أعلن حزب المحافظين البريطاني يوم 5 سبتمبر 2022، عن فوز “ليز تراس” بانتخابات رئاسة الحزب الداخلية لتحل محل “بوريس جونسون” رئيسة للوزراء وللحزب؛ وذلك بعد تفوقها على منافسها “ريشي سوناك” وزير المالية السابق بنسبة 57% تقريباً مقابل 42% في الانتخابات الداخلية، وهي نتيجة كانت متوقعة خلال الأسابيع الأخيرة في ظل ميل كفة استطلاعات الرأي لصالح تراس.  وفور إعلان النتيجة، بدأت التكهنات تظهر بشأن ما يمكن أن تسهم به تراس – بصفتها وزيرة خارجية سابقة وشخصية مؤثرة في الحزب ذات توجهات مناصرة للسوق الحرة – في مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التي تواجهها لندن في الوقت الحالي.

أزمات الداخل

تواجه رئيسة الوزراء البريطانية الجديدة عدداً من القضايا والأزمات الداخلية الملحة يتعين عليها التعامل معها بصورة عاجلة، وتتمثل هذه الأزمات فيما يلي:

1- أزمة اقتصادية طاحنة: تجد “تراس” نفسها أمام أكبر تحدٍّ اقتصادي تواجهه القارة الأوروبية منذ عقود؛ فقد أدت التبعات السلبية لكل من جائحة كورونا والأزمة الروسية الأوكرانية إلى مزيد من تعثر الوضع الاقتصادي في أوروبا، ولعل أهم مظاهره بلوغ معدلات التضخم مستويات غير مسبوقة في بريطانيا (يصل المعدل حالياً إلى 10% ومن المتوقع زيادته)، وركود اقتصادي يلوح في الأفق نتيجة اضطرابات سلاسل الإمداد، واضرابات واعتصامات عمالية تسبب تعطيلاً لعجلة الإنتاج، وارتفاع فواتير الطاقة المنزلية ونقص محتمل في الوقود هذا الشتاء (ارتفعت أسعار فواتير الطاقة المنزلية بنسبة 80%)، وانخفاض قيمة الجنيه الإسترليني أمام الدولار بنسبة 4.5% تقريباً.

2- معضلة الاستقرار الداخلي والاستياء المجتمعي: تواجه “تراس” إشكالية متعلقة بالاستقرار الداخلي في ظل تصاعد موجات الاستياء المجتمعي التي تجلت ملامحها في اتساع نطاق الإضرابات والاحتجاجات في المرافق الحيوية. فخلال الشهور الماضية، شهدت بريطانيا عدداً من الإضرابات الكبيرة، مثل إضرابات خطوط الطيران البريطانية التي حدثت في شهر يونيو الماضي اعتراضاً على تخفيض أجور العاملين من قبل الحكومة، وكذلك الإضرابات التي نفذها عمال وموظفو السكك الحديدية في إنجلترا في شهر يونيو الماضي، ووصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ 30 عاماً، والتي نفذت أيضاً للاعتراض على السياسات الاقتصادية الحكومية والقرارات التي تم اتخاذها إزاء العاملين في هذا المرفق الحيوي.

كما شهد شهر أغسطس 2022 بعض الإضرابات المؤثرة؛ فعلى سبيل المثال، نفذ عمال ميناء فيليكستو في مدينة سوفولك، الذي يعد أكبر ميناء للحاويات في المملكة المتحدة، إضراباً لأول مرة منذ 30 عاماً، وذكرت نقابة “يونايت” لاتحاد العمال أن الأعضاء رفضوا عرضاً بزيادة الأجور 7% من شركة رصيف وسكة حديد فيليكستو؛ لأنها أقل من معدل التضخم. كما نفذ عمال البريد إضراباً للمطالبة بزيادة الأجور كي تتماشى مع معدلات التضخم. وامتدت حالة الاستياء أيضاً إلى المحامين، وكذلك هيئة الصحة الوطنية بعد توزيع الكلية الملكية للتمريض والاتحاد النقابي “يونايت” بطاقات اقتراع لأعضائها بشأن الدخول في إضراب للضغط على الحكومة لزيادة الرواتب.

