إعداد : الباحث رائد هاني سلامه جنديه – ليسانس حقوق من جامعة الازهر – محامي نظامي وشرعي  – لدى نقابة المحامين الفلسطينيين عضوية رقم:4221.

  • المركز الديمقراطي العربي

ملخص الدراسة:

إن مبدأ حسن النية من المبادئ الأساسية في القوانين المدنية، وقد نصت الكثير من القوانين على مبدأ حسن النية فحرمت كل فعل أو ترك يتعارض مع حسن النية، وحيث أنه في كثير من العقود التي يبرمها الناس بينهم في المعاملات المالية أو التجارية، يتم النص على التزام طرفي العقد تنفيذه بكل حسن نية، وأنه في حال عدم النص عليه، يمكن الاستدلال عليه من خلال مظاهره كالالتزام بحدود القانون وعدم الالتجاء في تنفيذ العقود إلى ما يخالف القانون كالغش والتواطؤ باعتبارها من مظاهر سوء النية.

وكما انه الأصل في العقد هو شريعة المتعاقدين فان مبدأ حسن النية يعد عنصرا أساسيا من عناصر هذه القاعدة فحسن النية هو تعبير عن المحافظة على الثقة والصدق في التعامل ويستلزم الأمانة والاخلاص والنزاهة في تنفيذ الالتزامات المترتبة على كل طرف أطراف العقد، ويعتبر اللجوء الى مثل هذا المبدأ قد يخفف الكثير من صرامة بعض النصوص القانونية والتي قد يؤدي تطبيقه بحرفيته الى ما يخالف روح العدالة وجوهرها.

وحسن النية فهو من الشمول والفاعلية بحيث أنه لا حاجة للنص عليه صراحة إنما يطبقه القضاء من خلال مظاهره ومن خلال النظم القانونية التي تلتقي معه كفكرة عدم التعسف في استعمال الحق وانتفاء الغش وهذا ما يدل على أهميته، كما أن هذا المبدأ هو أيضاً مصدر خصب لنشأة القواعد القانونية كغيره من المبادئ العامة للقانون التي ظهرت الحاجة إليها والاهتمام بها كنتيجة للتطور السريع الذي تمر به غالبية الأنظمة القانونية، وبالتالي فإن مبدأ حسن النية يفترض في جميع الأحوال لا بل هو الأصل الذي ينبغي أن تقوم عليه جميع المعاملات، وعلية فإن مبدأ حسن النية يعد مبدأ عاماً لكافّة التصرُّفات والعقود القانونية، وبالتالي فانه من الاهمية بمكان ان نوضح الموضوعات التي يتطرق اليها هذا المبدأ وفي هذا السياق سوف يتم تقسيم هذه الدراسة على النحو الاتي  في المبحث الأول: المبادئ العامة لمبدأ حسن النية حيث سنتطرق في هذا المبحث الى المقصود بمبدأ حسن النية واهميته في ابرام التصرفات القانونية وذلك في المطلب الأول وفي المطلب الثاني سنتطرق الى التطور التاريخي لمبدأ حسن النية على مر العصور اما في المبحث الثاني سنتطرق الى الأثار المترتبة على مبدا حسن النية في العقد وذلك على ثلاث مطالب في المطلب الأول مبدأ حسن النية في مرحلة ابرام العقد، والمطلب الثاني مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد ، وفي المطلب الثالث مظاهر اخلال اطراف العقد والغير لمبدأ حسن النية.

المقدمة:

إن مبدأ حسن النية من المبادئ الأساسية في القوانين المدنية، وقد نصت الكثير من القوانين على مبدأ حسن النية فحرمت كل فعل أو ترك يتعارض مع حسن النية، وحيث أنه في كثير من العقود التي يبرمها الناس بينهم في المعاملات المالية أو التجارية، يتم النص على التزام طرفي العقد تنفيذه بكل حسن نية، وأنه في حال عدم النص عليه، يمكن الاستدلال عليه من خلال مظاهره كالالتزام بحدود القانون وعدم الالتجاء في تنفيذ العقود إلى ما يخالف القانون كالغش والتواطؤ باعتبارها من مظاهر سوء النية.

وكما انه الأصل في العقد هو شريعة المتعاقدين فان مبدأ حسن النية يعد عنصرا أساسيا من عناصر هذه القاعدة فحسن النية هو تعبير عن المحافظة على الثقة والصدق في التعامل ويستلزم الأمانة والاخلاص والنزاهة في تنفيذ الالتزامات المترتبة على كل طرف أطراف العقد، ويعتبر اللجوء الى مثل هذا المبدأ قد يخفف الكثير من صرامة بعض النصوص القانونية والتي قد يؤدي تطبيقه بحرفيته الى ما يخالف روح العدالة وجوهرها.

وحسن النية فهو من الشمول والفاعلية بحيث أنه لا حاجة للنص عليه صراحة إنما يطبقه القضاء من خلال مظاهره ومن خلال النظم القانونية التي تلتقي معه كفكرة عدم التعسف في استعمال الحق وانتفاء الغش وهذا ما يدل على أهميته، كما أن هذا المبدأ هو أيضاً مصدر خصب لنشأة القواعد القانونية كغيره من المبادئ العامة للقانون التي ظهرت الحاجة إليها والاهتمام بها كنتيجة للتطور السريع الذي تمر به غالبية الأنظمة القانونية، وبالتالي فإن مبدأ حسن النية يفترض في جميع الأحوال لا بل هو الأصل الذي ينبغي أن تقوم عليه جميع المعاملات، وعلية فإن مبدأ حسن النية يعد مبدأ عاماً لكافّة التصرُّفات والعقود القانونية، وبالتالي فانه من الاهمية بمكان ان نوضح الموضوعات التي يتطرق اليها هذا المبدأ وفي هذا السياق سوف يتم تقسيم هذه الدراسة على النحو الاتي  في المبحث الأول: المبادئ العامة لمبدأ حسن النية حيث سنتطرق في هذا المبحث الى المقصود بمبدأ حسن النية واهميته في ابرام التصرفات القانونية وذلك في المطلب الأول وفي المطلب الثاني سنتطرق الى التطور التاريخي لمبدأ حسن النية على مر العصور اما في المبحث الثاني سنتطرق الى الأثار المترتبة على مبدا حسن النية في العقد وذلك على ثلاث مطالب في المطلب الأول مبدأ حسن النية في مرحلة ابرام العقد، والمطلب الثاني مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد ، وفي المطلب الثالث مظاهر اخلال اطراف العقد والغير لمبدأ حسن النية.

أهمية الدراسة:

تنبع أهمية هذه الدراسة من خلال بيان كيفية الكشف عن نية المتعاقد، والمعيار المتبع في ذلك وتحديد مفهوم حسن النية، وتسليط الضوء على المعايير التي اخذت بمفهوم حسن النية وكذلك بيان التطور التاريخي لهذا المبدأ، وتوضيح الاثار المترتبة على هذا المبدأ وبيان أهمية مبدأ حسن النية في مرحلة ابرام وتكوين العقد وبيان أهميته في مرحلة تنفيذ العقد وكذلك تسليط الضوء على مظاهر اخلال أطراف العقد لمبدأ حسن النية والجزاء المترتب على مخالفة هذا المبدأ، وذلك بالاستعانة بنصوص القانون المدني الفلسطيني والاشارة إلى بعض القوانين الاخرى.

أهداف البحث:

يهدف البحث الراهن إلى عدة أهداف وهي على النحو الاتي:

  1. بيان مفهوم مبدأ حسن النية والمعايير التي ذهبت لتعريف هذا المبدأ وذلك بشكل تفصيلي.
  2. بيان أهمية مبدأ حسن النية في القانون وكذلك أهميته في الشرعية الإسلامية وبيان التطور التاريخي لهذا المبدأ.
  3. بيان الاثار المترتبة على هذا المبدأ من خلال تسليط الضوء على أهمية حسن النية في مرحلة ابرام العقد.
  4. بيان مدى ارتباط مبدأ حسن النية بنطاق القوة الملزمة للعقد.
  5. بيان مظاهر اخلال أطرف العقد لهذا المبدأ وتوضيح الجزاء المترتب على مخالفته.

مشكلة الدراسة:

يعتبر مبدأ حسن النية مبدأ عام، يطبق على جميع التصرفات القانونية، ويستخدمه الفقه والقضاء كمرادف لنزاهة التعامل والثقة والامانة، فلذلك إن الغرض من هذه الدراسة بيان مفهوم مبدأ حسن النية، وتحديد الاثار المترتبة على هذا المبدأ من خلال ايقاعه على كافة مراحل العقد، حيث تنبع مشكلة الدراسة في ان المشرع الفلسطيني اقتصر على حصر هذا المبدأ في مرحلة تنفيذ العقد واغفل عن المراحل التي تسبق مرحلة التنفيذ وهي مرحلة ابرام وتكوين العقد.

أسباب اختيار البحث:

  • عدم استيضاح الأمور الغامضة التي قد ترد على مبدأ حسن النية.
  • كثرة وقوع النزاعات بين الأفراد في المحاكم على هذا المبدأ.
  • الجهل السائد بين أفراد فيما يخص مبدأ حسن النية وسوء استغلاله من قبل بعض أفراد المجتمع.

منهجية الدراسة:

اعتمدنا في دراستنا لهذا الموضوع على المنهج التحليلي مستندين إلى ما جاء في نصوص قانون وذلك بتحليل نصوص المشرع القانون المدني الفلسطيني رقم (4) لسنة 2102، خاصة نص المادة (148) منه المتعلقة بصلب الدراسة، إلى جانب بعض النصوص ذات العلاقة.

خطة الدراسة:

  • المبحث الأول: المبادئ العامة لمبدأ حسن النية.
  • المطلب الأول: ما هية مبدأ حسن النية واهميته.
  • المطلب الثاني: التطور التاريخي لمبدأ حسن النية.
  • المبحث الثاني: الاثار المترتبة على مبدأ حسن النية.
  • المطلب الأول: مبدأ حسن النية في مرحلة ابرام العقد.
  • المطلب الثاني: مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد.
  • المطلب الثالث: مظاهر اخلال أطراف العقد والغير لمبدأ حسن النية.

المبحث الأول – المبادئ العامة لمبدأ حسن النية

يعتبر مبدأ حسن النية من اهم المبادئ القانونية سواء كان ذلك على مستوى القانون العام أو القانون الخاص، ويعتبر مبدأ حسن النية ذو طبيعة موضوعية بحيث أنه اساس القواعد العامة للقانون فتطبيق هذه القاعدة له أهمية بالغة على التصرفات والعقود التي يبرمها الافراد في تعاملاتهم فيما بينهم، ومن هنا نستشف أهمية التعريف بمبدأ حسن النية وكذلك التطور التاريخي لمبدأ حسن النية في القانون على النحو الاتي.

  • المطلب الأول: ما هية مبدأ حسن النية واهميته.
  • المطلب الثاني: التطور التاريخي لمبدأ حسن النية.
  • المطلب الأول: ما هية مبدأ حسن النية واهميته.

يعتبر العقد شريعة المتعاقدين بحيث يعبر العقد بتوافق ارادتين فأكثر على ترتيب أثر قانوني معين إلا ان هذه العقود لابد من ان تخضع في تكوينها وتنظيمها لعدة ضوابط والتزامات على كل طرف من أطراف العقد بصورة لا تؤدي إلى إجهاض العدالة العقدية، ومن هذه الضوابط أو الالتزامات الالتزام بمبدأ حسن النية يقتضي في هذا المطلب بيان مفهوم مبدأ حسن النية حسب القانون والقضاء والفقه وذلك في الفرع الاول وتحديد اهمية هذا المبدأ في القانون والشريعة الاسلامية الفلسطينية وذلك في الفرع الثاني.

الفرع الاول – المقصود بمبدأ حسن النية

أولا/ مفهوم مبدأ حسن النية حسب نص القانون.

اعتمد المشرع الفلسطيني مبدأ حسن النية كمبدأ عام لكافة التصرفات القانونية حيث نصت المادة (148(من مشروع القانون المدني الفلسطيني على انه ” يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل علية وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية “.

كما وتناول المشرع الاردني والمشرع المصري أيضا مبدأ حسن النية في العديد من النصوص منها ما اكد على ضرورة التقيد بمبدأ حسن النية صراحة، ومنها ما اشار ضمنا إليه وذلك من خلال إلزام المتعاقد بمقتضياته ومظاهره، فهناك مجموعة من النصوص في القانون المدني الاردني تناولت مبدأ حسن النية صراحة كالمادة(202) والتي اوجبت تنفيذ العقود وفق ما يستوجبه مبدأ حسن النية وهي تتطابق مع المادة(148) من القانون المدني المصري، وهناك نصوص اشارت الى مبدأ حسن النية ضمنا من خلال استلزامها مقتضى من مقتضيات حسن النية كالنصوص التي تحرم الغش والتعسف والاضرار بالغير([1]).

ثانيا: مفهوم مبدأ حسن النية حسب ما عرفه الفقه.

هناك تعاريف مختلفة لمفهوم مبدأ حسن النية حيث يعرف البعض مبدأ حسن النية : بانه الجهل المبرر بواقعة أو حادثة معينة تكون مناطها ترتيب الآثار القانونية اللازمة بحيث يختلف الحكم القانوني المترتب تبعاً لتحقق الجهل أو تحقق العلم بتلك الواقعة أو الحادثة([2]).

وعرفه البعض “أنه كل فعل أو امتناع عن فعل من شأنه أن يؤدي إلى عدم تكوين العقد أو تنفيذه”([3]).

وعرفه اخر بانه (في تنفذ العقود يعني الامانة والاستقامة، وفي اكتساب الحقوق يعني عدم العلم بالعيب الذي يشوب التصرف هذا من جهة ومن جهة اخرى أن النية ذاتها هي فكرة كامنة في اعماق النفس ومن الصعب تقديرها)([4])

وبالنظر الى التعريفات السابقة فإننا نجد ان مبدا حسن النية في التصرفات المدنية متعدد الأدوار الامر الذي يؤدي الى اختلاف المعنى من حالة الى أخرى، وبالتالي فان محاولة وضع تعريف محدد لهذا المبدأ يكون من الصعوبة بمكان، ولهذا هناك عدة معايير ذهبت لتحديد مفهوم مبدا حسن النية نستعرضها بشكل وجيز على النحو الاتي:

المعيار الأول:

حيث أن هذا المعيار يرى أن مبدأ حسن النية ينظر إليه من جانبين:

  • الاول :- أنه موقف ايجابي بمعنى التعاون بين طرفي العقد على تكوينه ، وتنفيذه .
  • الثاني :- أنه موقف سلبي بعدم اتخاذ مسلك ينطوي على غش أو سوء نية[5]).

المعيار الثاني: حسن النية الشخصي:

ان مدخل حسن النية أو سوء النية الشخصي هو ذات الشخص المطلوب الحكم على تصرفه بالحسن أو السوء، إذ يجب أن نبحث في تلك الذات عن حقيقة الاتجاه الإرادي، وتحديد تحقق أحد الوصفين تبعاً لما تشير إليه قرائنه الدالة عليه([6]).

وعلية فان حسن النية الشخصي هو المرتبط بالجهل بواقعة أو ظرف محدد تكون مناط لترتيب اثار قانونية فيختلف الحكم بحسن أو سوء النية وفقا للعلم أو الجهل بالواقعة أو الظرف، فمتى لم يتحقق علم الشخص أي جهله بالواقعة أو الظرف المرتب للأثر القانوني كان حسن النية، ومتى كان يعلم وجودها كان سيئ النية هذا من ناحية تحقق العلم أو الجهل بها، وينظر فيه الى المعيار الذاتي أي ذات الشخص([7]). 

المعيار الثالث: المعيار الموضوعي.

يرى أنصار هذا المعيار ان حسن النية يرتبط بمدى مراعاة مقتضيات حسن النية أو عدم مراعاتها حتى إذا أتى المتصرف بتصرفه على وفق تلك المقتضيات كان حسن النية، وإذا ما أتى بتصرفه على خلافها كان سيئ النية، وعلية فان مقتضيات حسن النية تقوم على دعائم اخلاقية ثابته تؤمن بها الجماعة وتمثل لها مجموعة القيم والفضائل وتتصف بالعموم والتجريد، وينظر في تحديد كون الشخص حسن النية أم سيء النية في مدى اتفاق تصرفه مع مقتضيات حسن النية([8]).

وبناء على ذلك فأن مخالفة مقتضيات حسن النية تتحقق لمجرد صدور التصرف على خلاف ما تقضي به تلك المقتضيات، دون نظر لما إذا كان المخالف يعلم بالمقتضى الذي خالفه أو لا يعلم وبالتالي فان معيار سوء أو حسن النية هنا ليس معيارا شخصياً، وإنما المعيار هنا هو معيار موضوعي بحت، ينظر فيه إلى مدى اتفاق التصرف ومخالفته لمقتضيات حسن النية ومقارنته مع ما هو مألوف في التعامل([9]).

المعيار الرابع: حسن النية القانوني.

يقوم هذا المعيار على فرضية تشريعية يتعين على المتعامل مراعاتها، حتى إذا أصاب حكم القانون كان حسن النية، وإذا لم يصبه كان سيئ النية، بصرف النظر عن حقيقة الواقع، وما إذا كان المتعامل يجهل وجود القاعدة القانونية التي تخاطب تصرفه أو كان يعلمها، وبصرف النظر عما إذا كان يقصد حقيقة مخالفة القانون أم لم يقصده، ذلك أن حقيقة الاتجاه الإرادي ذاته فيما إذا كان المتعامل يقصد الالتزام بحكم القانون، لا يعول عليه، طالما تحققت مخالفة القاعدة القانونية فعلاً وبهذا المعنى ينفك ارتباط مبدأ حسن النية بقواعد الاخلاق، فالعبرة إذن تكون مرتبطة بالمخالفة للقاعدة القانونية بحد ذاتها،( ([10]ومن ذلك ما قضى به المشرع الفلسطيني في نص المادة (95/2) “ومع ذلك اذا كان النائب وكيلا وتصرف وفقا لتعليمات محددة تلقاها من الأصيل، فإنه لا يكون لهذا الأخير أن يتمسك بجهل نائبه امورا كان يعلمها هو أو كان مفروضا فيه أن يعلمها، كما يجب على الاعتداد في هذه الحالة بما شاب إرادة الأصيل من عيوب”، فبالتالي يعتبر الموكل سيء النية فيما لو تمسك بجهل وكيله لظروف كان يعلمها أو من المفروض حتما أن يعلمها .

وبناء على هذا المفهوم ينفك ارتباط حسن النية بقواعد الاخلاق وهذا الوصف نراه واضحا وذلك عندما نجد المشرع يتطلب اجراء معين لاعتبار التصرف نافذا، فبالتالي يجب على المتعاقد أن يقوم بهذا الاجراء فإذا كان مقصرا  في السعي للقيام به أو لم يقوم به ينزله المشرع منزل الشخص سيء النية.([11]) وبالتالي فان هذا المعيار يرى بانه في مثل هذه الأحوال فإن مجرد القصد لا يكفي لتحديد معنى حسن النية القانوني، فلا يعبأ المشرع في تقرير الحسن أو السوء بالجهل أو العلم، كما لا يعبأ في تقريرهما بموافقة أو مخالفة مقتضيات حسن النية، إذا ما هو يربط الوصف بثبوت تلك الظروف التي يراها قاطعة في الدلالة عليه أو بعدم ثبوتها.([12])

ونرى وبحق بأن حسن النية وسوئها لا يمكن قياسها بموجب معيار شخصي أي وفقا لظروف الشخص كون المتعاقد من الممكن أن يصدر منه فعل أو ترك ولا يكون قاصدا الاضرار بالغير فلا يعتبر سيء النية وفقا لهذا المعيار، لذلك جاء المعيار الموضوعي ليعتبر هذا المتعاقد مخلا بمبدأ حسن النية وليس سيء النية، طالما كان ما صدر عنه وإن كان بدون قصد قد ألحق ضررا بالغير، أي كلما ثبت لدى المتعاقد الاهمال في تصرفاته وعدم الاحتراز أصبح مخلا بمبدأ حسن النية وهو مخلا بمبدأ حسن النية وليس سيء النية كونه لم يتوافر لديه النية أو القصد بالإضرار بالأخرين.

الفرع الثاني – أهمية مبدأ حسن النية في القانون والشريعة الإسلامية

أولا/ أهمية مبدأ حسن النية في الشريعة الإسلامية.

يرتبط حسن النية في الفقه الإسلامي بالأخلاق التي تُعدُّ جزءاً لا یتجزأ من قواعد التشريع الإسلامي وقد وضع الفقه الإسلامي حسن النية إطاراً عاماً لكافَة التصرُّفات، ومنها العقود، ولم یقصره على مرحلةٍ من مراحل العقد، وإنّما جعلها مبدأ عاما على كافّة مراحل العقد منذ التفاوض حتى تمام تنفيذه،([13]) كما ان الشريعة الإسلامية لم تجعل مبدأ حسن النية مقصوراً على حدود الحياة الدنيا دون الآخرة، وبهذا تمتاز الشريعة الإسلامية بأنها عظّمت شأن حسن النية وأضفت عليه من الأحكام والآثار ما يجعل التعاملات الدنيوية التي تنطوي على مصلحة شخصية للإنسان، قد تكون وسيلةً توصله أيضاً إلى رضا الله والجنة، وتضفي على أعماله وتصرفاته المادية آثاراً حميدةً من البركة والنماء والخير والتوفيق الذي يمنّ الله بها على من كانت نيته صالحةً في تعاملاته الدنيوية وبالتالي فان مبدأ حسن النية يشمل ذلك كل من أخذ أموال الناس بأي طريق مباح، فيدخل في ذلك أخذ المال عن طريق القرض أو العارية أو الوديعة أو غير ذلك، فمن أخذ شيئًا من ذلك وهو عازمٌ على أداء حق الناس أعانه الله تعالى على أدائه، وذلك في الدنيا بأن ييسر له الأداء، أو يعطّف أصحاب الحق عليه لتحليله من الدين أو غير ذلك، وفي الآخرة إن لم يتيسر له ذلك في الدنيا بأن يرضيَ عنه خصومه فلا يأخذوا من حسناته ولا ترد عليه سيئاتهم، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: إما بأن يفتح عليه في الدنيا، وإما بأن يتكفل عنه في الآخرة؛ اهـ، وقال العيني رحمه الله: يسر له ما يؤديه من فضله لحسن نيته؛ اهـ، وإنما يسر الله له ذلك؛ لصدق نيته، وقوة عزيمته على أداء حقوق الناس.

وعلية فان مبدأ حسن النية في الشريعة الإسلامية ان الأصل في العقود الرضائية اعمالا لقوله تعالى { الا ان تكون تجارة عن تراض منكم }([14])، وبالتالي وللمتعاقدين الحق في التمسك بشروط العقد وبنودِه كما وردت بالاتفاق، إلا أنّها في العديد من الحالات قد يؤدي التمسك بحرفية شروط العقد إلى الإجحاف بالطرف الآخر وإلحاق الضرر به وزيادة التزاماته في بعض الحالات، كما في حالات الظروف القاهرة أو المرهقة، فلا ضرر ولا ضرار، فلیس للمتعاقد أن یتمسك بشروط العقد على وجه يتنافى مع حُسْن النية، فیقع على عاتق المتعاقد التزامٌ بكشف جمیع العيوب في الشيء محل المفاوضة، فالكتمان وعدم الصدق أو الإفصاح الأمين یخِل بمبدأ حسن النية في المعاملات، فمَن غشنا فلبس مِنا.([15])

ورغم إيمان الجميع بأهمية هذا المبدأ وأثره في البركة والنماء، إلا أن القليل من الناس من يمتثل ذلك في جميع تعاملاته بكل أسف.

ثانيا: أهمية مبدأ حسن النية في العقود.

لقد نصت الكثير من القوانين الوضعية بما فيها القانون الفلسطيني والأردني والقانون المصري على مبدأ حسن النية، فحرمت كل فعل أو ترك يتعارض مع حسن النية ومقتضياته، وإن كانت لم تضع له تعريفا قانونيا محددا بل تركت أمر تعريفه للفقه والقضاء، الا ان المشرع قد الزم المتعاقدين بمراعاته والالتزام بمقتضياته، والزم القاضي بحل خلافات المتعاقدين في ضوء ما تمليه القوة الملزمة للعقد وحسن النية، فهو من الشمول والفاعلية بحيث انه لا حاجة للنص عليه صراحة، إنما يطبقه القضاء من خلال مظاهره ومن خلال النظم القانونية التي تلتقي معه كفكرة عدم التعسف في استعمال الحق وانتفاء الغش، وهذا ما يدلل على أهميته وضرورته كمبدأ قانوني عام استقر في الحياة القانونية([16]).

وعلية فان العقود تعتبر من أهم الوسائل القانونية التي تهدف إلى تنظيم معظم العلاقات بين الأشخاص وهذه العقود في تكوينها وإبرامها وتنفيذها تخضع لضوابط والتزامات محددة يعينها القانون ترمى إلى ضبط وتوجيه سلوكيات وتصرفات أطراف العقد بصورة لا تؤدي إلى إجهاض العدالة العقدية ومن هذه الضوابط أو الالتزامات الالتزام بمبدأ حسن النية، الذي يعتبر من أكثر المسائل القانونية تعقيدا وذلك باعتباره من الأسس الأخلاقية التي أقحمت للتطبيق على الواقع القانوني لما لها من فوائد كبيرة في ضبط سلوكيات المتعاقدين أو حتى المتفاوضين في المراحل السابقة على العقد وقد اخذ هذا المبدأ حيزاً كبيرا في كافة النظم المعاصرة وقد اعتمد المشرع الفلسطيني مبدأ حسن النية كمبدأ عام لكافة التصرفات القانونية حيث نصت المادة (148( من مشروع القانون المدني الفلسطيني على انه ” يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل علية وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية ”

وبناء على ذلك فقد اورد القانون الذي يأتي في المرتبة الأولى من حيث التطبيق فإن المشرع الفلسطيني أولى اهتمام بالغ بتنظيم العقد وتفصيل أحكامه ويتضح ذلك في القانون المدني الذي نص فيه على قواعد عامه للعقد يستعين بها القاضي في حال عدم وجود قواعد تحكم المسالة المعروضة أمامه في الاتفاق أو القانون الخاص بها، وفي هذه الأحكام التفصيلية للعقد نص المشرع على مبادئ عامه يرى اغلب الفقه أن المشرع يهدف منها تعزيز الجانب الأخلاقي في التعاقد، ومن هذه المبادئ مبدأ حسن النية، الذي نص عليه المشرع في أكثر من موضع والذي يؤكد الفقه في هذا الشأن أن العقد هو المعني أولا بهذا المبدأ لذا فان التزام المتعاقدين به خصوصا في مرحلة تنفيذ العقد هو التزام قانوني لا يجوز لأي من المتعاقدين الإخلال به([17]).

ونخلص فان مبدأ حسن النية يعتبر من أهم المبادئ القانونية على الإطلاق سواء كان ذلك على صعيد القانون العام أو الخاص، وهو يسود العقود في جميع مراحلها بمعنى أنه لا يقتصر أثره على مرحلة بعينها، فيمتد أثره من مرحلة إبرام العقد ليشمل مرحلة تنفيذه، وبالتالي لابد أن يتصف كل متعاقد عند تنفيذه لالتزامه بكل مظاهر حسن النية من الأمانة والثقة والنزاهة وشرف التعامل والتعاون مع المتعاقد الآخر، وأن يراعي كل من المتعاقدين ما يعد في صالح الآخر، أي أن ينفذ المتعاقد التزامه بالطريقة التي يتمنى أن ينفذها له غيره.

المطلب الثاني: – التطور التاريخي لمبدأ حسن النية.

ان مبدأ حسن النية قد اخذ حيزاً كبيرا في كافة النظم التاريخية القديمة والحديثة ومن هنا يجب تسليط الضوء على الجوانب التاريخية والقانونية التي أدت إلى تطوير هذا المبدأ على مر الأزمان، وأثر العوامل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية على تطور وتغير القيم التي يقوم عليها هذا المبدأ

حيث يرجع أصل مبدأ حسن النية من الناحية اللغوية إلى الاسم الروماني ” Bona Fides ” إذ أن هذا المبدأ نشأ في بدايته كقاعدة أخلاقية قبل ان يصبح ذا مدلول قانوني فأنه في الأصل كان له مفهوم قانوني وديني لأنه في هذهِ الفترة لم يكن مجال القانون مستقلا عن باقي المجالات خاصة عن الاعتقاد الديني، ويعتبر هذا المبدأ مألوفا في القانون الروماني وقد صاحبه في تطوره وانتشاره وأصبح مقبولا كجزء لا يتجزأ من النظم القانونية ومن الصعب إنكار وجود هذا المبدأ سواء في قوانين الدول أو في القانون الدولي بشكل عام([18]).

كما وان مبدأ حسن النية في القانون الفرنسي القديم قد تأثر بالقانون الروماني ، فقد كان لفرنسا من القانون الروماني النصيب الأوفر من أي نصيب دولة أخرى فالقوانين السائدة في فرنسا حتى القرن الثالث عشر كانت خليطة من التقاليد التيتونية والقانون الروماني السابق على عهد جستنيان حيث في هذهِ الفترة عرف القانون الفرنسي القديم مبدأ حسن النية لكن بشكل غير صريح ، منها أن العبرة في العقود والتصرفات بنية المتعاقد ، وعلى القاضي أن يكشف عن هذهِ النية ويبني عليها حكمه ، ومن تطبيقات ذلك إبطال العقد الذي يحدث بغش من أحد طرفيه للآخر ، وحق فسخ عقد البيع إذا ظهر بالمبيع عيب خفي ولو لم ينص على هذا الحق في العقد إلا انه من القرن الرابع عشر عرف القانون الفرنسي القديم مبدأ حسن النية صراحة بسبب تأثير مجموعة جستنيان للقانون الروماني حيث إِ ن مجموعة جستيان قد أقرت مبدأ حسن النية صراحة فإذا كان القانون الفرنسي قد عرف مبدأ حسن النية ، إلا انه لم يفرد له نصا خاصا به قائما بذاتهِ حيث ظل الأمر

كذلك حتى قيام الثورة الفرنسية، وعندما تولى نابليون السلطة في فرنسا شكل لجنة لجمع القوانين وعرضها على مجلس الدولة، وفي سنة 1754 صدر القانون المدني الفرنسي الذي كان متأثرا بنظرية القانون الطبيعي ، حيث كان مبدأ حسن النية موضع اعتبار لدى واضعي هذا القانون باعتباره مفهوما أساسيا لقانون العقد يتضح أن مبدأ حسن النية هو مفهوم أساسي لقانون العقد في فرنسا في القانون الفرنسي الحديث([19]).

كما وأن مبدأ حسن النية كان معروفا في القانون الانكليزي القديم ، حيث يقول رأي في الفقه نحن كان لدينا مفهوم عام لمبدأ حسن النية في القانون التجاري القديم ذلك الذي كان نتيجة تراكم القانون العرفي الذي يطبق بواسطة المحاكم التجارية ، حيث كان التجار أنفسهم هم الذين يفصلون في المنازعات ، ومن ثم كان يوجد إلى حد ما قواعد موحدة نسبيا ويستمر هذا الرأي في بيان كيفية تطور مبدأ حسن النية في القانون الانكليزي واختفائه منه، إذ يقول إِن القانون التجاري الذي يقوم على الأعراف كان بعيدا عن اختصاص المحاكم الملكية، رويدا رويدا وكان نتيجة ذلك اختفاء مبدأ حسن النية ، وبسبب ذلك يقول الفقه انه كان من واجبنا أن نتعلم العديد من المفاهيم الأخرى وبعد صدور قانون العمل القضائي سنة 1783 أصبح في انكلترا نوعان من المحاكم ، محاكم العدالة ومحاكم القانون وكان مبدأ حسن النية يرتبط كثيرا  بمحاكم العدالة  إذ كان مبدأ يعتمد عليه القضاة في هذه المحاكم ، وبالرغم من صدور قانون بيع البضائع الانكليزي سنة 1763 متضمنا في نصوصه تعريفا لمبدأ حسن النية ، إلا انه كان لا يعرف نظرية عامة لمبدأ حسن النية ، وذلك ليس لرفض مبدأ حسن النية وانما بسبب أن ذلك القانون يعمل على إيجاد حلول للمشكلات القانونية التي تكون أكثر تفصيلا من مستوى القواعد القانونية ، إلا أن ذلك ليس معناه أن القانون الإنكليزي يجهل كليا مبدأ حسن النية إذ يفرضه كواجب عام في بعض العقود لان التنفيذ لا يعد تطبيقا لمبدأ حسن النية كالتزام مفروض على عاتق الأطراف، الا انه فيما بعد تضمن القانون الانكليزي صراحة مبدأ حسن النية في قانون حماية المستهلك الجديد الصادر سنة 1979 المشتمل على توجيهات الوحدة الأوربية بشأن حماية المستهلكين ومن ذلك يتضح أن مبدأ حسن النية في القانون الانكليزي حقيقة قائمة يقرها الفقه والقضاء، الا انه كان يتميز بطابعه الخاص من حيث التطبيق([20]).

كما وأن القانون المدني المصري قد ذكر مبدأ حسن النية في العديد من نصوصه فلقد حرص أيضا قانون التجارة المصري رقم 17 لسنة 1999 على ذكر مبدأ حسن النية والالتزام به صراحة كما هو الحال في المادة 96 و98 أو ضمنيا في المادة 101 حيث إِ ن ذلك يكشف عن وظيفة مبدأ حسن النية تلك التي تتمثل في أنه الإطار العام والروح التي يجب أن تسود تفسير العقد وتنفيذه، فإذا تعددت معاني عبارات العقد أو طرق تنفيذه فعلى المنفذ أن يختار المعنى والطريق الذي تقتضيه الأمانة والاستقامة والعدالة، كما أنها تكفل حماية للشخص أو تمنحه حقا لم تكن لتسمح به القواعد العامة وتجد هذهِ الحماية مسوغا لها في كل حالة ، وبالتالي فان حسن النية يقتضي في مجال العقود من المتعاقدين أن يختار في تنفيذ العقد الطريقة التي تفرضها الأمانة والنزاهة في التعامل وذلك يكشف عن وظيفة أخرى لمبدأ حسن النية في أ نه يقيم التوازن بين طرفي العقد ومن خلال ذلك يتضح أن مبدأ حسن النية في القانون المصري قاعدة قانونية واضحة وثابتة في ظل القانون المدني المصري القديم ، على العكس من القانون الفرنسي([21]).

ونخلص بان فكرة مبدأ حسن النية قد اخذ حيزاً كبيرا في كافة النظم التاريخية القديمة والحديثة بحيث ينبع أساسها من القانون الروماني القديم والذي نشأ في بدايته كقاعدة أخلاقية قبل ان يصبح ذا مدلول قانوني، كما وان القانون الفرنسي والإنكليزي والمصري لم يغفلوا هذا المبدأ وقد اخذ حيزا كبيرا في قوانينهم، وبالتالي فان مبدأ حسن النية يعد من اهم المبادئ التي ارستها القوانين والأنظمة القديمة والحديثة.

المبحث الثاني – الأثار المترتبة على مبدا حسن النية في العقد

نظراً لأهمية هذا الموضوع وبعد أن تطرقنا إلى تعريفه واهميته والتطور التاريخي له، نتطرق الآن إلى نطاق حسن النية في العقد، ولا يقتصر مبدأ حسن النية على تنفيذ الالتزامات العقدية لأنه يعم تنفيذه الالتزامات كافة أياً كانت مصدرها وهو إلتزام فرضه القانون رغم أنه ليس التزام عقدي إلا أنه يجب أن ينفذ هو أيضاً بحسن نية فلا يعتد في الانفاق ولا يستغل ولا يحظر من وجبت عليه نفقته، ولهذا سنقسم دراستنا في هذا المبحث في المطلب الأول مبدأ حسن النية في مرحلة ابرام العقد، والمطلب الثاني مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد ، وفي المطلب الثالث مظاهر اخلال اطراف العقد والغير لمبدأ حسن النية.

المطلب الأول –  مبدأ حسن النية في مرحلة ابرام العقد

إن العقد هو اتفاق بين شخص أو أكثر مع شخص أو أكثر، يلتزم بموجبه طرف يسمى المدين تجاه آخر يسمى الدائن، بإعطاء شيء أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل، والعقد ينعقد بمجرد تطابق الإيجاب والقبول، إلا إذا قرر القانون أوضاعا معينة لانعقاده، والعقد كغيره من التصرفات يحتاج إلى نية، أي اتجاه إرادي نحو أمر معين، فكل فعل يسبق بعزم وتصميم على القيام به أو الامتناع عنه، وبالتالي لابد أن يتصف كل متعاقد عند تنفيذه لالتزامه بكل مظاهر حسن النية من الأمانة والثقة وشرف التعامل والتعاون مع المتعاقد الآخر، وعلية سنقسم دراستنا في هذا المطلب في الفرع الأول قاعدة العقد شريعة المتعاقدين ومبدأ حسن النية، وفي الفرع الثاني مبدأ حسن النية والاتفاق العقدي.

الفرع الأول – قاعدة العقد شريعة المتعاقدين ومبدأ حسن النية

تنص المادة (147) من القانون المدني الفلسطيني على أنه:” العقد شريعة المتعاقدين لا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين او للأسباب التي يقررها القانون”.

كما وتنص الفقرة الأولى من المادة (148( ” 1.يجب تنفيذ العقد طبقا لما اشتمل علية وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية “، ويتضح من هذين النصين ان العقد اذا انعقد صحيحا بتوافر اركانه وشروط صحته فانه يكتسب ما يعرف بالقوة الملزمة، بحيث يلتزم المتعاقدين بتنفيذ العقد بحسن نية، فإبرام العقد من حيث اركانه وشروطه يحكمه مبدأ حسن النية من قبل المتعاقدين، كما وان المشرع يعتد بحسن النية في ابرام العقد من حيث الرضا والسبب والمحل([22]).

فمثلا كان يقوم الوكيل بإبرام العقد الموكل به فان هذا يفيد قبول الوكيل لعقد الوكالة وبالتالي يتعين على الوكيل ان يقوم بذلك بكل حسن النية اما إذا كان الوكيل سيئ النية فان المشرع قد تشدد مع الوكيل سيئ النية ومن ذلك فان مسؤولية الوكيل سيئ النية ان يلتزم بما وكل به وفي حال الاضرار بالغير فعليه الالتزام بالتعويض الى الغير والموكل اما إذا كان حسن النية فلا يلتزم بذلك.

وعلية فان الصيغة التي أتى بها المشرع الفلسطيني والمصري في المادة (148) هي صيغة الأمر بوجوب تنفيذ العقود بما يتفق مع حسن النية، ولذلك إن تنفيذ العقد بحسن نية أمر يوجبه القانون وإن القوة الملزمة للعقد توجب على كل متعاقد أن يقوم بتنفيذ التزامه طواعية واختيارا وبالطريقة التي تتفق مع حسن النية.

وحيث إن قاعدة العقد شريعة المتعاقدين تلزم على المتعاقدين أن ينفذا كل ما ورد في العقد والالتزام به حرفيا كما هو واضح في نص المادة (147) ولكن إن الاكتفاء بهذا النص قد يلحق الضرر بأحد المتعاقدين لذلك جاء المشرع بنص المادة (148) للحديث عن حسن النية وبمقتضى هذا النص الذي يعد استثناء على قاعدة العقد شريعة المتعاقدين فيصبح الأصل هو أن يلتزم المتعاقدين بتنفيذ العقد وفقا لتلك القاعدة والاستثناء هو ألا يحق للمتعاقدين أن يتمسكا بتنفيذ العقد بحرفتيه إذا كان في ذلك خروجا على ما يقتضيه مبدأ حسن النية.

وطالما ان العقد هو القانون الذي ينظم العلاقة التعاقدية فيما بين المتعاقدين فانه لا يجوز نقضه او تعديله لا بواسطة القانون ولا بواسطة أحد المتعاقدين منفردا، وانما يتم ذلك باتفاق الطرفين معا او للأسباب التي يحددها القانون، فقد يحدد القانون أسبابا لنقض العقد او تعديله، كما ويجوز لاحد المتعاقدين ان يعدل او يلغي أحد من شروط العقد، ولكن فقد اوجب القانون ان يكون ذلك بعدم الاضرار بالطرف الاخر وبالتالي فانه يجب على المتعاقدين ابرام العقد مع ما يوجبه حسن النية.

وعليه فإن الالتزامات العقدية لا تتحدد بحسب ما ذكره المتعاقدين في بنود العقد ومضمونه بل يتجاوز ذلك ليشمل ما هو من مستلزماته بما ينسجم مع القانون والعرف والعدالة وطبيعة الالتزام لذلك تعد الارادة المشتركة للمتعاقدين المرجع الأساسي في تحديد مضمون العقد وماهيته، وتخضع للتوضيح من خلال تفسير وتحديد الالتزامات الناشئة عنه([23]).

وعلية فان المشرع لم يضع تنظيما معينا لمبدأ حسن النية في مرحلة ابرام العقد، وعلى الرغم من ذلك فان المبادئ القانونية العامة تقتضي ان يتم ابرام العقد بحسن النية، وان كان للمتعاقدين الحرية في إتمام التعاقد الا ان ذلك يجب ان لا يكون بسوء نية يؤدي الى الاضرار بالمتعاقد الاخر او الغير حسن النية([24]).

وحيث إن ابرام العقد وتنفيذه بحسن نية يحقق العدالة التعاقدية لأنه يحقق لكل متعاقد الحصول على ما كان يبتغيه من منفعة جراء تعاقده بشكل عادل ومتناسب مع الأداء الذي فرضه عليه العقد ويجنبنا في أغلب الأحوال الالتجاء إلى نظرية التعسف في استعمال الحق([25])،

ونخلص الى أنه لابد من التوفيق بين مبادئ العدالة وحسن النية والحرية التعاقدية إذ أن اللاتوازن بين المبادلات متوقع لأنه لم يكن أحد الطرفين في وضح يتيح له أن يقدر أو أن يدافع سوياً عن مصالحه ، لذا يسوغ تدخل القضاء لتحقيق العدالة العقدية على أساس التوفيق بين مبدأ حسن النية والعدالة وحرية التعاقد ، ولذا يجب ألا يكون هاجس افتراض عدم احترام العدالة ومبدأ حسن النية يجب إلا يعيق التبادلات التي لا غنى عنها للعلاقات الاجتماعية وعليه الاعتماد على مبدأ حسن النية لدعم الترابط بين القانون والأخلاق فيعتمد القاضي على هذا المبدأ لغرض ديمومة العقد([26]).

الفرع الثاني –  مبدأ حسن النية والاتفاق العقدي

أولا: مبدأ حسن النية في مرحة الاتفاق المبدئي (التفاوض)

يقصد بالاتفاق المبدئي هو ” اتفاق بتعهد اطرافه، كل في مواجهة الاخر ليس بإبرام عقد معين وانما بالتفاوض بقصد التوصل الى ابرام هذا العقد” ومن خلال ما تقدم يتبين ان التفاوض او الاتفاق بشان عقد معين انما يكون اتفاقا على مبدأ هذا العقد، أي اتفاق على الهدف الذي يقصده الأطراف، دون التوصل الى اتفاق على العناصر الجوهرية اللازمة لانعقاد هذا العقد، فالتفاوض بشان هذه العناصر يكون هو محل اتفاق التفاوض، وبهذا المعنى يتضح بان اتفاق التفاوض هو اتفاق سابق على العقد الذي يقصده أصلا الأطراف، والذي يمهد ويحضر لهذا العقد دون ان يختلط به، وبالتالي فانه يعتبر من العقود التمهيدية او التحضيرية، فهو يتفق مع الوعد بالبيع والوعد بالتفضيل بشان البيع([27]).

وعلية فان التفاوض هنا ينصب على سلوك المتعاقد الذي يسبق ابرام العقد، ومن هنا تبرز أهمية اعمال مبدأ حسن النية في التفاوض والاتفاق المبدئي على الاخلال به، وذلك من خلال اعمال فكرة المسؤولية التقصيرية المبينة على فكرة الخطاء، والذي يمكن التعبير عنة بانه اخلال بالواجب العام القاضي بعدم انحراف المفاوض عن المسلك المعتاد والمألوف للرجل المعتاد، حيث مقتضى حسن النية ان يكون المفاوض جديا وصادقا ونزيها لا مخادعا ومحتالا، وحيث ان الاخلال بمبدأ حسن النية يؤدي الى تحقق المسؤولية، وعلية فان الاخلال بالتزام حسن النية في مرحلة التفاوض اذا لم يتم النص علية صراحة هو او احد الالتزامات المتفرعة عنه، فانة في الأصل العام يرتب المسؤولية التقصيرية، وهذا ما استقر علية غالبة الفقه المعاصر في فرنسا ومصر كما وايده القضاء وذهب اليه الفقه الإسلامي([28]).

الا انه استثناء تكون المسؤولية عن الاخلال بالتزام حسن النية في مرحلة التفاوض هي مسؤولية عقدية، في اذا تم النص علية صراحة في الاتفاقات المبدئية او التمهيدية او في اتفاق على التفاوض فانه في هذه الحالة فان الاخلال بالالتزام حسن النية يرتبة المسؤولية العقدية، اما اذا اجتمعت المسؤولية العقدية والمسؤولية التقصيرية معا، فانه اتجه غالب من الفقه الى عدم جواز الاخذ بالمسؤولتين، استنادا الى استقلالية كل من المسؤوليتين بنظام قانوني خاص، مما يؤدي الى استبعاد احدهما من نطاق الاخر، وبالتالي فان المتضرر لا يستطيع ان يرفع إلا إحدى الدعويين([29]).

وعلية فان الالتزام بالتفاوض يجب تنفيذه وفق ما تقضي به القواعد العامة في تنفيذ الالتزامات العقدية أي يجب تنفيذه بطريقه تتفق مع ما يوجبه حسن النية، حيث ان الالتزام الناشئ عن اتفاق التفاوض يتخذ مظهرا إيجابيا، يقتضي من طرفية ليس فقط الامتناع عما يمكن وصفه بسوء النية بل يتطلب بالإضافة الى ذلك همه ونشاطا إيجابيا بقصد إنجاح المفاوضات، حيث ان من مقتضيات حسن النية في التفاوض ان يقوم كل طرف بإعلام الاخر بكل ما لدية من معلومات تتعلق بالعقد المفاوض علية، وكذلك التعاون البناء فيما بين الطرفين خلال مسيرة المفاوضات([30]).

ثانيا: مبدأ حسن النية وتجاوز النائب حدود نيابته.

يقصد بالنيابة في التعاقد ” حلول إرادة النائب محل إرادة الأصيل في ابرام التصرف القانوني مع انصراف اثار التصرف الى الأصيل” فمثلا قد يتم عقد البيع من خلال نائب يمثل البائع او المشتري مع انصراف اثار العقد الى الأصيل، وبذلك يكون النائب قد حل محل الأصيل في ابرام العقد.

وعلية اذا تجاوز النائب حدود النيابة فان اثار العقد الذي اجراه النائب باسم الأصيل لا تنصرف الى الأصيل، ويحق للغير المتعاقد مع النائب ان يرجع على النائب بالتعويض على أساس قواعد المسؤولية العقدية، وتنصرف اثار العقد المبرم من النائب الى الأصيل رغم تجاوز النائب لحدود النيابة اذا اقر الأصيل العقد او اذا كان العقد يتضمن نفعا للأصيل او اذا كان المتعاقد مع النائب حسن النية لا يعلم بوجود تجاوز ويعتقد ان النائب يتعامل في حدود النيابة ومن تطبيقات ذلك جهل النائب والمتعاقد معه بانقضاء النيابة استنادا الى فكرة النيابة الظاهرة وحماية للمتعاقد حسن النية([31]).

وبالتالي فان مصير العقد الذي ابرمه النائب خارج حدود نيابته فانه ليس امامة الا احدى المخرجين الأول: هو ان يقر الأصيل لهذا العقد، وبالتالي بمجرد الإقرار من الأصيل يصبح العقد نافذا في حق الأصيل وعلية فانه ينتج اثاره في ذمته من وقت ابرامه، وذلك لان الإقرار يعتبر تصرف قانوني بالإرادة المنفردة يرد على العقد غير النافذ فيجعله نافذا ومرتبا لأثاره في ذمة المقر، فالإفرار لا يرتب عقدا جديدا بين الأصيل والمتعاقد مع النائب ولكن خارج حدود نيابته، وقد يكون الإقرار من قبل الأصيل صريحا او ضمنيا.

الثاني: هو اذا لم يقر الأصيل هذا العقد، فلا يكون امام المتعاقد مع النائب سوى الرجوع على النائب نفسه بالتعويض عن الضرر الذي أصابه من جراء عدم نفاذ العقد في حق الأصيل، الا انه هناك حالات ينفذ فيها تصرف النائب في مواجهة الأصيل رغم انتفاء النيابة او تجاوز النائب حدودها، وهذه الحالات يجمعها جامع مشترك وهي فكرة النيابة الظاهرة وحماية الغير حسن النية.

ففي الحالة الأولى: اذا كان الغير، بسبب خطاء الأصيل او اهماله، قد اعتقد بحسن النية ان النائب كان يتصرف في حدود سلطاته كنائب، ومثال ذلك وجود غموض في عبارات التوكيل جعل الغير يعتقد بحسن نية بان تصرفا معينا يدخل في حدود سلطات النائب الممنوحة له من قبل الأصيل.

الحالة الثانية: اذا كان النائب ومن تعاقد معه يجهلان معا وقت العقد انقضاء النيابة، ففي هذه الحالة فان اثر العقد ينفذ في حق الأصيل وذلك حماية للغير حسن النية الذي يستند حسن نيته الى النيابة السابقة والذي كان الظاهر يؤيد استمرارها وذلك تحقيقا لاستقرار المعاملات، الا انه يشترط في الحالة جهل النائب والمتعاقد معه وقت ابرام العقد انقضاء النيابة، فاذا كان النائب يعلم بانتهاء النيابة فلا يجوز للغير ان يرجع للأصيل حتى ولو كان حسن النية([32]).

نخلص بان الجزاء المترتب عن الاخلال بمقتضيات حسن النية في النيابة في ابرام العقد فقد يكون قابلا للإبطال او البطلان المطلق وفقا لما نص علية القانون المدني الفلسطيني وكذلك مجلة الاحكام العدلية، وفق مضمون وارهاصات كل حاله من حالات الاخلال بحسن النية كما بيناه سابقا([33]).

المطلب الثاني –  مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد

سننتقل في هذا المطلب للحديث عن التزام أطراف العقد بتنفيذ العقد على وجه يوجبه مبدأ حسن النية وذلك في الفرع الأول وكذلك دور القضاء في تطبيق مبدأ حسن النية ومدى تعلق مبدأ حسن النية بالنظام العام وذلك في الفرع الثاني على النحو الاتي.

الفرع الأول – التزام أطراف العقد بتنفيذ العقد على وجه يوجبه مبدأ حسن النية

إذا كان العقد شريعة المتعاقدين، تفرض على المتعاقدين عدم المساس بالعقد سواء من حيث تعديله او نقضه الا باتفاقهما او في الأحوال التي يقررها القانون فانه من مقتضيات هذه القاعدة أيضا وجوب تنفيذ المتعاقدين للعقد طبقا لما اشتمل علية وبطريقه تتفق مع ما يوجبه حسن النية وذلك حسب نص المادة (147) والمادة (148) من القانون المدني الفلسطيني، حيث ان المفروض ان حسن النية هو أساس التعامل ويقتضي حسن النية ان يقوم المتعاقد بتنفيذ العقد بالطريقة التي تفتضيها الأمانة والنزاهة في التعامل فناقل البضاعة مثلا ان ينقلها بأنسب الطرق الى أصحابها ويعتبر حسن النية من المسائل في تنفيذ العقد من مسائل الواقع التي لمحكمة الموضوع الحق المطلق في تقديرها([34]).

فلو نظرنا الى وإن الصيغة التي أتى بها المشرع الفلسطيني والمصري في المادة (148) هي صيغة الأمر بوجوب تنفيذ العقود بما يتفق مع حسن النية، ولذلك إن تنفيذ العقد بحسن نية أمر يوجبه القانون، وإن القوة الملزمة للعقد توجب على كل متعاقد أن يقوم بتنفيذ التزامه طواعية واختيارا وبالطريقة التي تتفق مع حسن النية، وبالتالي فانه لا يجوز لأحد المتعاقدين أن ينقض أو يغير ما فرضه عليه قانون العقد بل يجب عليه أن يفي بالتزاماته وأن ينفذ كل بنود العقد وشروط ولكن متى كان تنفيذ العقد بكل بنوده وشروطه يضر بالمتعاقد الآخر، فمن حسن النية أن يخفف عنه ولا يتمسك بالتنفيذ الحرفي للعقد وهذا يجب مراعاته بحق كلا المتعاقدين([35])، وهذا هو المقصود من نص المادة (148).

وعلية فان حسن النية في العقود له مظاهر متعددة لا تعد ولا تحصى، لذا نجد الكثير من الفقهاء يذهبون الى إمكانية ربط حسن النية التعاقدي بالالتزامات، وبذلك يظهر حسن النية في تنفيذ العقود في القانون المدني من خلال التزامات من أهمها: الالتزام بالأمانة، والالتزام بالتعاون، والالتزام باحترام الثقة المشرعة، والتزام بالنزاهة، وغيرها من الالتزامات التي يجب مراعاتها عند تنفيذ العقد وبالتالي وكأصل عام فانه يتفق كل من الفقه والقانون انه في التزام من هذه الالتزامات له طريقته في التنفيذ، وان هذا التنفيذ لابد وان يتم بحسن النية وهو التزام يقع على عاتق كل طرف من اطراف العقد([36]).

والمقصود بالتزام المتعاقد بتنفيذ العقد بحسن نية أن تتوافر لديه نية تنفيذ العقد وفقا لما تمليه عليه القوة الملزمة للعقد من وجوب تنفيذ العقد بالتزاماته الأصلية والجوهرية والفرعية غير الجوهرية ومستلزماتها وإن لم تذكر في العقد، والتقيد بالالتزامات التي تتفرع عن مبدأ حسن النية كتنفيذه للعقد طواعية واختيارا وفي الأجل وأن يحد من الخسارة التي قد تلحق المتعاقد الآخر وأن لا يتراخى ولا يهمل في الوفاء بما التزم به([37]).

ومن مظاهر حسن النية في تنفيذ العقد بأمانة وشرف التعامل هو ما يفرض على المتعاقد بالحفاظ على أسرار العقد كالتزام من يستورد سلعة معينة على ألا يفشي سرها التكنولوجي وهذا الالتزام هو التزام بتحقيق نتيجة وليس ببذل عناية وكذلك التزام العامل بعدم منافسة صاحب العمل وعدم افشاء أسرار العمل حتى بعد انقضاء العقد، لذلك وأكثر يجب على كل متعاقد أن يلتزم بما تفرضه عليه مظاهر حسن النية عند ابرام العقد وكذلك تنفيذه بأن يتعاون كل من المتعاقدين بتنفيذ العقد وصولا للغاية المنشودة من إبرامه، وكذلك كما علمنا وجوب الإخطار والتنبيه في الحالات التي تنجم عنها مخاطر تؤثر في تنفيذ العقد من قبل احد المتعاقدين وكذلك التزام المتعاقد بالإدلاء بالبيانات الهامة والضرورية التي تؤثر في ابرام او تنفيذ العقد وعلمنا أن المتعاقدين عليهما أن ينفذا العقد بكل ما ورد فيه والالتزام بحرفيته على أن يراعو في ذلك مبدأ حسن النية.

كما وانه يجب مراعاة حسن النية في التمسك بالدفع بعدم التنفيذ، بحيث إذا تعلق الامر بعقد ملزم لجانبين وكان مستحق الأداء كان للمتعاقد ان يدفع بعدم التنفيذ طالما لم يقم الأخير بالتنفيذ الا انه ينبغي عدم التعسف في هذا الحق اذ ان القاعدة انه يجب مراعاة حسن النية في تنفيذ العقود، فاذا كان من يتمسك بالدفع هو الذي تسبب في تأخير تنفيذ الطرف الاخر لالتزامه، فانه لا يحق للمتعاقد التمسك بالدفع بعدم التنفيذ والا عد متعسفا في استعمال حقه([38]).

الفرع الثاني – دور القضاء في تطبيق مبدأ حسن النية ومدى تعلق مبدأ حسن النية بالنظام العام

أولا/ دور القضاء في تطبيق مبدأ حسن النية.

إن دور القاضي في تطبيق مبدأ حسن النية وتطبيق العدالة على العقود لم يأتي من فراغ وإنما كان وليدا للتطور الطويل في الفلسفة والقانون ونتيجة لصراع الإنسان في البحث عن العدالة والحرية، فقد أصبح القاضي نتيجة لذلك الصراع ضد قوى الاستغلال وأنصار الفردية، ويراقب العمليات التعاقدية بين الأفراد، فيتدخل القاضي كلما وجد ميزان العدالة مختلا ويعيد للعقود توازنها وعدالتها، لدرجة أنه أصبحت التشريعات تعطي للقاضي السلطة في ذلك صراحة([39]).

كما وأن استناد القضاء على هذا المبدأ في الكثير من الأحكام له أهمية كبرى ترجع للقاضي في المقام الأول تتمثل في كون مبدأ حسن النية يوسع من صلاحيات القاضي في إحقاق الحق ورد العقود والتصرفات إلى حدودها، وحيث أن المشرع يهتم بتطبيق القانون ولكن ليس على حساب المبادئ الأخلاقية التي يسعى لحمايتها والحفاظ عليها، وهذا التشدد من جهة المشرع جعل من هذا المبدأ ملزما للمتعاقدين وللقاضي، حيث أعلى المشرع من شأن هذا المبدأ وكرسه من ضمن قواعد النظام العام والآداب العامة، التي لا تقف عند المطالب بل يجب على القاضي أن يتدخل في العلاقات العقدية ويراقب مدى الالتزام بها، فعلى اعتبار أن القاضي هو الميزان بين مصلحة الجماعة ومصلحة الأفراد، ويقوم بترجيح مصلحة المجتمع على مصلحة الأفراد، وترجيح هذه المصلحة يعود لعدة أسباب منها أن الحقوق بين الأفراد يجب أن تكون في توازن دائم معتدل لتؤدي رسالتها في الحياة أداء يتفق مع مصلحة المجتمع وأهداف القانون وغايته.

لذلك فان الدور الرئيسي الذي يقوم به القاضي لتطبيق مبدأ حسن النية في العقد، فقد وجدنا أن القاضي يقوم بدورين، الأول دور رقابي على مراعاة المتعاقدين لمبدأ حسن النية انطلاقا من انه مفترض حيث يقوم بتقدير حسن نية المتعاقد بمعيار ذاتي ومعيار موضوعي وفي هذا الدور لا يقوم القاضي بتطبيق مبدأ حسن النية بل يقوم برقابة التزام المتعاقدين به من خلال المعايير السابقة التي من خلالهما يقرر القاضي حجم المسؤولية المدنية التي ترتبت على الإخلال أو عدم الإخلال بحسن النية، والدور الثاني دور تطبيقي لهذا المبدأ يقوم على حماية التوازن والعدالة العقدية)[40]).

ومن الأمثلة على تدخل القاضي في تطبيق مبدأ حسن النية، في حال تحققت نظرية الظروف الطارئة فالقاضي تنحصر سلطته في تعديل العقد من خلال رد الالتزام المرهق الى المعقول أي اعادة التوازن العقدي للعقد، وفي حال كان الحادث مؤقت بحيث سيزول خلال وقت قصير فللقاضي هنا وقف تنفيذ العقد حتى يزول الحادث، بشرط ألا يؤدي وقف التنفيذ إلى إلحاق الضرر الجسيم بالدائن([41])، فبالتالي فقد يرى القاضي زيادة الالتزام المرهق وقد يرى إنقاص الالتزام المرهق ففي الحالتين القاضي يرد الالتزام المرهق الى الحد المعقول بالنسبة للحاضر فقط وليس للمستقبل لأنه غير معروف ولأنه قد يزول أثر الحادث ويرجع العقد إلى ما كان عليه قبل التعديل وتعود له قوته الملزمة كاملة كما كانت في الأصل.

ثانيا/ مدى تعلق مبدأ حسن النية بالنظام العام.

لقد تباينات اراء الفقهاء حول مدى تعلق حسن النية بالنظام العام، حيث اتجه جانب من الفقه الى الحاق مفهوم حسن النية بمفهوم لا يقل عنه ضبابية فيلحقه بالنظام العام أو يلحقه بالإنصاف ويوجد أيضاً رأي آخر يعتبر الحاق حسن النية بأحد المفاهيم الأخرى يفقده جدواه وقيمته والنظام العام في التعاقد يمثل قيدا أو تحديداً لحرية الإرادة ولم يضبط أي تعريف له إلى يومنا هذا طبعاً النظام العام ذو مفهوم ضبابي وغير واضح المعالم وفائدته أنه يرمى إلى الانسجام الاجتماعي وهو من السعة بحيث يمكنه أن يستوعب مفهوم حسن النية ويقول البعض أن حسن النية مبدأ قانوني وإذا اعتبرنا ذلك كذلك فأن حسن النية كمبدأ قانوني يكون مستمداً من الفكرة العامة للوجود في مجمع معين وهو طبعاً ليس قاعدة بالمعنى الفني للقانون كما يمكن استقراؤه من القواعد القانونية الوضعية الموجودة في هذا المجتمع أي أن المبادئ العامة تعبر عن الفكرة السائدة للوجود وتأتي القواعد القانونية لتعبر جزئياً عن الأفكار التي تتضمنها هذه المبادئ أي أن المشرع يستوجبها عند وضع التشريعات كما أنها تسهم في تحديد هذه القوانين كما في النظام العام والآداب العامة.

الا ان فكرة النظام العام تختلف عن التزام حسن النية في ابرام العقود في أوجه عدة منها:

أولا/ فمن حيث الجزاء: حيث ان جزاء مخالفة النظام العام والاداب العامة هو البطلان في كل الحالات، بينما جزاء الاخلال بالتزام حسن النية هو التعويض بالدرجة الأساس.

ثانيا/ من حيث المصلحة التي يرمي القانون الى حمايتها من خلالهما: فالقانون يرمي من خلال التزام حسن النية المحافظة على المصالح الخاصة للطرف المقابل مباشرة، اذ ان الاخلال بحسن النية من طرف يؤدي الى زعزعة مصالح الطرف الاخر، وبالتالي فان النتيجة غير المباشرة بمقتضيات حسن النية هي تحقق المصلحة العامة، بينما الاخلال بالنظام العام والآداب العامة فانه يؤدي الى المساس بالمصالح العليا للمجتمع أي المصلحة العامة بشكل مباشر وان كان هناك اخلال بالمصلحة الخاصة لاحد الافراد فانة يكون غير مباشر، وبالتالي فان كل منهما يهدف الى غرض معين يختلف الاخر، ولا يمكن الاستغناء عن كلا الفكرتين بحجة وجود الأخرى فكل واحدة منهما تعد الية مستقلة من اليات تنظيم العلاقات التعاقدية([42]).

الا ان هذا الاختلاف لا يمنع من اعتبار مبدأ حسن النية كقاعدة قانونية من النظام العام، اذ انه من غير المعقول استبعاده عن النظام العام الذي يحكم العقود، لان وجوده ضمن النظام العام يؤدي الى حماية المصالح العليا للمجتمع، وهذا يعني ان الالتزام بحسن النية مفروض بالقانون لصالح الأطراف المتعاقدة.

المطلب الثالث – مظاهر اخلال أطراف العقد والغير لمبدأ حسن النية

حيث سنتطرق في هذا المطلب في الفرع الأول الى عدم التمسك بالغلط والتدليس والاكراه على وجه يتعارض مع مبدأ حسن النية، ومن ثم سنتناول في الفرع الثاني مبدأ حسن النية وأثره في الفسخ والبطلان.

الفرع الأول-  عدم التمسك بالغلط والتدليس على وجه يتعارض مع مبدأ حسن النية

أولا/ عدم التمسك بالغلط على وجه يتعارض مع مبدأ حسن النية.

ان القانون يعتبر ان الغلط عيبا من عيوب الإرادة، بحيث لا يعتبر الغلط في القانون اعتذارا بجهل القانون بل يعتبر تمسكا بتطبيق القانون الذي لو كان يعلم المتعاقد حكمه لما ابرم العقد، لذلك فان التمسك بإبطال العقد لغلط في القانون لا يتعارض مع مبدأ عدم جواز الاعتذار بجهل القانون وبالتالي فانه حتى يعتبر الغلط في القانون عيبا من عيوب الإرادة يجب ان يكون جوهريا وحتى يعتد بالغلط فانه يجب ان يتصل بالمتعاقد الاخر([43]).

وعلية فان الأثر المترتب على الغلط الذي يعتبر عيبا من عيوب الإرادة هو جعل العقد قابلا للإبطال، ويقع عبئ اثباته على طالب الابطال، الا انه لا يجوز التمسك بالغلط على وجه يتعارض مع حسن النية، فاذا اعطى القانون لمن وقع في غلط ان يطلب ابطال العقد، الا انه ليس له ان يتمسك به على وجه يتعارض مع حسن النية، الذي ينبغي ان يتوافر في التعامل بنزاهة، وعلى ذلك يبقى المتعاقد الذي وقع في الغلط ملزما بالعقد الذي قصد ابرامه اذا اظهر الطرف الاخر استعداده لتنفيذ هذا العقد، اذ ان الحكمة من ذلك ان مصلحة العاقد في ابطال العقد تكون قد انتقلت طالما انه سيحصل على ما كان ينبغي من تعاقده([44]).

وبالتالي فن مبدا حسن النية يقتضي عدم التمسك بالغلط كوسيلة لإبطال العقد اذا عرض المتعاقد الاخر تنفيذ العقد الذي أراد من وقع الغلط ان يبرمه، وعد هذا الحكم تطبيقا من تطبيقات نظرة التعسف في استعمال الحق، فمثلا اذا عرض بائع التمثال على المشتري ان يسلمه التمثال الأثري الذي يرغب في شرائه ففي هذه الحالة لا يحق للمشتري ان يبطل العقد([45]).

ثانيا/ عدم التمسك بالتدليس على وجه يتعارض مع مبدأ حسن النية.

التدليس هو الالتجاء الى الحيلة والغش بقصد ايهام المتعاقد بغير الحقيقة لحمله على التعاقد، حيث ان قوام التدليس هو التضليل والتمويه والخداع وهو بذلك يعتبر عيبا من عيوب الإرادة اذ انه يدفع على تعاقد ما كان الشخص يقبله لو كان مدركا للحقيقة الا انه يشترط في التدليس ان تكون الطريقة غير مشروعة قانونا، اذ ان التدليس يؤدي الى تضليل المتعاقد الذي يقع ضحيته، فهو يجعله يعتقد امرا يخالف الحقيقة أي ايقاعه في الغلط، وبالتالي فان التدليس له صله وثيقه بالغلط فالغلط يقع فيه المتعاقد من تلقاء نفسه دون ان يتعمد احد ايقاعه فيه، اما التدليس فان المتعاقد بقع في غلط مدبر من جانب المدلس ليدفعه الى التعاقد وعلى هذ النحو فان التدليس يعتبر عيبا من عيوب الإرادة([46]).

ويتضح من ذلك انه يشترط لوجود التدليس كعيب من عيوب الإرادة وهي استعمال وسائل احتيالية بنية التضليل وان تؤدي هذه الوسائل الى ابرام العقد وان يدخل التغرير منطقة العقد، ومعنى ذلك ان يلجأ المتعاقد الى خلق وضع يخالف الحقيقة بهدف تضليل المتعاقد الاخر ويتم ذلك من خلال استعمال وسائل احتيالية تصور الامر على غير حقيقته للمتعاقد الاخر، كما ويشترط ان تؤدي هذه الوسائل الى ابرام العقد بحيث لولا استعمال هذه الوسائل الاحتيالية من قبل المتعاقد لما ابرم المتعاقد الاخر العقد، ويجب ان يدخل التدليس منطقة العقد وذلك طبقا لنص المادة (152) من القانون المدني الفلسطيني([47]).

الا انه لا يجوز التمسك بالتدليس على وجه يتعارض مع حسن النية، بحيث ان للمتعاقد المدلس علية ابطال العقد والتعويض ان كان له محل، كما انه له ان يقتصر على طلب التعويض فقط مع الإبقاء على العقد اذا وجد ذلك محققا لمصلحته، فاذا اختار العاقد المدلس علية ابطال العقد وعرض علية المتعاقد الاخر تعديل شروط العقد على الوجه الذي يرفع الضرر، فانه يكون في الإصرار طلب الابطال عندئذ ما يتعارض مع حسن النية فلا يقتضي به تطبيقا للمبدأ الوارد في صدد الغلط ويقتصر حق العاقد المخدوع على التعويض، الا ان هذه القاعدة لا تنطبق الا في الحالة التي يكون التدليس فيها قد صدر من الغير اما اذا كان التدليس صادرا من المتعاقد الاخر فل يجوز ان ينسب تعسف الى المتعاقد المدلس علية اذا اصر على ابطال العقد رغم العرض المقدم لكي يتحلل من علاقته بمن اظهر نحوه نية واضحة([48]).

الفرع الثاني – مبدأ حسن النية وأثره في الفسخ والبطلان

أولا/ مبدأ حسن النية وأثره في الفسخ بالنسبة الى الغير.

تعتبر المسؤولية العقدية جزاء الاخلال بالتزام التعاقدي، فالدائن بالالتزام يحق له ان يطلب التنفيذ العيني للالتزام او ان يطلب التنفيذ بمقابل أي التعويض الا ان العقود الملزمة لجانبين تنفرد بنظم خاصة بها لوجود تقابل في الالتزامات ومن هذه النظم فسخ العقد حيث يحق لأي من المتعاقدين لن يطلب فسخ العقد إذا لم ينفذ المتعاقد الاخر التزامه الناشئ عن العقد بدلا من طلب التنفيذ العيني او التنفيذ بمقابل، والفسخ اما ان يقع بحكم القاضي وهذا هو الفسخ القضائي، كما وقد يقع الفسخ باتفاق المتعاقدين وهذا هو الفسخ الاتفاقي، كما وقد يقع الفسخ بقوة القانون ويسمى في هذه الحالة بالانفساخ([49]).

ويترتب على الفسخ ان ينحل العقد بإثر رجعي بالنسبة الى الغير كذلك، وتبعا لهذا يجب إعادة الحال الى ما كان علية قبل التعاقد، الا ان هذه القاعدة لا تنطبق على اطلاقها فاستثناء من هذه القاعدة فان الفسخ لا يؤثر في الحقوق التي تلقها الغير حسن النية بمقتضى عقد من عقود الإدارة كالإيجار فيبقى حق من استأجر العين من المشتري رغم فسخ البيع، كما ويرد على قاعدة الأثر الرجعي للفسخ بالنسبة الى الغير عدة استثناءات قصد منها حماية الغير حسن النية في عقود التصرف أيضا، ويختلف الفسخ بين المنقول والعقار فاذا كان الامر يتعلق بمنقول اشتراه شخص ثم تصرف فيه اخر حسن النية ثم فسخ العقد الأصلي فان لهذا الأخير ان يتمسك بقاعدة الحيازة في المنقول بحسن النية سند الحائز، وعل ذلك فان فسخ العقد الأصلي لا يترتب علية إعادة الأمور الى ما كانت علية بين البائع والمشتري، حماية للغير حسن النية، اما اذا كان الشيء عقارا فانه يجب التفرقة بين فرضين الأول اذا كان تصرف المشتري في العقار الى شخص اخر قد تم قبل تسجيل دعوى الفسخ او التأشير بها فانه في هذه الحالة لا يحتج بحكم الفسخ اذا كان الغير حسن النية وكان قبل تسجيل صحيفة دعوى الفسخ، اما اذا كان التصرف بعد تسجيل صحيفة دعوى الفسخ فانه في هذا الحالة يحتج بالفسخ على الغير([50])

ثانيا/ مبدأ حسن النية وأثره في البطلان.

يكون العقد باطلا بطلانا مطلقا اذا تخلف ركن من اركانه او شرط من شروط اركانه، وقد يكون العقد قابلا للإبطال اذا تخلف شرط من شروط العقد، ويترتب على البطلان المطلق الى انعدام العقد وعدم ترتيب أي اثر علية الا انه استثناء على ذلك قد يرتب العقد الباطل اثاره الاصلية كما لو كان صحيحا وقد يرتب أحيانا أخرى اثارا عرضية، كما وان العقد الباطل بطلانا مطلقا لا تلحقه الاجازة ولا التقادم كما ويحق للقاضي ان يقضي ببطلان العقد من تلقاء نفسه([51]).

فاذا قام أحد الطرفين بتنفيذ العقد الذي تقرر ابطاله وترتب على ذلك انتقال حيازة شيء الى الطرف الاخر فان الحائز الحسن النية يحتفظ بالثمار، كما ويحد من قاعدة زوال العقد بأثر رجعي بالغير بعض القيود التي تؤدي الى تحقيق استقرار التعامل وحماية الائتمان وذلك بتقرير الحماية للغير حسن النية، فالنسبة للعقود الصادرة من المتصرف الية في العقد الباطل الى الغير يجب ان نفرق بين عقود الإدارة وعقود التصرف اذ انه في عقود الإدارة كالإيجار تبقى قائمة رغم بطلان السند اذا كانت من اعمال الإدارة الحسنة، وبالتالي يجب ان يكون المستأجر حسن النية، أي يجهل ما يشوب سند المتصرف من أسباب البطلان.

اما بالنسبة لعقود التصرف فيجب التفرقة بين المنقول والعقار.

اولا/ إذا كان الشيء منقولا وتسلمه الغير حسن النية وهو يجهل ما يشوب سند المتصرف من أسباب البطلان، كان له ان يحتج بقاعدة الحيازة في المنقول بحسن النية سند الحائز ليكتسب على أساسها الملكية او الحق العيني رغم انه تعاقد مع غير مالك.

ثانيا/ اذا كان الشيء عقارا فيجب التفرقة بين البطلان المطلق والقابلية للابطال، فاذا كان سند ملكية المتصرف باطلا بطلانا مطلقا فان ملكية العقار لم تثبت للمتصرف الية قانونا في يوم من الأيام، حيث ان العقد الباطل منعدم منذ قيامه وبالتالي فان المتصرف الية في هذه الحالة مجرد واضع يد وعلية فان الغير لا تنتقل الية الحيازة حتى ولو كان حسن النية وشهر حقه قبل تسجيل دعوى البطلان، اما اذا كان سند المتصرف قابلا للإبطال فان الحكم بالإبطال لا يحتج به على الغير الذي كسب حقه وسجله وهو حسن النية قبل تسجيل دعوى الابطال، حيث ان الغير قد تعامل مع شخص ثبتت له الملكية قانونا في وقت ما أي قبل الحكم بالإبطال، بحيث ان العقد موجود ويرتب اثاره الى ان يحكم بإبطاله، حيث ان الغير حسن النية لم يكن يعلم بالعيب الذي شاب العقد.

الخاتمة:

بعد أن تم بحث موضوع مبدأ حسن النية وتطبيقاته واثاره في مجال العقود توصل الطالب إلى عدة

نتائج:

أولا: إن مبدأ حسن النية يشمل كافة العقود فهو لا يسري على عقد دون اخر ويسود هذا المبدأ سواء في مجال القانون الخاص أو القانون العام، ويحكم العقود في مراحلها منذ نشأتها إلى حين انقضائها، ولا يقتصر على مرحلة تنفيذ العقد فقط.

ثانيا: ان مفهوم حسن النية غير واضح المعالم بحيث لا يوجد تعريف جامع لمبدأ حسن النية وقد تم ضبط المقصود بهذا المبدأ بعدة معايير حيث ان تحديد حسن نية المتعاقد او سوء نيته لا يعتمد على معيار واحد في القانون، بل قد يكون ذاتيا ينظر فيه الى شخص المتعاقد أو ماديا موضوعيا يعتمد فيه على سلوك الرجل المعتاد لا على سلوك المتعاقد وقد يكون قانونيا.

ثالثا: ان الشريعة الإسلامية والحضارات القديمة نصت على مبدأ حسن النية في كل تعاملاتهم التي تأمره بالإخلاص والأمانة في العمل والتعامل، والبعد عن الغش والخيانة، وتعده متى امتثل ذلك بالخير الوفير والبركة والنماء.

رابعا: أن مبدأ حسن النية يرتب التزامات على المتعاقدين حتى وان لم يكن قد نص عليها صراحة.

خامسا: علمنا أنه يقع على عاتق المتعاقدين تنفيذ العقد بكل ما ورد فيه والالتزام به حرفي ولكن قلنا أن الاكتفاء بتلك القاعدة قد يلحق الضرر بأحدهم، لذلك يكون الأصل في تنفيذ العقود هو قاعدة العقد شريعة المتعاقدين وعلى المتعاقدين تنفيذ التزاماتهم حرفيا، والاستثناء هو ألا يكون للمتعاقدين التمسك بالتنفيذ الحرفي للعقد إذا كان في ذلك خروجا على ما يقتضيه مبدأ حسن النية.

سادسا: علمنا أيضا انه ليس لأطراف العقد ان يتمسكوا بالغلط والتدليس على وجه يتعارض مع حسن النية، الذي ينبغي ان يتوافر في التعامل بنزاهة.

سابعا: علمنا أيضا ان الفسخ والبطلان لا يؤثر في الحقوق التي تلقها الغير حسن النية بمقتضى عقد من عقود الإدارة او عقود التصرف الا انه يجب التفرقة بين عقود التصرف كما بينا ذلك.

ثامنا: علمنا أيضا كيفي يكون دور القضاء في تطبيق مبدأ حسن النية ومدى تعلق مبدأ حسن النية بالنظام العام.

تاسعا: علمنا أيضا ان مبدأ حسن النية يكون في مرحلة ابرام العقد وكذلك يدخل نطاق مبدأ حسن النية مرحلة تنفيذ العقد وعلمنا الجزاء المترتب على تجاوز النائب حدود نيابته وأثر هذا المبدأ بالنسبة لهذا التجاوز.

عاشرا: علمنا أيضا ان مبدأ حسن النية له أهمية بالغه في تنظيم العقود حيث تعتبر من أهم الوسائل القانونية التي تهدف إلى تنظيم معظم العلاقات بين الأشخاص.

التوصيات:

أولا: إن المشرع الفلسطيني قد نص على مبدأ حسن النية بعبارات عامة وغير واضحة ولم يحدد معالم ولم يبن مفهومة كما هو موضح في نص المادة (148/1) حيث قال “يجب لما تنفيذ العقد طبقا اشتمل عليه وبطريقة تتفق مع ما يوجبه حسن النية” لذا نوصي المشرع الفلسطيني على أن يحدد عبارات واضحة وشاملة تشتمل على هذا المبدأ.

ثانيا: إن المشرع الفلسطيني قد نص كذلك في المادة (148/1) أنه لم يوجب مراعاة مبدأ حسن النية في جميع مراحل العقد بل اقتصر في النص على وجوب مراعاته عند تنفيذ العقد ومن المعلوم أن مبدأ حسن النية لا يقتصر أثره على مرحلة بعينها لذا نوصي المشرع أن ينص على أن يشمل مبدأ حسن النية جميع مراجل العقد، على اعتبار أن مرحلة التفاوض من أهم المراحل التي تسبق تنفيذ العقد، كما تعد مرحلة الأبرام كذلك.

ثالثا: ان المشرع الفلسطيني لم ينص على الجزاء الذي يترتب على مخالفة مبدأ حسن النية لذا فإننا نوصي المشرع النص على جزاءات محددة للإخلال بمبدأ حسن النية ضمن هذه النظرية مع تضمينها الآثار القانونية المترتبة على مخالفتها.

رابعا: نوصي بانه يجب ان يكون الشخص عند ابرام التصرفات والعقود مراعاته بعدم الاضرار بالمصلحة المبررة المشروعة للطرف المقابل وان يقوم بذلك بكل حسن نية.

خامسا: نوصي بإعمال مبدأ حسن النية في الثقة والصدق في التعامل، ويستلزم الأمانة والاخلاص والنزاهة والعدالة والمعقولية في تنفيذ الالتزامات الاتفاقية، وتطبيقها دون التقيد بالتطبيق الحرفي للنصوص الجامدة.

قائمة المراجع:

أولا/ القران الكريم.

ثانيا/ القوانين

  • القانون المدني الفلسطيني رقم (4) لسنة 2012
  • القانون المدني المصري رقم (131) لسنة 1948
  • المذكرة الايضاحية للقانون المدني الفلسطيني.

المراجع (كتب قانونية ومقالات ورسائل ماجستير ودكتوراه)

  • رو زان طالب محمود السويطي: مبدأ حسن النية في ابرام العقد وفق أحكام مشروع القانون المدني الفلسطيني بالمقارنة مع مجلة الأحكام العدلية، رسالة ماجستير، عمادة الدراسات العليا، جامعة القدس 2018.
  • ياسين محمد الجبوري، في شرح القانون المدني، ج2، ط1، دار الثقافة، عمان، 2006.
  • رغد عبد الأمير مظلوم الخزرجي، مبدأ حسن النية في تنفيذ المعاهدات الدولية، مجلة ديالى، 2014، العدد 64.
  • مباركة دنيا، حسن النية في تنفيذ عقد العمل، بحوث ومقالات، مجلة القصر المغرب، منشورات دار المنظومة القضائية، .2002
  • يحيى أحمد بني طه، مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقود، رسالة دكتوراه، جامعة عمان العربية، عمان، منشورات دار المنظومة القضائية، .2002
  • عبد المجيد الحكيم: الكافي في شرح القانون المدني، ج2، الموصل، مؤسسة دار الكتب للنشر والطباعة،1980.
  • بدوي السيد: نحو نظرية عملية لمبدأ حسن النية في المعاملات المدنية، رسالة دكتوراه بجامعة القاهرة،1989.
  • سعد بن سعيد الذيابي: مبدأ حسن النية في النظام السعودي والأنظمة المقارنه، مجلة الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية، العدد)23) ربيع الآخر 1435 ه فبراير .2014
  • مبارك محمد ذيب الفصيح: دور القاضي في تطبيق مبدأ حسن النية في العقد، رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية كلية الدراسات العليا، 2010.

10-وائل حمدي احمد علي: حسن النية في البيوع الدولية دراسة تحليلية مقارنة، في ضوء الاتفاقيات الدولية والتشريعات المقا رنة، دار النهضة العربية، 2015.

11- اياد محمد جاد الحق: النظرية العامة للالتزام في القانون المدني الفلسطيني الجزء الأول مصادر الالتزام، الطبعة الثالثة، 2013.

12- محمد حسن قاسم: الوسيط في عقد البيع، دار الجامعة الجديدة ،2011.

13-عبد الرزاق احمد السنهوري: الوجيز في شرح القانون المدني، نظرية الالتزام بوجه عام

الإسكندرية، ج1، 2004.

14-جاك غستان، المطول في القانون المدني، تكوين العقد، ط2، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 2008.

15- نبيل إبراهيم سعد: النظرية العامة للالتزام مصادر الالتزام، دار الجامعة الجديدة،2004.

الفهرس

الرقمالموضوعالصفحة
1المقدمة3
2المبحث الأول: المبادئ العامة لمبدأ حسن النية6
3المطلب الأول: ما هية مبدأ حسن النية واهميته6
4الفرع الأول: المقصود بمبدأ حسن النية6
5الفرع الثاني: أهمية مبدأ حسن النية في القانون والشريعة الإسلامية10
6المطلب الثاني: التطور التاريخي لمبدأ حسن النية13
7المبحث الثاني: الأثار المترتبة على مبدا حسن النية في العقد15
8المطلب الأول: مبدأ حسن النية في مرحلة ابرام العقد16
9الفرع الأول: قاعدة العقد شريعة المتعاقدين ومبدأ حسن النية16
10الفرع الثاني: مبدأ حسن النية والاتفاق العقدي18
11المطلب الثاني: مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقد21
12الفرع الأول: التزام أطراف العقد بتنفيذ العقد على وجه يوجبه مبدأ حسن النية21
13الفرع الثاني: دور القضاء في تطبيق مبدأ حسن النية ومدى تعلق مبدأ حسن النية بالنظام العام23
14المطلب الثالث: مظاهر اخلال اطراف العقد والغير لمبدأ حسن النية25
15الفرع الأول: عدم التمسك بالغلط والتدليس على وجه يتعارض مع مبدأ حسن النية26
16الفرع الثاني: مبدأ حسن النية وأثره في الفسخ والبطلان28
17الخاتمة30
18قائمة المراجع32
19الفهرس34

([1] رو زان طالب محمود السويطي: مبدأ حسن النية في ابرام العقد وفق أحكام مشروع القانون المدني الفلسطيني بالمقارنة مع مجلة الأحكام العدلية، رسالة ماجستير، عمادة الدراسات العليا ،جامعة القدس ص15.

(2) د. ياسين محمد الجبوري ، في شرح القانون المدني ، ج2 ، ط1 ، دار الثقافة ، عمان ، 2006 ، ص36 .

([3]) رغد عبد الأمير مظلوم الخزرجي، مبدأ حسن النية في تنفيذ المعاهدات الدولية، مجلة ديالى، 2014، العدد 64، ص185.

([4] مباركة دنيا، حسن النية في تنفيذ عقد العمل، بحوث ومقالات، مجلة القصر المغرب، منشورات دار المنظومة القضائية، 2002 ، ص22 .

(1) رغد عبد الأمير مظلوم الخزرجي: مرجع سابق، ص185و186.

(2) رو زان طالب محمود السويطي: مرجع سابق، ص8.

(3) يحيى أحمد بني طه، مبدأ حسن النية في مرحلة تنفيذ العقود، رسالة دكتوراه، جامعة عمان العربية، عمان، منشورات دار المنظومة القضائية، 2002 ص48.

([8])عبد المجيد الحكيم: الكافي في شرح القانون المدني،ج2،الموصل،مؤسسة دار الكتب للنشر والطباعة،1980،ص158.

(1) رو زان طالب السويطي: مرجع سابق، ص11.

(2) بدوي السيد: نحو نظرية عملية لمبدأ حسن النية في المعاملات المدنية، رسالة دكتوراه بجامعة القاهرة،1989 ، ص113.

(3) يحيى بني طه، مرجع سابق، ص 52.

(4) رو زان طالب السويطي: مرجع سابق، ص16.

(1) سعد بن سعيد الذيابي: مبدأ حسن النية في النظام السعودي والأنظمة المقارنه، مجلة الشريعة والقانون والدراسات الإسلامية، العدد ( 23 ) ربيع الآخر 1435 ه فبراير 2014 م،ص17.

)1) سورة النساء الآية. 29:

(2) سعد بن سعيد الذيابي: مرجع سابق، ص22.

(3) رو زان طالب السويطي: مرجع سابق، ص1.

(1)مبارك محمد ذيب الفصيح: دور القاضي في تطبيق مبدأ حسن النية في العقد، رسالة ماجستير، الجامعة الأردنية كلية الدراسات العليا، 2010،ص1.

(1) رغد عبد الأمير مظلوم الخزرجي: مرجع سابق، ص177.

(1) رغد عبد الأمير مظلوم الخزرجي: مرجع سابق، ص185.

(2) وائل حمدي احمد علي: حسن النية في البيوع الدولية دراسة تحليلية مقارنة، في ضوء الاتفاقيات الدولية والتشريعات المقا رنة، دار النهضة العربية، 2015 ص279.

(1) رغد عبد الأمير مظلوم الخزرجي: مرجع سابق،ص186.

(1) اياد محمد جاد الحق: النظرية العامة للالتزام في القانون المدني الفلسطيني الجزء الأول مصادر الالتزام، الطبعة الثالثة، 2013، ص288

(1) مبارك محمد ذيب آل فطيح، مرجع سابق، ص 84.

(2) محمد حسن قاسم: الوسيط في عقد البيع، دار الجامعة الجديدة ،2011، ص64.

(1) عبد الرزاق احمد السنهوري: الوجيز في شرح القانون المدني ، نظرية الالتزام بوجه عام الإسكندرية ، ج1 2004 ص242 .

(2) جاك غستان، المطول في القانون المدني ، تكوين العقد ، ط2 ، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع ، 2008 ، ص261و270.

(3) محمد حسن قاسم: مرجع سابق، ص137و138.

(1) رو زان طالب السويطي: مرجع سابق، ص78.

(2) رو زان طالب السويطي: مرجع سابق، ص79.

(3) محمد حسن قاسم: مرجع سابق، ص140.

(1) اياد محمد جاد الحق: مرجع سابق، ص51و165.

(2) نبيل إبراهيم سعد: النظرية العامة للالتزام مصادر الالتزام، دار الجامعة الجديدة،2004، ص153الى156.

(1) رو زان طالب السويطي: مرجع سابق، ص94.

(2) نبيل إبراهيم سعد: مرجع سابق، ص286و287.

(1) يحيى بني طه، مرجع سابق، ص190.

(2) رو زان طالب السويطي: مرجع سابق، ص92و93.

(3) يحيى بني طه، مرجع سابق، ص257.

(1) نبيل إبراهيم سعد: مرجع سابق، ص324و325.

(2) مبارك محمد ذيب آل فطيح، مرجع سابق، ص 57.

(1) مبارك محمد ذيب آل فطيح، مرجع سابق، ص3.

(2) اياد محمد جاد الحق: مرجع سابق، ص292.

(1) رو زان طالب السويطي: مرجع سابق، ص30و31.

(1) اياد محمد جاد الحق: مرجع سابق، ص170.

(2) نبيل إبراهيم سعد: مرجع سابق، ص172.

(3) اياد محمد جاد الحق: مرجع سابق، ص173.

(1) نبيل إبراهيم سعد: مرجع سابق، ص173و174.

(2) اياد محمد جاد الحق: مرجع سابق، ص175.

(3) نبيل إبراهيم سعد: مرجع سابق، ص181.

(1) اياد محمد جاد الحق: مرجع سابق، ص321و322.

(2) نبيل إبراهيم سعد: مرجع سابق، ص315.

(1) اياد محمد جاد الحق: مرجع سابق، ص219.

Print Friendly, PDF & Email
اضغط على الصورة