المبادئ العامة للقانون الدولي البيئي

يتناول الموضوع مبادئ القانون الدولي للبيئة التي يقوم عليها، بعضها هي نفس مبادئ القانون الدولي باعتباره أحد فروعه، و بعض المبادئ خاصة به وحده، باعتباره فرعا مستقلا بذاته.

مقدمة:

 يقصد بهذه المبادئ ما تم التعارف عليه في النظم القانونية الداخلية للدول أعضاء المجتمع الدولي، والتي تعبر عن ارتضاء الضمير العالمي لها لما تحمله من اعتبارات العدالة و حسن الجوار و التوفيق بين المصلحة الخاصة لكل دولة و مصلحة المجتمع الدولي، نصت الفقرة (ج) من المادة 38 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية على أن مبادئ القانون العامة التي  أقرتها الأمم المتحضرة تعتبر ضمن أحكام القانون الولي التي تطبقها المحكمة للفصل فيما يعرض عليها من المنازعات الدولية . يتضمن القانون البيئي الدولي أنواع مختلفة من المبادئ. المبادئ العامة للقانون مثل مبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات التي تفرضها القواعد القانونية واجبة التطبيق على جميع النظم القانونية و مبدأ سيادة الدولة و مبدأ واجب التعاون مع الدول الأخرى وهي مبادئ القانون الدولي العام، ، وتطبق على جميع العلاقات بين الدول، و هناك مبادئ تتعلق فقط بالقضايا البيئية الدولية، على سبيل المثال المبدأ الذي يقرر واجب منع التدهور البيئي أو واجب للتعاون، والتي على الرغم من أنها جزءا من القانون الدولي العام، إلا أنها على وجه الخصوص تعني القانون البيئي الدولي، لذا فإن دراستنا ستنقسم الى المبادئ العامة للقانون الدولي البيئي ثم المبادئ الخاصة به.

أولا : مبدأ السيادة على الثروات الطبيعية[1]:

يعتبر هذا المبدأ الأقدم للقانون الدولي و الذي يقضي بسط الدولة لاختصاصها التشريعي، القضائي و التنفيذي على جميع أنشطتها في إقليمها ويعتبر هذا المفهوم مرنا ليس مطلقا، فالدولة عليها أن تقبل أو تلتزم في بعض الأحيان بأن تقيد حريتها مراعاة للمصالح المشتركة للمجتمع الدولي أو لمصالح الدول الأخرى[2]، لقد تطورت قواعد القانون الدولي البيئي ضمن سياق اثنين من الأهداف الأساسية الموجودة في اتجاهات معارضة: أن الدول لديها الحقوق السيادية على مواردها الطبيعية؛ وأن الدول يجب ألا تتسبب الأضرار التي لحقت بالبيئة[3]. وهذا حسب ماورد في البند 21 من اعلان استوكهولم لسنة 1972. تم إعادة تكريس المبدأ 21 والذي أصبح حجر الزاوية في القانون البيئي الدولي بعد عشرين عاما من اعتماده، أين كانت الدول التي تتفاوض بشأن إعلان ريو غير قادرة على تطوير أو تغيير محتوى المبدأ، وتم إعادته في المبدأ الثاني من اعلان البيئة و التنمية 1992. ويتألف المبدأ 21 والمبدأ 2 من عنصرين واللذان لا يمكن فصلهما دون تغيير جذري في المعنى و الأثر: حق الدول السيادي في استغلال مواردها الطبيعية؛ و المسؤولية، أو الالتزام، بأن لا تسبب ضررا للبيئة أو دول أخرى أو مناطق خارج حدود الولاية الوطنية.

ثانيا: مبدأ حسن الجوار:

لما كانت الأضرار عابرة للحدود، تتجاوز الحدود الإقليمية للدولة مصدر الضرر، ذهب بعض الفقهاء إلى القول بالتمسك بمفاهيم حسن الجوار بوصفها إحدى المبادئ التي تنظم سلوك وعلاقات الدول المتجاورة وكوسيلة للحد من الأضرار التي يمكن أن تمتد إلى أقاليم دول أخرى.

من الفقه من يؤيد تأسيس المسؤولية الدولية على أساس مبدأ حسن الجوار الفقيه “اندارسي” الذي يؤكد عل أهمية المبدأ كونه يمثل أحد المبادئ العامة للقانون الدولي، وبموجبه يحرم على الدولة أن تأتي على إقليمها ما يعرض إقليم دولة أخرى لأضرار بالغة[4]، أما الأستاذ “جينكس” فيرى أن مبدأ حسن الجوار يفرض التزاما عاما على الدول هو منع الإضرار والآثار الضارة المحتملة باعتبار أن التطور العلمي والتكنولوجي سمح بإيجاد حالات جديدة لاستعمال الإقليم، ويستند هؤلاء على أن قواعد حسن الجوار معترف بها في التشريعات الوطنية لكافة الدول[5]. كما وردت الإشارة إلى مبدأ حسن الجوار صراحة في ديباجة إعلان الأمم المتحدة، إذ تعهدت شعوب الأمم المتحدة أن تعيش في أمن وسلام وحسن جوار[6].

قد كان موضوع حقوق الدول الواقعة على الأنهار الدولية من أولى الموضوعات التي أثيرت بشأنها إمكانية تطبيق قواعد قانون الجوار، ومن أهمها القاعدة التي تقرر منع المساس بالظروف الطبيعية للنهر إذا ترتب عن ذلك الإضرار بحقوق دولة أخرى وقد أقرت هذه القاعدة مجموعة من الاتفاقيات والأحكام القضائية وحظيت بتأييد واسع من الفقه الدولي[7]. ورد مبدأ حسن الجوار صراحة في الاتفاقية الأوروبية لحماية المياه العذبة من التلوث الصادرة من مجلس أوروبا 1969، والتي أقرت أنه “من المبادئ العامة للقانون الدولي أنه لا يحق لأي دولة استغلال مواردها الطبيعية بطريقة يمكن أن تسبب ضررا كبيرا في دولة مجاورة”. وفي الحكم الصادر من م.ع.د في قضية مضيق كورفو، قررت المحكمة على أنه يجب على كل الدول ألا تستخدم إقليمها، أو تسمح باستخدامه لأغراض أعمال تتنافى وحقوق الدول الأخرى[8].

ثالثا: مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق:

كان لظهور المذاهب الاجتماعية في نهاية القرن التاسع عشر، تأثيرا عظيما على المفاهيم القانونية والفلسفية، امتد إلى الحقوق، فأصبح تقرير الحق منوطا بتحقيق أهداف اجتماعية، ومحددا بإطار لا يجوز قانونا تجاوزه أو الحيد عنه، نتيجة ذلك ظهر مبدأ عدم( إساءة استعمال الحق) فالمصلحة العامة التي تعود على الجماعة أولى بالحماية من المصلحة الخاصة لصاحب الحق والذي عليه التزام ممارسة حقه في إطار المصلحة العامة.[9] وجد هذا المبدأ جذوره في الأنظمة القانونية الداخلية و كان متأصلا في مختلف النظم القانونية كالشريعة الاسلامية و القانون الروماني و الأنظمة القانونية الأنجلوسكسونية، ثم لقي هذا المبدأ قبولا وتأييدا من جانب المحافل القانونية الدولية، على الرغم من التحفظات والمعارضة التي كان البعض حريصا على إبدائها في مواجهة الاتجاه الغالب والذي ينظر إلى منع التعسف في استعمال الحق اعتباره واحدا من مبادئ القانون الدولي ، ونتيجة لذلك، وبسبب انتشارها الواسع الانتشار في النظم القانونية الوطنية، فإن العديد من الولايات والقضاة والمحكمين والمؤلفين اعتبروا إساءة استخدام الحقوق جزءا من سواء كان ذلك كمبدأ عام من مبادئ القانون أو كجزء من القانون الدولي العرفي[10].

تم النص على هذا المبدأ في اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار سنة 1982 والتي تعتبر من أهم الاتفاقيات العالمية الحديثة، فقد أقرت مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق صراحة[11].

أما القضاء الدولي كرس المبدأ في قضية المصايد النرويجية بين بريطانيا والنرويج الخاصة بتحديد المياه الإقليمية بين الدولتين وذلك بعد إدعاء بريطانيا أن النرويج قد تعسفت في استعمال حقها، قررت محكمة العدل الدولية في حكمها الصادر سنة1951 أن: تحديد البحر الإقليمي هو عمل إنفرادي، ولكن يجب التحقق من عدم تعرضه مع مصالح الدول الأخرى، على ضوء معايير ومبادئ القانون الدولي وقد تكون هذه المعايير جغرافية أو اقتصادية أو قانونية، أما عن المعايير القانونية والتي يتم عن طريقها تحديد مدى مشروعية ممارسة الدول لحقها في تحديد مياهها الإقليمية، فيأتي على رأسها مبدأ عدم التعسف في استعمال الحق”، وقد أكدت المحكمة أنه لم يكن هناك تعسف من جانب الحكومة النرويجية وأن تحديد خطوط الأساس للمياه النرويجية لم يكن مخالفا للقانون الدولي[12].

رابعا : مبدأ التعاون الدولي.

انبثقت جميع قواعد القانون الدولي للبيئة من واجب التعاون الذي نص عليه ميثاق الأمم المتحدة في مادته الأولى[13] كأهم مقصد لتحقيق السلم و الأمن وإدامة العلاقات الإنسانية، وهو ما أكدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار رقم 2625 بشأن إعلان مبادئ القانون الدولي المتصلة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة[14] الذي أوجب على الدول أن تتعاون مع بعضها بغض النظر عن اختلاف أنظمتها السياسية أو الاقتصادية أو الإجتماعية لحفظ الأمن والسلم الدوليين و تعزيز الاستقرار الاقتصادي و تحقيق التنمية . وينص المبدأ 24 من إعلان البيئة استوكهولم 1972 على أن جميع البلدان تتحمل مسؤولية متساوية تجاه حماية البيئة وتحسينها، وتقر بالطابع الأساسي للتعاون من خلال ترتيبات متعددة الأطراف أو ثنائية، ويوسع المبدأ 25 مفهوم التعاون هذا ليشمل مشاركة المنظمات الدولية التي يجب على البلدان أن تضمن “القيام بدور تنسيقي وفعال ودينامي لحماية البيئة وتحسينها”، وفي نفس السياق نص المبدأ 27 على أن تتعاون الدول والشعوب بحسن نية وبروح من الشراكة في الوفاء بالمبادئ المجسدة في هذا الإعلان وفي مواصلة تطوير القانون الدولي في ميدان التنمية المستدامة. وقد تم التأكيد هذا المبدأ تقريبا في جميع الاتفاقيات المتعلقة بحماية البيئة و كان واجب التعاون من أول الالتزامات التي تفرض في الاتفاقيات الدولية باعتباره عنصرا هاما لا يتحقق من دونه تنسيق الجهود و لا يمكن بلوغ الهدف. كما تجسد في قرارات هامة صادرة عن المحاكم والهيئات القضائية الدولية ، بما في ذلك قضية مصنع موكس لعام 2001، حيث قضت المحكمة الدولية لقانون البحار: بأن واجب التعاون مبدأ أساسي في منع تلوث البيئة[15] .

[1] إن أصل مبدأ السيادة الدائمة ينبع من مبدأ تقرير المصير, وهذا الحق الأخير هو حق للشعوب على نحو واضح وليس حقا للدول. يتضح ذلك من من الصياغات الأولى لتقرير المصير، صدرت من الجمعية العامة للأمم المتحدة مجموعة من القرارات والتوصيات التي رسمت من خلالها الإطار العام القانوني الذي يحقق للدول والشعوب من استثمار الثروات الطبيعية. القرار رقم 523 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السادسة بتاريخ 12 فبراير1952 ينص على ما يلي ( ان الدول النامية لها الحق في أن تحدد بحرية استخدام مواردها الطبيعية ، وأن استخدام هذه الموارد يجب أن يكون من أجل تحسين مركزها). القرار رقم 626 الصادر عن الجمعية العامة للآمم المتحدة في دورتها السابعة بتاريخ 21 ديسمبر 1952 ينص على مايلي (حق الشعوب في أستخدام واستغلال مواردها وثرواتها الطبيعية هو حق مستمد من سيادتها ويطابق أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة). القرار رقم 1314 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثالثة عشرة ( بتكوين لجنة خاصة بالسيادة الدائمة على الثروات والموارد الطبيعية على إعتبار ان هذه السيادة هي إحدى المكونات الاساسية لحق تقرير المصير). القرار رقم1515 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الخامسة عشرة بتاريخ 15ديسمبر 1962 ينص على ما يلي (اوصى باحترام الحق المطلق لكل دولة في التصرف في ثرواتها ومواردها وفقا لحقوق الدولة وواجباتها كما يقرره القانون الدولي). القرار رقم 1803 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السابعة عشرة بتاريخ 19 ديسمبر 1962 ينص على ان (الجمعية العامة..تعتبر ان اهم اجراء يتخذ في هذا الخصوص( تقصد حق كل دولة ذات سيادة في التصرف بحرية في ثرواتها ومواردها الطبيعية).

الهوامش

[2] Dinah L. Shelton & Alex Kiss, Guide to International Environmental Law, Martinus Nijhoff Publishers. Leiden, Boston, USA, 2007,P 11 .

[3] States have, in accordance with the Charter of the United Nations and the principles of international law, the sovereign right to exploit their own resources pursuant to their own environmental policies, and the responsibility to ensure that activities within their jurisdiction or control do not cause damage to the environment of other States or of areas beyond the limits of national jurisdiction.

[4] قنصو ميلود زين العابدين، المسؤولية الدولية عن الأضرار البيئية،مذكرة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة سيدي بلعباس، سنة 2013، ص 57.

[5] نفس المرجع ، ص 57.

[6] جاء في دباجة ميثاق الأمم المتحدة “………أن نأخذ أنفسنا بالتسامح، وأن نعيش معا في سلام وحسن جوار”.

[7] د. محسن أفكيرين، القانون الدولي للبيئة، دار النهضة العربية، القاهرة- مصر، الطبعة الأولى،سنة 2006.ص193.

[8] نفس المرجع، ص 195.

[9] صلاح الدين عامر: “مقدمات القانون الدولي للبيئة”، مجلة القانون والاقتصاد، كلية الحقوق، جامعة القاهرة،
عدد خاص 1983م، ص .5

[10] Michael Byers, Abuse of Rights: An Old Principle, a New Age, McGill Law Journal, Vol 47, 2002, P 397.

[11] نصت المادة 300على أن “تعني الأطراف بحسن نية بالالتزامات التي تتحملها بموجب هذه الاتفاقية و تمارس الحقوق والولايات والحريات المعترف بها في هذه الاتفاقية على نحو لا يشكل تعسفا في استعمال الحق”.

[12] Michael Byers, Op.Cit, P 397 . The UK argued that the right to delimit exclusive fisheries zones is balanced by the duty to respect the rights of other states. The FisheriesCase (United Kingdom v. Norway), [1951] I.CJ. Rep. 116 at 150-51

[13] المادة 1 ــ مقاصـد الأمـم المتحدة هي: تحقيق التعاون الدولي على حل المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية وعلى تعزيز احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية للناس جميعاً والتشجيع على ذلك إطلاقاً بلا تمييز بسبب الجنس أو اللغة أو الدين ولا تفريق بين الرجال والنساء.

[14] إعلان مبادئ القانون الدولي المتصلة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول وفقا لميثاق الأمم المتحدة،24 تشرين الأول/أكتوبر 1970) التوصية 2625).

[15] MOX Plant Case (Ireland v United Kingdom (Provisional Measures) (International Tribunal for the Law of the Sea, Case No 10, 3 December 2001) .

    قال السكريتير العام لمؤتمر استوكهولم للبيئة سنة 1972في الجلسة الافتتاحية )علينا أن نضع قواعد جديدة للقانون الدولي لتطبيق المبادئ الجديدة للمسؤولية والسلوك الدولي الذي يتطابق وعصر البيئة وأساليب جديدة لتنظيم المنازعات الخاصة بالبيئة .[1] ومن أهم المبادئ الحديثة والخاصة بحماية البيئة نذكر مايلي:

أولا:  مبدأ الملوث الدافع:

يقصد به أن يتحمل الشخص المسئول عن النشاط المضر بالبيئة كافة التكاليف الضرورية لمنع حدوث هذه الأضرار، وعلى ذلك فإن مبدأ الملوث الدافع محاولة لنقل عبء تكاليف مكافحة التلوث إلى عاتق الدول التي تقوم بأعمال تلوث البيئة، بل وإجراءات السيطرة عليه من المنبع[2]. حيث لم يعد هناك ما يسمى “بالحرية المطلقة للتلوث” فلا بد أن تتحمل الدولة المولدة للنفايات الخطرة كل التكاليف اللازمة لمنع حدوث أضرار للدول التي تمر بها تلك النفايات.

ورد النص على هذا المبدأ في العديد من الوثائق الدولية والتي تناشد الدول بتطبيقه كمبدأ توجيهي وإلزامي: ففي وثيقة إعلان ريو بشأن البيئة والتنمية سنة 1992ورد في المبدأ 16أنه “ينبغي أن تسعى السلطات الوطنية إلى تشجيع الوفاء بالتكاليف البيئية داخليا، واستخدام الأدوات الاقتصادية، أخذه في الحسبان المنهج القاضي بأن يكون المسئول عن التلوث هو الذي يتحمل –من حيث المبدأ- تكلفة التلوث، مع إيلاء المراعاة على النحو الواجب للصالح العام، دون الإخلال بالتجارة والإستثمار الدوليين”[3].أما المبدأ 13 فنص على مايلي: أنه يجب التوصل إلى إرساء قانون دولي لتحديد المسؤوليات والتعويضات عن الأضرار التي تلحق بالبيئة[4].

ثانيا:  مبدأ الحيطة:

وقد برز مبدأ الاحتياط في المجال البيئي في أوائل الثمانينيات، نتيجة لتزايد الوعي حول خطورة الضرر البيئي غير القابل للإصلاح و لا للتوقع[5]، يرى أوليفييه غودار Olivier Godard، مدير الأبحاث في مركزCNRS، أن مبدأ الحيطة انعكس على تطور مفهوم الحذر، حيث شهدت المجتمعـات ثلاث أنظمة رئيسية  للحذر: نظام المسؤولية على أساس الخطأ الذي هيمن حتى القرن التاسع عشر ، ونظام التضامن على أساس المخاطر الذي تطور خلال القرن العشرين، والوقاية والسلامة التي شهدت اليوم على الاعتراف بميلاد مبدأ الحيطة[6].

ارتبط ظهور مبدأ الحيطة و تم تدويله من خلال مؤتمر قمـة الأرض الـذي عقـد فـي ريـو دي جـانيرو فـي 13يونيـو1992 مـؤتمر الأمـم المتحـدة المعنـي بالبيئـة والتنميـة حيث نص في مبدأه الخامس عشر 15على أّنـه ” من أجل حماية البيئة ، تتّخذ ّ الدول على نطاق واسع تدابير احتياطية حسب قـدراتها وفـي حالـة ظهور أخطار ضرر جسيم أو أخطار ضرر لا سبيل إلى عكس اتجاهه ، لا يستخدم الافتقار إلى ّ اليقـين العلمـي الكامـل، سـببا لتأجيـل اتّخـاذ تـدابير ّ تتسـم بفعاليـة التكـاليف لمنـع تـدهور البيئة “.

هـذا الإعـلان الـذي يؤكد علـى إجـراء دراسـات مـدى التـأثير قبـل ّ أي عمـل مـن شـأنه أن يؤدي إلى آثـار ّ مضـرة بالبيئـة، والـذي يسـرد أهـم عناصـر مبـدأ الحيطـة، مـن احتمـال حـدوث ضرر الخطير و غير رجعي وغياب اليقين العلمي، و ضرورة اتّخاذ إجراءات فورية.

     يمكن تلخيص ذلك في أنه : “يجب اتخاذ تدابير عندما يكون هناك سببا كافيا للاعتقاد بأن النشاط أو المنتج قد يسبب أضرارا خطيرة لا رجعة فيها على الصحة أو البيئة. وقد تشمل هذه التدابير في حالة النشاط، التقليل منه أو وقفه، أما في حالة وجود المنتج الملوث فإن التدابير تشمل حظر هذا المنتج، حتى وإن لم يكن هناك دليل صريح يثبت وجود علاقـة سببية بين هذا النشاط الملوث أو المنتج، والعواقب التي لا تدع مجالا للشك”.[7]

ثالثا:مبدأ المسؤوليات المشتركة لكن المتباينة:

 أعلن مؤتمر البيئة البشرية الذي عُقد في ستوكهولم في عام 1972 أن حماية البيئة تعد “مسؤولية مشتركة” لكافة البشرية؛ وأشار المؤتمر إلى أن مشاكل البيئة في الدول النامية “تعود لحد كبير إلى التنمية غير الكافية”، وذلك يعتبر الشكل الأولي لمفهوم “المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة”. في عام 1992 تم تكريس مفهوم المسؤوليات المشتركة ولكن المتباينة (CBDR)[8] بوصفه المبدأ 7 من ريو إعلان في قمة الأرض ريو[9] في عام 1992، كما  أوضح البند الرابع من ((الإتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن التغيرات المناخية)) هذا المبدأ بشكل رسمي. ودعا هذا المبدأ الدول المتقدمة إلى ضرورة المبادرة أولا في تخفيض الانبعاثات، وتقديم الدعم المالي والفني للدول النامية؛ بينما على الدول النامية أن تعمل على تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والقضاء على الفقر وتعتبر ذلك الشغل الشاغل لها، وتتخذ إجراءات لتخفيف تغير المناخ أو التكيف معه في حالة حصولها على الدعم الفني والمالي من الدول المتقدمة.

رابعا: مبدأ الوقاية:

    تتصف قواعد القانون البيئي بكونها قواعد وقائية، أي أنها قواعد تضبط الشأن البيئي على نحو سابق عن التلوث وحدوث الضرر، وبالتالي تهدف هذه القواعد إلى المحافظة على البيئة قبل الإضرار بها من طرف الأشخاص والمؤسسات لكون ما يمكن أن يصيب البيئة يكون من الصعب تداركه في ما بعد. ذلك أن مبدأ الوقاية يحقق في الأصـل غايتين: فأما الغاية الأولـى فتتعلق بتفادي الأضـرار التي قد يصعب تداركها بعد حدوثها؛ أما الغاية الثانية فتتعلق بتخفيف الكلفة الاقتصادية لمعالجة التلوث البيئي[10]. قد طبع النهج الوقائي معظم القواعد البيئية في السبعينات والثمانينات، فيما يتعلق  بالتنبؤ بالمخاطر والحد من التلوث البيئي، و الاستخدام الرشيد للموارد الطبيعية. كما وضع مبدأ المنع في صلب عمل لجنة القانون الدولي المعنية بالمسؤولية الدولية عن النتائج الضارة الناجمة عن أفعال لا يحظرها القانون الدولي، وكرس كأساس لهذه المسؤولية في مختلف مجموعة المبادئ المقترحة. ويمكن تصنيف الواجبات المتعلقة بمبدأ الوقاية إلى نوعين هما: واجب من جانب واحد من العناية الواجبة و واجبات إجرائية، و هذه الأخيرة
تنقسم كذلك إلى فئتين رئيسيتين: واجب الإعلام والإخطار، و واجب تقييم الأثر[11].

خامسا : مبدأ المشاركة العامة البيئية:

     انطلاقا من اعتبار أن البيئة هي حق من حقوق الإنسان الجماعية ذات خصوصية تتطلب العمل الجماعي و توفر الحس لدى جميع الفواعل ( دول، منظمات دولية، جمعيات، مواطنون…) من جهة، و إنفراده بطابعه الإجرائي عن باقي منظومة حقوق الإنسان الأخرى ،إذ يلزم من أجل مبادرة و تحرك  الشركاء (الأفراد و الجمعيات) للدفاع عن حقهم في بيئة صحية و سليمة أن يكون لهم القدر الكافي من المعلومات و أن يحيطوا  بما تنطوي عليه بيئتهم من تهديدات و أخطار، و تمكينهم بناء على ذلك– العلم المسبق- من المشاركة والمساهمة بخبراتهم ومداركهم في صناعة القرارات والتدابير المتعلقة بالإدارة المستدامة للبيئة و الحد من الأخطار، مع تمكينهم من الوصول إلى الهيئات القضائية لتفعيل هذه الحقوق  و ضمان مساهمتهم الجدية و المؤسسة قانونا، من خلال تقرير صلاحياتهم للجوء إلى القضاء عبر منحهم الصفة لرفع الدعاوى، و وضع أطر قانونية إجرائية تسمح لهم بالطعن أمام مختلف جهات القضاء الموجودة سواء في القرارات الإدارية أو القضائية درءا لأي تعسف أو مساس بحقهم. جاء في الفصل الثامن من إعلان قمة الأرض )1992ينبغي على الحكومات و المشرعين رسم إجراءات قضائية و إدارية لغرض الإصلاح القانوني و معالجة الأنشطة التي تؤثر على البيئة و التنمية ، و التي ربما تكون غير قانونية أو هناك تعسفا في استعمال الحق بموجب القانون و ينبغي أن توفر سبيلا إلى الأفراد و المنظمات و المجموعات ذات المصلحة القانونية المعترف بها).

المشاركة العامة بعبارات بسيطة تعني إشراك أولئك الذين يتأثرون بالقرار في عملية صنع القرار، وهي تقوم على فكرة أن مشاركة الجمهور يمكن أن تساعد في اتخاذ قرارات أفضل تعكس اهتمامات  المتضررين من الأشخاص والكيانات المعنية، ويقوم مفهوم المشاركة العامة[12] على ثلاثة المبادئ تعتبر ركائز أساسية: الحق في المعلومات، الحق في المشاركة في عملية صنع القرار والحق في العدالة.[13]

أ ــ الحق في المعلومة : يجب أن يمكن للجمهور من الوصول إلى جميع المعلومات  ذات الصلة التي يحتاجونها بسهولة حتى يتمكنوا من المشاركة بطريقة هادفة، هذه تقع المسؤولية مع سلطة اتخاذ القرار. تم تكريس هذا الحق دوليا فيما جاء في إعلان استوكهولم 1972 في مبادئه الأساسية ولا سيما المبدأين 19و ،20 والذين أقرا بضرورة تمتع كل فرد في المجتمع بإعلام بيئي يكفل له حق الإطلاع على المعلومات والتدابير المتعلقة بالمجال البيئي، مع التأكيد بالمقابل على دور الهيئات العامة في تكريس هذا الحق وضمان الالتزام الفعلي باحترامه، عن طريق التزامها بإتاحة الفرصة أمام كل فرد للإطلاع والوصول للمعلومة والمعطيات البيئية التي بحوزتها[14].

ب ـــ الحق فى المشاركة عمليات صنع القرار: المشاركة العامة هي فقط ممكنة حين يتم  وضع الآليات المناسبة لتحقيق ذلك، أهمها توفير المعلومات بقدر كاف، و  يجب إعلام الجمهور في مرحلة مبكرة لتمكينهم من حقهم في المشاركة في صنع القرار .

تم النص على هذا الحق في إعلان “ريو” سنة 1992أين تم التأكيد على أهمية إقرار هذا المفهوم ضمن مختلف السياسات والتدابير البيئية وبأبعادها الدولة والوطنية، حيث أكد البند العاشر منه على أن الطريقة المثلى لمعالجة قضايا المحيط البيئي، لن تتحقق إلا من خلال ضمان إشراك الأفراد المعنيين بها ووفقا للمستوى المحدد لهاته المشاركة، ليتعزز هذا التأكيد وفي نفس الإطار– مؤتمر ريو- من خلال ما تضمنه وثيقة “الأجندة  21في الفصل السابع والعشرون منها، والذي أشار للآليات العملية التي تتحدد وفقها مشاركة تنظيمات المجتمع المدني المحلية (OSC) والدولية (ONG) ، ليدرج مبدأ المشاركة ونظرا لأهميته على مستوى العديد من النصوص والاتفاقيات الدولية المتعلقة قضايا البيئة، كاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشان تغير المناخ، وبرتوكول قرطاجنة المتعلق بالسلامة الأحيائية .

ج ــ الحق في العدالة: ينص هذا المبدأ على أن يكون للجمهور الحق في مباشرة الطعون ضد القرارات الإدارية أو القضائية في المسائل. ويشمل كذلك الوصول إلى المحاكم أو المحاكم المختصة، كضمان مهم أين يكون للمتضررين من القرار وسيلة للدفاع عن حقوقهم. ذلك بالنظر لما تحظى به هيئات القضاء وتحقيق العدالة من استقلالية ولما لها من  دور أساسي في كفالة الحقوق والحريات المقررة في المجتمع، وضمان الالتزام الفعلي والصحيح بمختلف الأطر والقواعد المسيرة للحياة العامة فيها.

الهوامش

[1]  شعشوع

 [2]  ورد تعريف “مبدأ الملوث الدافع” وفقا لتوصيات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية سنة 1972كالتالي:

Polluter pays principle means: « that the polluter should bear the expense of carrying out the above Mentioned ‘’pollution prevention and control’’ measures decided by public authorities to ensure that the environment is in an acceptable state” .

[3] Rio Declaration: United Nations confence on Environment and development”:  National authorities should endeavor to promote internationalization of environmental costs and the use of economic instruments, taking into account the approach that the polluter should, in principle, bear the cost of pollution m with due regard to the public interest and without distorting international trade and investment’’.

[4]  قد تم النص على هذا المبدأ في نطاق القانون الدولي العام في عدة اتفاقيات دولية مثل الاتفاقية المتعلقة بحماية جبال الألب لعام    1991 ، اتفاقية صوفيا لعام 1994المتعلقة بحماية والاستخدام الدائم لنهر الراين، اتفاقية لندن لمنع التلوث البحري عن طريق إغراق النفايات والمواد الأخرى لعام 1972 اتفاقية لندن لعام 1990 حول مقاومة التلوث الهيدروكربوني.

[5] Isabelle Fellrath, A study of selected principles of international environmental law in the light of ‘sustainable development , Submitted for the Degree of Doctor of Philosophy , University of Nottingham, 1998 , P 118 .

[6] N. de SADELEER , Les principes de pollueur-payeur , de prévention et de précaution, Essai sur la genèse et la portée juridique de quelques principes du droit de l’environnement, Bruylant, Bruxelles, Universités Francophones,-1999,p.21 .

[7]  – عمارة نعيمة، الاتجاه نحو التأسيس للمسؤولية المدنية على أساس مبدأ الحيطة، مجلة دفاتر السياسة و القانون، كلية الحقوق و العلوم السياسية، جامعة ورقلة، العدد 13، سنة 2013، ص 180.

[8] (CBDR) Common But Differentiated Responsibilities .

[9] تتعاون الدول بروح من المشاركة العالمية، في حفظ وحماية واستعادة صحة وسلامة النظام الإيكولوجي للأرض، وبالنظر إلى المساهمات المختلفة في التدهور العالمي للبيئة، يقع على عاتق الدول مسؤوليات مشتركة وإن كانت متباينة. وتسلم البلدان المتقدمة النمو بالمسؤولية التي تتحملها في السعي على الصعيد الدولي إلى التنمية المستدامة بالنظر إلى الضغوط التي تلقيها مجتمعاتها على كاهل البيئة العالمية، وإلى التكنولوجيات والموارد المائية التي تستأثر بها.

[10]  يوسف العزوزي، أي دور لمبدأ الوقاية في تعزيز فرص الاستدامة البيئية؟، مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، العدد451 ،أيلول/ سبتمبر 2016، ص 104.

[11] Isabelle Fellrath, Op.Cit , P 127 .

[12] The International Association for Public Participation (IAP2) is the “preeminent international organisation advancing the practice of public participation.”According to the IAP2, underpinning this concept of public participation is a number of core values .These are that public participation:

  • § is based on the belief that those who are affected by a decision have a right to be involved in the decision making process.
  • § includes the promise that the public’s contribution will influence the decision.
  • § promotes sustainable decisions by recognising and communicating the needs and interests of all participants, including decision makers.
  • § seeks out and facilitates the involvement of those potentially affected by or interestedin a decision.
  • § seeks input from participants in designing how they participate.
  • § provides participants with the information they need to participate in a meaningful way.
  • § communicates to participants how their input affected the decision.

[13] Sumudu A. Atapattu ,  Emerging Principles of International Environmental Law,  Transnational Publishers Inc, New York, US, 2006, P 359 .

[14]  كريم بركات ، حق الحصول على المعلومة البيئية وسيلة أساسية لمساهمة الفرد في حماية البيئة، المجلة الأكاديميـة للبحـث القانوني، كلية الحقوق والعلوم السياسية، جامعة “عبد الرحمان ميـرة “، بجايـة- الجزائـر ، العدد 01 لسنة ، 2011، ص38.