3- التعامل مع معضلة التغيرات المناخية: تمثل التغيرات المناخية واحدة من القضايا الملحة بالنسبة إلى رئيسة الوزراء الجديدة؛ فخلال الشهور الأخيرة تعرضت مناطق داخل بريطانيا للجفاف في ظل ارتفاعات كبيرة في درجات الحرارة، كسرت في شهر يوليو الماضي، على سبيل المثال، حاجز 40 درجة مئوية لأول مرة على الإطلاق. وبحسب BBC، فإن إنجلترا كانت الأكثر جفافاً في الشهور الستة الأولى من العام الجاري منذ عام 1976. هذه التغيرات المناخية تفرض ضغوطاً على الحكومة لأنها تعني تفاقم أزمة الطاقة الداخلية، وتؤثر بالسلب على البنى التحتية، بالإضافة إلى تداعياتها الاقتصادية والصحية والمجتمعية المتعددة التي تزيد الضغوط الشعبية على الحكومة.

4- الانقسام الداخلي في حزب المحافظين: يتعين على تراس أيضاً التطرق إلى حالة الانقسام الداخلي العميقة التي يعاني منها حزب “المحافظين” بعد فترة اضطراب داخلي شديد استمرت ثلاث سنوات هي فترة حكم رئيس الوزراء السابق جونسون. هذا وقد بلغ الانقسام ذروته في عام 2019 بعد تكشف سلسلة من الفضائح محيطة برئيس الوزراء السابق، ناهيك عن سلسلة الاستقالات الوزارية المتتالية التي لم تمكن جونسون من الاستمرار في منصبه.

5- الضغوط المتزايدة من المعارضة: سعى حزب العمال إلى استغلال حالة التخبط التي يعاني منها حزب المحافظين وتسليط سهام نقده على “ليز تراس” حتى قبل توليها مهام منصبها الجديد في محاولة لزعزعة ثقة المواطن البريطاني بها. وقد صرح زعيم حزب العمال السير “كير ستارمر” بأن تراس “ليست في صف العمال”، مستشهداً بتصريحات رئيسة الوزراء عن اعتزامها إجراء تخفيضات في ضرائب الشركات بينما لم تتطرق بالقدر الكافي إلى أزمة غلاء المعيشة، وهو ما يؤشر على عدم اهتمامها بالفئات الأكثر احتياجاً من وجهة نظر حزب العمال.  

تحديات خارجية

بموازاة هذه الأزمات الداخلية، تواجه “ليز تراس” مجموعة من التحديات الخارجية الرئيسية المتمثلة فيما يلي:

1- إدارة العلاقات مع الاتحاد الأوروبي: سيتعين على “تراس” التعامل مع الجوانب العملية لمغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي مع الوفاء بوعدها بإعادة التفاوض على صفقة BREXIT التي اتفق عليها سلفها. وتجدر الإشارة إلى أنه أثناء عملها وزيرة للخارجية، حاولت تراس الدفع بخطط لتعديل قانون بروتوكول أيرلندا الشمالية، الذي من شأنه أن يلغي جزءاً من صفقة جونسون الخاصة بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (يعتبر هذا البروتوكول من أكبر الموضوعات الخلافية بين لندن وبروكسل، وهو خاص بالمعاملة الجمركية لبعض البضائع الأوروبية التي تدخل بريطانيا عن طريق أيرلندا الشمالية). في ذات السياق، تعاني بريطانيا منذ فترة طويلة من فشل المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي حول هذا الموضوع، وينظر إلى التشريع المعدل باعتباره أداة “تراس” الرئيسية للتعامل مع هذا الملف مستقبلاً. بالإضافة إلى ما تقدم، فإن “تراس” تجد نفسها أمام تحدي الوفاء بوعودها المتكررة بشأن إلغاء جميع قوانين الاتحاد الأوروبي المتبقية التي لا تزال سارية في بريطانيا بحلول عام 2023.

2- استمرار أزمة طالبي اللجوء: تكافح الحكومة البريطانية منذ سنوات من أجل تقليل عدد المهاجرين الذين يعبرون إلى بريطانيا على متن قوارب صغيرة. هذا وتشير أحدث التقديرات إلى أن عدد طالبي اللجوء الذين يصلون إلى بريطانيا عبر البحر قد يصل إلى 60 ألف شخص خلال العام الجاري، وهو ما يعتبر ضعف الرقم القياسي المسجل العام الماضي. ولردع تدفق المهاجرين، أعلنت الحكومة في شهر أبريل الماضي عن خطط لإرسال الذين يصلون إلى شواطئها إلى رواندا؛ حيث سيتم النظر في طلبات لجوئهم، كما تم تداول أخبار بشأن حظر أول رحلة ترحيل لاجئين في شهر يونيو الماضي بأمر قضائي من المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان. في ذات السياق، تعهدت “تراس بتمديد هذه السياسة عن طريق إرسال طالبي اللجوء إلى دول أخرى. في إشارة إلى تصميمها على تفعيل السياسة المُشار إليها، وملوحة بإمكانية مغادرة بريطانيا عضوية المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان إذا استمرت الأخيرة في عرقلة هذه السياسة.

3- آليات التعامل مع الأزمة الأوكرانية: من المتوقع أن تواجه “تراس” تطورات خطيرة فيما يتعلق بالأزمة الأوكرانية؛ وذلك في ظل إعلان الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين” عن شتاء قاسٍ للدول الأوروبية مهدداً بقطع إمدادات الغاز الطبيعي عن القارة بالكامل. هذا وتعد بريطانيا واحدة من أكبر موردي المعدات العسكرية لأوكرانيا؛ حيث أرسلت ما يقرب من 7000 بطاريات صواريخ مضادة للدبابات ومئات من عربات القتال المدرعة، كما تقوم القوات البريطانية بتدريب الجنود الأوكرانيين. في هذا الإطار، وعدت “تراس” بمواصلة دعم بريطانيا العسكري والاقتصادي لأوكرانيا مشيرة إلى أن أوكرانيا لن تجد حليف أقرب لها من لندن حال فوزها بمنصب رئيس الوزراء.

4- الحضور البريطاني في الهندو – باسيفيك ومواجهة الصين: فخلال السنوات الماضية حاولت بريطانيا تعزيز حضورها في بعض المناطق الاستراتيجية على غرار منطقة الهندو – باسيفيك. ويبدو أن “ليز تراس” تحاول صياغة دور بريطاني في هذه المنطقة، وظهر ذلك مثلاً في استدعاء وزارة الخارجية البريطانية – حينما كانت “تراس” تتولى الوزارة في شهر أغسطس الماضي وعقب زيارة رئيسة مجلس النواب الأمريكي “نانسي بيلوسي” إلى تايوان – السفير الصيني في لندن، وذكرت “تراس” حينها أن الهدف من الاستدعاء “شرح التصرفات الصينية؛ ففي الأشهر الأخيرة، شهدنا المزيد والمزيد من السلوكيات العدوانية والخطابية في بكين؛ ما يهدد السلام والاستقرار في المنطقة”. علاوة على ذلك، تعهدت “تراس” خلال حملتها للتنافس على رئاسة الوزراء، بأنها ستقوم بتصنيف أعمال الصين في إقليم شينجيانج على أنها أعمال إبادة جماعية.

وبالرغم من ذلك، يواجه الدور البريطاني في الهندو – باسيفيك بعض التحديات، فربما تتراجع “تراس” عن مواقفها الحادة تجاه الصين، كما يرجح البعض أن تجد تراس صعوبة في الحفاظ على تعاون بريطانيا مع دول الآسيان بالنظر إلى صعوبة تجاوز التعقيدات التي تواجه مساعي لندن للانخراط مع الرابطة واتجاه بريطانيا للتعامل مع القضايا في محيطها الخارجي القريب منها عوضاً عن ذلك. علاوة على ذلك، فإنه مع التحديات المحلية التي تواجه بريطانيا وقصر المدة المتوقع أن تقضيها تراس في المنصب، فإنها قد تفضل تحقيق المكاسب السريعة في منطقة الهندو – باسيفيك لتعزيز شعبيتها بدلاً من تبني سياسة خارجية مدروسة.

محددات النجاح

ترتبط قدرة “ليز تراس” على التعاطي مع التحديات الداخلية والخارجية بعدد من المحددات الجوهرية المتمثلة في الآتي:

1- القدرة على تطبيق الإصلاحات الموعودة بتدرج: من الأسباب الرئيسية التي رفعت أسهم “تراس” لدى الرأي العام البريطاني، وعودها بتخفيض الضرائب وعدم مشاركتها في الحراك الداخلي الذي أطاح بجونسون؛ وذلك على عكس “سوناك” الذي سببت تصريحاته نوعاً من الريبة لدى البريطانيين بشأن عدم إمكانية تخفيض الضرائب إلا بعد النجاح في تخفيض معدلات التضخم، فضلاً عن إحجام البعض عن تأييده داخل الحزب نتيجة كونه أحد المتسببين الرئيسيين في مغادرة جونسون منصبه بعد استقالته من الوزارة بجانب “ساجيد جافيد”.

