هدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بعد التقدم الذي أحرزته القوات الأوكرانية بدعم من القوى الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بإمكانية اللجوءإلى استخدام السلاح النووي لحسم الحرب الأوكرانية لصالحه، وهو الأمر الذي أكد المسؤولون الأمريكيون أنه سيكون ذا عواقب وخيمة، وستتبعه ردود فعل غير متوقعة. لكن الولايات المتحدة لم توضح كيف سترد إذا نفذت موسكو تهديداتها، متبعة سياسة “الغموض الاستراتيجي” الذي تلجأ إليه الدول لردع الأعداء عن استخدام الأسلحة النووية؛ لأن الدول المهددة باستخدام السلاح النووي لا تدرك الخطر الذي سيواجهها إذا أقدمت على تلك الخطوة بما يدفعها إلى النأي عنها واللجوء إلى التفاوض.

وتشير التقارير الصحفية إلى وجود اتصالات مستمرة بين الجانبين الروسي والأمريكي على مدار الأشهر الأخيرة. وقد أفاد مسؤولون أمريكيون بعدم وجود أي مؤشرات تم رصدها بواسطة الأقمار الصناعية والكاميرات المخبأة أو حتى العملاء المحليين على أن موسكو ستستخدم أسلحتها النووية؛ حيث لم يتم نقل رؤوس نووية أو تحميلها على طائرات حربية. وبالرغم من كل ذلك، فإن موسكو وواشنطن الآن في موقف صعب، وسيضطر كل منهما إلى اتخاذ خيارات قد تساعد على درء أو تصعيد الأزمة.

حسابات موسكو

اللجوء إلى قرار استخدام الأسلحة النووية في الحروب عملية معقدة، وفي حالة الحرب الروسية الأوكرانية، فإن موسكو لن تستخدم السلاح ضد كييف، لكنها ستستخدمه ضد الولايات المتحدة وحلفائها في الغرب من دول حلف شمال الأطلسي (حلف الناتو) الذين يعملون على دعم أوكرانيا. وفيما يلي يمكن توضيح مدى قدرة روسيا على تنفيذ تهديداتها باللجوء إلى السلاح النووي في الحرب ضد أوكرانيا على النحو التالي:

1– تلويح بوتين المتكرر باللجوء للأسلحة النووية: يؤكد المسؤولون الأمريكيون أن روسيا لم تُظهر أي بوادر على أنها ستوجه ضربة نووية إلى الأراضي الأوكرانية لإنهاء الحرب لصالحها، مشيرين إلى أن حديث الرئيس الروسي ما هو إلا مجرد تهديدات مكررة منذ بدء الحرب في 24 فبراير الماضي لردع الغرب وابتزازه، وتحديداً الولايات المتحدة، ومنعه من تقديم المزيد من المساعدات العسكرية إلى أوكرانيا، التي كانت سبباً في مساعدة القوات الأوكرانية على التقدم في المناطق التي سبق أن سيطرت عليها القوات الروسية.

2- تفضيل موسكو الأسلحة النووية التكتيكية: من المحتمل أن يلجأ الكرملين إلى تنفيذ وعوده عبر استخدام أسلحة نووية تكتيكية وشن ما يعرف بـ”الحرب النووية المحدودة” النطاق والأثر، وهو ما سيكون ذا عواقب وخيمة على كييف والغرب، لكنه سيكون ذا نتائج إيجابية على موسكو التي ستحد من التصعيد الغربي ضدها في أوكرانيا، وتجبر الطرف الآخر على الخضوع لشروطها. ويتوقف القرار باستخدام السلاح النووي هنا على عقل وشخصية وحسابات الشخص الحاكم، وفي حالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، فإن هذا القرار ستكون غير مستبعد الحدوث، بالنظر إلى حبه لاستعراض القوة، ورغبته في إثبات نفسه على المستويين الداخلي والخارجي.

2– صعوبة لجوء روسيا للخيار النووي: أعرب الخطاب الأخير للرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي هدد فيه باستخدام السلاح النووي عن يأسه من الخروج منتصراً من الصراع في أوكرانيا. وبالرغم من أن اللجوء لاستخدام السلاح النووي لن يحظى بتأييد واسع على المستوى الداخلي الروسي، كما أنه قد يعرض حكومة بوتين للخطر، ولا سيما أنه قد يتسبب في دخول موسكو في مواجهة مباشرة ضد القوى الكبرى في حلف الناتو، فضلاً عن الخسائر الاقتصادية التي ستتكبدها، بجانب تخلي حلفائها عنها على غرار الصين التي ستدعم في تلك الحالة العقوبات التي سيفرضها مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة عليها.. بالرغم من كل ذلك، فإنه قد يساعد على زيادة تعبئة الجنود في الحرب ضد أوكرانيا، التي إذا خسرها نظام بوتين فإنه سيتعرض للخطر أيضاً. ومع ذلك فإن مكاسب استخدام الأسلحة النووية ستكون أقل مقارنة بالخسائر التي ستتكبدها موسكو، خاصة إذا لجأت القوة الغربية إلى التصعيد.

خيارات واشنطن

يتسم الموقف الأمريكي الراهن تجاه آلية الرد على روسيا إذا لجأت لاستخدام الأسلحة النووية في أوكرانيا لإنهاء الحرب التقليدية لصالحها بالضبابية؛ إذ لم تكشف الإدارة الأمريكية عن النهج الذي ستتبعه، واكتفى الرئيس جو بايدن بالقول إن “الرد سيعتمد على مدى ما يفعلونه”. ومع ذلك يمكن الإشارة فيما يأتي إلى سيناريوهات من المتوقع حدوثها إذا نفذت موسكو تهديدها، وهي كالتالي:

1- الرد بضربات عسكرية مباشرة: قد تلجأ الولايات المتحدة لتوجيه ضربات عسكرية مباشرة إلى روسيا إذا قامت الأخيرة باستخدام الأسلحة النووية الصغيرة في أوكرانيا. ولكن في هذه الحالة سيدخل حلف الناتو على الخط، وسيكون قادراً على ضرب واستهداف الأسطول الروسي في البحر الأسود متسبباً في خسائر كبيرة لموسكو. ولكن هناك صعوبة في تحقق هذا السيناريو بالنظر إلى العواقب التي ستليه بالنظر إلى امتلاك القوى الغربية، بجانب موسكو، أسلحة نووية؛ ما يعني إمكانية نشوب حرب عالمية ثالثة، وهو أمر لن تسعى الولايات المتحدة والقوى الغربية للانزلاق نحوه، لا سيما أن إدارة جو بايدن سبق أن وعدت بتقليل لجوئها إلى استخدام الأدوات العسكرية، والاعتماد بدرجة أكبر على الأدوات الدبلوماسية، كما أن الدول الأوروبية لا زالت تعاني بشدة من تبعات الحرب الروسية–الأوكرانية عليها، ولم تتعاف الاقتصاديات الغربية من تبعات جائحة فيروس كوفيد-19.

2– القبول بالشروط الروسية: قد تضطر الولايات المتحدة وحلفاؤها في الغرب إلى قبول المفاوضات مع روسيا وفقاً لشروطها، مع السماح لها بالسيطرة على أجزاء أكبر في أوكرانيا؛ وذلك لوقف التصعيد، والحيلولة دون دفع الكرملين إلى استخدام السلاح النووي؛ وذلك لأنه إذا تم استخدام السلاح االنووي فستختل موازين القوى في ساحة المعركة وستكون في صالح موسكو، وسيكون الغرب مضطراً للقبول بشروطها إذا لم يرغب في التصعيد العسكري. وفي هذه الحالة ستكون الولايات المتحدة مضطرة إلى وقف الدعم العسكري الذي تقدمه لكييف لمنعها من استفزاز الطرف الروسي، وللتوقف عن إطالة أمد الحرب التي قد تدفع الطرف الروسي إلى التصرف بتهور واستخدام الأسلحة النووية لتعويض خسائره.

3– خطابات مناهضة للسلوك الروسي: في ظل عدم رغبة الإدارة الأمريكية في الاشتباك في حروب مباشرة تكلفها خسائر بشرية ومالية كبيرة، فإنها قد تلجأ إذا نفذ بوتين تهديده واستخدم الأسلحة النووية لردع القوى الغربية، حتى لو استهدف بها منطقة فارغة من أوكرانيا لتقليل الخسائر البشرية، إلى ترديد خطابات مناهضة ومنددة للسلوك الروسي غير المنضبط، دون أن تدخل في مواجهة عسكرية مباشرة، كما أنها قد تطبق المزيد من العقوبات الاقتصادية بالاتفاق مع حلفائها لتضييق الخناق الاقتصادي بدرجة أكبر على نظام بوتين، وهو ما سيجعله معرضاً للخطر أيضاً في ظل معاناته من الكلفة الاقتصادية الكبيرة لحربه في أوكرانيا؛ ما قد يسمح بتأليب الشعب الروسي ضده.

4– الأخذ بدبلوماسية القنوات الخلفية: لعل الخطوة الأكثر فائدة التي قد تؤدي إلى وقف التصعيد الروسي هي “دبلوماسية القنوات الخلفية” من خلال مسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية للتفاوض مع نظرائهم في الحكومة الروسية، على غرار مدير وكالة الاستخبارات المركزية، وتوضيح أن الولايات المتحدة سترد بقسوة على تلك الخطوة، وهي أهم مبادرة يجب تنفيذها، لا سيما أنها كانت سبباً قبل ذلك في إزالة الغموض وسوء الفهم، وحل أزمة الصواريخ الكوبية بين الولايات المتحدة وروسيا، التي كانت ستدفع الطرفين إلى حرب نووية.

وختاماً، يمكن القول إن لجوء روسيا لاستخدام الأسلحة النووية التكتيكية أمر غير مستبعد الحدوث، بالنظر إلى الضغوط التي يتعرض لها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لكن طبيعة الرد الأمريكي على تلك الخطوة ستتوقف على حجم الأضرار والخسائر التي ستتسبب بها الضربة الروسية النووية؛ لأنها قد تكون مجرد ضربة نووية رادعة فوق منطقة فارغة لا تخلف خسائر بشرية. ومع ذلك إذا نفذت روسيا تهديداتها واستخدمت الأسلحة النووية الصغيرة، فهذا سيشجع قوى نووية أخرى – يصل عددها على مستوى العالم إلى 9 دول – على استخدام السلاح النووي لمواجهة خصومها دون النظر إلى تكلفة ذلك، أو الخوف من عواقبه على مختلف المستويات، بما سيغير أخلاقيات الحرب، وسيضر بسيادة القانون الدولي الإنساني؛ وذلك على غرار كوريا الشمالية التي إن لم تكن بقوة روسيا أو مكانتها، لكن حاكمها قد يفعل ذلك لإجبار القوى الغربية على التفاوض معه وتخفيف العقوبات عنه.

إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية