كشف تقرير منشور في صحيفة “وول ستريت جورنال” في 5 ديسمبر 2021، عن سعي الصين إلى بناء قاعدة بحرية عسكرية قبالة سواحل غينيا الاستوائية؛ ما أثار المخاوف الأمريكية من محاولات بكين إبراز قوتها العسكرية واكتساب قاعدة استراتيجية في المحيط الأطلنطي وغرب إفريقيا؛ لما لذلك من آثار جيوسياسية بعيدة المدى. واستند تقرير الصحيفة إلى مجموعة من التقارير الاستخباراتية الأمريكية، وتحذيرات للجنرال “ستيفن تاونسند” قائد القيادة الأمريكية في إفريقيا، خلال إدلائه بشهادته أمام مجلس الشيوخ في أبريل الماضي، من مخاطر بناء الصين منشأة بحرية على ساحل المحيط الأطلنطي، تقوم من خلالها بإعادة التسلح بالذخائر وإصلاح السفن البحرية.

دوافع متعددة

يمكن تفسير مساعي بكين إلى إقامة أول وجود عسكري دائم لها على سواحل المحيط الأطلنطي بالدوافع التالية:

1– منافسة الانتشار العسكري لواشنطن: بمجرد إنشاء الصين قاعدتها العسكرية في غينيا الاستوائية، ستكون قادرة على إعادة تسليح وتجهيز سفنها الحربية قبالة الساحل الشرقي للولايات المتحدة، وهو تهديد يدق أجراس الإنذار في البيت الأبيض والبنتاجون. إن توطيد القوة العسكرية الصينية في القارة الإفريقية في صورة مزيد من القواعد الجديدة، جنباً إلى جنب مع توسيع نفوذها الاقتصادي الكبير بالفعل؛ من شأنه أن يحول ديناميكيات القوة العالمية لصالح بكين.

على عكس دول مثل كينيا وتنزانيا وأنجولا، التي تدرس الصين إنشاء منشآت عسكرية فيها؛ فإن إقامة منشأة بحرية عسكرية في غينيا الاستوائية، ستكون له آثار عملية ورمزية كبيرة؛ لأن بكين بذلك ستتحدى مباشرةً الهيمنة الأمريكية على المحيط الأطلنطي، الذي لطالما تمتع الجيش الأمريكي بسيطرة واضحة عليه. وتريد الصين وصولاً عسكرياً دائماً إلى المحيط الأطلنطي؛ ما يدشن لمرحلة جديدة من المنافسة الاستراتيجية بين واشنطن وبكين، بحيث إذا تمكنت الولايات المتحدة من إرسال حاملات طائراتها القتالية إلى غرب المحيط الهادئ، يمكن للصين أن ترسل سفنها إلى المحيط الأطلنطي.

2– تعزيز قوة الصين البحرية بالخارج: من شأن إقامة هذه القاعدة أن توسع بكين شبكتها العالمية من القواعد، فتزيد قدراتها البحرية. وأشار التقرير السنوي للبنتاجون لعام 2020 إلى أن الصين لديها أكبر قوة بحرية في العالم، “مع قوة قتالية إجمالية قوامها نحو 350 سفينة وغواصة”. وفي المقابل، فإن القوة القتالية للبحرية الأمريكية تتمثل في 293 سفينة اعتباراً من أوائل عام 2020. لذلك، فإن إنشاء هذه القاعدة سيكون ذا أهمية خاصة؛ لأنه سيمنح بكين قاعدتها الأولى على المحيط الأطلنطي، وهو ما يُكمل حضورها البحري على سواحل المحيط الهندي؛ حيث أقامت أول قاعدة عسكرية خارجية لها في جيبوتي في عام 2017، عند مضيق باب المندب، الذي يفصل خليج عدن عن البحر الأحمر. ومنذ ذلك الحين، شهدت القاعدة توسعاً في البنية التحتية لاستيعاب السفن، مثل الغواصات وحاملات الطائرات.

3– حماية الاستثمارات الصينية في إفريقيا: قامت الشركات الصينية المملوكة للدولة ببناء 100 ميناء تجاري حول إفريقيا خلال العقدين الماضيين. ويأتي جزء كبير من توسع بكين لوجودها الاقتصادي والدبلوماسي في إفريقيا من مبادرة “الحزام والطريق”، التي تبلغ تكلفتها عدة تريليونات من الدولارات. وهناك ما يقرب من 100 ألف شركة صينية في إفريقيا –وفقاً لتقرير شركة “ماكينزي” لعام 2017– حققت إيرادات بقيمة 180 مليار دولار سنوياً، يمكن أن تصل إلى 250 مليار دولار بحلول عام 2025. ومن بين 54 دولة إفريقية، استثمرت الصين في 52. أدت هذه الفرص التجارية والاستثمارية إلى جعل القارة موطناً دائماً لمليون مواطن صيني؛ لذلك من المتوقع أن تشير خطوة إنشاء قاعدة عسكرية صينية على سواحل المحيط الأطلنطي إلى مرحلة مهمة في سياسة البلاد تجاه إفريقيا، وستوفر لها خيارات جديدة لنشر قوات لحماية الشركات والعمالة الصينية في الجزء الغربي من القارة.

فرص كبيرة

تتوقف إمكانية إقامة قاعدة بحرية عسكرية في غينيا الاستوائية، على العديد من العوامل والمحددات المهمة، ومن بينها:

1– طبيعة علاقة بالصين مع غينيا الاستوائية: تعتبر الصين هي أكبر شريك تجاري لغينيا الاستوائية.. البلد الصغير من حيث المساحة وعدد السكان الواقع في وسط إفريقيا. وتمثل البلاد خياراً استراتيجياً مناسباً للصين؛ بسبب غناها بالنفط والغاز، في ظل هيمنة استخراج الموارد على الاقتصاد؛ حيث تمثل صادرات النفط الخام 90% من الإيرادات الحكومية. والموقع المحتمل لإنشاء القاعدة الصينية هو الميناء التجاري الصغير في المياه العميقة على خليج غينيا، في مدينة باتا أكبر مدن البلاد، الذي جرى تحديثه وتطويره بتمويل صيني خلال السنوات الماضية. وقامت بكين كذلك بتوسيع شبكة الطرق السريعة من باتا إلى نيفانج في شرق البلاد، وجميعها مشروعات ساهمت في تعزيز التبادل التجاري بين غينيا الاستوائية والدول المجاورة لها، ولا سيما الجابون وجمهورية الكونغو.

ولا تخضع الاستثمارات الصينية في غينيا الاستوائية، بعكس الأمريكية، لأي اشتراطات تتعلق بمبادئ الحكم الرشيد؛ لذلك فهي مُرحَّب بها من قبل مسؤولي البلاد. مع ذلك، فإنه بحلول عام 2021، بلغ ديون غينيا الاستوائية للصين ما يقدر بنحو49.7% من ناتجها المحلي الإجمالي؛ ما ينذر بوقوعها في فخ الديون الصينية. ورغم تصريح خبير عسكري صيني بأن واشنطن تبالغ كثيراً في المعلومات حول بناء قواعد عسكرية في الخارج لتضخيم نظرية “التهديد الصيني”؛ فإن ذلك قد لا يحول دون قيام بكين بتوظيف نفوذها الاقتصادي الكبير في غينيا الاستوائية لتحقيق أهداف أمنها القومي.

2– ضغوط وحوافز واشنطن في غينيا الاستوائية: بالرغم من الحضور القوي لكبريات شركات النفط الأمريكية في غينيا الاستوائية، فقد شهدت علاقاتها بالولايات المتحدة، خلال السنوات الأخيرة، حالة من التوتر الشديد، على خلفية تدهور حالة الديمقراطية وانتهاكات حقوق الإنسان وتفشي الفساد بين كبار مسؤولي البلاد ذات نظام الحزب الواحد، التي يحكمها الرئيس “تيودورو أوبيانج نجويما مباسونجو” منذ عام 1979. وفي ظل التقارير الواردة بشأن احتمال إنشاء قاعدة عسكرية صينية في غينيا الاستوائية، قام النائب الرئيس لمستشار الأمن القومي الأمريكي “جون فينر” بزيارة البلاد في أكتوبر الماضي، في مهمة لإقناع الرئيس أوبيانج برفض هذا المشروع، باعتبار أنه سيثير مخاوف تتعلق بالأمن القومي الأمريكي.

وبالنظر إلى المخاوف الجيوسياسية المتزايدة من أن الضغوط الأمريكية ستدفع غينيا الاستوائية أكثر نحو مزيد من التقارب مع الصين؛ اتجهت واشنطن نحو تبني لهجة تصالحية مع حكومة الرئيس أوبيانج؛ إذ قدمت للبلاد لقاحات مضادة لكوفيد–19، كما شاركت قوات غينيا الاستوائية في مناورات بحرية بقيادة الولايات المتحدة في خليج غينيا. وربما يمهد التحسن الأخير في تصنيف غينيا الاستوائية في تقرير الاتجار بالبشر في العالم، الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية، الطريق لتلقي المزيد من المساعدة البحرية الرسمية من واشنطن؛ ما قد يُسهم في كسب تعاون غينيا الاستوائية، التي تواجه مخاطر جدية للقرصنة البحرية.

3– نمط استجابة قادة غينيا الاستوائية: صرح نائب رئيس البلاد “تيودورو نجويما أوبيانج مانجي” نجل الرئيس، أن “الصين نموذج لدولة صديقة وشريك استراتيجي، لكن في الوقت الحالي لا يوجد اتفاق لإنشاء قاعدة عسكرية صينية في البلاد”. ومع ذلك، يتوقف جانب رئيسي من قدرة الصين على إقامة هذه القاعدة في غينيا الاستوائية على نمط استجابة قادتها لهذه الخطوة، ومدى استعدادهم للمخاطرة بأن تصبح البلاد في قلب المنافسة العالمية بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجح قادة غينيا الاستوائية في تحقيق توازن دقيق بين علاقات بلادهم الواسعة مع الصين، مع الحفاظ في الوقت نفسه على هذه العلاقات ضمن الحدود التي تعتبرها واشنطن غير مهددة لمصالحها القومية، فيمكن أن تحقق غينيا الاستوائية مكاسب واضحة من التنافس الأمريكي الصيني.

وختاماً، يمكن القول إنه في ظل التنافس المحتدم بين الولايات المتحدة والصين على النفوذ العالمي، والتوتر المتصاعد بين الجانبين بشأن مجموعة واسعة من القضايا، بما في ذلك قضية تايوان، وبحر الصين الجنوبي، ومنطقة الإندوباسيفيك، والهيمنة على الاقتصاد العالمي، مع التوقعات بأن تتفوق الصين اقتصادياً على الولايات المتحدة بحلول عام 2024– فمن المرجح أن تواصل بكين نهجها الدؤوب لإقامة قاعدة عسكرية لها على سواحل المحيط الأطلنطي، أيًّا كانت الدولة التي يمكن أن تقيم فيها هذه القاعدة. وفي المقابل. فإن من المحتمل أن تستمر واشنطن في جهودها لدرء الوجود البحري العسكري الصيني في إفريقيا، من خلال مزيج من الحوافر والضغوط على دولها، مثلما فعلت مؤخراً مع غينيا الاستوائية، ومن قبلها موريتانيا التي نصحها دبلوماسيون أمريكيون برفض أي محاولة صينية لاستخدام الميناء الذي قامت ببنائه لأغراض عسكرية.