لذلك فإن انتهاج “تراس” أي سياسة اقتصادية مغايرة قد تثير حفيظة قطاعات واسعة من المحافظين أنفسهم، الذين سيقدرون أن الوعود التي أدلت بها لم تكن سوى أدوات للمناورة والتضليل لتصل إلى المنصب، وأن جوهر سياستها لم يكن مغايراً لسوناك الذي سبق أن رفضوه. من هنا، فإن تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادي بتدرج – حتى وإن كانت كلفتها أكبر على البريطانيين على المدى الطويل – قد تكون أكثر العوامل تأثيراً على نجاحها في مواجهة التحديات ومن ثم الاستمرار السلس في منصبها، وهو ما يرتبط بدوره برد فعل المجتمع البريطاني على هذه الإصلاحات ومدى استجابته لأي قيود محتملة.

2- التوصل إلى توافق مع القوى المجتمعية الغاضبة: لا يمكن إغفال أن حالة الغضب والاستياء المجتمعي التي تجلت ملامحها في تزايد الإضرابات والاعتصامات في المرافق الحيوية بالدولة كانت من العوامل التي سرعت الإطاحة ببوريس جونسون، ومن ثم يظل التوصل إلى توافق مع القوى المجتمعية الغاضبة وتهدئة هذه القوى محدداً هاماً في نجاح “ليز تراس” في مهمتها. ويبدو أن “تراس” تراهن هنا على البرنامج الذي أعلنت عنه عقب فوزها؛ حيث صرحت بأنها ستقدم خطة جريئة لخفض الضرائب وتنمية الاقتصاد، كما ذكرت أنها ستعالج أزمة الطاقة عبر الاهتمام بفواتير الطاقة لدى الناس، وكذلك الاهتمام بصعوبات إمدادات الطاقة على المدى الطويل.

3- توازنات القوى داخل حزب المحافظين: إن كان من المتوقع أن وصول “تراس” إلى منصب رئيس الوزراء سينتج عنه نوع من تبادل الأدوار وصعود وجوه جديدة للحكومة، فإن مدى احتمالية إحداث هذه التغيرات حالة من الاضطراب الداخلي في بريطانيا قد تقف حائلاً أمام نجاح المسؤولة البريطانية في مواجهة التحديات. هذا وإن كان من المبكر حسم مسألة إذا ما كانت التغيرات ستُحدث هذا النوع من الاضطراب، إلا أن توازنات القوى بدأت تتشكل فورياً؛ حيث قام “بن إليوت” الرئيس المشترك لحزب المحافظين وأحد أكبر الداعمين لبوريس جونسون بتقديم استقالته فور إعلان فوز تراس بالمنصب، كما أعلن “دومينيك راب” نائب رئيس الوزراء ووزير العدل في ولاية جونسون أنه لا يعتقد أنه سيستمر في حكومة تراس، في الوقت الذي لا يزال التشكيل الوزاري الجديد في طور التكوين.

4- رد فعل موسكو وطريقة تعاطيها مع “تراس”: مما لا شك فيه أن طريقة استقبال موسكو لتعيين تراس رئيسة للوزراء، وما قد ينتج عن ذلك من نهج متشدد أو أكثر مرونة، قد يكون له تأثير كبير على مدي نجاحها في قضايا السياسة الخارجية وتخفيف العبء الاقتصادي الداخلي على حد سواء. وفي هذا السياق، وعقب فوز تراس بالانتخابات داخل الحزب، صرح ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين بأن العلاقات مع لندن قد تتدهور أكثر في عهدها، على الرغم من صعوبة تخيل وضع أكثر سوءاً للعلاقات مما هي عليه في الوقت الراهن. بالتوازي مع ذلك، يرى بعض المحللين أن تولي تراس رئاسة الوزراء هو بمنزلة “هدية” لموسكو في ظل انتقادها عدة مرات وهي وزيرة للخارجية؛ لنقص معلوماتها العامة. ومن ثم فإن ضعف مستواها الثقافي قد يخدم الكرملين أيضاً، بما يمنحه ذلك من ميزة لروسيا في توظيف ذلك في دعاياتها المضادة ضد القادة الأوروبيين.

الخلاصة: لا يمثل فوز “ليز تراس” بمنصب رئيسة الوزراء البريطانية إلا مجرد البداية لمرحلة جديدة من إثبات الذات، ولكن هذه المرة على المستوى الوطني ككل وليس على مستوى حزب المحافظين فحسب. هذا ولا شك أن الناخبين البريطانيين – خاصة المنتمين إلى حزب المحافظين – لن يكونوا على استعداد لتحمل خيبة أمل جديدة ليس من شأنها فقط تقويض ثقة قطاع من الناخبين بالحزب جملة وتفصيلاً، بل ستمتد آثارها بالتأكيد إلى الانتخابات العامة في 2025 وربما أبعد من ذلك حسب مقدار النجاح أو الإخفاق الذي ستشهده ولاية تراس.


 إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية