تعد العلوم السياسية فرعًا من فروع العلوم الاجتماعية. يرجع أصل كلمة سياسي Political إلى اشتقاقها من كلمة Politics، التي تعود بدورها إلى لفظة “Polis” التي تعني دولة المدينة city-state، ومن هنا ارتبطت السياسة بالدولة في أذهان الناس بكل ما يتعلق بشئون الحكم والإدارة[1]. ومع ذلك يظل مفهوم السياسة Politics يحمل معانيَ متعددة ومتباينة؛ فيمكن اعتباره علمًا يتدراسه العلماء والباحثون، ويمكن اعتباره نشاطًا يمكن لأي شخص أن يقوم به في عمله مع زملائه أو مع أفراد أسرته، ويمكن اعتباره وظيفةً كما في حالة الوزراء والساسة وما يفعلونه طبقًا للمناصب التي يشغلونها، ويمكن اعتباره أدورًا ومهمات تُؤدى كما نتحدث عن السياسات الداخلية أو السياسة الخارجية[2].

مفهوم السياسة والعلوم السياسية
وفقًا لدائرة معارف العلوم الاجتماعية، فالعلوم السياسية هي “تخصص أكاديمي يختص بوصف وتفسير وتحليل وتقييم السياسة والسلطة بشكل منهجي”. يمكن تسمية العلوم السياسية بشكل أكثر دقة بـ”علم السياسة Politology”، كما هو الحال بالفعل في بعض الدول الأوروبية؛ لأن بعض ممارسيها يرفضون فكرة أنّ تخصصهم يشبه العلوم الطبيعية، ولأن الموضوع لا يحتوي على نمط واحد فريد على مستوى النظرية أو النموذج بخلاف بعض العلوم الطبيعية[3].

تناولت الموسوعات ودوائر المعارف تعريفات العلوم السياسية
تناولت الموسوعات ودوائر المعارف تعريفات العلوم السياسية
وفي دائرة المعارف البريطانية، نجد تعريفًا مختلفًا للعلوم السياسية، وذلك باعتبارها “الدراسة المنهجية للحكم من خلال تطبيق أساليب التحليل التجريبية والعلمية بشكل عام”. وبالرغم من أن العلوم السياسية تهتمّ عادة بفحص الدولة وأجهزتها ومؤسساتها، إلا أنّ حدود العلوم السياسية في العصر الراهن أوسع بكثير من ذلك، حيث تشمل – على سبيل المثال- دراسات لجميع العوامل الاجتماعية والثقافية والنفسية التي تؤثر بشكل متبادل على عمل الحكومة[4].

وبالنسبة لمفهوم السياسة، يمكننا أن نميز بين أربعة مفاهيم أساسية[5]:

مفهوم معياري: يُعرّف السياسة على أنها “إيجاد نظام جيد والحفاظ عليه”، مما يعني الربط بين الأخلاق من جهة وبين السياسة من جهة أخرى، من خلال توجيه وضبط الممارسات، إذن الحديث هنا عن (فلسفة علمية).
مفهوم براجماتي أو واقعي: يُعرف السياسة على أنها “أداة للعمل من خلال امتلاك السلطة”، مع رفض وضع أهداف أخلاقية، لأن الأخلاق يصعب تحديدها من الناحية العملية.
مفهوم سياسي-اقتصادي: يعرف السياسة على أنها “صراع طبقي وهيمنة للعلاقات الاجتماعية والاقتصادية”.
مفهوم نظري للأنظمة: أي أن السياسة “نظام فرعي للمجتمع، حيث يسعى النظام إلى تحقيق إنجازات اجتماعية شاملة وضرورية”.
وهناك تجاه آخر يرى أن هناك ثلاثة أسس تعود إليها مفاهيم السياسة، وهي[6]:

المنطق الذرائعي: على أساس أن السياسة هي صراع من أجل السلطة، مع اعتبار التفكير السياسي هادفًا إلى اكتساب السلطة والحفاظ عليها.
المنطق اللاهوتي الأخروي: الذي يعتبر أن السياسة طريق إلى السلام الكامل مع العدالة التامة، والتفكير السياسي هنا هو جزء من التفكير اللاهوتي الموجه إلى الأخرى بعد الممات، فهو يربط السياسة الدنيوية بالعالم الآخر الأخروي.
منطق السياسة بمعنى التدبير: أي السياسة هي محاول لإيجاد تسويات سلمية لما يطرأ من خلافات بين المواطنين.
هل السياسة علم قديم أم حديث؟
هناك تساؤل مهم وضروي: هل علم السياسة علم قديم أم حديث؟ الإجابة تكشف أنه علم يجمع بين النقيضين[7]، فالسياسة تخصص قديم جدًا تعود أصوله إلى الفكر اليوناني القديم، وإلى أقدم العصور التي تعرفت عليها البشرية، وفي الوقت نفسه فهي علم حديث نسبيًا مقارنة بغيره من العلوم التي توصل إليها الإنسان، فبدايات ظهور علم السياسة الحديث بصورة أكاديمية متخصصة تعود إلى عام 1856م، عندما أنشئ لأول مرة كرسي مستقل لعلم السياسة بجامعة كولومبيا بالولايات المتحدة[8]، ثم زاد انتشار العلم والدراسات عليه في معظم بلدان العالم في أعقاب الحرب العالمية الثانية.

وقد أقرت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) بعلم السياسة كعلم مستقل بذاته عام 1948، وتحديد أربعة فروع رئيسية له، وهي: النظرية السياسية، والنظم السياسية، والإدارة العامة، والعلاقات الدولية.

فيم تبحث العلوم السياسية؟
تجيب العلوم السياسية – أو هكذا يُفترض- من خلال أدواتها عن ثلاثة أسئلة رئيسية؛ (مَن) يحصل على (ماذا)؟ و(كيف)؟ وهذه الأسئلة طرحها عالم السياسة هارولد لوسيل كتعريف لعلم السياسة، وهذه الأسئلة ثابتة في جميع الدول والمجتمعات على مر الأزمنة؛ ومع ذلك فالإجابات تختلف اختلافًا شديدًا باختلاف الإطار السياسي، فمن يعيش في مجتمع قبَلي ستختلف إجاباته ولا شك مع نظيره في دولة من الدول الغربية[9].

أبرز الفروع المعرفية للعلوم السياسية
كما ذكرنا، فالعلوم السياسية يندرج تحتها الكثير من الفروع المعرفية، وفي كل فرع نجد هناك مدارسَ مختلفةً في هذا العلم، ويمكن أن نعرضها بشكل موجز كما يلي:

الفلسفة السياسية والفكر السياسي
لدراسة قضايا الفكر السياسي والفلسفة السياسية يُقسم التاريخ إلى مراحل أربع[10]:

النشأة الأولى لفلسفة السياسة، وتنقسم إلى ثلاثة أقسام؛ فلسفة السياسة لدى كل من: الإغريق، ولدى الصينيين، ولدى الهنود.
فلسفة السياسة في العصر الوسيط، التي تدرس أعمال روادها مثل القديس أوجستين وتوما الأكويني.
فلسفة السياسة في العصر الحديث، التي تدرس أعمال روادها مثل ميكافيللي وجون لوك وتوماس هوبز وجان جاك روسو.
فلسفة السياسة المعاصرة، وهذه تهتم بدراسة المذهب المحافظ والمذهب الليبرالي والمذهب الماركسي وهكذا.
ويتضح مما سبق الغياب التام للفلسفات والأفكار غير الغربية، مثل الأفكار والفلسفات الشرقية (الإسلامية أو الهندية أو الصينية)، وهو ما يبرز تحيّزًا معرفيًا، تعمل المؤسسات التعليمية في العالم العربي على تلافيه، عبر تدريس الفكر السياسي العربي والإسلامي بشكليه القديم والمعاصر.

النظم السياسية
تهتم النظم السياسية بدراسة عدد من القضايا المهمة منها:

ماهية النظم السياسية والأسس القانونية والدستورية لها.
نظريات السياسة المقارنة.
النظم السياسية المقارنة، وفيها يتم دراسة النظم السياسية في عدد مختلف من الدول شرقًا وغربًا لتوضيح الفروق بينها.
أنواع الأنظمة؛ ملكية أو دستورية.
الهيئات الثلاث؛ التشريعية والتنفيذية والقضائية، وطبيعة العلاقات بينها.
قضايا الرأي العام والإعلام وعلاقتهم بالنظام السياسي.
العلاقات الدولية
مفهوم العلاقات الدولية والنظام الدولي.
تاريخ العلاقات الدولية وتطور النظام الدولي.
القانون الدولي والمنظمات الدولية والإقليمية والمتخصصة.
نظريات العلاقات الدولية، النظريات الواقعية (الكلاسيكية والجديدة) والليبرالية والماركسية والبنائية والنقدية والمنظور الإسلامي والمدرسة الصينية.
تحليل السياسة الخارجية وأدواتها.
الجغرافية السياسية والجيوبولتيك.
قضايا الاستراتيجية والأمن القومي والأمن الدولي.

التداخلات المعرفية للعلوم السياسية
تتنوع القضايا والمجالات والتفريعات التي تبحث فيها العلوم السياسية؛ فهناك الفروع المعرفية المتضمّنة بداخلها، مثل: الفكر السياسي، والنظرية السياسية، والتاريخ السياسي، والمؤسسات السياسية، والتحليل السياسي المقارن، والإدارة العامة، والسياسة العامة، والاختيار العقلاني، وعلم الاجتماع السياسي، والعلاقات الدولية، ونظريات الدولة.

كما أن هناك علومًا بينية تجمع بين العلوم السياسية وغيرها، كالجغرافيا السياسية والجيوبولتيك، واللذان يهتمان بالتأثير المتبادل بين الظاهرتين السياسية والجغرافية على بعضها، وكذلك كل من علم اجتماع السياسة وعلم الاجتماع السياسي واللذان يهتمان بالتأثير المتبادل بين الظاهرتين السياسية والاجتماعية، وعلم النفس السياسي الذي يهتم بفهم التفاعلات السياسية وسلوكيات السياسيين من منظور نفسي.

تحظى العلوم السياسية بروافد وتداخلات مع علوم أخرى
تحظى العلوم السياسية بروافد وتداخلات مع علوم أخرى
أما عن القانون والفلسفة، فهما بمثابة الوالدين الشرعيين لعلم السياسة، فالقانون يسعى لضبط التعاملات بين البشر، وأنتج تفاعله مع السياسة فروعًا معرفية متعددة مثل القانون الدستوري والقانون الإداري على المستوى الداخلي والقانون الدولي على المستوى الخارجي، وبحث الفلاسفة في القواعد النظرية والقيم الكبرى التي يجب على الفاعل السياسي أن يتجه نحوها[11]، ونتج عن هذا فرع معرفي يسمى “الفلسفة السياسية”.

هناك أيضًا علم الاقتصاد نظير علم السياسة، وهناك عددٌ من الجامعات العربية التي تبنت دراسة العلوم السياسية بجانب الاقتصاد في كلية واحدة كما في مصر على سبيل المثال، بخلاف دول المغرب العربي التي تُدرّس العلوم السياسية بجانب دراسة القانون. في الأخير، فعلاقة السياسة بالاقتصاد وتأثير كلٍ منهما على الآخر من المواضيع الأساسية التي تُدرس ضمن العلوم السياسية، ولعل الاقتصاد السياسي أحد أبرز منتجات تفاعلهما، سواء كان على المستوى الداخلي بين الحاكم والمحكوم، أو على مستوى العلاقات بين الدول والفاعلين الدوليين فيما يُعرف بالاقتصاد السياسي الدولي.

أبرز المؤلفات في العلوم السياسية
لا شكّ أن هناك كتبًا مرّ عليها قرون لكنها لا زالت ذات تأثير في قضايا الفلسفة والأفكار السياسية والنظم السياسية، مثل: كتاب الجمهورية لأفلاطون، وكتاب السياسة لأرسطو، وتاريخ الحرب البلوبونيزية لثيوسيديدس، والأمير لميكافيللي، والليفاثان لتوماس هوبز، والعقد الاجتماعي لجان جاك روسو، والحكومة المدنية لجون لوك.

وفي الجانب الآخر، فهناك كتب مؤسسة للفكر السياسي الإسلامي، مثل: كتاب الأحكام السلطانية للماوردي، وكتاب السير الكبير للشيباني، والغياثي للجويني، والسياسة الشرعية لابن تيمية.

أخيرًا، إلى الآن لا يزال الاتفاق على حدود تخصص العلوم السياسية ومناهجها وقضايا بعيد المنال، فالمشكلات التي تواجه المجتمعات تتباين تباينًا شاسعًا، بل أحيانًا ما يتم اعتباره مشكلة في بلد ما، يتم اعتباره هو هو ذاته امتيازًا في بلدٍ آخر، وإن كان الاتفاق حول ماهية العلوم السياسية صعبًا في عصر الحداثة، فقد صار أقرب للمستحيل في عصر ما بعد الحداثة.

هوامش ومصادر
[1] هادي الشايب ورضوان يحيى، مقدمة في علم السياسة والعلاقات الدولية، المركز الديمقراطي العربي، صـ10.

[2] Bertrand Badie, International Encyclopedia of Political Science, P1.

[3] Adam Kuper, Jessica Kupar, The Social Science Encyclopedia, Routledge, 2nd edition, P1084.

[4] Britannica definition of Political Science, https://www.britannica.com/topic/political-science

[5] أندرياس فيرإيكه وآخرون، أطلس العلوم السياسية، المكتبة الشرقية، صـ11.

[6] المرجع السابق، صـ11

[7] ليوناردو مورلينو وآخرون، علم السياسة: منظور عالمي، معهد البحوث والدراسات العربية، صـ26.

[8] كنعان حمة غريب عبدالله، اتجاهات البحث في علم السياسة: دراسة نقدية في الأسس المعرفية للتحليل السياسي، أطروحة دكتوراة بجامع النيليين، صـ

[9] مشاري حمد الرويح، العلوم السياسية: مقدمة أساسية، عالم الأدب، صـ11

[10] المرجع السابق، صـ13.

[11] التجاني عبدالقادر حامد، مقدمة في فلسفة السياسة، مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية، صـ11

رابط المقال الأصلي