هل تأسف ماكرون عن تصريحاته التي تنكر فيها لوجود أمة جزائرية قبل الاحتلال الفرنسي؟ أم تأسف فقط لـ “الجدل ” الذي أثارته تلك التصريحات؟. وهل جاء تأسف ماكرون بصفته رئيسا لفرنسا؟ أم أنها جاءت بصيغة ايمانويل المترشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي يواجه فيها منافسة داخلية قوية جراء ضعف حصيلة نتائج وعوده الانتخابية  الداخلية؟.

إن تفويض أحد مستشاريه في الرئاسة لتمرير رسائل “تأسف” رئيسه، بدل من إعلان الرئيس ماكرون ذلك بنفسه، يحمل في طياته أن ماكرون لم يتخلى عن تلك التصريحات العدوانية والمستفزة التي ذكرها سابقا بشأن الجزائر، لكنه مضطر وفقا لحسابات المصالح الفرنسية، وخاصة مصلحة ماكرون الانتخابية، إلى دفع أحد مستشاريه دفعا، خلال “بريفينغ” مع الصحافة تحضيرا للندوة الدولية حول ليبيا، لإرسال “تأسف” ماكرون بالموازاة مع إرسال “دعوة ” للرئيس تبون للمشاركة في القمة الفرنسية حول الجارة ليبيا.

المرشح ماكرون يريد من خلال تنظيم ندوة حول ليبيا، تكون بمثابة “انتصار دبلوماسي” لفرنسا في المنطقة، تمكنه على الصعيد الشخصي أيضا تحقيق نقاط لصالحه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، بعد نكسة ضياع صفقة الغواصات مع أستراليا، وأفول نجمه في مالي، ولبنان.

ولأن من عوامل نجاح ندوته حول ليبيا، ضرورة أن يكون الرئيس الجزائري مشاركا وحاضرا فيها، ليس حبا في الجزائر التي تنكر ماكرون منذ أيام فقط “ان كانت هناك أمة جزائرية قبل الاستعمار الفرنسي لها” ، ولكن لاقتناعه بأن غياب الجزائر سيفقد كل مصداقية لنتائج هذه القمة حول ليبيا .

كيف ذلك ؟ باريس التي كانت وراء الخراب في ليبيا، لا تريد حلا دائما بقدر ما تسعى ليكون لها موضع قدم في ترتيبات السلطة بها، قصد تحقيق مكاسب وصفقات في مرحلة ما يسمى بإعادة اعمار ليبيا، خاصة وأن المنافسة شديدة بين القوى العظمى على غرار روسيا، الولايات المتحدة وتركيا، والأهم من ذلك جعل ليبيا الدركي في المنطقة لوقف الهجرة الإفريقية ومنعها من الوصول إلى الضفة الشمالية للمتوسط .

فهل يمكن رأب الصدع الذي وقع في العلاقة الفرنسية الجزائرية، بسبب تلك التصريحات، من خلال قيام أحد مستشاريه بإعلان “تأسف” ظهر جليا أنه ليس لـ “محتوى تلك التصريحات”  وإنما تأسف لـ “الجدل” الذي تولد عنه، وكأن الجزائريين تنقسهم القراءة الصحيحة ولا يحسنون “تشفير” تصريحات ماكرون التي قالت صحيفة “لوموند” يومها بأنها “أختيرت بعناية” ، أي أنها واضحة ولا تقبل أي هامش من تأويلها .

كما أن التوقيت الذي صدر فيه ذلك “التأسف” الفرنسي، تزامن مع توجه ماكرون بخطاب للشعب الفرنسي، كل المتابعين والملاحظين والمراقبين ووسائل الإعلام الفرنسية قالت أن الذي خاطب الفرنسيين هو ماكرون المترشح وليس ماكرون الرئيس، ما يعني أن الذي تأسف هو ايمانويل المترشح وليس ماكرون الرئيس.

فهل بإمكان مثل هذا “التأسف” أن يكون في مستوى الخطوة التي كانت تنظرها الجزائر من باريس؟.

فرنسا على علم لأنها تصفه بـ “الزحف” الأمريكي والصيني والروسي باتجاه منطقة شمال إفريقيا، ولا تملك أي مشروع لتعيد به انتشارها والبحث عن منافذ جديدة لها في الضفة الجنوبية للمتوسط، بعدما انفردت ألمانيا بالاستحواذ على كل الطرق المؤدية إلى دول أوربا الشرقية وبسطت الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا وجودها في القارة السمراء، ما تزال باريس في حنينها القديم، تكتنفها أفكار تلك السيطرة الاستعمارية ومخلفاتها.

ولذلك فان مثل هذا النوع من “التأسف” لا يغير في المعادلة شيء، لأن تطور العلاقات بين البلدين يتعلق أكثر بمدى إضافة  جو من الثقة يقوم على قيم الحرية والاحترام العالمية وفق مبادئ لا تتنكر للماضي وخالية من شوائب التفكير أو الحنين إلى المستعمرة القديمة.