و جد الإنسان نفسه منذ نشأة الخليقة مدفوعا الى الإرتباط بعلاقات مع غيره من بنى الإنسان، ذلك أنه إجتماعى بطبيعته وغريزته ،لا يستطيع أن يعتزل الناس ليعيش وحده و قد إنخرط فى صور مختلفه من الجماعات (أسرة ، قبلية ، مدنية ، دولة) ليجد في كنفها الأمن و الإستقرار ، و يحقق فى ظلها إشباع الحاجات و تحقيق الرغـبات ، ويرجع الإهتمام بحقوق الإنسان الى أنها من أغلى القيم التى يحــرص الفـرد عليها و يسعى جاهداً لحمايتها و الذود عنها ، لأنها تمثل ثمرة كفاح البشرية خلال سنوات تأريخها ، و الأساس الحقيقى للمجتمعات المثالية. أخذت حقوق الإنسان تشغل حيزاً هاماً حيث تضع الأمم المتحدة فى سلم أولوياتها العمل على إرساء القواعد القانونية الكفلية بضمان حقوق الإنسان و حمايتها ، وصولاً الى إلتزام الدول بمقتضاها على المستوى الدولى وفق معايير أعدتها أساساً لتلك الحقوق و آليات لضمان مستوى متقدم من تطبيق مواثيقها و الإلتزام بمعاييرها المتعلقة بحقوق الإنسان المختلفة ،و هى تهدف بذلك الى حفظ السلم و الأمن الدوليين و إنماء العلاقات الودية و تحقيق التعاون بين الدول . تطورت منظمومة حقوق الإنسان مع تطور النظام العالمي نتيجة للحرب العالمية الأولى وظهور دول جديدة ونشأة عصبة الأمم المتحدة ، ثم الحرب العالمية الثانية و ظهور الأمم المتحدة و العالم متعدد الأقطاب . ثم حدثت الطفرة الكبرى فى حقوق الإنسان كنتاج للتقدم العلمى و التقنى الذى غيرت نتائجه العالم لينتقل من العصر الحديث الى عصر ما بعد الحداثه و ترك آثاره على مجال الديمقراطية و أصبحت منظومة حقوق الإنسان معياراً للتحضر و الديمقراطية و لم يعد مقبولاً الإمتناع عن الإستجابة لإمتحانات هذا المعيار . حقوق الإنسان فى عصرنا هذا لم تعد مجرد مبادئ فاضله تحض عليها الأخلاق القويمة من أجل قضية إنسانية لرفع الحيف و رد الإعتبار للكرامة الإنسانية،و من سمات هذه الحقوق أنها لا يمكن العدول عنها و لا إنتزاعها من الفرد ، كما أنها غير محدده على سبيل الحصر لأنه يمكن إضافة حقوق جديدة تشتق من الحقوق الأساسية ، وتنطلق منظومة حقوق الإنسان من الإعلانات الدولية التى تصدر عقب المؤتمرات الدولية و تسفر فى النهاية عن مبادئ قانوينة توضع فى صلب إتفاقيات دولية و تصبح جزءا من القانون الدولي لحقوق الإنسان و الذى تترتب عليه فكرة حق التدخل الإنسانى الذى إعتمدته الأمم المتحدة لمواجهة خروقات حقوق الإنسان فى أى بلد أو منطقة . أما فكرة السيادة فقد بدأت فى الظهور بعد حرب الثلاثين عاماً و التى توجت بمعاهدة وستفاليا في العام 1648م وهى نقطة الإنطلاقه للسيادة حيث كانت أول إتفاق دولى بين الدول تتساوى فيه الدول جميعاً وأصبحت للدول سيادة على كامـــل إقليمها ، ولكن بعد إنهيار الإتحاد السوفيتي إنفردت الولايات المتحدة بقيادة العالم وأصبح العالم أحادى القطبية مما جعل فكرة السيادة تهتز ،و أصبح مفهوم حقوق الإنسان عرضةً للتهديد فقد أصبح حقاً مكفولا فى النصف الشمالى من الكرة الأرضية ،و حقاً مهدوراً فى النصف الجنوبى منها . ولعل هذا هو مدار هذا البحث الذى سوف نحاول فيه معرفة أثرمبدأ السيادة على حقوق الإنسان فى الفصول القادمة إن شاء الله.

Print Friendly, PDF & Email
اضغط على الصورة