قد لا يكون إمام السلطة النافذة في الغرب اليوم سوى اجتراح الحلول المناسبة لإعادة تكييف أوضاعها مع التحولات التي يشهدها العالم منذ عقدين انصرما. بيد أنه على الرغم من سَيْل الاستراتيجيات التي توضع بهدف الاحتفاظ بالهيمنة على العالم في العقود المقبلة، فإن ثمة مؤشِّرات على ظهور تعددية قطبية في النظام الدولي قد تؤدي إلى إخفاق هذه الاستراتيجيات أو على الأقل التقليل من فاعليتها.

هذه المؤشرات أضاء عليها المفكِّر والأكاديمي الألماني أوليفر ستونكل  في كتابه” ما بعد العالم الغربي”، حيث أشار بعمق إلى تداعيات الديمقراطية الرأسمالية وتهافتها، كما بيّن الآثار الناجمة عن التنافس الحاد المفتوح ما بين الولايات المتحدة الأميركية من جهة، والقوى الناشئة، وعلى رأسها الصين، من جهة ثانية.

المحرِّر


يعتقد العديد من العلماء الغربيين أن القوى الناشئة سوف تسعى إلى تقويض المؤسسات الغربية، وإضعاف القواعد والمعايير التي تقوم عليها. هذا الاعتقاد قائم على فهم خاطئ بأن القواعد المعمول بها اليوم هي في طبيعتها غربية بحتة، وبالتالي فهي غريبة عن القوى الناشئة مثل الصين والهند.

هذه الفكرة هي نتاج الرؤية العالمية التي تتمحور حول الغرب من دون أن تعترف بالدور المهم الذي لعبته القوى غير الغربية في إرساء النظام العالمي الحالي، خصوصًا في ما يتعلق بالركائز الأساسية مثل تقرير المصير، والسيادة، وحقوق الإنسان. هذا الشعور بالاستملاك يوضح سبب عدم اقتراح صنّاع السياسة في برازيليا ونيودلهي وبكين قواعد جديدة. وهنا تعتبر مسؤولية الحماية مثالًا جيدًا، ففي حين يعتقد المعلقون الغربيون في الغالب أن دولًا مثل الصين والهند والبرازيل لا تتفق مع معيار مسؤولية الحماية، توافق القوى الناشئة تمامًا على هذا الاعتقاد من حيث المبدأ، ومع ذلك فهي تشعر بالقلق بشأن الطريقة التي توظّف بها القوى الغربية هذه المسؤولية كما بات واضحًا في أعقاب التدخل العسكري الذي قاده حلف شمال الأطلسي في ليبيا في العام 2011.

لذلك، سيكون من الخطأ افتراض أن المؤسسات الجديدة – من بنك الاستثمار في البنية التحتية الآسيوي، ومصرف التنمية الجديد، إلى مؤتمر تدابير التفاعل وبناء الثقة في آسيا – سوف تضطلع بصياغة المعايير الجديدة والوازنة التي تعتمد على المعايير الدولية، أو أنها ستعزز مثل هذه المعايير التي يجب، بالاستناد إليها، تنظيم الشؤون الدولية في حقبة ما بعد العالم الغربي. بدلاً من ذلك، تسعى الصين من خلال إنشاء مؤسسات جديدة وقيادتها، إلى محاكاة القيادة على النمط الأميركي: أي تلك القائمة على قواعد محدَّدة من دون أن تخلو من المزيد من النفوذ الكامن ومن الحق في التصرف بين الحين والآخر، من دون طلب “الضوء الأخضر” لذلك- وهذا هو الحق الذي يسمح بخرق القواعد إذا ما ارتأى ذلك صناع القرار في بكين. في الياق عينه، تفعل القوى الصاعدة الأخرى مثل البرازيل والهند الشيء نفسه إنما على مستوى إقليمي، وهو ما تمثَّل بالقرار الذي اتخذته البرازيل بتجاهل حتى الطلب الذي تقدمت به لجنة حقوق الإنسان التابعة لمنظمة الدول الأميركية لوقف بناء سد في غابة الأمازون لأن الحكومة قد فشلت باستكمال المشاورات الشرعية مع السكان الأصليين. فعلى مدى فترة طويلة ظل هذا النوع من “الإقصاء الإقليمي” شائعًا، ولكن في ظل النظام الحالي، باتت الولايات المتحدة وحدها من يتمتع “بالإقصاء العالمي”، الذي يُرمز إليه بحرية انتهاك القانون الدولي مرارًا وتكرارًا، والتدخل عسكريًا في الدول البعيدة جغرافيًا منذ الحرب العالمية الثانية، من دون معاقبةٍ من المجتمع الدولي.

بصرف النظر عن الحق في التصرف من دون طلب “الضوء الأخضر” عندما تكون المصلحة الوطنية على المحك، تتمتع الولايات المتحدة بنفوذ إضافي منحتها إياه مجموعة من الاتفاقات الصريحة أو الضمنية. ستسعى الصين وغيرها من الدول إلى محاكاة الامتيازات نفسها في المؤسسات التي تنشئها. ثمة ميزة إضافية واضحة جدًا هي الموقع الجغرافي. ففي حين توجد مقرات الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في الولايات المتحدة، مما يوفر للحكومة الأميركية سهولة الوصول إليها، تقع مقرات المؤسسات الجديدة في الصين. وفي حين تستطيع حكومة الولايات المتحدة تعيين رئيس البنك الدولي، فإن الحكومة الصينية ستلعب دورًا كبيرًا في اختيار الهيكليات القيادية لمؤسسات مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، على الرغم من أنها قد تحاول في البداية أن تبدو أقل استغلالًا. فلا يمكن التقليل من أهمية السيطرة على عملية اختيار القيادة بالنسبة إلى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وينجم عن هذه السيطرة القدرة على تفضيل بعض الحكومات على حكومات أخرى على أساس المصالح الاستراتيجية، وقد استخدمت الولايات المتحدة وأوروبا، على مدى العقود الماضية، هذا الامتياز على نطاق واسع.

عوضًا عن مواجهة المؤسسات القائمة بشكل مباشر، ستواصل الصين تقديم الدعم لها، إلا أنها في الوقت نفسه ستسعى إلى شغل مساحاتها المؤسسية الخاصة. وهو ما سوف يساعدها على الحؤول دون احتمال أن تؤدي الانتهاكات العرضية إلى طردها. ويعتبر الرد على تدخل الولايات المتحدة في العراق مثالًا على ذلك: فنظرًا لوضعها المؤسسي المميز، لم يطرح أحد في ذلك الوقت فكرة استبعاد الولايات المتحدة من مجموعة الثماني. ولم يقترح أحد مطالبة ماستركارد وفيزا بالتوقف عن التعامل مع البنوك الأميركية والعملاء الأميركيين. وحتى لو أن أحدًا ما قد اقترح ذلك، لكان أمرًا مستحيل التحقق نظرًا لأن مقر الشركتين في الولايات المتحدة. من وجهة نظر مؤسسية، تتمتع الولايات المتحدة بالمركزية التي تجعل من غير الممكن معاقبتها، مما يضفي الطابع الرسمي على الموقف الاستثنائي باحتكار الحق في التصرف من جانب واحد كلما شعرت بضرورة ذلك.

لقد احتكرت الولايات المتحدة ممارسة التعددية التنافسية، حيث اختارت الساحة المؤسسية لحل بعض المشاكل المحددة وفق ما يتناسب مع مصلحتها الوطنية. وعليه، ستفسح المؤسسات الجديدة التي تقودها الصين المجال أمامها لتبني تلك الاستراتيجيا بذاتها، مما سيؤدي إلى شكل جديد من التعددية التنافسية  بين قوتين رئيسيتين تحظيان بالدعم من هياكلهما المؤسسية الخاصة، وهذا سيتيح لكل منهما رسم صورة تناسبه عن “الأمبريالية المؤسسية”.

