تعد ظاهرة التغير المناخي من الظواهر ذات الطبيعة العالمية من منظور الانتشار الجغرافي والتأثيرات المصاحبة لها، وعلى الرغم من أن أفريقيا ليست من الأطراف الأكثر تحملاً لمسؤولية إنتاج هذه الظاهرة؛ إذ إنها مسؤولة عن نحو (2-3%) من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية، فإنها تعد من الأطراف الأكثر تضرراً من التأثيرات والتداعيات السلبية لهذه الظاهرة على مختلف المستويات؛ وذلك على نحو أثر بشكل مباشر على واقع الدولة الوطنية والتطلعات القارية المستهدفة في أجندة أفريقيا 2063. وتمتلك أفريقيا فرصة واعدة لبلورة موقفها ومطالبها تجاه هذه الظاهرة، ولا سيما في ضوء استضافة مصر مؤتمر الأطراف الموقعة على اتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ COP-27” المزمع انعقاده في “شرم الشيخ” في نوفمبر المقبل.

مؤشرات دالة

ثمة جملة من المؤشرات الدالة على تأزم الأوضاع المرتبطة بالتغير المناخي في أفريقيا خلال الفترة الأخيرة، وتتمثل فيما يلي:

1- التزايد المطرد في درجات الحرارة: واصلت أفريقيا تسجيل ارتفاع في درجات الحرارة (معدل الاحترار)،؛ وذلك بمتوسط نمو يقدر بنحو (+0.3) درجة مئوية لكل عقد بين عامي 1991 و2021، وهو ما يعد أسرع من معدل الاحترار الذي حدث بين عامي 1961 و1990؛ حيث بلغ (+0.2) درجة مئوية لكل عقد، وقد جاء عام 2021 ثالث عام من حيث معدل الحرارة المترفع المسجل لأفريقيا تاريخياً، كما سجلت جميع الأقاليم الفرعية في أفريقيا زيادة في اتجاه درجات الحرارة خلال الفترة (1991–2021) بالمقارنة بالفترة (1901–1930)، علماً بأن إقليم شمال أفريقيا قد سجل أكبر معدلات  ارتفاع في درجات الحرارة بالمقارنة بالأقاليم الأخرى على نحو غير اعتيادي؛ حيث بلغت نحو (0.41) درجة مئوية لكل عقد خلال الفترة (1991–2021)، وهو ما يشكل ضعف المعدل المسجل خلال الفترة (1961–1990) الذي بلغ نحو (0.19%) لكل عقد.

2- تنامي ارتفاع مستوى سطح البحر: يعد معدل ارتفاع مستوى سطح البحر على طول السواحل الأفريقية أعلى من المعدل العالمي، ولا سيما على طول البحر الأحمر وجنوب غرب المحيط الهندي؛ حيث يقترب من (4) ملم في السنة، تليها سواحل تنزانيا وموزمبيق، والساحل الشرقي لجنوب أفريقيا؛ حيث يتجاوز المعدل (3.9) ملم في السنة، كما أن معدل ارتفاع مستوى سطح البحر على طول السواحل الغربية لجنوب أفريقيا وناميبيا أعلى بكثير من المتوسط العالمي؛ حيث يصل إلى نحو (3.9) ملم في السنة، كما يتجاوز المعدل (3.6) ملم في السنة على طول سواحل المحيط الأطلنطي لشمال غرب أفريقيا ومنطقة خليج غينيا من الجابون إلى أنجولا والصومال، في حين شهدت سواحل غرب أفريقيا معدل ارتفاع في مستوى سطح البحر قريباً من المتوسط العالمي؛ وذلك بمعدل يبلغ (3.3) ملم في السنة، ومن المرجح أن يستمر الارتفاع النسبي في مستوى سطح البحر في المستقبل؛ ما قد يسهم في زيادة وتيرة وشدة الفيضانات الساحلية في المدن المنخفضة وعلى طول معظم السواحل الرملية  وزيادة ملوحة المياه الجوفية.

3- اضطرابات في معدل سقوط الأمطار: وهي تعد من مؤشرات التأزم المناخي في أفريقيا؛ حيث شهدت القارة خلال عام 2021 ظروفاً من عدم الاستقرار بشأن معدل سقوط الأمطار، الذي جاء أقل من المعتاد في معظم أنحاء شمال أفريقيا، ولا سيما في المناطق الساحلية من المغرب وتونس وشمال غرب ليبيا. وفي إقليم غرب أفريقيا نجد أنه قد شهد تأخراً في بدء موسم الأمطار؛ حيث سقطت معظم الأمطار خلال شهري يوليو وأغسطس، وكذلك في إقليم الجنوب الأفريقي نجد أن ثمة عجزاً ملحوظاً في معدل هطول الأمطار يزيد عن (160) ملم عبر شرق أنجولا وزامبيا وزيمبابوي ووسط موزمبيق على طول ساحل جنوب أفريقيا. وفي إقليم شرق أفريقيا نجد أن إثيوبيا وأوغندا وأجزاء من جنوب السودان وجنوب الصومال وكينيا وتنزانيا قد سجلت ظروفاً أكثر جفافاً من المعتاد.

4- التغير في مستوى المياه في البحيرات الكبرى: وهو ما يرتبط بشكل مباشر بظاهرة التغير المناخي في أفريقيا؛ ففي بحيرة فيكتوريا التي تعد أكبر بحيرة للمياه العذبة في القارة، وتمتد على مناطق من كينيا وتنزانيا وأوغندا، نجد أن نحو (80%) البحيرة يعاد ملؤها من الأمطار المباشرة، و(20%) فقط من حوض التصريف، ومن ثم فإن التغيرات في مستوى المياه تعكس بشكل أساسي أنماط هطول الأمطار، وقد شهدت البحيرة اختلافات كبيرة في مستوى المياه مع وجود ارتفاعات حادة في الأمطار خلال أعوام (1997–1998) و(2019–2021)؛ وذلك في مقابل وجود انخفاض خلال الفترة (1998–2006).

كما تقلصت المساحة الإجمالية لبحيرة تشاد، التي تقع بالقرب من الصحراء الكبرى وعلى الحدود مع كل من تشاد والكاميرون ونيجيريا والنيجر، من (25000) كم2 في الستينيات إلى (1350) كم2 مع مطلع العقد الأول من الألفية الجديدة، والتي ظلت مستقرة حتى الوقت الحاضر. ويمكن تفسير ذلك في ضوء التأثير المشترك لتغير المناخ من جانب والضغط الشديد على الموارد المائية للبحيرة من قِبل الإنسان من جانب آخر. وقد ترتب على ذلك انخفاض مساحة الأراضي الصالحة للزراعة ومواقع الرعي وتراجع إنتاج الأسماك وفقدان التنوع البيولوجي.

تأثيرات متباينة

تتعدد وتتنوع التداعيات المصاحبة لظاهرة التغيرات المناخية في أفريقيا، سواء الفعلية أو الكامنة، التي تشكل في مجملها تأثيراً على واقع ومسار تطور التنمية المستدامة في أفريقيا على النحو الوارد في إطار “أجندة أفريقيا 2063″،؛ وذلك على نحو يهدد الاستقرار  الداخلي في الدول الأفريقية. وتتمثل أهم هذه التداعيات فيما يلي:

1- تنامي موجات التهجير السكاني: وهو من أبرز التأثيرات المرتبطة بظاهرة تغير المناخ في أفريقيا؛ حيث تعتبر الفيضانات وموجات الجفاف المزمنة وارتفاع مستوى سطح البحر والظواهر الجوية المتطرفة من العوامل الرئيسية التي تؤثر على أنماط النزوح داخل وعبر الحدود الدولية. وتؤثر هذه الأوضاع المناخية بشدة على الذين يعيشون في المناطق الأكثر هشاشةً وتضرراً من النزاعات. ويقع اللاجئون والمشردون داخلياً في أفريقيا في الخطوط الأمامية من حيث التأثر بحالات الطوارئ المناخية؛ ففي عام 2021 نزح نحو (14.1) مليون شخص داخلياً في أفريقيا جنوب الصحراء؛ وذلك بواقع (11.5) مليون  شخص بسبب الصراع والعنف، ونحو (2.5) مليون شخص بسبب الكوارث، ويعيش الكثيرون منهم في مناطق مناخية ذات درجات حرارة عالية؛ حيث يفتقرون عادةً إلى الموارد اللازمة للتكيف مع الظروف البيئية القائمة على نحو قد يشكل لهم حالة من عدم الاستقرار بشكل متزايد.

كما تشير التقديرات إلى أن الإجهاد المائي المرتفع يؤثر على نحو (250) مليون شخص في أفريقيا، ومن المتوقع أن يؤدي إلى نزوح ما يصل إلى (700) مليون شخص بحلول عام 2030. ومن المرجح أن تؤدي الهجرة الناجمة عن المناخ إلى زيادة الكثافة السكانية وإنشاء مناطق مكتظة، والمساهمة في نمو المستوطنات غير الرسمية. وتؤدي هذه العوامل في مجملها إلى تصعيد مخاطر التوترات والنزاعات العرقية، ولعل من بينها تفاقم التوترات الموجودة مسبقاً بين المجتمعات التي تعتمد على الموارد الشحيحة، وتعميق أوجه عدم المساواة القائمة، ولا سيما عدم المساواة بين الجنسين، وكذلك زيادة ترسيخ الفقر، وهو ما يلحق ضرراً بالغاً بتحقيق أهداف التنمية المستدامة في أفريقيا.  

2- تراجع مستويات الأمن الغذائي: وهو ما يشكل أحد جوانب التأثير المصاحبة للتغير المناخي في أفريقيا؛ حيث ساهم ارتفاع درجات الحرارة في انخفاض نمو الإنتاجية الزراعية في أفريقيا بنسبة تصل إلى نحو (34%) منذ عام 1961؛ وذلك على نحو يفوق أي منطقة أخرى في العالم؛ ففي إقليم شرق أفريقيا، على سبيل المثال، نلاحظ وجود ارتفاع في أسعار المواد الغذائية بقدر كبير على نحو أعاق إمكانية توفير الغذاء والوصول إليه، وهو ما ساهم في وجود أكثر من (58) مليون شخص يعيشون في ظروف من انعدام الأمن الغذائي الحاد؛ وذلك نتيجة ما يشهده الإقليم من آثار مواسم الأمطار التراكمية الفاشلة، بجانب تصاعد موجات الصراعات المتوطنة في المنطقة ونزوح السكان المرتبط بها، والقيود المرتبطة بجائحة كورونا، فضلاً عن التأثيرات المصاحبة للحرب الروسية–الأوكرانية منذ أواخر فبراير الماضي.

ومن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه في المستقبل؛ ما يزيد مخاطر انعدام الأمن الغذائي الحاد وسوء التغذية في أفريقيا؛ إذ إنه من المرجح أن يصل الاحتباس الحراري إلى مستوى (1.5) درجة مئوية مصحوباً بانخفاض بنسبة (9%) من محصول الذرة في غرب أفريقيا، و(20%–60%) من محصول القمح في إقليمي الجنوب والشمال الأفريقيين، وأكثر من نحو (12%)  من محصول الصيد البحري في العديد من بلدان غرب أفريقيا. كما سيكون لتغير المناخ آثار خطيرة على الوظائف وإنتاجية العمل في قطاع الزراعة؛ ففي إقليم أفريقيا جنوب الصحراء الذي يعمل في إطاره نحو (55%–62%) من القوى العاملة في الزراعة، نجد أنه من المتوقع أن تنخفض قدرة العمل في الزراعة بنسبة (30-50%) مقارنة بالفترة الزمنية (1986–1995)؛ وذلك مع ارتفاع مستوى الاحتباس الحراري بمقدار (3) درجات مئوية.

3- تهديد استقرار الموارد المائية: ويعد من الجوانب المتأثرة بظاهرة التغير المناخي في أفريقيا؛ حيث يؤدي إلى وجود حالة من عدم الاستقرار والتقلبات المرتفعة في مستويات المياه بالبحيرات، كما يؤثر على تصريف الأنهار ومعدلات إعادة تغذية المياه الجوفية؛ ففي غرب أفريقيا يُعزى الانخفاض الطويل الأجل في تدفق مياه الأنهار إلى زيادة درجة الحرارة والجفاف وزيادة الطلب على المياه، وبطبيعة الحال فإن هذا الأمر له آثاره الخطيرة على القطاعات المعتمدة على المياه؛ وذلك من قبيل إنتاج الطاقة الكهرومائية والزراعة  والصحة  والوصول إلى المياه الصالحة للشرب.

كما تعتبر محدودية توافر الموارد المائية بمنزلة مصدر رئيسي من المصادر المؤججة للصراعات في أفريقيا؛ حيث لا تزال أفريقيا تواجه فجوات عديدة في القدرات في مجال الخدمات المناخية العالية الجودة والموثوقة المتعلقة بالمياه؛ حيث إن نحو (27%) فقط من البلدان الأفريقية – وهو ما يمثل نحو (22) دولة – تقدم خدمات مناخية متعلقة بالمياه، من قبيل خدمات التنبؤ أو الإنذار بالجفاف، ويعزز من صعوبة الواقع القائم في هذا الشأن أنه لا يزال نحو (418) مليون شخص يفتقرون إلى المستوى الأساسي من خدمات مياه الشرب، كما يفتقر نحو (779) مليون شخص إلى خدمات الصرف الصحي، بالإضافة إلى أن نحو (27) دولة أفريقية لديها قدرة غير كافية على تنفيذ عناصر الإدارة المتكاملة لموارد المياه بشكل فعال؛ وذلك وفق تقرير حالة المناخ في أفريقيا لعام 2021.

4- تزايد المخاطر على المدن والمستوطنات الساحلية: وهو ما يشكل أحد التأثيرات المرتبطة بالتغير المناخي في أفريقيا؛ حيث أدى النمو السكاني المرتفع وحركة التحضر السريع في أفريقيا إلى زيادة تعرض المواطنين والبنية التحتية للمخاطر المناخية؛ حيث إن من المتوقع أن يتعرض نحو (108–116) مليون شخص في أفريقيا لارتفاع مستوى سطح البحر بحلول عام 2030، الذي سيؤدي بدوره إلى زيادة تواتر الفيضانات الساحلية وتآكل السواحل وملوحة التربة بسبب تسرب مياه البحر، وهو ما يشكل زيادة في معدل المخاطر على المستوطنات الساحلية في أفريقيا والاقتصادات والنظم البيئية؛ إذ إن الأضرار المرتبطة بارتفاع مستوى سطح البحر في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء يمكن أن تصل إلى نحو (2-4%) من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2050.

5- تصاعد الاضطرابات السياسية والأمنية: لا تنفصل قضية التغيرات المناخية في أفريقيا عن الاضطرابات السياسية والأمنية؛ لأن التداعيات الناجمة عن التغيرات المناخية تنتج مطالب مجتمعية جديدة تفرض ضغوطاً على الأنظمة الحاكمة وتطالبها بالاستجابة السريعة، كما تكشف الكثير من التقارير أن ظواهر التغير المناخي، مثل التصحر والجفاف، تعتبر من محفزات اندلاع نزاعات محلية بين المزارعين والرعاة حول الموارد والأراضي الصالحة للرعي، وهو الأمر الذي يؤدي إلى المزيد من الهشاشة الأمنية والسياسية في الدول الأفريقية.

سبل مقترحة

تطرح الرؤية المستقبلية ضرورة تبني جملة من السبل المقترحة لتفعيل استجابة أفريقيا لظاهرة التغير المناخي بشكل يقلل حجم الآثار والتداعيات السلبية المصاحبة لها، ولعل من أبرزها ما يلي:

1- تعزيز تنفيذ نظام الإنذار المبكر بالأخطار المتعددة (MHEWS): ويعد بمنزلة آلية هامة لجمع وتحليل المعلومات بشأن مختلف المخاطر والتهديدات المرتبطة بالتغيرات المناخية في أفريقيا، والعمل على ترشيح أفضل المسارات الممكنة والمحتملة للتعامل معها بكفاءة.

2- تسريع إنشاء وتفعيل الأطر الوطنية للخدمات المناخية (NFCS): وهو ما سيسهم في تعزيز انخراط مختلف أطراف المصلحة وسيعمل على تنمية وتوزيع الخدمات المناخية لدعم السياسات والاستراتيجيات الحكومية للتعامل مع تغير المناخ.

3- تبني نهج عملي بشأن التكيف مع المناخ في أفريقيا: ويتضمن تعزيز قدرة الدول الأفريقية فيما يتعلق بتحليل المناخ وتقديم الخدمات المناخية من خلال المؤسسات الوطنية المعنية وتحديد واختيار أولويات العمل المناخي وصياغة وتنفيذ السياسات الوطنية المتعلقة بالمناخ بما في ذلك الأهداف الأكثر حساسية للمناخ من أهداف التنمية المستدامة.

4- إتاحة الدعم المالي من قِبل المجتمع الدولي: ويعد ضرورياًلتعزيز قدرة الدول الأفريقية على تنفيذ المساهمات المحددة لها على المستوى الوطني بالكامل، ومن الممكن أن يتحقق هذا الدعم من خلال عدة مصادر لعل من بينها بناء القدرات ونقل التكنولوجيا والمنح والقروض الميسرة.

وختاماً يمكن القول إن مواجهة التداعيات المرتبطة بالتغير المناخي في أفريقيا تتطلب التحرك في ثلاثة مسارات متوازية: أما الأول فيتمثل في المسار الوطني عبر تبني الخطط والسياسات الوطنية المعنية، سواء بالتكيف مع التغيرات المناخية أو التخفيف من المخاطر والتهديدات الملازمة لها، بينما يكمن الثاني في تبني الترتيبات والسياسات الأفريقية المشتركة القائمة على التنسيق البيني للاستجابة لهذه الظاهرة، سواء تحت مظلة الاتحاد الأفريقي أو التجمعات الإقليمية الفرعية، في حين يتمثل الثالث في دعم مختلف الأطر الدولية المعنية بمكافحة التغير المناخي وتعزيز التنسيق مع مختلف الأطراف الدولية في هذا الشأن.  


إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية