاية الهاشمية على المقدسات في القدس.

4– تراجُع أفق السلام مع الفلسطينيين: يبدو من نتائج الانتخابات الأخيرة أن إسرائيل تتجه إلى تشكيل واحدة من أكثر الحكومات اليمينية في تاريخها، مدعومة بشكل أساسي من كتلة “الصهيونية الدينية” ذات التوجهات العنصرية المتطرفة بقيادة إيتمار بن غفير وبتسليل سموترتش؛ الأمر الذي ينذر بتراجع فرص السلام مع الفلسطينيين المحدودة أصلاً ، لا سيما مع تزايُد التوجهات العنصرية في المجتمع الإسرائيلي.

ويعزز من هذه الرؤية وجود احتمالات كبيرة بتولي بعض الشخصيات المتطرفة مثل بتسليل سموترتش وإيتمار بن غفير حقائب وزارية مُهمة؛ حيث أشار “بن غفير في وقت سابق إلى أنه ينوي المطالبة بحقيبة وزير الأمن العام، الذي يُشرف على الشرطة، فيما أكد نتنياهو أن “بن غفير” مرشح بقوة لهذا المنصب؛ الأمر الذي قد يؤدي إلى زيادة غير مسبوقة في منسوب القمع والتوتر مع الفلسطينيين، لا سيما مع تبني “بن غفير” رؤية متطرفة شديدة العداء والتحريض ضد الفلسطينيين والعرب داخل الخط الأخضر. وفي هذا الصدد أشار رئيس الوزراء الفلسطيني محمد أشتية، إلى أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية لم تفرز “شريكاً للسلام”.

5– عودة الخلافات مع الولايات المتحدة: على الرغم من التحالف الاستراتيجي الذي يجمع بين واشنطن وتل أبيب، فإن عودة نتنياهو للسلطة من المُرجح أن تحمل معها عودة للخلافات مع الإدارة الأمريكية الديمقراطية؛ حيث شهدت العلاقة بين نتنياهو وباراك أوباما خلافات واضحة حينما كان بايدن نائباً للرئيس الأمريكي. وتتمحور الخلافات بين الجانبين بشكل أساسي في علاقات نتنياهو القوية بالرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ومعارضة نتنياهو أي اتفاق مع إيران، وموقف نتنياهو من الحرب الأوكرانية وعلاقاته القوية بالرئيس الروسي، بالإضافة إلى التباين بين الطرفين فيما يتعلق بكيفية تسوية القضية الفلسطينية، ودعم إدارة بايدن لحل الدولتين ومعارضة التوسع في بناء المستوطنات بالضفة الغربية على نحو ما يُتوقع حال تولي نتنياهو السلطة مجدداً.

كما أن صعود الأحزاب اليمينية المتطرفة يحمل معه زيادة احتمالات تبوُّؤ بعض قادة تلك الأحزاب، لا سيما “بن غفير”، حقائب وزارية هامة، وهو ما قد تُعارِضه واشنطن. وفي هذا الصدد، وعقب صدور النتائج الأوَّلية للانتخابات، أشار مسؤول أمريكي إلى أنه سيكون من الصعب على واشنطن التعامل مع “بن غفير” كوزير في الحكومة الإسرائيلية.

مرحلة جديدة

في الختام، يبدو أن المنطقة مقبلة على مرحلة جديدة من التوتر مع عودة نتنياهو القوية إلى السلطة وصعود الأحزاب اليمينية المتطرفة الاستيطانية إلى سُدَّة الحكم في تل أبيب؛ الأمر الذي يشي بتزايُد التوترات مع الفلسطينيين وتراجُع فرص السلام، بالإضافة إلى تصاعُد الاحتكاكات بين تل أبيب وطهران في المنطقة، لا سيما مع تراُجع أفق الوصول إلى اتفاق نووي في الفترة الحالية، كما يُتوقَّع أن تُحجم المزيد من الدول العربية عن توقيع “اتفاقيات سلام” مع تل أبيب في الفترة القادمة، بالنظر إلى السياسات الاستيطانية المتوقعة للحكومة اليمينية الجديدة، التي لا يبدو أن قادتها سوف يأبهون كثيراً لغضب العواصم العربية مع تباهي قادة تلك الأحزاب المتطرفة برفع شعار “الموت للعرب” في كل مناسبة.