إذا كانت كانت ردود الأفعال السياسية على الاتفاق الإسرائيلي الإماراتي مثيرة للجدل، فإن الأوساط الاقتصادية عبرت عن فرحتها به، لاسيما في إسرائيل. ما هي أبرز تبعاته المتوقعة على أسواق الخليج وإسرائيل انطلاقا من دبي وأبو ظبي؟

على الصعيد السياسي يستمر الجدل حول مزايا اتفاق السلام بين إسرائيل والإمارات برعاية أمريكية على مختلف الأصعدة. وإذا ما تجاوزنا هذا الجدل الممل في غالب الأحيان، تبدو الفرحة واسعة في أوساط رجال الأعمال والشركات الإسرائيلية باتفاق تطبيع العلاقات مع الإمارات، حسب تقرير لوكالة رويترز تحت عنوان: “ابتهاج المستثمرين الإسرائيليين يقابله حذر إماراتي بعد اتفاق بشأن العلاقات”.

ورغم صعوبات قيام علاقات طبيعية بين دولة عربية قبل حل النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، يحق لهم هذا الابتهاج الذي عبر عنه بشكل أوسع ساسة بلادهم وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو. أما خلفيات هذه السعادة فكثيرة وفي مقدمتها أنه لا يفتح أمامهم أبواب ثاني أكبراقتصاد عربي بناتج محلي يزيد على 400 مليار دولار وحسب، بل أيضا أبواب الاقتصاد السعودي كأول اقتصاد عربي بناتج محلي يصل إلى نحو 780 مليار دولار. كما يفتح أيضا أسواق دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى التي تتشابك علاقاتها وتسهيلاتها التجارية المتبادلة بشكل واسع مع أسواق الدول العربية الأخرى .

 

اتفاق “تاريخي” بين إسرائيل والإمارات

هل يجتمع المال العربي والتكنولوجيا الإسرائيلية؟

تمتلك الإمارات ودول الخليج المال الكثير الذي يذهب للاستهلاك والتجارة والسياحة والعقارات وشراء التقنيات الأمنية والعسكرية والمدنية العالية بالدرجة الأولى، وتقدر قيمة التقنيات العالية اللازمة للأسواق العربية والتي يتم استيرادها من الخارج بشكل أساسي بمئات المليارات من الدولارات سنويا. وبالمقابل تمتلك إسرائيل قسما كبيرا من هذه التقنيات من خلال قاعدة إنتاجية وتكنولوجية متنوعة ومتفوقة في أكثر من مجال حتى على الصعيد العالمي. فهي متميزة على سبيل المثال في إنتاج معدات الأمن والاتصالات والتجسس والطب والطاقة والزراعة والرعية الصحية والتكنولوجيا المالية وغيرها. ويأمل الإسرائيليون بتسويق منتجاتهم ذات التنافسية العالية عبر سوق الإمارات التي تعطيها المزيد من الميزات لقربها منها وتعطشها لها. كما يأمل الإسرائيليون باستثمارات إمارتية في قطاعات التكنولوجيا والسياحة بقيمة تزيد على نصف مليار دولار سنويا مع بداية التعاون. 

أما الإماراتيون الذي حرروا اقتصادهم إلى حد ما من التبعية للنفط فإن آمالهم معلقة على التعاون في مجالات الأمن والفضاء والطاقة والسياحة، لاسيما وأن هناك أكثر من 4 ملايين إسرائيلي يسافرون إلى الخارج سنويا لقضاء عطلاتهم. كما يأملون ببيع نفطهم الرخيص في السوق الإسرائيلية واكتساب معارف جديدة في مجالات الإنترنت والابتكارات. ويجري الحديث عن مشاريع بنى تحتية طموحة مثل مشروع سكة حديد تربط ميناء حيفا على البحر المتوسط بالإمارات تقلب طرق التجارة الحالية رأسا على عقب وتعزز دور دبي وأبو ظبي كمركزين للمال والأعمال في منطقة الشرق الأوسط. السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل هذه الآمال واقعية؟

المصالح تقهر العداوات والوقائع

على ضوء التجربة التاريخية للعلاقات بين مختلف الدول على ضوء التجربة التاريخية للعلاقات بين مختلف الدول يمكن القول أن المصالح النابعة من ضرورات ضاغطة قادرة على تغيير الوقائع حتى بين الدول المتعادية. وتأتي هذه الضرورات بالنسبة لإسرائيل والإمارات من الأزمات التي يعاني منها اقتصادهما حتى قبل جائحة فيروس كورونا. غيرأن الجائحة زادت من حدتها وخاصة في الإمارات التي تعتمد على السياحة والسفر والاستثمارات العقارية وخدمات المعارض والمؤتمرات التي تعرضت معظم قطاعاتها لشلل جزئي أو شبه كلي بفعل الفيروس. ومن الموشرات على ذلك تسريح عشرات الآلاف من وظائفهم في دبي وباقي الإمارات وتراجع الاستثمار هناك بنسبة تزيد على 70 بالمائة خلال النصف الأول من العام الجاري.

وفي إسرائيل التي خسرت الكثير من أسواق التصدير بسبب الجائحة يتوقع تراجع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تزيد على 6 بالمائة هذا العام. ومن هنا فإن الآمال المعلقة على الاتفاق لتحريك عجلة الاقتصاد ومواجهة تبعات الجائحة في كلا البلدين كبيرة. ويعزز ذلك حقيقة أن هناك علاقات اقتصادية سرية تتم منذ سنوات في الخفاء بين إسرائيل من جهة والإمارات وقطر وسلطنة عمان وبلدان عربية آخرى كالمغرب وتونس من جهة أخرى. وإذا كانت هذه العلاقات ركزت على تسويق منتجات أمنية وتجسسية ودفاعية إسرائيلية، فإن الاتفاق يخرجها إلى العلن ويفتاح الباب على مصراعية أمام علاقات أوسع في مختلف المجالات. ويدل على ذلك أنه وبعيد الإعلان عن الاتفاق الذي لم يوقع بعد تم توقيع اتفاق بين شركة جي 42 الإماراتية وشركة نانوسينت الإسرائيلية لتصنيع جهاز يكشف عن كوفيد-19. وفي إسرائيل بدأت شركة افييشن لينكس الإسرائيلية ببيع عروض سياحية إلى الإمارات.

الإمارات ليست مصر ولا الأردن

رغم هذه الأدلة وتلك الضرورات، فإن العلاقات الاقتصادية بين الإمارات وإسرائيل لن تزدهر حسب رأي الكثيرين. ومن البراهين التي على ذلك حسب رأي هؤلاء فشل اتفاقيتي السلام بين تل أبيب من جهة وكل من مصر والأردن من جهة أخرى في الوصول إلى علاقات اقتصادية طبيعية لأسباب من أبرزها الرفض الواسع في المجتمعات العربية وقطاع الأعمال لهذه العلاقات مع استمرار النزاع الفلسطيني الإسرائيلي. غير أن أنصار هذا الرأي ينسون حقيقة أنه لايمكن مقارنة الإمارات بمصر والأردن، لأن اقتصاد الإمارات يتمتع بطابع عالمي منفتح على التجارة الدولية ومرتبط إلى حد كبير باستثمارات عالمية متعددة الجنسية. وفي هذا الإطار أضحت الإمارات وخاصة إمارة دبي أهم منصة عربية وشرق أوسطية مفتوحة للتجارة والتغليف وإعادة التصدير إلى العالم العربي وإيران ووسط آسيا. وعبر هذه المنصة ومراكزها الكثيرة لتجميع مختلف أنواع السلع والأجهزة والتجهيزات ليس من الصعب إعادة تغليف وتسويق المنتجات الإسرائيلية إلى العالم العربي وخارجه تحت أسماء جديدة وفي إطار منتج نهائي متعدد الجنسية عندما يتطلب الأمر ذلك. ويساعد على ذلك أن رجال الأعمال والكفاءات في الإمارات غالبيتهم غير إماراتيين وليس بين بلدانهم وبين إسرائيل حروب وصراعات تجعلهم يتخذون مواقف متحفظة من التجارة مع الشركات الإسرائيلية. وطالما يتوفر الإطار السياسي للتعاون بين الإمارات وإسرائيل من خلال اتفاقية تطبيع العلاقات، فإن أعمالهم مع هذه الشركات انطلاقا من الإمارات ستجد طريقها الأوسع إلى الازدهار.

تسهيل الدعم السياسي والعسكري بمغريات الاقتصاد

ومثل هذا الطريق ينطبق أيضا على رجال الأعمال والشركات الإماراتية التي ترتبط إلى حد كبير بالنخب والعائلات المسيطرة على السلطة إداريا وماليا. ويهم هذه العائلات دفع أوجه التعاون الاقتصادي مع الجانب الإسرائيلي لدوافع متعددة لا تقتصر على المنافع المالية وحسب، بل أيضا بدافع الحصول على مزيد من الدعم السياسي والعسكري والتقني الأمريكي والإسرائيلي والغربي، فمثل هذا الدعم تحتاجه العائلات الحاكمة لاستمرار قمعها لأي حراك فردي أو شعبي يقوم به نشطاء سياسيين بهدف الوصول إلى حريات أساسية وتعددية سياسية في بلدان محرومة منها. كما تحتاجه لمواجهة النفوذين الإيراني والتركي المتزايد في المشرق العربي وشبه الجزيرة العربية واليمن وليبيا . وعلى هذا الأساس يأمل حكام الإمارات بأن يساعد الاتفاق على إزالة كل العقبات أمام مساعيهم لشراء طائرة الشبح الأمريكية إف-35 وأسلحة أخرى تدخل التكنولوجيا الإسرائيلية في صناعتها أو تعتمد عليها إلى جانب التكنولوجيا الأمريكية والغربية. وفي الحقيقة فإن الدعم المذكور تسعى إليه أيضا العائلات الحاكمة الأخرى في السعودية ودول مجلس التعاون الأخرى أكثر من أي وقت مضى. وعليه فإن التعاون الاقتصادي بينها وبين إسرائيل سيسير بخطى أسرع وعبر أبواب أوسع من أي وقت مضى.

بقلم ابراهيم محمد

الإمارات وإسرائيل: نشطاء يخشون المزيد من التجسس على إنشطتهم

هناك أثر جانبي مهمل لاتفاق السلام بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، ففي المستقبل ستكون أبو ظبي قادرة على الوصول إلى برامج قرصنة إسرائيلية بسهولة أكبر من أجل التجسس بشكل أوسع على النشطاء السياسيين.

في أغسطس 2016 تلقى الناشط الإماراتي في حقوق الانسان أحمد منصور في يومين متتاليين أخبارا قصيرة غريبة تفيد ” بوجود أسرار جديدة حول التعذيب داخل السجون الحكومية للإمارات” متصلة برابط لموقع الكتروني لم ينقر عليه.

ومنصور كانت له جميع الأسباب لينتابه الشك، ففي خريف 2011 طالب بدوافع “الربيع العربي” بإصلاحات ديمقراطية في الإمارات العربية المتحدة. وبسبب “إهانة قوى قيادية في الإمارات العربية المتحدة” حُكم عليه ثلاث سنوات بالسجن، لكن صدر بعد الحكم بقليل تم العفو عنه. وفي الوقت نفسه صادرت السلطات جواز سفره ومنعته من السفر إلى الخارج. ولم يبالي منصور بتلك الإجراءات وواصل المطالبة في السنوات التالية بإصلاحات سياسية في الإمارات العربية المتحدة.

خدمات الاتصالات بين اسرائيل والإمارات العربية المتحدة، هل تعزز عملية التجسس على الإماراتيين؟

تفعيل خدمات الاتصالات بين اسرائيل والإمارات العربية المتحدة، ما تبعاتها؟

هجمات إلكترونية ضد نشطاء حقوق الانسان

وأحال منصور الخبر القصير المشبوه على معهد Citizen Lab بجامعة تورونتو الكندية الذي قام فنيوه بتحليل الانعكاسات الممكنة لبرنامج التجسس الذي لو حُمل، كما قال المعهد لاحقا فإن “الهاتف النقال لمنصور كان سيتحول إلى جاسوس رقمي في جيبه”. فهاتفه كان مخترقا من قبل برمجيات الشركة الاسرائيلية “مجموعة إن اس أو/ NSO Group  المعروفة في الأوساط المختصة بالالكترونيات والتي تواجه منذ مدة انتقادات ليس فقط بسبب خدماتها الرقمية لصالح الحكومة القمعية في أبوظبي. فحسب تحريات صحيفة نيويورك تايمز فإنها دعمت أيضا الحكومة السعودية لمراقبة الصحفي المغتال لاحقا جمال خاشقجي. وحتى الناشط السعودي المقيم في كندا عمر عبد العزيز يعلن بأن هاتفه تعرض للقرصنة بمساعدة تقنية الشركة التي تشير من جانبها إلى أنها تقدم خدماتها للزبناء عندما توافق الحكومة الاسرائيلية على العقود.

صفقات سهلة

وإلى حد الآن ظلت العقود بين مجموعة إن أس أو/ NSO والإمارات العربية المتحدة تحت تحفظ الموافقة من قبل الحكومة الاسرائيلية. ومازال غير معروف تأثير الصفقة التاريخية المبرمة مؤخرا لإقامة علاقات ثنائية بين البلدين على هذا النوع من خدمات التجسس الرقمي. والواضح هو أن النفاد إلى برامج التجسس الرقمي سيسهل على الإمارات عقب إقامة علاقات رسمية مع اسرائيل وإلغاء القيود التجارية بينهما.

وهناك اهتمام بذلك من قبل الطرفين، كما يعتبر أندرياس كريغ، خبير شؤون الدفاع في “معهد كينغ ” بلندن. ففي الوقت الذي تكون فيه التقنية الاسرائيلية رائدة عالميا، فإن الإمارات العربية المتحدة تتطلع للحصول على إمكانيات مراقبة أفضل. “دولة المراقبة في الإمارات تم تجهيزها بتقنية اسرائيلية  والمعرفة العلمية”، كما قال كريغ لدويتشه فيله.

قلق مدافعي حقوق الانسان

 ويخشى مدافعون عن حقوق الانسان أن يدفع الاتفاق على إقامة علاقات دبلوماسية عملية بيع تقنية المراقبة الاسرائيلية للإمارات واستخدامها في البلاد إلى الأمام. وقد يؤدي هذا في النتيجة إلى مراقبة أكثر فاعلية وقمع أكبر للنشطاء السياسيين المنبوذين في الإمارات العربية المتحدة ـ بدعم تكنولوجي من اسرائيل.

إقامة شراكة وتعاون استراتيجي بين تل أبيب وأبوظبي، أي المجالات ستكون الأكثر استفادة؟ إقامة شراكة وتعاون استراتيجي بين تل أبيب وأبوظبي، لمصلحة من سيكون ذلك؟

هبة زيادين، خبيرة منطقة الخليج لدى منظمة “هيومان رايتس ووتش” تؤكد أن الإمارات العربية المتحدة تطورت في السنوات العشر الماضية إلى إحدى الدول القمعية في المنطقة: ” يصنفون هناك أي تصريح يعتبرونه في أدنى حد انتقاديا أو سلبيا كعمل إجرامي”. وأوضحت أن سكان الإمارات العربية المتحدة يُعتبرون من أكثر السكان الخاضعين للمراقبة في العالم ـ وهذا جزئيا بفضل اقتناء التكنولوجيا الاسرائيلية وبرمجيات التجسس.

والناشط الحقوقي خالد ابراهيم من “مركز الخليج لحقوق الانسان” ومقره في بيروت ينظر إلى الوضع في الإمارات بنفس الانتقاد. “إنه محيط عدواني جدا”. وهذه التجربة عايشها الناشط الحقوقي الإماراتي أحمد منصور الذي تلوث هاتفه ببرمجيات التجسس باسم يبجاسوس/ Pegasus التي لها تأثير على جميع الوظائف في هاتفه بما في ذلك مواقع تواجد منصور.

الهجوم الالكتروني فشل بسبب يقظة منصور، لكن ذلك لم ينفعه قانونيا: ففي مايو، أيار 2018 حُكم عليه بالسجن عشر سنوات ودفع غرامة مالية بمبلغ 225.000 يورو. كما أدانته المحكمة بسبب “نشر معلومات خاطئة لإلحاق الضرر بالإمارات العربية المتحدة في الخارج”.

ما هي الإمكانيات المتبقية للفلسطينيين بعد صفقة السلام في واشنطن؟

بوادر تقارب في واشنطن وعنف عسكري بين اسرائيل وقطاع غزة. وفي الوقت الذي وقع فيه رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو مع وزيري خارجية الامارات العربية المتحدة والبحرين على اتفاقية التطبيع، تم إطلاق 15 صاروخا من قطاع غزة على الارض الاسرائيلية. وقد رد سلاح الجو الاسرائيلي بهجمات على مواقع إطلاقها.

وفي الضفة الغربية بدا الفلسطينيون مترددين، كما يفيد ستيفن هوفنر، مدير مكتب مؤسسة كونراد أدناور في الاراضي الفلسطينية. فالوضع في الأيام الأخيرة كان هادئا بشكل مدهش. وفي رام الله حصلت احتجاجات صغيرة، حيث تجمع هناك في مهرجان خطابي حوالي 150 شخصا. “غالبية الناس توقعت الاتفاق. ويرون أن الانطباع تأكد بأن العالم العربي يهتم قليلا بالفلسطينيين”.

في هذا السياق لم تتمكن الدول الأعضاء في الجامعة العربية خلال اجتماعها الأخير من الاتفاق على شجب التقارب بين اسرائيل والامارات العربية المتحدة. ومطلب الفلسطينيين الداعي إلى فعل ذلك رفضته اللجنة. “وحتى هذا ساهم في تنامي شعور العزلة لدى الفلسطينيين”، كما يقول هوفنر.

ضد التطبيع، تجمع شعبي في رام الله احتجاجا على اتفاقيتي السلام بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرينضد التطبيع، تجمع شعبي في رام الله احتجاجا على اتفاقيتي السلام بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين

وقد شجب الرئيس الايراني حسن روحاني بقوة اتفاقية التطبيع. “أين هي عروبتكم أين هو قلقكم من الجرائم (الاسرائيلية) في فلسطين وأين هي مشاعركم تجاه الإخوة الفلسطينيين؟”، يتساءل في صيغة بلاغية. وهذه النداءات تصل فقط إلى شرائح ضيقة داخل المجتمع الفلسطيني. “في الضفة الغربية تجد التصريحات من ايران اهتماما قليلا”، يقول ستيفن هوفنر. “صدى أكبر تجده في قطاع غزة حيث يتصور أشخاص من محيط حماس مثل الجهاد الاسلامي تحالفا أو على الأقل تقاربا مع ايران”. والشكوك السائدة في الضفة الغربية تقوم على التفكير القائل بأن ايران معزولة في أجزاء واسعة من العالم العربي وأنها تقع تحت نظام العقوبات الذي تفرضه الولايات المتحدة الأمريكية. فكل تقارب مع الحكومة في طهران قد يجلب معه ضغطا مباشرا أو غير مباشر من واشنطن. وحتى في عواصم الاتحاد الأوروبي لن تلقى الاتصالات الفلسطينية الايرانية ترحيبا، ولاسيما المانيا سترد إذا ما توحد الفلسطينيون والايرانيون لتشكيل تحالف ضد اسرائيل.

شراكة مجازفة مع تركيا

وبدوره وجد الرئيس التركي رجب طيب اردوغان كلمات واضحة تجاه تقارب البحرين واسرائيل: “هذا القرار سيشجع اسرائيل على مواصلة نهجها غير القانوني ضد الفلسطينيين”. وكان اردوغان قد انتقد في وقت سابق قرار الامارات العربية المتحدة بالقول هذا “السلوك المنافق” لن “ينساه أبدا” سكان المنطقة. والتصريحات من أنقرة يكون لها صدى أفضل في أراضي الحكم الذاتي من تلك القادمة من طهران. “سلسلة من الفلسطينيين تعلق آمالها على تركيا”، يقول ستيفن هوفنر. “يرون فيها دولة لها ما يكفي من الثقل السياسي وتمثيل المصالح الفلسطينية بجدية”. لكن تركيا من ناحية السياسة الخارجية ملتزمة حاليا في كثير من الجبهات. ففي شمال سوريا تحارب المنظمات الكردية وفي البحر المتوسط يجمعها نزاع مع اليونان بسبب استغلال احتياطات الغاز وفي ليبيا  تساند عسكريا رئيس حكومة الوحدة الوطنية، فائز السراج. وبالتالي يبقى مفتوحا إلى أي مدى هي تتوفر على موارد للالتزام إضافة إلى ذلك من أجل الفلسطينيين. كما أنه سيُنظر بعين الريبة داخل الاتحاد الأوروبي تجاه تقارب فلسطيني تركي. فالكثير من دول الاتحاد الأوروبي تبتعد عن أنقرة. والسبب في ذلك هو الخلاف مع اليونان وسياسة السماح للاجئين بالعبور عبر المتوسط وجعل أوروبا بهذه الطريقة تحت الضغط.

غضب في قطاع غزة: مشهد في مدينة غزة في الـ 15 سبتمبر 2020 غضب في قطاع غزة على اتفاقيتي السلام بين إسرائيل وكل من الإمارات والبحرين: مشهد في مدينة غزة في الـ 15 سبتمبر 2020

الأمل في روسيا وقطر

ونظرا للتغيرات السريعة في الشرق الأوسط يعلق الفلسطينيون آمالهم على دولتين إضافيتين وهما روسيا وقطر. فروسيا لها علاقات جيدة مع اسرائيل يمكن استغلالها، حسب الأمل في رام الله لخدمة المصالح الفلسطينية. واسرائيل بالنسبة إلى روسيا شريك هام في سوريا. فكلا البلدين ينشطان عسكريا في الأجواء السورية، وبالتالي فإن التنسيق الفني والاستراتيجي بين البلدين لا يمكن تجاوزه.

وحتى قطر التي دعمت قطاع غزة بملايين الدولارات، فعلت ذلك من خلال تنسيق وثيق مع اسرائيل. “هذا الالتزام يجعل الامارة في عيون الكثير من الفلسطينيين تظهر كوسيط في مفاوضات قادمة مع اسرائيل”، كما يقول هوفنر. لكن هذه الآمال لم تتحقق سياسيا إلى حد الآن.

تردد في الرياض

ولفترة طويلة اعتُبرت العربية السعودية في عيون الكثير من الفلسطينيين حليفا موثوقا، ولاسيما الملك سلمان الذي يُعتبر كمدافع شغوف عن المصالح الفلسطينية. وحقيقة أن يحتفظ ابنه، ولي العهد محمد بن سلمان، الرجل القوي المقبل في المملكة بهذا التضامن، فهذا يبدو من المشكوك فيه. ففي العديد من المحادثات مع جاريد كوشنر، المندوب الخاص لحكومة ترامب للشرق الأوسط أبدى بن سلمان، حسب تقارير اعلامية تعاطفا مع الجهود الأمريكية الحالية لتطبيع العلاقة الاسرائيلية العربية. لكن ماتزال العربية السعودية تتجنب التحالف المفتوح مع اسرائيل. وعلى هذا الأساس ينظر الفلسطينيون بتحفظ في اتجاه الرياض. و80 في المائة من الفلسطينيين حسب استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية يعتقدون أن العربية السعودية أعطت الضوء الأخضر للأمارات من أجل تطبيع العلاقات مع اسرائيل. وكذلك 82 في المائة يتوقعون أن تقوم المملكة السعودية في وقت منظور بنفس الخطوة مثل الامارات العربية المتحدة والبحرين.

حلفاء للفلسطينيين؟ الرئيس التركي اردوغان (يسار) ونظيره الايراني روحاني حلفاء للفلسطينيين؟ الرئيس التركي اردوغان (يسار) ونظيره الايراني روحاني

انتقاذ ذاتي فلسطيني

وتبذل حركة فتح من جهة وحماس الحاكمة في قطاع غزة من جهة أخرى الجهود من أجل موقف مشترك يصب في قيادة مسؤولة عن جميع أراضي الحكم الذاتي. لكن إلى ذلك الحين الطريق ما يزال طويلا. كما أن هناك حاجة إلى اصلاحات مثل الانتخابات البرلمانية التي نُظمت آخر مرة في عام 2006 . وإذا أراد الفلسطينيون كسب تأثير أكبر في العالم العربي وجب عليهم تنفيذ اصلاحات داخل معسكرهم، كما كتبت صحيفة “الأيام” الصادرة في رام الله والمقربة من فتح. “فُرقتنا تشجع بعض البلدان على التراجع والوقوف ضد مصالح الشعب الفلسطيني”. وأوضحت الصحيفة أنه إذا أراد الفلسطينيون وقف هذا التطور، فوجب عليهم البدء داخل صفوفهم وإلا، وكما حذرت الصحيفة “سنخسر المزيد من التأثير وسنواجه عزلة أكبر”.

كرستين كنيب/ م.أ.م