تأتي زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طهران في التاسع عشر من يوليو 2022؛ حيث يلتقي بكل من الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي، ونظيره التركي رجب طيب أردوغان، في إطار اجتماعات مسار الأستانة، إذ يختتم بوتين الزيارة بلقاء المرشد الأعلى للجمهورية علي خامنئي. واللافت في هذا السياق هو أن هذه المرة هي الثانية التي يلتقي فيها رئيسي وبوتين خلال ثلاثة أسابيع؛ إذ سبق أن جمعهما لقاء على هامش قمة بحر قزوين في عشق أباد في 29 يونيو الفائت. كما أن وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان سبق أن زار تركيا؛ حيث التقى الرئيس رجب طيب أردوغان في 28 من الشهر نفسه.

أهداف عديدة

تسعى إيران عبر هذه الزيارة إلى تحقيق أهداف عديدة يتمثل أبرزها فيما يلي:

1- الرد على جولة الرئيس الأمريكي في المنطقة: تحاول إيران عبر الزيارة وما سوف يتخللها من اجتماعات ثنائية وثلاثية، الرد على الجولة التي أجراها الرئيس الأمريكي جو بايدن في المنطقة خلال الفترة من 13 إلى 16 يوليو الجاري، والتي وجه فيها رسائل واتخذ إجراءات تمس إيران مباشرةً، لا سيما خلال زيارته إلى إسرائيل في 13 يوليو الجاري؛ حيث وقَّع على “إعلان القدس” الذي يؤكد التزام الولايات المتحدة الأمريكية بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، وبمساعدة إسرائيل في مواجهة التهديدات التي يفرضها خصومها. وهنا، فإن إيران تريد بتلك الزيارة تأكيد أنها لا تواجه عزلة دولية أو إقليمية، بدليل أنها تستضيف قمة تجمع قوى دولية ممثلة في روسيا، وإقليمية ممثلة في تركيا التي تُعد في الوقت نفسه من أعضاء حلف الناتو.

وقد توازى مع ذلك، اهتمام إيران بالتصريحات التي أدلى بها بعض المسؤولين الذين شاركوا في قمة جدة، خاصة رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، الذي قال قبيل مشاركته في القمة إنها لن تناقش عملية التطبيع بين إسرائيل وبعض الدول العربية، مضيفاً أن العراق لن يدخل في أي تحالف أمني أو عسكري، في إشارة إلى تبني رد فعل سلبي إزاء الحديث الذي سبق القمة حول صياغة ترتيبات أمنية مناوئة لإيران في المنطقة.

2- مواصلة التنسيق المشترك حول الملف السوري: ويمثل ذلك العنوان الأبرز للقمة الثلاثة التي ستُعقد في طهران؛ حيث أشار وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان، في 18 يوليو الجاري، إلى أن القمة الثلاثية سوف تبحث عودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم ومنازلهم، والمساعدة في استتباب السلام والاستقرار والأمن في سوريا. ويبدو أن ذلك لا ينفصل بالطبع عن العملية العسكرية التي تهدد تركيا بشنها في شمال شرق سوريا ضد “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، والضغوط التي تمارسها تركيا من أجل إعادة اللاجئين إلى الأراضي السورية، بعد أن تصاعدت ضغوط اللاجئين على الحكومة التركية. وهنا، فإن روسيا وإيران ربما تسعيان للوصول إلى توافق مع تركيا حول هذه العملية من أجل تجنب اتساع نطاق التباين في العلاقات بينهما في ظل الظروف الحالية التي تشهدها الساحة العالمية؛ حيث تتعرض موسكو وطهران لعقوبات أمريكية، وتتزايد محاولات عزلهما في ظل تعثر المفاوضات النووية، وفي الوقت نفسه تستمر الحرب الروسية في أوكرانيا.

3- احتواء أزمة الأمن الغذائي بعد الحرب الأوكرانية: قد توفر زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى طهران فرصة لتوسيع نطاق التباحث حول احتواء أزمة الأمن الغذائي التي تواجهها إيران في الوقت الحالي وتفاقمت حدتها عقب اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا؛ إذ قد تُقدم روسيا دعماً لحكومة إبراهيم رئيسي في هذا الصدد، يمكن أن يساعدها على مواجهة الضغوط الداخلية التي تتعرض لها في المرحلة الحالية بسبب عدم نجاح الإجراءات التي اتخذتها في تقليص تداعيات الأزمة الاقتصادية بوجه عام. وقد قال وزير النفط الإيراني جواد أوجي، في 26 مايو الماضي، إن إيران توصلت إلى اتفاق مع روسيا لتوريد 5 ملايين طن من الحبوب والقمح، وأضاف أن إيران وروسيا تعتزمان زيادة حجم التبادل التجاري إلى 40 مليار دولار على مدى فترة العام ونصف العام القادمة، عبر التوقيع على عدد من الاتفاقيات.

4- تعزيز التعاون الاقتصادي بين موسكو وطهران: تحاول كل من روسيا وإيران رفع مستوى التعاون الثنائي فيما بينهما على المستوى الاقتصادي تحديداً؛ حيث أشار نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك خلال زيارته إلى طهران، في 25 مايو الماضي، إلى أن الدولتين توصلتا إلى اتفاق مقايضة تصدر بموجبه إيران قطع غيار السيارات وتوربينات الغاز إلى روسيا، مقابل أن تصدر الأخيرة الصلب والمعادن على غرار الزنك والرصاص والألومينا. ووفقاً لتقارير روسية، فإن “نوفاك” قال إن حجم التبادل التجاري مع إيران ازداد بنسبة 10% خلال الربع الأول من هذا العام، وأضاف: “وفقاً لنتائج العام الماضي، زاد حجم التبادل التجاري بين الدولتين بنسبة 81%، ووصل إلى أعلى مستوى له في السنوات الأخيرة، وهو ما يقرب من 4 مليارات دولار”. وقد أشار المتحدث باسم الكرملين ديميترى بيسكوف، في 18 يوليو الجاري، إلى أن إيران وروسيا سوف تتخليان عن الدولار في التبادلات التجارية بينهما بمرور الوقت.

ومن دون شك، فإن إيران بالتوازي مع ذلك تسعى إلى الحصول على عوائد ممكنة من تدشين ممر “شمال جنوب” الذي ينقل السلع الروسية إلى الهند وتعول عليه إيران في جهودها لاحتواء آثار العقوبات الأمريكية، خاصة مع عدم وصول المفاوضات النووية التي أُجريت في الفترة الماضية إلى أي نتائج إيجابية تعزز احتمال إبرام صفقة ورفع العقوبات الأمريكية.

5- تقديم دعم إيراني لروسيا في مجال المسيرات: يبدو أن روسيا سوف تستعين بخبرات إيران في مجال الطائرات من دون طيار؛ فرغم أن إيران نفت تصريحات مستشار الأمن القومي الأمريكي جاك سوليفان، في 11 يوليو الجاري التي قال فيها إنها تستعد لتزويد روسيا بطائرات من دون طيار، فإن هذا النفي لا يبدو قاطعاً، خاصة أن إيران أشارت في الوقت نفسه إلى أن التعاون الدفاعي مع روسيا قائم منذ أمد طويل، كما أن وسائل إعلام أمريكية كشفت صوراً لأقمار صناعية تؤكد أن وفداً روسياً زار إيران مرتين لهذا الغرض. وهنا، فإن ذلك، في حالة تحققه، ربما يكون مقدمة لتطوير التعاون العسكري بين الطرفين، في إطار نظام مقايضة يجري بمقتضاه نقل تكنولوجيا خاصة بالطائرات المسيرة إلى روسيا، مقابل قيام الأخيرة بتعزيز أنظمة الدفاع الجوي الإيرانية، وربما مدها بمقاتلات أكثر تطوراً لتحديث سلاحها الجوي.

تصعيد معاكس

ربما يؤدي ذلك إلى تفاقم حدة التصعيد في المنطقة خلال المرحلة القادمة، خاصة أن إسرائيل كانت حريصة على تأكيد أنها غير معنية بأي تنسيق جديد قد تتوصل إليه روسيا وإيران خلال زيارة بوتين إلى طهران، خاصة على صعيد الملف السوري. وهنا فإن إسرائيل قد تسعى إلى اختبار مستوى التفاهمات المحتملة التي يمكن أن يتوافق عليها الطرفان خلال المرحلة القادمة، في إطار حرصها في الوقت الحالي على الترويج لكونها لم تعد تستبعد اللجوء إلى الخيار العسكري في إدارة التصعيد مع إيران، في ظل إصرار الأخيرة على تطوير برنامجها النووي واتخاذ خطوات في سبيل تعزيز قدراتها العسكرية والصاروخية، على نحو ترى تل أبيب أنه موجه نحوها في الأساس.

المصدر إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية