قضايا سياسية

ماكرون و الذكاء السياسي ؟

@DzPolitoDigitalقد يسمع البعض عن مفهوم الذكاء الإقتصادي (l’intelligence économique IE) و لكن الأمر مختلف في هذا المقال فما نحن بصدده هو مجرد إبداء رأي حول التحول الكبير الذي حدث مؤخرا في الانتخابات الفرنسية و هذا التحول بطبيعة الحال من إفرازات نجاح المرشح إيمانويل ماكرون في آخر إنتخابات رئاسية داخل فرنسا الذي غير الخارطة السياسية داخل الجمهورية الخامسة.في واقع الأمر هو ليس بالمرشح الخارق أو غير ذلك مما يشاع عنه إنما هو مجرد مرشح توفرت له إمكانيات أحسن إستخدامها في إقناع غالبية الفرنسيين بالتغيير و هو ما نتج عنه أحداث مثلت إستثناءا بامتياز في آخر إستحقاقين إنتخابيين في فرنسا هو إيمانويل ماكرون مواليد 1977 بمدينة أميان متخرج من المدرسة الوطنية للإدارة ، مفتش مالي سابق و مصرفي في بنك روتشيلد سابقا ، انضم بين 2006و2009للحزب الاشتراكي، ثم عين في 2012  نائبًا للأمين العام لرئاسة الجمهورية الفرنسية لدى الرئيس فرانسوا أولاند، ثم وزيرًا للاقتصاد والصناعة والاقتصاد الرقمي في حكومة مانويل فالس الثانية، وذلك حتى 2016.

ربما بقراءة هذه السيرة لن يخطر على بال أي  أحد أن ماكرون صاحب 39 سنة الذي يفتقر لأهم عامل ألا و هو الخبرة السياسية سيكون الرئيس الثامن للجمهورية الخامسة ! إلا أنها الحقيقة ! فمنذ سنة 2016 بدأت المغامرة الفعلية و سيبدأ ماكرون بفضل آرائه أو آراء مستشاريه بالتخطيط للمعترك الإنتخابي رغم صعوبة المهمة فأن تبدأ من جديد و تواجه كلا من  يمين الوسط ، اليسار و اليمين المتطرف و هي ثلاثة تيارات سياسية لها وجود مؤسساتي و إيديولوجي يعادل عقودا من الزمن فهو ليس بالسهولة بمكان فالأمر هنا يتطلب شيئا إضافيا فوق معايير الترشح العادية ألا و هو الذكاء السياسي الذي كان من أسباب فوز ماكرون .

   بدأت مظاهر هذا الذكاء من أول خطوة و هي عدم الترشح باسم الحزب الاشتراكي و هي ميزة على ذكاء ماكرون و دهائه حيث  تيقن ان ذلك الحزب، بعد ان قضى سنوات عديدة في الحكم تدنت خلالها شعبيته الى حد كبير، و أنه سيواجه مشقة في ايصال رسالته لجمهور الناخبين حيث تمكن إبن مدينة أميان و بذكاء منقطع النظير من استشراف و توقع آراء الفرنسيين و أدرك أن أمامه فرصة وهي التي لم يتمكن من ادراكها غيره من المرشحين.

لقد قرر على إثر كل هذه المعطيات القدوم بشيء جديد فحسب الصحفية ايميلي شولثايس إن ماكرون، بعد ان أسس حركة « الى الأمام »، تعلم الكثير من الحملة الانتخابية التي قادها الرئيس الأمريكي السابق باراك اوباما ذات القاعدة الشعبية في عام 2008.وكان عمله الأول هو تنظيم « مسيرة كبرى » جند لها ناشطي حركته المتحمسين ولكن المفتقرين للخبرة.تقول الصحفية شولثايس « استخدمت حملة ماكرون مناهج مستوحاة من شركة للبحوث السياسية  عملت لصالح حملة أوباما عام 2008 للتعرف على الأحياء والمناطق التي تمثل فرنسا بشكل عام. وارسلوا ناشطيهم لقرع 300 الف باب على الأقل. »لم يكتف الناشطون بتوزيع المنشورات فحسب، بل أجروا 25 الف محادثة بلغ طولها 15 دقيقة تقريبا مع ناخبين في طول البلاد وعرضها. وادخلت المعلومات المستقاة من هذه المحادثات في قاعدة بيانات ساهمت في بلورة اولويات وسياسات حملة ماكرون.

تقول شولثايس « كان ذلك جهدا جبارا بذلته حملة ماكرون من أجل استشراف مزاج البلاد وضمان تواصله مع الناخبين من وقت مبكر، والتأكد من ان الناشطين يعرفون كيفية قرع الأبواب والتحدث مع الناس. كان اختبارا وضع اسس ما حققه هذه السنة. »

إن  الحركة التي أنشأها  ماكرون المسماة إلى الأمام ! En Marche !  ذات الإيديولوجية الوسطية هي بمثابة إبداع و إبتكار سياسي ، فالمزج بين أفكار اليسار و اليمين فكرة حسنة و حتى إسم الحركة محفز و حيوي و يعطي الكثير من الأمل للمواطن الفرنسي ، لقد كان ماكرون يجول فرنسا بخطابات التجديد التي مزجت بين الرهانات الداخلية و الخارجية مثل القضاء على البطالة و التموقع داخل أوروبا و الحرب على الإرهاب و غيرها من الشعارات التي وجدت ضالتها داخل الأوساط الشعبية الفرنسية ، حقيقة في هذه الأثناء من الحملة و مما لا شك فيه ان الحظ لعب دوره في انتصار ماكرون.فقد تكفلت فضيحة كبرى بالقضاء على آمال مرشح يمين الوسط فرنسوا فيون، الذي كان المتقدم في سباق الرئاسة أول الأمر( حسب إستطلاعات الرأي ) ، كما قد أدار الناخبون ظهورهم عن مرشح الاشتراكيين بنوا هامون ، و لكن الحظ لا يفسر الموضوع كله فقد إستعمل ماكرون لهجة في خطاباته تجعلك تحس بأنه هو المرشح الوحيد الذي يواجه مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان و قد ظهر ذلك في المناظرة التي جمعت المرشحين الخمسة قبل الجولة الأولى . دون نسيان المناظرة التلفزيونية الكبرى بين المرشحين في الثالث من ماي  بالعدائية، إذ تبادل المرشحان خلالها الاهانات.وبينما قال ماكرون إن لوبان تمثل دور « داعية الخوف الكبرى » وتحاول تسويق ادعاءات متطرفة لا تختلف عن تلك التي كان يسوقها والدها، اتهمته لوبان بأنه دمية بيد الاشتراكيين وأداة لقطاع المال العالمي سيفعل كل ما تأمره به المستشارة الألمانية انغيلا ميركل.ولكن الكثير من الفرنسيين ارتعبوا من احتمال ان تحكمهم رئيسة يمينية متطرفة يمكن ان تزعزع استقرار البلاد وتؤدي الى انقسامها على نفسها، ورأوا في ماكرون آخر عقبة تقف في طريق تحقيق لوبان لطموحها. وكان ما كان.

الأمر لم يتوقف بعد فوز ماكرون في الرئاسيات فقد قام الرئيس بتعيين وزير أول وهو إدوارد فيليب هذا الأخير الذي شكل حكومة مزجت بين جميع أطياف المجتمع الفرنسي ضمت قائمة متوازنة تميزت لأول مرة  بوجود وجه المجتمع المدني البارز في الحكومة الفرنسية الجديد وهو نيكولا هولو وزير الانتقال البيئي و التضامني . هذه الحكومة الجديدة ضمت أسماءا جديدة و قد لقيت إستحسانا داخل فرنسا

 لقد امتد النجاح في الرئاسيات إلى استحقاق التشريعيات فالرئيس الجديد كان لزاما عليه ضمان أغلبية برلمانية تساعده في تحقيق برنامجه و هو ما حدث فبعد تغيير إسم حركة الرئيس إلى  » جمهورية إلى الأمام  » و إختيار مرشحين قادرين على جلب أغلبية برلمانية للحركة حدثت المعجزة بالفعل حيث حصدت الحركة 350 مقعدا من أصل 577. ومن ثم تمت المهمة بنجاح و برز على السطح ظاهرة سياسية جديدة تمثلت في اكتساح أعرق تيارين سياسيين داخل فرنسا و إدخالها في دوامة ربما قد تمتد على الأقل خمس سنوات إن لم يكن أكثر .

إن كل ماسبق و إن عبر عن شيء فإنما يعبر عن وجود ميزة إضافية لهذا المرشح ساعدته في أن يكتسح الرئاسيات و التشريعيات بامتياز و يلغي معادلة اليمين و اليسار من الحياة السياسية الفرنسية و يبدأ مغامرة جديدة و هو على رأس السلطة التنفيذية لمواجهة التحديات المحيطة بفرنسا في جميع المجالات إن هذه الميزة في واقع الأمر هي الذكاء السياسي فهل سيحافظ عليها ماكرون في باقي مشواره السياسي !؟

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.

إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock