الاسم: ساعود جمال ساعود

دكتوراه في العلوم السياسية –  جامعة دمشق.

مقال بعنوان:

ما هي أسباب الرفض الإيراني لمشروع “صفقة القرن”؟

     لا بدّ في البداية من الوقوف على طبيعة هذا الصفقه التي ظاهرها الانتداب وباطنها الاغتصاب بغية تشريحها وتحديد ماهيتها، لأنّ ماهية هذه الصفقة كانت سبباً رئيسياً للرفض الإيراني لها، فعلى الرغم من ادعاء الرئيس الصهيوني الأمريكي ترامب بأن صفقته حلّاً  للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، وبأنّه جاء به لإحلال السلام في الشرق الأوسط، إلا أنّ فشل في إخفاء تأييده للكيان الإسرائيلي، وحقيقة الأمر أنّ هذه الصفقة جاءت لترسيخ الانقسام والاحتلال ولإشعال الصراع بين الكيان الإسرائيلي وبين من يعنيه الأمر كأصحاب القضية مثلاً وحلفائهم.

     ولعل ما يثبت أنّ هذه الصفقة جاءت لترسيخ الانقسام والاحتلال أنّ هذه الصفقة تقوم على استمرار السيطرة الاسرائيلية على معظم الأراضي الفلسطينية ذات الأهمية الاستراتيجية التي تفوق نظرائها من المناطق الأخرى من قبيل ضم الكتل الاستيطانية الضخمة في الضفة الغربية إلى الكيان الإسرائيلي المغتصب، وبقاء مدينة القدس تحت الاحتلال الاسرائيلي، وتخصيص أجزاء من الجانب الشرقي من المدينة للعاصمة الفلسطينية، إضافة إلى سيطرة العدو الإسرائيلي على غور الأردن ليقاسموا بذلك الفلسطينيين على حقهم وأرضهم، ولا أدل على هذا من حالة الضعف اللامتناهي التي وصلت لها الدول العربية، علماُ أنّ الاستشهاد والاستنجاد بهاتين الكلمتين ” الدول العربية” قد بات مثيراً للسخرية، ولكن لا بدّ من قولهما.

  نعم أيها السادة، إنّ ماهية هذه الصفقة – كما أسلفت- سببٌ رئيسي للرفض الإيراني لها، وذلك بالنظر لما احتوته من مضامين خبيثة لها دلالاتها الخطيرة على واقع ومستقبل فلسطين بشكلٍ خاص ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام، وفي الحقيقة عكست صفقة الأمريكي العديد من الأمور التي يجب التنبّه لها، والتي تبرز باعتبارها أسباباً موجبة وداعية للرفض الإيراني لها تتراوح ما بين أسبابٍ تتعلّق بطبيعة صفقة القرن ذاتها وأخرى تتعلّق بالمرتكز الايديولوجي للجمهورية الإسلامية وصولاً إلى أخرى تتعلق بحماية الأمن القومي الإيراني من شر ما يهدّده، وفيما يلي عرضٌ لأهمّها:

 أولها: كلمة استعماري التي ظنناه قد استهلكت لغير رجعة ولكن للأسف، إن أقوال من نسميهم مجانين وتوقعاتهم هي الصحيحة.

وثانيها: إنّ هذه التسوية الأمريكية هي بالفعل صفقة ولكن بالنسبة لهم ولحلفائهم، وأمّا بالنسبة لأصحاب الأرض الذين لا يجدون من يقف معهم إلا بالشعارات المعدّة للاستهلاك الغذائي لأصحاب الكروش، وأيضاً للاستهلاك الإعلامي للقنوات صاحبة الدفقات الشعورية الغريبة.

وثالثها: إن صفقة القرن أي الواحد والعشرين هي إنجاز لرئيس أمريكي أثبت للعلن أنّ أمريكا رغم ضخامتها على الصعد المتعدّدة إلا أنّها هي مارد الفانوس السحري الذي ينفذ طلبات وأوامر اسرائيل وقادتها، وهي من يلبي احتياجاتها، عكس المشاع في أديباتنا السياسية بأنّ اسرائيل قاعدة متقدمة تعمل لصالح أمريكا، بل العكس صحيح.

ورابعها: إن مشروع صفقة القرن الاستعماري جزء لا يتجزأ من المشاريع الصهيونية الأمريكية التي سبقتها من قبيل مشروع الفوضى الخلاقة، ومشروع الشرق الأوسط الجديد، حيث يتلاقى هدف هذا المشروع مع ما سبقه من مشاريع استعمارية من عدّة نواحي منها تقسيم المنطقة العربية، وقد نجحت، وتفتيت أمل وحدة العرب وقد نجحت، وضرب القومية العربية بجعل العرب يستهدفون العرب وقد نجحت وهذا ما حصل في سورية الحبيبة حيث الدول البدوية البدائية هي العدو الأول وصاحبة الدور الأول في استهداف سورية أرضاً وشعباً، إضافة إلى تأمين أمن “اسرائيل” وقد نجحت، وضرب الأمن الاجتماعي والثقافي للعرب وقد نجحت ولا داعي للمكابرة، والأهم ما لحق بالسمعة العالمية للإسلام جراء توظيف خوارج العصر وإخوان الشيطان للتصرّف باسمه فقتل الإنسان، وتخريب الأوطان، وتكفير الأديان، وظائفٌ عملت عليها أجهزت الاستخبارات العالمية مختارة من أتباعها من ينفذ أجندتهم.

خامسها: صفقة قسرية وليست طوعية، فترامب هو القائل: ” واشنطن مستعدة للاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على أراض محتلة” فكلمة أرض محتله خرجت من فمه، كذلك وصف صفقته بـ”حل واقعي بدولتين” هذا اشارة أن وجود الكيان المغتصب مستمر أبدي، وأي محاولة لإزالته ستقابل بحرب وجودية.

سادساً: إنّ الكيان الصهيوني عدو مشترك لإيران وفلسطين وهذا ركيزة ايديولوجية تقوم عليها الثورة الإسلامية، كما أنّ  الممارسات الأمريكية تستهدفهما معاً دونما أي تفريق، فكلا الدولتين امتداد للأخر.

سابعاً: هنالك سببٌ دستوري يتعلّق بالأسس الايديولوجية التي تقوم عليها الجمهورية الإسلامية الإيراني، تقف وراء الرفض الإيراني لصفقة القرن منها مثلاً المادة الثانية من الدستور الإيراني: “يقوم نظام الجمهورية الإسلامية على أساس رفض جميع أشكال الاضطهاد، سواء بفرضه أو الخضوع له، وجميع أشكال الهيمنة، سواء بفرضها”، كذلك البند الخامس من المادة الثانية تقر أنّ: “طرد الاستعمار كلية ومكافحة النفوذ الأجنبي”، والأهم البند السادس عشر:” صياغة السياسية الخارجية للبلاد على أساس المعايير الإسلامية والالتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين، وتوفير الدعم الكامل لمستضعفي العالم.

ثامناً: إنّ استمرار الوجود الإسرائيلي وتثبيت دعائمه في منطقة الشرق الأوسط يحمل في طياته تهديداً للأمن القومي الإيراني، وعلى العكس إن العمل ضد وجود وضد تثبيت أركانه أكثر كما في مشروع صفقة القرن، يحمي ويخدم ويعزز الأمن القومي الإيراني في حال نجاحهم بإزالة الكتلة السرطانية “الاسرائيلية” وتهديد وجودها واستمرارها.

تاسعاً: مخاطر صفقة القرن على منطقة الشرق الأوسط بشكل عام من زاوية استمرار وجود الكيان المغتصب إلى ما لا نهاية في ظل تطبيع الأغلبية الإعرابية البدوية من جهة وفي ظل العمل على ضرب أمن واستقرار الدول الرافضة لهذا الكيان الغاصب، هنا تضارب السياسات الإقليمية وتعاضها سبب خفي أيضاً، ولكن في الغابة الدولية من حق الدول تعزيز أمنها واستقرارها وتأمين أوصالها من القطع على حساب بعضها البعض، وهنا طفح الكيل من المتسائلين والمحليين!! فما الذي بقي مخفياً غير معلوم في السياسية وتصرفات الدول في هذا الوقت؟! صدقاً لا أعرف، لأنّ المخفي ظهر، والجسم القريب من العين لا يرى لشدّه قربه.

عاشراً: الرغبة في الظهور أمام الرأي العام العالمي عموماً والعربي خصوصاً بمظهر المدافع الصادق والثابت عن القضايا الإسلامية، وهي ناجحة بذلك بسبب التخاذل الذي ساد الصف العربي بالنسبة للبعض المتواطئ مع الأمريكي والإسرائيلي كحكومات لا شعوب، الأمر الذي كشف حقيقة تخلي البعض العربي المسلم عن كرامة قوميتهم ودينهم الإسلامي فالتغنّي بالأقصى مجرّد أغنية ترفيهية، بدليل التطبيع العربي عموماً والخليجي خاصّة مع “اسرائيل”، وخذلان القضية الفلسطينية أمران ظهرا للعلن فور الإعلان عن شيطان العصر، حيث أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المعروفة باسم “صفقة القرن”، وسط حضور سفراء عمان والإمارات والبحرين.

  بالنتيجة من الطبيعي جداً أن تلقى صفقة القرن الرفض من قِبل إيران لأنّها تتعارض مع مصالحها الأمنية والسياسية والعسكرية وحتى من ناحية ثوابتها الايديولوجية، فالجمهورية الإسلامية الإيرانية من بين الأطراف الدولية التي تقف مع الشعب الفلسطيني وعلى الأرجح سيكون لها لمستها الخاصّة ودورها الفعّال في أي عمل يصب لصالح القضية الفلسطينية ولصالح الشعب الفلسطيني. إيران التي قصفت منذ أيام قاعدة عين أسد الأمريكية ولم تخشى الجبروت والعتو الأمريكي،  إيران اليوم تقف كوقفتها في الأمس مع فلسطين أرضاً وشعباً، وما أكّده  الحرس الثوري الإيراني صحيح بنظري لا يتداخله أي شك -حسب طهران ـ وكالات – حول استعداد إيران للعمل على إفشال خطة واشنطن للسلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين المعروفة إعلاميا بـ”صفقة القرن”، وهذا أمر غير مستغرب من إيران، والحل لمعالجة ما تقوم به أمريكا واسرائيل هو العمل العسكري فقط، لأنّ الدبلوماسية والتحرّكات السياسية لا ولن تُجدي نفعاً، خصوصاً في ظل عالم اليوم بعد أن اتضح أنّ المنظمات الدولية تابعه للصهيوني الأمريكي، وأن غالبية الدول العربية متواطئة مع الصهيوني الأمريكي باستثناء قلة قليلة، ولعل هذه المعرفة المبطنّة والشعور الراسخ والمبدأ العقائدي واليقين الثوري والعزيمة على عدم السماح للإسرائيلي بالصعود إقليمياً على حساب إيران وحلفائها وما يدخل في صلب اهتمامها وسياساتها هو ما دفع الإمام الخامنئي للقول مناسبة الذكرى الـ41 للثورة الإسلامية في إيران إن “صفقة القرن ستموت قبل أن يموت ترامب”، هذا القول الذي صدّر عن صانع السياسات العامة في إيران داخلياً وخارجياً بموجب المادة الدستورية رقم 101، وعن ثقة بالقدرات الإيرانية والمعرفة بما تخطط له أمريكا الإسرائيلية في المنطقة العربية خصوصاً ومنطقة الشرق الأوسط عموماً.