الليبرالية ومعركة الامتياز

يشير العديد من النقاد إلى أن القوى الناشئة قد شكَّكت كثيرًا بالأسس التي يقوم عليها النظام الليبرالي، حيث وردت آراء متباينة حول نطاق التعاون، وموقع القواعد، وتوزيع السلطة. وفقًا لهذا الرأي، أظهرت جميع القوى الناشئة خلافات جوهرية حول السياسات الموضوعية المتعلقة بالإجماع حول الليبرالية في مرحلة ما بعد الحرب. كانت النتيجة عبارة عن تحدٍ للمشروع الليبرالي الدولي في مجالات جوهرية متميزة مثل التجارة، وحقوق الإنسان، ومسؤولية الحماية، وعدم الانتشار النووي. نتيجة لذلك، يرى المحللون أن القوى الناشئة “ليست جاهزة للقضايا الكبرى” أو أنها قد تتحول “جهات معنية غير مسؤولة” في النظام العالمي. ولقد فشل مثل هذا التقييم في حُسن فهم المخاوف التي تنتاب القوى الناشئة بشأن ما يسمَّى بالنظام الغربي الليبرالي، إذ أنه يخلط ما بين النظام القائم على القواعد وقيادته الغربية.

تتفق القوى الناشئة مع القضايا الأساسية على سبيل المؤسسات الدولية والأمن التعاوني والمجتمع الديمقراطي وحل المشكلات الجماعية والسيادة المشتركة وسيادة القانون. ويأتي اتفاقها هذا لسبب واضح: فهذا النظام القائم على القواعد والمنفتح نسبيًا هو الذي ساهم إلى حدٍ كبير في نهوضها الاقتصادي الهائل على مدار الستين عامًا الماضية. لقد ساعد الحكومة الصينية في تنفيذ أكبر برنامج للحد من الفقر في تاريخ البشرية (وادعاء الفضل في ذلك). وعند التساؤل عما إذا كانت الصين أو غيرها من القوى الناشئة لها مصلحة في التراجع عن هذا الإطار الدولي، يغيب عن بال المتسائل أن مثل هذه الدول بحاجة إلى أن تظل في مكانها على مدى العقود المقبلة لتحديث اقتصاداتها والتحوّل إلى دول غنية.

في هذا المجال، كتب أميتاف أتشاريا أن مجرد استفادة القوى الصاعدة من النظام الدولي الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة لا يعني أنها ستتركه على حاله وتتبع للنفوذ الأميركي. في الواقع، ترى القوى الناشئة أن نظام اليوم تشوبه الكثير من العيوب، وغالبًا ما يقلّل من شأنه مؤسسو النظام (بدرجات متفاوتة).  فالبرازيل وجنوب إفريقيا والهند على وجه الخصوص تعارض التسلسلات الهرمية الضمنية والظاهرة التي تحكم المؤسسات الدولية والامتيازات الكبيرة التي تتمتع بها القوى العظمى في المداولات الدولية.  الصين هي الأخرى- وعلى الرغم من أن لديها امتيازات أكثر من تلك الدول وأكثر اضطلاعًا منها في العديد من المؤسسات مثل مجلس الأمن – تمتعض من الامتيازات التي تتحلى بها الولايات المتحدة في ظل النظام الحالي. وليس هذا انتقادًا للنظام الراهن القائم على القواعد، بل هو نقد للهيمنة التي تحكمه.

من هنا، فإن الشك حيال تسيير المعايير الليبرالية، وليس الأهداف والقيم التي توجهها، هو الذي يصوغ علاقة “البريكس” بالنظام العالمي الحالي. وهذا ما يدعو القوى الناشئة إلى أن تُفسّر أحيانًا الأممية الليبرالية على أنها شكل من أشكال الأمبريالية الليبرالية، وتصّور قوة الولايات المتحدة في مركز النظام الليبرالي على أنها تشكّل تهديدًا.

تعتبر القوى الناشئة أن النظام الليبرالي غير كامل بسبب تجاوزات مؤسسيه، الذين غالبًا ما يقللون من شأنه. ويُشار إلى هذه الامتيازات و”الحقوق الخاصة” عبر تفاصيل بسيطة مثل حق الولايات المتحدة في تعيين رئيس البنك الدولي، وكذلك من خلال قدرتها على خرق القواعد من دون أن يُعاقبها أحد، كما حدث عندما تدخلت من دون مسوّغ قانوني في العراق ولم تواجه إلا القليل من العواقب. كما يشير ريتشارد بيتس، “أن المهيمنين ليسوا أبدًا مقيدين تمامًا، فهم يستفيدون من الاستثناءات، والبنود التي تسمح لهم بالتهرّب، وحقوق النقض وغيرها من الآليات التي تسمح للدول الأقوى في العالم أن تستخدم المؤسسات أدواتٍ للسيطرة السياسية”.

هذا الأمر يشير إلى العنصر الحاسم في نظام اليوم، والذي يمثّل في الوقت نفسه أكبر نقاط قوتها وأكبر نقاط ضعفها: وهو الغموض حول كيفية مواءمة المبادئ الهرمية مع القواعد التي من المفترض أن تنطبق على الجميع، بغض النظر عن قوة كلٍ منهم. في كتاب “ليفياثن الليبرالية”، يلخص جون إيكينبيري هذا التناقض من خلال اعتباره نظام اليوم “نظامًا هرميًا ذا خصائص ليبرالية”. يحاول المؤلف شرح هذا التناقض بعيدًا من الدخول في سجال أن القواعد لا تقيّد الهيمنة، لأنها قادرة على “تخطي القواعد”، ومن الممكن استخدام القواعد “أدواتٍ تخدم المزيد من التحكم السياسي”، كما يشير صراحة إلى استثنائية الهيمنة من خلال الإشارة إلى “البنود التي تسمح بالتهرّب، والتصويت المرجح، واتفاقيات الانسحاب، وحقوق النقض”.

قد تتساءل بعض الدول الأخرى عن مدى اختلاف ذلك عن النظام الإمبريالي غير المقيّد، حيث يرتفع الفريق الأقوى فوق القانون. فما قيمة القواعد إذا كان للقوي القدرة على كسرها عندما أراد؟ يمكن لمثل هذا النظام أن يعمل بطريقة تلقائية في أحادية قطبية متطرفة، حيث لا تتوانى البقية عن تبني قواعد الهيمنة. ومع ذلك، بمجرد أن تتفكك القوة الاقتصادية والعسكرية وتنشأ قوى أخرى، فإن التوتر، الذي يعتقد إيكبيري أنه قابل للحل من خلال دمج القيادة الأميركية في التعاون، يبدأ في الازدياد. وهنا يوحي العلماء الليبراليون الأميركيون أنه عندما تدمّر العالم الثاني مع نهاية الحرب الباردة، أصبح النظام “الداخلي” للعالم الغربي الأول هو النظام “الخارجي” بالنسبة إلى البقية. ولكن وجهة النظر هذه تتمحور حول الغرب كثيرًا وهي مرفوضة في الصين والهند، وحتى في الدول “المعتدلة” مثل البرازيل، وجميعها دولٌ تشكك كثيرًا في الغرض المرجو من حلف شمال الأطلسي.

اليوم، وبدلاً من التشكيك في المبادئ الفكرية التي تستند إلى النظام الدولي، تقول القوى الناشئة إنها تسعى إلى إنشاء نظام متعدد الأطراف تسري فيه القواعد نفسها على الجميع. في الواقع، هذا يعني، كما يتضح لنا من أزمة القرم، أن سعي هذه الدول سوف يتزايد للاستحصال على معاملة خاصة تلقاها ضمن نظام الحوكمة العالمي الحالي. الأمر الذي سيسمح لهذه القوى بوضع جدولٍ للأعمال يتناول القضايا التي تهمها وتطبيقه، سواء من خلال إدخال تعديلات على القواعد الرسمية أم عبر التأثير غير الرسمي المعزز. بعبارة أخرى، ستتزايد مطالبتها بمعاملة استثنائية، ما ينطوي على خرق القواعد إذا كان الالتزام بها يقوض مصلحتها الوطنية. وفي حين ستسعى الصين للحصول على “استثناء عالمي”، فإن القوى الناشئة الأصغر منها، مثل البرازيل، ستكون راضية عن “الاستثنائية الإقليمية”، أي القدرة على كسر القواعد كلما دعت الحاجة إلى ذلك على المستوى الإقليمي. في هذا الإطار، يطيب للباحثين الصينيين المزاح قائلين إن الصين راضية عن النظام العالمي كما هو (والقواعد والمعايير كما هي)، طالما أن بكين تحل محل واشنطن؛ تتحمّل هذه المزحة عنصرًا من الحقيقة. ليس لأن القوى الناشئة لها مصلحة معينة في خرق القواعد. إنما مع زيادة قوتها الاقتصادية، ينمو تعريفها للمصالح “الحيوية”، مما يؤدي إلى الرغبة في إيجاد مجال نفوذ إقليمي (وعالمي لاحقًا). وبالتالي فإن المخططين على المدى الطويل في الصين سيضمنون عدم تمكُّن أي ممثل آخر من حرمانهم من الموارد اللازمة للحفاظ على النمو الاقتصادي.

لجعل هذه التجاوزات أكثر قبولاً لدى المجتمع الدولي، ستوفر القوى الصاعدة المزيد من المنافع العامة في مجالات الأمن والاقتصاد، وبالتالي ضمان أن يوفّر النظام فوائد كافية لتأمين الدعم من الآخرين. بالنسبة إلى الصين، تشمل هذه المنافع العامة مشاريع البنية التحتية الواسعة النطاق في آسيا الوسطى (من خلال صندوق طريق الحرير) وأميركا اللاتينية وأفريقيا. كما الولايات المتحدة اليوم، سوف تحافظ الصين والقوى الناشئة الأخرى بعناية على التوازن بين كسر القواعد وتوفير المنافع العامة. من جانبها، توفر القوى الصاعدة الصغيرة، مثل البرازيل والهند، عددًا أقل بكثير من المنافع العامة العالمية، وبالتالي، فإن حقها في الحصول على معاملة خاصة يكون محدودًا جدًا. ومع ذلك، تحولت الهند إلى جهة مانحة مهمة في مجالات التنمية والمساعدات الإنسانية في المنطقة، أما البرازيل فقد قامت بمحاولات مماثلة في منطقتها وفي العديد من البلدان الأفريقية. ومنذ عام 2004، قادت أيضًا بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في هايتي، في حين يقود أحد مواطنيها بعثة الأمم المتحدة لحفظ السلام في جمهورية الكونغو الديمقراطية.

نحو تعدُّدية تنافسية عالمية

تمامًا كما تدخلت الولايات المتحدة في العراق خارج نطاق القانون الدولي (2003)، كذا ستفعل الصين (وربما غيرها من القوى الناشئة) في كسرها للقواعد إذا لزم الأمر، أو كونها انتقائية في هذا المجال. وسيشمل ذلك أيضًا الاستفادة من المؤسسات الدولية وفقًا لاحتياجات القوى الناشئة وما ترتئيه. على سبيل المثال، في العام 2009، أقصت الدول الغربية بقيادة المملكة المتحدة والولايات المتحدة الجمعية العامة للأمم المتحدة، وضمنت عدم لعبها الدورالرئيسي في مناقشة الأزمة المالية العالمية وآثارها، ذلك بهدف أن تترك الموضوع عرضةً للمنظمات التي تضم الدول التي يسيطر عليها الغرب – التي، بطبيعة الحال، كانت حريصة على عدم اقتراح أي تدابير من شأنها أن تضرّ بالمصالح الغربية. في ذلك الوقت، نجحت سوزان رايس في التفوق على من سعى إلى منح الجمعية العامة دورًا أكبر. نتيجةً لذلك، نفى الأمين العام بان كي مون الحصول على أية مساعدة مالية للجنة “ستيغليتز”، التي كلفتها الجمعية العامة لتقديم تقرير مستقل. على الرغم من أهلية اللجنة، رأت الولايات المتحدة بأنه كان “مجالاً محتدمًا… لا تملك الأمم المتحدة لا الخبرة أو الولاية اللذين يسمحان لها بأن تكون الساحة المناسبة لدراسته أو لتوجيهه”. كما مارست المملكة المتحدة الضغوط الدبلوماسية على أعضاء اللجنة للاستقالة. كما أراد الغرب، عقدت مجموعة العشرين المناقشات الأولية، واستأنف صندوق النقد الدولي (حيث لا يزال الغرب هو المسيطر) دور المنتدى الشرعي الوحيد للدخول في المناقشات والمفاوضات الصعبة. بالطريقة نفسها، نجح الغرب تقريبًا في العام 2012 في منع مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية – الذي تهيمن عليه الدول النامية – من الانخراط في المزيد من تحليلات الأزمة المالية العالمية. وهكذا تكون التعددية التنافسية بقيادة الولايات المتحدة هي الاستراتيجيا المفضلة. وتقول روث ويدجوود في هذا المجال:

تتجنب فكرة التعدُّدية التنافسية الخيار الصارخ المتمثل في إما المضي فرديًا أو المضي مع الأمم المتحدة. لا يزال يتعين على أميركا دعم أهداف الأمم المتحدة؛ إنه تحالف تاريخي، فهي نتاج الحرب العالمية الثانية، وتظل المنظمة الوحيدة الموجودة حاليًا التي تشمل جميع الأطراف السياسية. تتمتع أميركا بصلاحيات العضو الدائم في مجلس الأمن الذي يصعب جمعه مرة أخرى. لكن يبقى لدينا بعض المرونة في الطريقة التي نختار من خلالها مقاربة التعاون الدولي.

على مدى سنوات طويلة، ظلت القوى الغربية في وضع أفضل كان يسمح لها بترجيح كفة التعددية التنافسية لصالحها، حيث تمكنت بذكاء من نقل المناقشات من مؤسسة إلى أخرى لتحقيق أهدافها على أفضل وجه. ومجموعة العشرين هي مثال بارز: تم إنشاؤها لتجنب المناقشة حول الأزمة المالية في الجمعية العامة للأمم المتحدة أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي، حيث قام الغرب بعد ذلك بتهميشها وإعادة تركيزه على مجموعة السبع (بعد استبعاد روسيا). وكما يكتب ستيوارد باتريك، فإن هذه الإجراءات “تعيد في جوهرها إحياء الملاذ الداخلي القديم للاقتصاد العالمي، الذي تخلت عنه الدول بعد الأزمة المالية العالمية التي استوجبت التعاون مع الصين”. دائمًا ما تستخدم القوى الغربية النظام الحالي بما يتناسب مع مصلحتها أو مع الحفاظ على نفوذها، على سبيل المثال من خلال “نظام حامل القلم” ؟؟، حيث تتحكم بريطانيا وفرنسا في قرارات مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة والتي تتمحور حول مستعمراتهما السابقة.

في الواقع، إن قدرة الغرب على استخدام القواعد والمؤسسات لصالحه، والاتحاد في الفترات الحاسمة (أكثر بكثير من قدرة “الباقين” على ذلك)، يطيلان أمد تأثيره في الحكم العالمي إلى حد كبير، لأن ما يسمَّى   بـ “الباقين” ليس وحدة متماسكة: في الواقع هو وحدة متنوعة للغاية بحيث لا يمكن استخدامها لتكون مفهومًا تحليليًا. حتى المجموعات الأصغر مثل “البريكس” هي غير قادرة على التوفيق بين اهتماماتها في العديد من الحالات، ولقد طرح هذا العجز على مدى السنوات صعوبة كبيرة في التعبير عن المقترحات المشتركة.

تعهدت كل من البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا في إعلان “البريكس” الصادر في سانيا في نيسان من العام 2011، بضرورة “تعزيز صوت الدول الناشئة والنامية في الشؤون الدولية”. ومع ذلك، عندما تراجعت القوى الغربية بعد شهر عن وعدها الذي قطعته في العام 2009 بـ “تعيين رؤساء المؤسسات المالية الدولية وقيادتها العليا من خلال عملية اختيار مفتوحة وشفافة وتستند إلى الجدارة” بحيث سارعت إلى تعيين وزير المالية الفرنسي لاغارد ليحل محل دومينيك شتراوس – كان، لم يكن بيد القوى الناشئة حيلةً سوى الرضوخ للواقع والقبول بأن تختار أوروبا مرة أخرى رئيسًا لمجلس إدارة صندوق النقد الدولي. كانت القوى الناشئة تتوقع أن يتنحى لاغارد قبل العام 2016 ليحل محلها سمٌ غير أوروبي، وهو ما كان مجرد وهم. لقد أضاع “البريكس” فرصة إظهار أن منظمته ذات أهمية وإجبار الغرب على الإخلال باتفاق شرف قديم يقضي بمنح رئاسة الصندق فقط لشخصية أوروبية، مما يشكّل تميزًا ضد أكثر من 90 في المائة من سكان العالم، ويقلل من شرعية صندوق النقد الدولي.

كيف يمكن للحماسة الإصلاحية الظاهرة بين القوى الناشئة أن يتبخر بهذه السرعة؟ اعتبر الدبلوماسيون البرازيليون والهنود أن رحيل شتراوس كان مفاجئًا للجميع، ولم يمنح البريكس سوى القليل من الوقت لتنسيق الردّ المشترك أو حتى طرح اسم مرشح مشترك. لكن الأمر نفسه ينطبق على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي اللذين استقرَّا بسرعة على مرشحهما. بالنظر إلى التفاصيل المسيئة التي ظهرت حول ثقافة الانحياز الجنساني التي تطبع العمل في صندوق النقد الدولي، فإن اختيار امرأة كان خطوة ذكية من قبل الأوروبيين، الذين يمكن أن يقولوا إن تعيين لاغارد يمثل تغييرًا مهمًا بالنسبة إلى الصندوق. من ناحية أخرى، طالبت القوى الناشئة، من غير الأوروبيين، بتولي المنصب، من دون أن تتفاوض أولاً في ما بينها على من يجب أن يكون هذا المرشح. كان لدى هؤلاء الأطراف العديد من الأسماء المناسبة التي أمكنهم الاختيار من بينها، وكان الكثير منهم على الأقل مؤهلين كما السيدة لاغارد في مجال الاقتصاد الدولي، إن لم نقل أكثر منها أهليةً. في النهاية، يتمتع الاقتصاديون القادمون من دول مثل البرازيل وتركيا بخبرة عالية في إدارة الأزمات الاقتصادية بنجاح، وهو ما يمكن أن يساعد البلدان الأكثر تضرراً في أوروبا.

لقد شكّل اعتراف مسؤول برازيلي بسخرية بأنه “ من المرجح أن تبقي أوروبا قبضتها محكمة على هذا المنصب”، اعترافًا ضمنيًا بأن القوى الناشئة، مع فشلها في الاتفاق على بديلٍ قويٍ لوزير المالية الفرنسي، قد سمحت للغرب بأن يتفوق عليها. في حين أن أوروبا والولايات المتحدة لديهما ما يكفي من الأصوات لدعم أي مرشح، إلا أنه كان من الصعب عليهما رفض خيار معقولٍ يتمتع بدعم كامل من الصين والهند والبرازيل وروسيا وجنوب أفريقيا. على الأرجح، فإن العديد من الدول غير الأوروبية كانت لتنضم إلى “البريكس”. فحتى الدبلوماسيون الأستراليون أعربوا عن قلقهم إزاء تعنُّت أوروبا.

كان العثور على “مرشح البريكس” أمرًا مستحيلًا نظرًا إلى اختلاف الآراء بين الدول الأعضاء، ومصالحهم الاستراتيجية، ووجهات نظرهم. قد ترى الصين، ثاني أكبر اقتصاد في العالم وثالث أكبر مساهم في صندوق النقد الدولي (بعد الولايات المتحدة واليابان)، اختلافًا بسيطًا بين المرشح الفرنسي والمرشح المكسيكي. كذلك الأمر، قد لا تشعر البرازيل بأي حافز يدفعهم لبذل رأسمالهم السياسي في معركة في سبيل المرشّح السنغافوري. حتى أنها قد تسعى إلى تقويض المرشح الأرجنتيني أو المكسيكي، وفق المنطق نفسه الذي قد يدفع الهند إلى تفضيل المدير الأوروبي على المدير الصيني. إن حملة القوى الناشئة الخجول من أجل إيجاد البديل الذي يحل محل سياسي أوروبي آخر مديرًا عامًا لصندوق النقد الدولي، تكشف أنه على الرغم من أحقيتها وجاذبيتها، فإن دول “البريكس” ليست موحدة كما يعتقدون. عندما يحين وقت الالتزام بالوعود، مثلما حدث بعد سقوط شتراوس كان، انهار تحالف القوى الناشئة لأنها لم تكن قادرة على ارتقاء إلى مستوى الخطاب الكبير الذي كنا نسمعه في كثير من الأحيان في مؤتمرات قمة “البريكس”.

السيناريو نفسه حدث بعد عام واحد، عندما أعلن روبرتو زوليك أنه سيتنحى عن منصبه في رئاسة البنك الدولي. آنذاك أعلن وزير المالية البرازيلي مانتيغا قائلاً: “سنتخذ موقفًا مشتركًا مع البريكس، ونتبنى قرارًا مشتركا”، مما أثار الآمال في أن يفوز أوكونجو إيويلا من نيجيريا بدعم كبيرٍ في أوساط القوى النامية والناشئة. لكن بعد ذلك بفترة وجيزة، أعلنت الحكومة الروسية دعمها لجيم يونج كيم، المرشح الأميركي، وهو قرار “لم يتم تنسيقه بالكامل مع بقية دول البريكس”، وفق ما علق دبلوماسي هندي. ووفقًا له، سمعت الحكومة الهندية عن هذا القرار الروسي من وسائل الإعلام، مما يدل على أنه حتى في مسألة بسيطة نسبيًا (يعتبر كثيرون أن المرشح النيجيري مؤهل أكثر)، لم يكن لدى دول “البريكس” القدرة على تنسيق مواقفها. كان السباق بين المرشح الأفريقي القوي والمرشح الأميركي الضعيف يتيح فرصة فريدة لكي تظهر دول “البريكس” وحدتها. لقد كان وايد محقًا في ملاحظته أن هذه الحادثة أوضحت “كيف أن عدم ثقة الدول النامية ببعضها البعض يجعل من السهل على الأميركيين تقسيمهاعن طريق الصفقات الثنائية.” كل هذا يشير إلى الصعوبات التي تحول دون إقامة تحالفات موازنة فاعلة ضد الهيمنة.

إن الأحداث المذكورة أعلاه تجعل المراقبين يتساءلون عما إذا كان الغرب قد نجح في تحويل القوى الناشئة اليوم إلى “أغبياء مفيدين”، وهم فخورون للغاية بأنهم جزء من مجموعة العشرين لدرجة أنهم لم يعودوا يدافعون عن مصالح البلدان النامية. من هذا المنظور، قد يكون ظهور “البريكس” تطوراً إيجابياً بالنسبة إلى الغرب، حيث خسر الفقراء مدافعًا قويًا عنهم في برازيليا وبريتوريا ودلهي، بعدما أصبحوا يدافعون بشكل متزايد عن مصالح القوى الكبرى، إلى أن استفاقوا على مجموعة العشرين تهمشها مجموعة السبع الصاعدة. في الوقت نفسه، لا ينبغي على القوى الناشئة أن تتذمر: فمن الطبيعي أن يفعل الغرب كل ما بوسعه للمحافظة على سلطته، حتى الصين ليست ملتزمة تمامًا إدخال البرازيل والهند في عضوية دائمة في مجلس الأمن. لقد حققت الدول الغربية حتى الآن نجاحًا لافتًا في جهودها الرامية إلى السيطرة على المناصب القيادية. يعود نجاحهم في ذلك إلى بعض القواعد المؤسسية التي كانوا قد أرسوها قبل وقت طويل من بدء الحديث عن صعود الجنوب. ومع ذلك، فإن الجنوب هو المسؤول نوعًا ما عن عدم قدرته على توحيد جهوده وطرح الأفكار الأقوى حول الأسباب التي تجعل من الإصلاح أمرًا ملحًّا. لا يقتصر الاختلاف بين القوى الناشئة على صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. على سبيل المثال، ما من إجماع بين دول “البريكس” حول الحاجة إلى إجراء إصلاحات داخل مجلس الأمن، خصوصًا أن روسيا والصين عضوان دائمان فيه وبالتالي أقل دعماً من البرازيل والهند وجنوب إفريقيا لجهة إصلاح هيئته.

تظهر روح المبادرة المؤسسية في الصين أنها تسعى إلى قلب الطاولة والخوض في لعبة التعددية التنافسية وفقًا لقواعدها. وبالتالي، ما من جديد يُذكر في مجال البحث عن الساحة الأنسب، وقد تفوقت القوى الغربية في الوصول إلى ساحة تعددية الأطراف لعدة عقود، كما سبق وأوضحنا.

على الرغم من الاستراتيجيات الناجحة التي يضعها الغرب للمحافظة على السلطة بقبضته في العقود المقبلة، فمن المحتمل أن تظهر قوى ناشئة، على رأسها الصين، تكون قادرة على استخدام النظام الدولي وفقًا لمصالحها. وفي حين أن جوانب النظام العالمي المعاصر التي يسميها إيكبيري “ليبرالية” (المؤسسات، وسيادة القانون، وما إلى ذلك) موضع ترحيب أساسي من جانب القوى الناشئة، ستتزايد مقاومة هذه الأخيرة لممارسات الولايات المتحدة المهيمنة التي غالباً ما ترافق ذلك النظام، ساعيةً ببطء لإفساح المجال أمام نفسها.

تقبل القوى الناشئة الخصائص الليبرالية للنظام العالمي، ومن المرجح أن تحافظ عليها، لكنها سوف تغيّر من التسلسل الهرمي الذي يقوم عليه هذا النظام. وبصرف النظر عن المؤسسات الجديدة التي أسستها هذه القوى، فإن العديد من المؤسسات الدولية الموجودة حاليًا قد لا تبدو مختلفة عما كانت عليه منذ عقود، ولا حتى القواعد والمعايير التي تقوم عليها. ورغم أن الولايات المتحدة هي التي تستطيع اليوم أن تنتهك القواعد وتفلت من العقاب، فإن هذا الامتياز سيكون قريباً في جعبة الصين وربما في يوم من الأيام في حوزة القوى الناشئة الأخرى. وما من دليل يشير إلى أن هذه الدول سوف تختلف عن الولايات المتحدة في استخدامها هذا الامتياز على مدى العقود الماضية.

وحريٌّ القول أن الموجة الجديدة من التعددية التنافسية ستبدو غير مألوفة لدى القوى الغربية لأنها ستشمل عددًا كبيرًا من المؤسسات الجديدة التي أسستها قوى غير غربية.  واللعب على أرض الصين سيضع  جدول أعمال أكثر صعوبة أمام من يرسمون السياسات في واشنطن ولندن. وعليه، فإن المفاوضات الحاسمة بشأن التحديات العالمية –  مثل التوترات الجيوسياسية في آسيا الوسطى، أو خطة الإنقاذ الضرورية لإحدى الدول نامية التي تعاني من المتاعب – سوف تركز أولاً على المكان الذي ستتم فيه مناقشة مثل هذه القضايا في المقام الأول.

ما من شكٍ في أن تعدد المعايير في بعض المجالات مثل البنوك قد يجعل من الضروري على المؤسسات المالية تشغيل أكثر من نظام واحد. ولكن ما من أدلة دامغة تشير إلى أن تزايد عدد بنوك التنمية قد أثر سلبًا على ممارسات الإقراض. قد يكون للزيادة المطَّردة في أعداد المؤسسات نتائج إيجابية مهمة. فعلى الرغم من كل شيء، يبقى الاحتكار قادرًا على تقويض سير أي مؤسسة وفعاليتها، في حين أن المنافسة قادرة على المساعدة في تقديم الأفكار الجديدة وتطوير أفضل الممارسات الجديدة. لذلك، رحب عدد كبير من المراقبين داخل البنك الدولي بصعود بنوك تنمية جديدة. على سبيل المثال، لعب الاتحاد الأفريقي دورًا مهمًا في النقاش حول حفظ السلام. كما أنه سيساعد على السماح للدول التي تعيش فيها الغالبية من سكان العالم أن تلعب دورًا ذا أهمية أكبر عندما يتعلق الأمر بالتعامل مع التحديات العالمية. ولقد كانت صحيفة “فاينانشال تايمز” محقة في افتتاحيتها الصادرة بعد قمة “البريكس” السادسة، والتي ورد فيها:

“تشير التحولات في القوة الاقتصادية العالمية إلى أن التغيرات في القوة المؤسسية قد تكون منطقية أو حتى لا مفر منها. لماذا يجب على الولايات المتحدة أن تضع القواعد في مجال الإنترنت، في حين أن معظم حركة استخدام شبكة الإنترنت لم تعد تشمل الأميركيين؟ لماذا يجب أن يكون الدولار هو العملة الاحتياطية العالمية، في حين لم تعد الولايات المتحدة هي جوهر الاقتصاد العالمي بلا منازع؟”

والأهم من ذلك، كما ورد أعلاه، أن القوى العظمى ستحرص دائمًا على خلق موازنة استثنائية لا تخلو من توفير المنافع العامة العالمية والاستقرار الذي تحتاجه لحماية مصالحها الحيوية. باتت بكين تدرك تمام الإدراك أنه من غير الممكن ترجمة مصادر قوتها القاسية إلى نفوذ سياسي إلا عندما تلتزم بالقواعد والمعايير المتفق عليها. ولا يمكن أن تتحمل عبء اعتبارها منتهكةً للقواعد العالمية ولا تهتم ببقية العالم. إن الفهم الذي كوَّنته حول وجوب دمج القوة الصينية ضمن شبكة من القواعد والمعايير حتى تحصل على الشرعية هو ما جعل صناع السياسة فيها يؤسسون العديد من المؤسسات التي سبق وأتينا على ذكرها في الفصول السابقة.

في حين يتطلب إدخال التحولات في السلطة الدخول في مفاوضات، توافق القوى العظمى مع بقية العالم على إعادة هذا التفاوض باستمرار، وهو ما لا يُعتبر أمراً سيئًا بالنسبة إلى مستقبل القواعد والمعايير العالمية.

الخاتمة

كما يوضح التحليل أعلاه، من غير المرجح أن تُفضي المناقشة حول ما إذا كانت القوى الصاعدة ستقبل أو ترفض النظام الذي يقوده الغرب إلى إجابات مرضية. ونظرًا لأن القواعد والمعايير الحالية ليست غربية كما يفترض كثيرون، فإن القوى غير الغربية لن تتحداها بشكل مباشر. إن الافتراضات السابقة الذكر التي ترى أن الصين ستعيد تأسيس نظام الروافد الهرمي الذي كان معمولًا به منذ آلاف السنين في آسيا لا يأخذ في عين الاعتبار أن القوة الاقتصادية والعسكرية العالمية اليوم باتت موزعة بالتساوي إلى حد يجعل من الصعب العودة إلى الهيكليات الأمبريالية. بالإضافة إلى ذلك، فإنها تتجاهل الدور الرئيسي الذي لعبته الصين في تأسيس نظام الحالي، مما يعني أن هذا النظام هو “غير طبيعي” إلى حد ما بالنسبة إليها، وأنها سوف تطيح به تلقائيًا.

كما يشير أرميجو وروبرتس، “إن الميول التي تتجه نحوها دول البريكس، منفردة ومجتمعة، بشأن النظام العالمي، تشجّع على الإصلاح والتطور وليس على الثورة. ومن المفاجئ أن أيًا من القوى الناشئة (أو التي ظهرت من جديد كما هو حال الصين وروسيا) لم تُظهر أهدافًا ثورية في ما يتعلق بإعادة ترتيب النظام الدولي”.

لدعم هذا الرأي، يقول أحد الدبلوماسيين الهنود إن “وجهات نظرنا هي أكثر ما تكون لا غربية، من كونها معادية للغرب”. وبالتالي، من غير المرجح أن يشكل ظهور نظام موازٍ تهديدًا على قواعد النظام الحالي ومعاييره. لكن هذا لا يعني أن المؤسسات ستنجح في معالجة جميع مخاطر انتقال السلطة. في حين أن التنبؤات حول الفوضى في حقبة ما بعد الغرب تفتقر إلى أسس تاريخية أو نظرية، وتستند إلى اعتقاد محدود يتمحور حول الغرب، ويرى أن الولايات المتحدة وأوروبا هما فقط من يحق لهما القيادة، يظل التنافس بين القوى العظمى حقيقةً واقعةً. تبدو المفاهيم التي مفادها أن “التغيير القائم على الحرب لم يعد يُعتبر عملية تاريخية”، كما يرى جون إيكنبيري، غير واقعية، على الرغم من أن الحرب غير مرجحة البتة في هذه المرحلة. في المقابل، قد يساعد صعود الصين في التخفيف من حدة الخطاب الليبرالي المفرط في التفاؤل الذي تستخدمه تحديدًا الولايات المتحدة منذ وودرو ويلسون. وكما يرى ستيفن والت، كانت الحرب العالمية الأولى “الحرب التي أنهت كل الحروب”. ثم اندلعت الحرب العالمية الثانية لتجعل العالم مكانًا “آمناً للديمقراطية”. لكننا شهدنا على الحرب الباردة بدلاً من ذلك. وعندما انتهت، تكلّم الرئيس جورج اتش دبليو. بوش عن “نظام عالمي جديد” وأعلن المرشح الرئاسي بيل كلينتون أن “الحسابات التهكمية بشأن سياسة القوة… لم تكن متناسبة مع العصر الجديد”. وقد تماشى المثقفون اللامعون مع هذا الموقف، مدعين أن الجنس البشري قد وصل إلى “نهاية التاريخ” وأن الحرب باتت شيئًا فشيًئا تميل إلى “الزوال”… إن الاعتقاد بأننا تخطينا التنافس بين القوى العظمى بالكامل هو أمر مفرط في التفاؤل، وربما خطير، وبصراحة، سخيف.

وعلى الرغم من هذا التحذير، يُظهر التحليل أعلاه أن ثمة القليل من الدلائل التي تشير إلى أن صعود النظام الموازي هو نذير بنهاية النظام الليبرالي. إن المحرّك وراء التنبؤات المتعلقة بالازدواج العالمي هي الوسطية الغربية، وليس التحليل الموضوعي للديناميات التي ستشكل النظام العالمي. ويُعتبر بروز المزيد من المؤسسات المتعددة الأطراف تأكيدًا للقوى الناشئة بأن المستقبل سيظل خاضعًا لهيمنة نظام عالمي قوي، وإن كان غير كاملٍ في كثير من الأحيان، وقائمٍ على القواعد.

بدلاً من التنبؤ بالمستقبل، سعى هذا الكتاب إلى وصف بعض الديناميات التي من المحتمل أن تشكل هذا المستقبل، وشدَّد على أهمية تكييف منظورنا للشؤون العالمية مع الواقع متعدد الأقطاب.

لقد كُتب هذا التحليل في وقت كان يمر فيه عالم الجنوب بأزمة. بعد سنوات من النمو الساطع، سقطت جميع دول “البريكس” باستثناء الهند في أزمة اقتصادية. فالاقتصاد الصيني ينمو بأدنى معدلاته منذ سنوات. وروسيا والبرازيل، اللتان فشلتا في تنويع اقتصاداتهما في خلال مرحلة الطفرة في السلع، تعانيان من ركود اقتصادي. وقد تباطأ النمو أيضًا في إندونيسيا وتركيا، حيث تواجه هذه الأخيرة تحولًا مثيرًا للقلق نحو الاستبدادية. أما جنوب أفريقيا، العضو الخامس في “البريكس”، فتعيقه حكومة فاسدة وغير قادرة على إجراء الإصلاحات الهيكلية اللازمة. نيجيريا، واحدة من الدول القليلة التي كان أداؤها ساطعًا في السنوات الماضية، لا تزال تقاتل تمردًا دمويًا متطرفًا في شمال البلاد. وتعد الهند، الديمقراطية الأكبر في العالم وعما قريب الدولة الأكبر في العالم من حيث عدد السكان، النقطة المضيئة الوحيدة، التي من المقرر أن تنمو بوتيرة أسرع من الصين في السنوات المقبلة.

باتت الآثار السياسية لهذا التطور واضحةً على نطاق عالمي. فقد أدى النمو المخيب للآمال في العالم الناشئ إلى تخفيف الضغط على الولايات المتحدة وأوروبا لجهة إدخال الإصلاحات على المؤسسات الدولية وزيادة تمثيل دول أخرى مثل البرازيل والهند. في هذا السياق، يشعر عدد متزايد من صانعي السياسة والمعلقين في الولايات المتحدة وأوروبا كما لو أنهم استيقظوا أخيرًا من كابوس استمر عقدًا من الزمان. حاليًا، لحسن الحظ، يبدو أن الأمور عادت إلى توزّع السلطة “الطبيعي” الذي كان سائدًا في القرن العشرين. لقد نضبت الأموال السهلة المنال من بنك الاحتياطي الفيدرالي، وتزايد تركيز الصين على زيادة الاستهلاك المحلي. ونتيجة لذلك، فإن القوى الناشئة، التي تعتمد على الصين، باتت تعاني بشدة.

من المفيد القول أنه لا يمكن للنمو الاقتصادي المنخفض المؤقت في عالم الجنوب أن يقضي على التقدم التاريخي الذي حققته القوى الناشئة، خصوصاً في خلال العقد الماضي الذي شهد درجة غير مسبوقة من التحرير في عالم الجنو، بما في ذلك في القارة الأفريقية. كما أن الهدوء الذي عرفته الدول الناشئة لا يغير من التوقعات الطويلة الأجل التي ترى أن الصين سوف تتفوق على الاقتصاد الأميركي. وكما سبق وأوضحت في مختلف فصول الكتاب، إنها ظاهرة طبيعية إلى حد كبير بالنظر إلى الهيمنة الديموغرافية للقوى الناشئة. على الرغم من المشكلات الحالية، بات من الراسخ أن الهند ستصبح ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي خلال هذا القرن. فهذا الاقتصاد لن يعود إلى ما كان عليه بعد الحرب العالمية الثانية من توزيعٍ السلطة. وكما يقول زاكريكارابيل، في ما يتعلق بهذه التغييرات:

ربما تكون المشاعر قد تغيرت بشكل جذري… ولكن يبقى أن ثمة فرقًا كبيرًا بين ذلك وبين الانهيار الهيكلي والأزمة. نعم، باتت اقتصادات العالم الناشئ تشهد تباطؤًا في النمو مقارنةً بالمعدلات المرتفعة التي عرفتها في السنوات الأخيرة، وليس من السهل التحول إلى النشاط الاقتصادي المحلي القائم على الطلب. لكن هذا لا يماثل إعادة كتابة ما حدث في العقد الماضي وتحويل إنجازات العديد من هذه البلدان إلى سراب.

عندما يحين الوقت لكتابة قصة السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين، فإن السرد العالمي لن يكتفي بالحديث فقط عن كفاح الولايات المتحدة للتكيف مع عالمٍ انتشرت فيه القوة، أو عن صعود الصين وتراجع أوروبا. ستتناول الرواية الطريقة التي خرجت بها أجزاء كبيرة من الكوكب من الفقر الزراعي إلى المراحل الأولى من الثراء الحضري. وستتناول كيف بدأت شبكة الإنترنت وثورة الهواتف المحمولة التي ترتكز على صعود الصين في إعادة تشكيل المناطق الشاسعة من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى؛ وكيف بدأت الطبقات الوسطى في الهند في إعادة تعريف هوية ذلك البلد، وكيف تخلص الملايين في أميركا اللاتينية من عقود من عدم الكفاءة الاستبدادية وبدأوا في الازدهار. لم يحدث في تاريخ البشرية أن يصبح عدد كبير من الناس أكثر ثراءً بسرعة أكبر من السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.

 على الرغم من ظهور نظامٍ موازٍ، تظل الحاجة أساسية لإجراء إصلاح في هياكل الحكم العالمية. فبالنسبة إلى صانعي السياسات في أوروبا والولايات المتحدة، يُعتبر إشراك القوى الناشئة الطريقة الوحيدة التي تضمن بقاء عمل المؤسسات الدولية التقليدية بمجرد أن تفقد القوى التقليدية السيطرة. لقد بدأت للتو عملية صعبة تستوجب التكيف مع واقع جديد. في السنوات والعقود القادمة، سيتعين ادخال إصلاحات شاملة – في البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومجلس الأمن – إذا ما أريد لهذه المؤسسات أن تحافظ على شرعيتها في القرن الحادي والعشرين. في المحصلة، لا بد من أن يؤدي عدم التوافق بين التوزيع الفعلي للسلطة وتوزيع السلطة داخل المؤسسات إلى التوتر. وكما يصف كار الوضع في كتابه The Twenty Years’ Crisis: 1919 – 1939   أزمة العشرين عاماً: 1919-1939، لقد فشل نظام فرساي بسبب الفجوة المتزايدة بين النظام الذي يمثله والتوزيع الفعلي للسلطة في القارة الأوروبية. إنها نتيجة جزئية لحالة عدم التطابق هذه، حيث يتعين على المؤسسات القائمة حاليًا أن تزيد من تنافسها مع المؤسسات المماثلة التي تقودها الدول الصاعدة التي يمكن وصفها في المجمل على أنها نظام موازٍ أولي.

بالإضافة إلى إصلاح المؤسسات الدولية، من الضروري تبني وجهة نظر تتناسب مع حقبة ما بعد الغرب، حيث تأخذ في الاعتبار وجهات نظر متباينة حول النظام العالمي. ولتقييم مدى تطور النظام العالمي في العقود المقبلة بشكلٍ كافٍ، نحتاج إلى تجاوز النظرة العالمية المتمركزة حول الغرب. إنما ثمة عقبات إضافية، فلا تزال أدبيات العلاقات الدولية الغالبة تُصدر في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، في حين أن الأفكار التي تولد في أماكن أخرى غالبًا ما تكون إما غير متوفرة باللغة الإنكليزية، أو لا ترتقي إلى مستوى المعايير النظرية اللازمة للظهور في المجلات العلمية الرائدة في للنشر في الكتب. صحيح أن بعض الصحف الصينية أو الهندية تقدم نظرة عالمية مشابهة لتلك التي نشرتها “فاينانشال تايمز” أو “نيويورك تايمز” أو “ذي إكونومست”. ومع ذلك، لم تطرأ يومًا الحاجة لسماع موقف أولئك الذين يسعون إلى الأخذ في الاعتبار أشكال الاستثنائية والوسطية ليس فقط وفقًا لرؤية الولايات المتحدة الأميركية ولكن أيضًا الصين والهند والبرازيل وغيرها من الدول، إذ لا تولي الوكالة الغربية الأهمية نفسها كما في الماضي والحاضر والمستقبل.

الآثار المترتبة على صانعي السياسة

تشير الحجج الرئيسية الأربع التي يتم تنظيم هذا الكتاب حولها إلى سلسلة من الآثار المترتبة على صانعي السياسة.

*أولاً: إن نظرتنا إلى العالم المتمحورة حول الغرب تقودنا إلى التقليل من أهمية الدور الذي لعبه ليس فقط الأطراف غير الغربية في الماضي وتلعبه على الساحة السياسة الدولية المعاصرة فحسب، بل وأيضًا من أهمية الدور الملموس الذي من المحتمل أن تلعبوه في المستقبل. يجادل هذا الكتاب بأن نظام ما بعد الحقبة الغربية لن يكون بالضرورة أكثر عنفًا من النظام العالمي الحالي.

على مستوى السياسة، يعني ذلك تقييم المؤسسات التي تقودها جهات فاعلة غير غربية مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، و”البريكس”، ومنظمة شنغهاي للتعاون بشكل أكثر موضوعية، ويتساءل في المقام الأول عما إذا كانت قادرة على توفير المنافع العامة العالمية وتحسين العلاقات بين أعضائها، بدلاً من التساؤل عما إذا كانت تشكل تهديدًا على الهيمنة الأميركية. في حالة البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، فشلت الولايات المتحدة في اتخاذ هذا الموقف البراغماتي. ولا يمكن تفسير قرارها بمعارضة هذا البنك الذي تقوده الصين، وما تبعه من كارثة دبلوماسية، إلا من خلال مقاربة إما الربح أو الخسارة القصيرة النظر. لقد قاد ذلك صنَّاع السياسة في واشنطن إلى المخاطرة بإطلاق حكم خاطئ حول قدرتهم على إقناع الدول في جميع أنحاء العالم – بريطانيا وألمانيا والبرازيل وكوريا الجنوبية واليابان وأستراليا – بعدم الانضمام إلى هذه المؤسسة الجديدة. ربما الأكثر إثارة للحيرة، يبقى قرارهم بتأطير تأسيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية واعتباره سباقًا دبلوماسيًا. لو أن الولايات المتحدة سعت إلى الدخول في عضوية هذا البنك في وقت مبكر، أو قررت فقط عدم التعليق على هذه المسألة، لما كان المراقبون حول العالم قد أولوا القدر نفسه من الاهتمام لهذه المؤسسة اليوم، أو ما كانوا ليفسروها على أنها نقطة حاسمة في الانتقال من الأحادية القطبية إلى التعددية القطبية. لقد جرى رسم الاستراتيجيا التي تبنتها الولايات المتحدة حول هذا البنك على فرضية أن صعود الصين يحدث في الغالب في سياق التوتر المحتوم والصراع المحتمل. إن الإبقاء على استراتيجيا تعديلية بشأن كل خطوة تخطوها القوى الناشئة هو أمر مضلل ومحدود. وما تأسيس البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية وبنك التنمية الجديد إلا تأكيد على استعداد القوى الناشئة غير الغربية على المساعدة في إصلاح نظام لم يعد يلبي الاحتياجات الحالية. وقد تسعى الصين إلى مراجعة الرعاية الغربية لهذا النظام، ولكن ليس بالضرورة مراجعة القواعد والمعايير الأساسية التي يقوم عليها.

من وجهة نظر تاريخية، تُمثّل نهاية الهيمنة الغربية أكثر بقليل من نهاية الانحراف الذي عرف تركزًا كبيرًا للثروة والقوة في جزء صغير نسبيًا من الكرة الأرضية. من الطبيعي أن ينتهي هذا التركيز غير العادي – وبحسب البعض غير الطبيعي. وعلى الرغم من كل الصعوبات التي سيحدثها هذا التحول، فإن المزيد من الثروة والقوة الموزعة بالتساوي في جميع أنحاء العالم هي ظاهرة إيجابية ينبغي، من حيث المبدأ، ألا نخشاها بل أن نرحب بها.

لا ريب في أن الصعود الاقتصادي للدول الباقية، وخصوصاً الصين، سيسمح لها بتعزيز قدرتها العسكرية، وفي نهاية المطاف سيضاعف من تأثيرها على الساحة الدولية وقوتها الناعمة. وستكسب هذه الدول المزيد من الأصدقاء والحلفاء، تمامًا كما فعل الغرب في الماضي. بالطبع، لم يكن لدى الاتحاد السوفياتي سوى قوة ناعمة محدودة للغاية في الغرب، لكنه مع ذلك استطاع جذب أتباعٍ له حول العالم يتمتعون بقدر كافٍ من القوة لإجبار الغرب على تبني سياسة قائمة كليًا على القوة الصلبة وليس الناعمة: لقد أظهرت التدخلات العسكرية الأميركية في أميركا الوسطى والهند الصينية وأفريقيا أن القوة الناعمة وحدها لم تكن قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي، وعلى عكس الاعتقاد السائد، لم تقابل نهاية الحرب الباردة بالاحتفالات في دلهي وبكين وبرازيليا، ولكن بتردد ومخاوف من صعود الأحادية القطبية.

الصين ومؤثرات قوتها الناعمة

قد تكون القوة الناعمة الصينية محدودة للغاية في أوروبا والولايات المتحدة، لكن من الخطأ القول أن ذلك يأتي بمثابة الدليل الكافي على أن الإستراتيجيا الصينية في مجال القوة الناعمة قد فشلت على مستوى العالم. إن المعالجة الموضوعية البحتة للدور الذي تلعبه الصين في أفريقيا تعني أيضًا التشكيك في بعضٍ  من الخطاب حول ممارسات الغرب في القارة، التي لا تختلف غالبًا عن تلك التي تتبعها القوى الناشئة. وهذا يعني أيضًا إدراكًا صريحًا للواقع الذي يقول إن الصين تؤمن بالفعل قدرًا كبيرًا من المنافع العامة على الساحة العالمية، وتشجع على هذا الاتجاه. يجب الترحيب بالمزيد من المساهمات من جانب الصين والهند وجهات أخرى في جميع المجالات – حفظ السلام وعمليات مكافحة القرصنة والتغير المناخي والمساعدات التنموية وما إلى ذلك. في الواقع، سوف تضاعف القوى الصاعدة الأكثر تكاملاً من عدد المنصات التي توفر تنسيقًا مكثفًا، مما يقلل من مساحة سوء الفهم التي قد تؤدي إلى تعاونٍ ما دون المستوى أو حتى إلى الصراع.  يعني ذلك أنه بات لزامًا على صانعي السياسة الغربيين دعوة القوى الناشئة علنًا إلى الانخراط، وكذلك توفير مساحة كافية داخل المؤسسات الموجودة حاليًا لتشملها حقًا. كما على صانعي السياسة في الصين والهند والبرازيل وغيرها من القوى الناشئة، على سبيل المقارنة، أن يتجرأوا أكثر ويطالبوا بدور البطولة عندما يتعلق الأمر بالمناقشة حول القواعد والمعايير العالمية.

البرازيل ومفهوم المسؤولية والحماية

ثانياً: من نواحٍ كثيرة، كانت مبادرة البرازيل لإطلاق مفهوم المسؤولية أثناء الحماية – وهي إضافة على المسؤولية للحماية نحو آلية أكثر شفافية لرصد التدخل الإنساني – ترمز إلى الاستراتيجيا نفسها التي تطمح برازيليا إلى اتباعها: التحول إلى بانٍ للجسور، وإلى وسيط، وإلى ساعٍ وراء الإجماع من خلال قيادة الفكر. كان مشروع الحماية من الأسلحة النووية، على الرغم من عيوبه، اقتراحًا مبتكرًا وبناءً لسد الفجوة بين حلف شمال الأطلسي التوّاق للحرب والصين وروسيا اللتين كانتا تبالغان في مقاومتهما. وقد أشاد الأكاديميون في البرازيل والخارج بهذه المبادرة، إذ كانت أفضل مبادرة متعددة الأطراف تقدمها الإدارة البرازيلية.

ومع ذلك، بعد مرور عام على إطلاقها في تشرين الثاني من العام 2011، اعترف الدبلوماسيون في نيويورك بخيبة أملهم إزاء ما وصفه البعض بـ “تراجع البرازيل”. لقد انتشر مفهوم المسؤولية للحماية فقط بسبب الجهود الدؤوبة التي بذلتها مجموعة صغيرة سعت للترويج له. ومن غير المرجح أن يكون لهذا المفهوم التأثير الطويل على النقاش في ظل غياب الراعي القوي والموثوق. وبغض النظر عما إذا كانت البرازيل قد انسحبت بقرار منها أو تحت تأثير ما، فإن هذه الخطوة قد أضرت بمصلحتها الوطنية: فالمحاولات المستقبلية للعمل على جدول أعمال قد تُلاقى بالكثير من التردد بسبب عدم تيقن الآخرين من استعداد البرازيل لمواجهة النقد الأولي (والعادي). من ناحية أخرى، ربما كانت مبادرة المسؤولية خلال الحماية مفيدة في تقديم لمحة عما تستطيع البرازيل تحقيقه على نطاق عالمي. فعلى الرغم من محدودية قوتها الصلب، إلا أنها تولت القيادة الدولية مؤقتًا في ظل نقاشٍ من المحتمل أن يشكّل صورة الشؤون الدولية في العقود قادمة.

*ثالثاً: بدلاً من مواجهة المؤسسات الموجودة أصلاً بصورة مباشرة، باتت القوى الناشئة (الصين بالدرجة الأولى) تبني في صمتٍ ما يسمى بالنظام الموازي الذي سيكمّل قبل كل شيء المؤسسات الدولية الحالية. بات هذا النظام قيد التنفيذ بالفعل، بما في ذلك مؤسسات مثل بنك التنمية الجديد بقيادة “البريكس” والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية (لتكملة البنك الدولي) ومجموعة التصنيف الائتماني العالمي (لتكملة موديز وأس آند بي S&P) وتشاينا يونيون باي (لتكملة ماستركارد وفيزا)، والبريكس (لتكملة مجموعة السبعة). لم تبرز هذه الهيكليات لأن الصين وغيرها من الدول تمتلك أفكارًا جديدةً حول كيفية مواجهة التحديات العالمية؛ بل على العكس، إنهم يؤسسون هذه الكيانات من أجل إظهار قوتهم، كما فعل الفاعلون الغربيون من قبل.

إن الآثار المترتبة على هذه السياسات باتت واضحة لدى جميع الأطراف. فكل من القوى الناشئة والجهات الفاعلة القديمة سوف تضاعف جهودها من أجل احتضان هذه المؤسسات الجديدة بالكامل بدلاً من انتقادها أو محاولة عزلها. إن ظهورها هو أمر طبيعي ولا مفر منه (وقد تسارع نموها بسبب المقاومة لإصلاح المؤسسات الموجودة)، ومعارضتها سيضعف الغرب. لقد تبنت بريطانيا العظمى مثل هذا الموقف بعيد النظر والبراغماتي، وأصبحت أول حكومة غربية كبرى تقدم بطلب للحصول على عضوية في البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، ويجب على واشنطن أن تحذو حذو بريطانيا. إن وقف الجهود الرامية إلى إقحام الصين وغيرها في المؤسسات الموجودة أصلاً، في رد فعلٍ على ريادة الأعمال المؤسسية في الصين، سيكون خطأً فادحًا، مما يحد من عدد المنصات التي سيدير ​​من خلالها صناع السياسة في الصين والغرب الثنائية القطبية غير المتماثلة في العقود المقبلة. لا ينبغي إساءة فهم دعم موقف بريطانيا العظمى تجاه البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية واعتباره دعوةً للحفاظ على الهدوء في القضايا التي تسعى الصين إلى تجنبها، مثل حقوق الإنسان. على العكس من ذلك، ينبغي على دولٍ مثل كوريا الجنوبية وألمانيا وأستراليا أن تصر صراحةً على أن تتضمن قواعد الحكم في هذا البنك المعايير الواضحة حول حقوق الإنسان.

رابعًا: في إطار استراتيجيا التحوُّط، ستواصل القوى الناشئة – بقيادة الصين – الاستثمار في المؤسسات القائمة، واحتضان معظم عناصر “النظام الهرمي الليبرالي” الحالي، لكنها ستسعى إلى تغيير التسلسل الهرمي في هذا النظام للاستحصال على “امتيازات الهيمنة” التي لا تتمتع بها حتى الآن سوى الولايات المتحدة. فإنشاء العدد الأكبر من المؤسسات المتمركزة في الصين سيسمح لها بأن تتبنى نمطًا خاصًا بها من التعددية التنافسية، فيتسنى لها الانتقاء والاختيار من بين الأطر المرنة وفقًا لمصالحها الوطنية – وبالتالي إضفاء الطابع المؤسسي شيئًا فشيئًا على الاستثنائية التي تتبناها وتعزيز استقلالها السياسي من خلال حصولها على الحصانة المتزايدة ضد التهديدات الغربية الهادفة إلى إقصائها.

ربما تكون هذه النقطة الأخيرة مؤلمة للغاية بالنسبة إلى صانعي السياسة الخارجية في الغرب، وقد تشكل بالفعل تحديًا مهمًا يواجه المناورة الذي كانوا يستخدمونهافي السابق، التي غالبًا ما كانت تُستخدم لصالحهم عن طريق ممارسة الضغط على الدول الأصغر حجمًا من وراء الكواليس أو عن طريق اختيار المنصة التي من المرجح أن تسمح للغرب بأن يتسلم الدفة. لذلك، سيكون من الخطأ اتهام الدول الصاعدة غير الغربية بالسعي لاستخدام النظام المتعدد الأطراف لصالحها. ففي النهاية، ظل الغرب يفعل ذلك على مدى  عقود.

لقد استفاد بشكل كبير من قدرته على تصميم مشروع مشترك في عدة مجالات، وهو ما يتمثل في منظمات على شاكلة حلف شمال الأطلسي ومجموعة الدول السبع والاتحاد الأوروبي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. بالطريقة نفسها، واجهت مجموعات مثل البريكس أو منتدى الهند والبرازيل وجنوب أفريقيا أو قمة السبع وسبعين من الناحية التاريخية صعوبة كبيرة في صياغة مشروعٍ مشتركٍ، وثمة احتمال ضئيل أن تشهد السنوات المقبلة تحولاً جذريًا في هذا المجال، وهو الأمر الذي سيفسح المجال أمام الغرب للعب دور كبير مستقبلًا.

من منظور الصين، تتسم خطة إنشاء المؤسسات المستقلة بالذكاء والفهم التام، وسينقص هذا السيناريو الجديد من قدرة القوى الغربية على تحوير اللعبة لصالحها. وهي ستصبح،في المستقبل، قادرة على اختيار النظام الذي تراه الأمثل وسيسهل عليها اختياره، كما فعلت القوى الغربية في الماضي.

إن هذا السرد التاريخي الكلاسيكي المتمركز حول الغرب، كما يُظهره هذا التحليل، هو أحادي الجانب ويوجِد فهمًا للنظام العالمي لن يكون مفيدًا لنا في سعينا لفهم الاتجاهات المعاصرة وإدراكها. يُبالغ هذا النظام في التشديد على دور الغرب في التاريخ العالمي، كما يبالغ في تقدير أسباب نهوضه، وبالتالي يؤدي إلى فكرة خاطئة مفادها أن عملية الاستقطاب المتعددة الحالية هي بمثابة الخرق الرئيسي الذي سيؤدي حتماً إلى تغييرات جوهرية.

أوليفر ستونكل المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجيبة خريف 2019 م