ما تحتاجه الحماية المدنية

محمد بن أحمد – الخبر

تحتاج الجزائر إلى مراجعة مخطط المخاطر الكبرى الذي وضع بناء على تجارب فيضانات باب الوادي بالعاصمة وغرداية وتبسة والزلازل السابقة، ولعل هذا أهم الدروس المستفادة من حرائق الغابات في جويلية وأوت 2021، يضاف إلى دروس أخرى تعلمتها الجزائر من التجارب القاسية.

بالرغم من مأساة حرائق الغابات التي عاشتها ولايات جزائرية قبل أيام، فإن الخبر السار رغم أخبار الحزن، الذي منع وقوع كارثة أكبر، أنه أثناء امتداد الحريق واشتعاله كانت سرعة الرياح ضعيفة أي أقل من 14 كلم في الساعة في أفضل الحالات، وهذا طبقا لبيانات الأرصاد الجوية خلال أيام الكارثة.

 كما أن اتجاه الرياح منع وقوع كارثة أكبر، فلو أن سرعة الرياح كانت كبيرة واتجاهها كان نحو الغرب لكانت الكارثة أكبر بكثير ولتعقدت الأمور والأوضاع بشكل رهيب. ويعرف المتخصصون في مراقبة الحرائق الكبرى في العالم أن أكبر تهديد يرافق الحرائق هو عندما تترافق مع رياح سريعة تزيد سرعتها عن 40 كلم في الساعة، لأنها تجعل السيطرة على الحرائق مهمة شبه مستحيلة.

وعلى الأغلب فإن ما كان يثير القلق في غرف العمليات في وزارة الداخلية وفي المديرية العامة للحماية المدنية هي تقارير الأحوال الجوية المفصلة حول توقعات سرعة الرياح واتجاهها، لأن الكارثة كانت ستكون أكبر وهذا رغم الخسائر الكبيرة التي أحدثتها الحرائق.

وقد يكون اقتناء طائرات إطفاء الحرائق أول الدروس التي تحتفظ بها الجزائر من حرائق صيف 2021، لأن التعامل مع الحرائق الكبرى للغابات يتعدى بكثير مجرد امتلاك طائرات إطفاء الحرائق كما يقول متخصصون، ذلك أن الأمر يتعلق بوجود منظومة كاملة للتعامل مع الحرائق تشمل الإنذار المبكر ووجود وحدة أو وحدات تكتيكية للحماية المدنية، تطلق عليها بعض الدول قوات الطوارئ، وهي وحدات نخبة للحماية المدنية خفيفة الحركة يمكن نقلها بالجو بسرعة، هذه الوحدات موجودة في بعض الدول التي تواجه بشكل دوري حرائق غابات خطيرة وتتعامل مع الحرائق بأسلوب مختلف تماما، حيث تعتمد مبدأ “إطفاء النار بالنار” بإشعال حرائق محدودة تهدف لمنع وصول الحريق إلى غابات جديدة وفي بعض الأحيان تستعمل متفجرات ووسائل أخرى.

وطورت بعض الدول، بشكل خاص الولايات المتحدة وأستراليا، وحدات النخبة للدفاع المدني، بشكل جعلها قادرة على منع وصول الحرائق بشكل خاص إلى المدن والقرى لحماية الأرواح.

ويقول سوبي محمود، الخبير المتخصص في الأمن الصناعي وصاحب رسالة ماجستير حول المخاطر الكبرى، “تقوم وحدات الحماية المدنية في بعض الدول بتوزيع المهام، فتكون مهمة الوحدات الرئيسية إطفاء الحريق في المحاور الكبرى فيما تكون مهمة وحدات النخبة منع امتداد الحريق إلى مناطق أخرى. وقد واجهت كل الدول أثناء التصدي لحرائق الغابات صعوبات تتعلق بسرعة انتشار الحرائق وامتدادها السريع في مناطق واسعة، وفرض هذا على دول عاشت حرائق غابات إنشاء وحدات متخصصة سريعة الحركة ومدربة على تنفيذ مناورات سريعة وتكتيكات تدرس الآن في المعاهد الدولية الكبرى للدفاع المدني”.

وأنشأت الجزائر في عام 2011 المندوبية الوطنية للمخاطر الكبرى بعد فيضانات باب الوادي 2001 وغرداية 2008 وزلزال بومرداس، وذلك لمواجهة مجموعة مخاطر كبرى أهمها الفيضانات والزلازل والكوارث الصناعية، بشكل خاص مع وجود أنابيب نقل محروقات تخترق عددا من الولايات.

وبما أن السلطات العمومية صنفت الفيضانات والزلازل كمخاطر كبرى، فإن المخططات التوجيهية للحماية المدنية في الجزائر وبرنامج التمارين التطبيقية كانت تركز بشكل أكبر على هذا النوع من المخاطر الكبرى، وهذا يعطي ثاني تفسير لتأخر الجزائر في اقتناء طائرات إطفاء الحريق، إضافة إلى التأخر الناجم عن ثقل الإجراءات.

ولعل الدرس الأهم من حرائق غابات الجزائر في صيف 2021، أن الجزائر يجب عليها أن تضع مخاطر حرائق الغابات ضمن المخاطر الكبرى التي تهدد الأمن الوطني بنفس مستوى الزلازل والفيضانات.

أما الدرس الثاني فهو خلق وحدات تكتيكية للحماية المدنية سريعة الحركة ومدربة بشكل عال للتعامل مع حرائق الغابات، بشكل خاص مع وجود خطر يتمثل في وجود عاصمة البلاد في منطقة ملاصقة للغابات.

بالمقابل، بذلت وحدات الحماية المدنية جهودا جبارة أثناء التصدي لحرائق الغابات، ويجب أن تكون هذه الحوادث تجربة مهمة تسمح للجزائر بإعادة تكييف مخططات التعامل مع الكوارث الكبرى.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14303

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *