بعد أكثر من 25 عاماً من القطيعة، قامت الولايات المتحدة برفع تمثيلها الدبلوماسي في السودان من قائم بالأعمال إلى سفير، في محاولة أمريكية جادة لتعزيز علاقاتها بالخرطوم؛ حيث قررت الإدارة الأمريكية تعيين جون جودفري أول سفير لها في السودان منذ عام 1996، عندما قطعت واشنطن العلاقات الدبلوماسية مع الخرطوم بسبب دعمها تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات الإرهابية. وقد أشاد المسؤولون والخبراء بالقرار، ووصفوه بالـخطوة المهمة في سبيل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين. وتزامنت هذه الخطوة مع الظروف الصعبة التي يمر بها السودان؛ ما أدى إلى طرح العديد من التساؤلات حول توقيت ودلالات التعيين وأهداف واشنطن من وراء تلك الخطوة.

دوافع متعددة

أظهرت إدارة جو بايدن مؤشرات مبكرة على أنها ستجعل السودان أولوية، بما في ذلك تعيين مبعوث خاص إلى القرن الإفريقي جيفري فيلتمان، وإضافة وحدة في مكتب إفريقيا التابع للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لتغطية السودان وجنوب السودان. ومن ثم، فإن خطوة تعيين جون جودفري، أول سفير للولايات المتحدة في الخرطوم، تؤكد السعي الحثيث من جانب واشنطن إلى الانخراط الحذر في إفريقيا من أجل تعزيز نفوذها واستعادة مكانتها في القارة السمراء عبر بوابة التنمية ودعم القدرات الإفريقية، بما يدعم موقفها التنافسي واحتواءها المزدوج لكل من الصين وروسيا. ويأتي الاهتمام الأمريكي بالسودان للعديد من الأسباب، يتمثل أبرزها فيما يلي:

1– تحقيق مزيد من الانخراط الأمريكي داخل إفريقيا: لطالما اتسم نهج الإدارات الأمريكية المتعاقبة، منذ عام 1981، بالانخراط مع الدول الإفريقية من خلال الاعتماد على “المشاركة البناءة”، والنظر إلى القارة من منطلق المصالح الأمريكية؛ من أجل تعزيز نفوذها واستعادة مكانتها هناك عبر ملفي التنمية ودعم الديمقراطية، بما يدعم موقفها التنافسي في مواجهة الصين وروسيا، خاصةً في ملف أمن البحر الأحمر، بعد الاتفاق بين موسكو والخرطوم على أن تكون هناك قاعدة عسكرية لروسيا في البحر الأحمر. وتسعى واشنطن لئلا يتم ذلك التمدد الروسي أو الصيني غير المرغوب من خلال وجود أمريكي أكبر في المنطقة وهو ما يتضح من الزيارة الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن إلى إفريقيا، التي اكتسبت أهميتها من كشفها عن ملامح السياسة الأمريكية تجاه إفريقيا في عهد الرئيس “بايدن”، كما أنها هدفت إلى إبراز صورة واشنطن كفاعل رئيسي في المبادرات الإقليمية والدولية لاستعادة السلام وتعزيز الديمقراطية بالقارة، في الوقت الذي تنافس فيه الصين وروسيا وغيرهما من الدول الفاعلة في العلاقات الدولية على مزيد من النفوذ بالقارة.

2– تغير بنية النظام السوداني بعد سقوط نظام البشير: لا شك أن السودان يمر الآن بتغيرات جذرية على كافة الأصعدة؛ فبعد سقوط نظام عمر البشير في أبريل عام 2019، اتخذ قائد الجيش السوداني الفريق الأول الركن عبد الفتاح البرهان، في 25 أكتوبر 2021، قرارات وصفها بأنها “تصحيح للمسار الانتقالي”. وبعد ضغوط دولية جمة، توصل “البرهان” إلى اتفاق في 21 نوفمبر 2021 مع رئيس الوزراء عبد الله حمدوك، يقضي بالعودة إلى منصبه، وإطلاق سراح جميع المعتقلين، وإجراء تحقيق حول ما ارتُكب من تجاوزات خلال التظاهرات الشعبية المندلعة منذ 25 أكتوبر 2021. وتعهد كلا الطرفين فيه بحماية الفترة الانتقالية، والعمل على جمع الصف الوطني. وعلى صعيد آخر، شهد السودان تغييرات كبيرة طالت القوات الأمنية، وقوات الجيش والمخابرات، وإطلاق سراح عدد من الشخصيات السياسية البارزة، والوزراء والناشطين، الذين أوقفوا منذ 25 أكتوبر 2021.

3– مراقبة ودعم عملية التحول الديمقراطي في السودان: تحوز قضية التحول الديمقراطي في منطقة القرن الإفريقي اهتماماً بالغاً من قِبل إدارة “بايدن”، وهو ما أكدته زيارة وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن الأخيرة إلى إفريقيا. ونظراً إلى أن السودان يعد من أهم أدوات التحول الديمقراطي في إفريقيا؛ رصدت واشنطن حزمة مساعدات بقيمة 700 مليون دولار، لكنها مرهونة بعملية الانتقال الديمقراطي للسلطة في السودان، وهو ما أكده “بلينكن” حين قال: “إن الولايات المتحدة تريد أن ترى المزيد من التقدم نحو الديمقراطية في السودان قبل تقديم المساعدات”.

كما قامت السفيرة الأمريكية للشؤون الإفريقية ومساعدة وزير الخارجية مولي في، بزيارة إلى السودان، أجرت خلالها مباحثات مع المسؤولين السودانيين حول آليات حل الأزمة واستعادة الانتقال الديمقراطي. وقبل استضافة “بايدن” يومي التاسع والعاشر من ديسمبر المقبل قمة افتراضية من أجل الديمقراطية، فإن الحالة السودانية الحالية قد تمثل للرئيس الأمريكي ورقة يستخدمها لإثبات انتصار واشنطن للقيم الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان حول العالم، كما أن تعيين سفير أمريكي يعد دليلاً على حرص الولايات المتحدة على لعب دور مهم في مسار الفترة الانتقالية لضمان نجاحها وضمان تنفيذ الاتفاق السياسي والتحول الديمقراطي، وتشكيل حكومة كفاءات، ثم المضي نحو تشكيل المؤسسات الانتقالية الأخرى، مثل المجلس التشريعي والمفوضيات وغيرها.

4– تحقيق مكاسب اقتصادية من توثيق العلاقات مع السودان: بلغ مقدار الدين الخارجي للسودان نحو 59 مليار دولار أمريكي (أي أكثر من 190% من ناتجه المحلي الإجمالي في عام 2019)، ومعدل تضخم نحو 400%. وعليه، ونظراً إلى حالة الاقتصاد السوداني الذي يشهد انهياراً حراً، كانت خطة الحكومة الانتقالية لإنقاذ الاقتصاد تتمثل في الحصول على قروض جديدة، وهو الأمر الذي وجدته واشنطن فرصة ذهبية لتطويع السياسات المتبعة في الخرطوم. وعليه، رفضت الولايات المتحدة ما حدث بالسودان في أكتوبر 2021، وفرضت مزيداً من الضغوط الدبلوماسية والاقتصادية؛ أبرزها تعليق المساعدات المالية التي تبلغ قيمتها 700 مليون دولار، ثم رفع واشنطن مستوى التمثيل الدبلوماسي في السودان الآن لكي توجه علاقتها بالسودان، وتباشر ترتيب أولوياتها وتضع مرتكزات مصالحها، وتسيطر على منطلقات استراتيجيتها؛ لأنها تعلم جيداً حجم الموارد الاقتصادية في السودان، خاصةً المعادن والذهب، وتعلم كيفية استغلالها وتوجيهها.

5– دعم التحول في العلاقات السودانية – الإسرائيلية: ساهمت جماعات الضغط الموالية لإسرائيل داخل الولايات المتحدة في إنجاح اتفاق إقامة العلاقات السودانية–الإسرائيلية، في يناير 2021، وفي رفع العقوبات الأمريكية عن الخرطوم وفتح الباب أمام مساعدات اقتصادية أكثر، فضلاً عن دور تل أبيب في دعم جهود السودان للخروج من قائمة الولايات المتحدة للدول الراعية للإرهاب، وهو ما حدث بالفعل في ديسمبر 2020. كما ساعد هذا التحول على إنهاء بعض القضايا العالقة منذ زمن بعيد؛ حيث وافق السودان على دفع تعويضات بقيمة 335 مليون دولار أمريكي لضحايا تفجيرات عام 1998 في السفارتين الأمريكيتين في العاصمتَين الكينية والتنزانية، ولضحايا تفجيرات عام 2000 التي استهدفت المدمرة الأمريكية (يوس إس إس كول) قُبالة السواحل اليمنية. وفي المقابل، قدمت الولايات المتحدة قرضاً قصير الأجل بقيمة مليار دولار أمريكي لسداد متأخرات السودان لدى البنك الدولي، كجزء من جهد أكبر لعلاج عبء الدين الخارجي السوداني الثقيل.

6– الاستجابة لضغوط الداخل الأمريكي للاهتمام بالقرن الإفريقي: لمناصري القضايا الإفريقية داخل الولايات المتحدة دور وتأثير مباشر على الاهتمام الأمريكي بمنطقة القرن الإفريقي. وهذا يظهر من خلال تجمع “الكوكس” من أصحاب الأصول الإفريقية، الذي يضم المشرعين من ذوي التفكير المماثل، كما يتضح من عقد مؤتمرات حزبية في الكونجرس؛ فرغم الاتفاق الذي تم التوصل إليه بين “حمدوك” و”البرهان”، فإن أعضاء الكونجرس لم يتخلوا عن إصرارهم على طرح مشروع العقوبات الفردية لمحاسبة مسؤولين سودانيين. فعلى سبيل المثال، أدرج السيناتور الديمقراطي كريس كونز، مشروعاً لفرض عقوبات على الذين هددوا الديمقراطية والسلام وحقوق الإنسان في السودان، بينما أكد كبير الجمهوريين في لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ جيمس ريش، ضرورة استمرار واشنطن في دعم الشعب السوداني ومحاسبة من يحاول تهديد مستقبل السودان.

كما تكرر التوعد بالمحاسبة على لسان رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب جريجوري ميكس، الذي حذر بلهجة صارمة بأن “العالم يراقب وسوف يحمِّل القيادات العسكرية والمدنية في السودان مسؤولية أعمالهم”، فضلاً عن قانون دعم الانتقال الديمقراطي في السودان الذي صدر عن الكونجرس، في ديسمبر 2020، بتوجه أساسي هو تحجيم قدرات المكون العسكري في إدارة اقتصاد البلاد. ولعل أكثر موقف منتقد كان من كبير الجمهوريين في لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب مايك مكول الذي أعرب عن خشيته من أن يؤدي اتفاق السودان إلى “التستر على استيلاء الجيش على القيادة المدنية ومقتل عشرات المتظاهرين السلميين”. وعليه، فإن الكونجرس يستخدم ورقة العقوبات للضغط على الإدارة الأمريكية في ملف السودان.

7– الالتزام بمكافحة الإرهاب ودعم الأجهزة الأمنية والجيوش الوطنية: لعل من أبرز ملامح السياسة الأمريكية المعاصرة تجاه إفريقيا هو الالتزام بمكافحة الإرهاب ودعم القوات العسكرية والأمنية الوطنية؛ حيث يسعى الجيش الأمريكي إلى إنشاء شبكة من القواعد في الدولة الإفريقية، وبدرجة أساسية في منطقة الساحل والقرن الإفريقي. ويعد السودان من أهم أدوات مواجهة التنظيمات الإرهابية. ومن ثم، فإن رفع مستوى العلاقات الثنائية معه سيساهم في القضاء على تلك التنظيمات. وعليه، تم رفع اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب ليكون فاعلاً في جهود واشنطن الرامية إلى مكافحة تلك التنظيمات في القارة الإفريقية.

8– تأكيد محورية ملف العلاقات السودانية مع إثيوبيا: تتأثر المصالح الأمريكية تأثيراً مباشراً بالعلاقات السودانية–الإثيوبية، ومن ضمنها ملف سد النهضة وملف التوتر على الحدود السودانية–الإثيوبية، والتطورات والأحداث التي تجري في إثيوبيا باتساع الصراع بين التيجراي والحكومة الفيدرالية في أديس أبابا، وكل هذه المتغيرات تؤكد الدور المحوري والاستراتيجي الذي يمكن أن يلعبه السودان في تطورات المنطقة.

9– القلق من تصاعد تأثيرات تدفق اللاجئين السودانيين والجنوب سودانيين: تمثل هذه القضية أرقاً للإدارة الأمريكية؛ فقد تواجه الولايات المتحدة زيادة في عدد اللاجئين من السودان إذا لم تدعم التحول الديمقراطي في الخرطوم؛ إذ تشير الوكالة الدولية إلى أن ما يقرب من 7 ملايين سوداني وجنوب سوداني قد نزحوا قسراً، إما داخل بلادهم أو في جميع أنحاء العالم بعد أحداث أكتوبر الأخيرة.

دبلوماسي مخضرم

لا شك أن وجود جون جودفري سفيرًا للولايات المتحدة في الخرطوم سيكون له تأثير كبير في تطوير العلاقات الإقليمية والدولية؛ فقد تمكن “جودفري” من التغلب على مسؤولين أمريكيين حاليين وسابقين مطلعين على الأمر، وتصدر قائمة المرشحين ليكون أول سفير أمريكي يُرسل إلى السودان منذ عقود. ويرجع هذا الأمر إلى العديد من المقومات الشخصية التي يمتلكها، ومن أبرزها ما يلي:

1– الخبرة بالشؤون الإفريقية والشرق أوسطية: حصل “جودفري” على بكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، وماجستير في دراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا من جامعة ميشيجان. ويعد “جودفري” دبلوماسياً مخضرماً؛ حيث عمل نائباً للمستشار السياسي للشؤون الشمالية في سفارة الولايات المتحدة في بغداد في الفترة من 2009–2010، كما شغل منصب مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى، وعمل مديراً للشؤون السياسية والاقتصادية في السفارة الأمريكية في عشق أباد، ومسؤولاً سياسياً في دمشق؛ حيث تزامنت جولته مع وفاة الرئيس السوري السابق حافظ الأسد وخلافة بشار الأسد له في الحكم. وفي سفارة الرياض، عمل “جودفري” في الفترة 2015–2018 نائباً لرئيس البعثة بالإنابة، وقبل ذلك مستشاراً سياسياً. وفي الفترة من 2013–2014 عمل مع نائب وزير الخارجية آنذاك بيل بيرنز، وقد شملت هذه الفترة الغزو الروسي لأوكرانيا، ومحاولة ضم شبه جزيرة القرم، وظهور تنظيم داعش.

2– الخبرة بملف مواجهة التنظيمات الإرهابية: يعد “جودفري” المبعوث الأعلى لمكافحة الإرهاب؛ حيث كان القائم بأعمال مبعوث وزارة الخارجية الأمريكية لمكافحة الإرهاب، وهو دبلوماسي محنك في شؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا؛ حيث شغل منصب المستشار السياسي والاقتصادي في السفارة الأمريكية في طرابلس في الفترة 2007–2009، فكان جزءاً من الفريق الذي وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية تسوية المطالبات الأمريكية لتأمين تعويضات لعائلات ضحايا تفجير لوكربي وغيره من الأعمال الإرهابية، ثم شغل “جودفري” منصب المبعوث الخاص للتحالف العالمي لدحر تنظيم “داعش”، وشغل منصب مستشار الحد من الأسلحة في البعثة الدائمة للولايات المتحدة لدى المنظمات الدولية في فيينا في الفترة 2010–2013.

تحول ملحوظ

خلاصة القول: إن تعيين “جودفري” كأول سفير أمريكي في السودان بعد قطيعة 25 عاماً، تؤكد أن هناك تحولاً ملحوظاً في نظرة الولايات المتحدة إلى السودان. فدائماً ما تروج إدارة “بايدن” لمبدأ “العلاقات التعاونية” في حديثها عن إفريقيا، التي تقوم على تبادل المصالح والشراكات، وهو الأمر الذي يؤكد التوجه الأمريكي نحو إفريقيا. ولا شك أن هذا التوجه يحقق مصلحة متبادلة للطرفين؛ ففي الوقت الذي تحتاج فيه واشنطن إلى مبعوث رفيع المستوى للمساعدة في رعاية انتقال السودان الهش إلى الديمقراطية، وتحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة، فإن الخرطوم في أمسِّ الحاجة إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي في هذه الفترة بالعمل على إعادة التواصل مع المجتمع الدولي، وإعادة بناء العلاقات الثنائية في الخارج ومع المانحين الدوليين. ولا شك أن الخبرات والمقومات الشخصية للسفير “جودفري” تؤهله ليكون ذا تأثير كبير على تطوير العلاقات الإقليمية والدولية للولايات المتحدة والسودان.