أعلنت، أمس، وزارة العدل عن تعليق استقبالات المواطنين وتأجيلها إلى غاية إشعار آخر، نظرا، كما بررت ذلك “للحالة الوبائية التي تعرفها بلادنا هذه الأيام بسبب انتشار فيروس كورونا”. وحسب الوزارة “يمكن للمواطنين الراغبين في رفع انشغالاتهم التواصل مع الإدارة المركزية لوزارة العدل عن طريق موقعها الرسمي على الأنترنت من خلال فضاء “إتصل بنا”.

كشفت أزمة كورونا التي اجتاحت العالم، أن الدول والشركات الاقتصادية التي تجاوزت آثار تلك الأزمة الصحية، هي تلك التي كانت قد كونت “المواطن الرقمي”، ولذلك ففي الوقت التي وجدت دول نفسها بمعية شركاتها الاقتصادية تواجه شبح الإفلاس ويتعرض دخلها القومي إلى انهيار غير مسبوق في تاريخها، عرفت شركة “أمازون” الأمريكية، و”نتفليكس” زيادة في رقم أعمالها بأكثر من 20 بالمائة و57 بالمائة لكل منهما في فترة كورونا فقط، وذلك لأنهما استشرفتا المستقبل بشأن التجارة الإلكترونية، وهو ما تجسد في الأزمة الصحية، حيث اتجه العديد من الناس للتسوق وشراء منتجات التسلية والثقافة عبر الأنترنت، ليصرفوا على عمليات الشراء نحو 11 ألف دولار في الثانية.

ورغم أن وزارة العدل التي ألغت “استقبال الجمهور” بمقرها، وفتح باب التواصل عن طريق الأنترنت، وهو أمر جيد، غير أن ما سجله بعض المواطنين في ردودهم على قرار الوزارة، أنهم لم يتلقوا أي رد على انشغالاتهم عبر فضاء “اتصل بنا”، ولا يهم إن كان ذلك حدث أو لا، لأن القضية تخص هل حضرنا المواطن الجزائري ليتحول من الشكوى الورقية إلى “الرقمية”.

عند بداية إنتاج لقاحات كورونا، قبل سنة، أعلنت وزارة الصحة في شهر فيفري عن إطلاق أرضية رقمية لتسجيل الراغبين في التلقيح ضد كورونا، وعرفت العملية إقبالا واسعا، ليخرج وزير القطاع بعدها ليعلن أنه يمكن للمواطنين التوجه مباشرة إلى مراكز التلقيح، لأنه تم التخلي عن الأرضية الرقمية. هذا النوع من التخبط يطرح علامة استفهام كبيرة، كيف يمكن محاربة كورونا بإحياء وتشجيع التجمعات عوض مواجهتها بـ”الرقمنة”؟

وتشاء الصدف أن تتزامن قرارات المجلس الشعبي الوطني في تعليق جلساته بسبب كورونا، وأيضا تأجيل استقبال المواطنين من قبل وزارة العدل، مع تاريخ 23 جانفي 2020، الذي استيقظ فيه العالم على وباء اسمه “كوفيد 19” في وهان الصينية، قبل أن ينتشر في كل ربوع العالم، وهي فترة انقلبت فيها كل الموازين، بحيث جرى سباق ضد الزمن من أجل التأقلم مع واقع كورونا الجديد، إذ اعتمد نظام العمل عن بعد، في الشركات وفي التعليم، وعرفت التجارة الإلكترونية تطورا غير مسبوق، بل حتى السينما انتقلت من القاعات إلى البيوت من خلال ميلاد منصات تبيع الأفلام عن طريق الاشتراك على غرار ما فعلته “نتفليكس”.

في الجزائر، كان من المفروض أن تكون وزارة الصحة على رأس الوزارات المستخدمة للتكنولوجيا الرقمية في تسيير القطاع واحتياجاته، لكن هذا المجهود لم يستخدم حتى في ظل جائحة كورونا التي كانت بمثابة “ضارة نافعة” لكسر حاجز التردد والذهاب إلى نقطة اللارجوع في مجال الرقمنة، بحيث سرعان ما تخلت الوزارة عن أول منصة رقمية أنشأتها لتسيير عملية تلقيح المواطنين، لتعود إلى عادتها القديمة في برمجة مواعيد العلاج عن طريق الحضور إلى مراكز التلقيح دون موعد. ويطرح هذا السلوك السؤال: كيف استبقت وزارة الداخلية في رقمنة القطاع، واستغلت المهلة التي وضعتها منظمة الطيران المدني (2015)، لتعويض ملايين جوازات السفر العادية بأخرى بيومترية، وأيضا رقمنة بطاقة التعريف وجواز السفر وبقية وثائق الحالة المدنية، وجعلها في متناول المواطن الذي أضحى بإمكانه استخراجها عن بعد بواسطة الأنترنت، بينما عجزت كورونا عن إرغام وزارة الصحة، وهي وزارة أهم من وزارة الداخلية بالنسبة لحياة المواطنين، عن الالتزام حتى بما اتفقت عليه اللجان العلمية المكلفة بمتابعة كورونا، في اعتماد التباعد الجسدي لمنع انتشار الفيروس، بعدما تخلت عن الأرضية الرقمية لطلبات التلقيح، وفضلت دعوة المواطنين للتوجه مباشرة إلى مراكز التلقيح دون مواعيد و”أنت وحظك”، على نفس طريقة توزيع السميد والزيت..

هذه السياسة المنتهجة من قبل عدة وزارات ومؤسسات، في عز أزمة كورونا، تعطي الانطباع أن الجزائر بصدد تضييع المنعرج لتغيير “اللوجيسيال” بالانتقال إلى الرقمنة والتخلي عن التسيير البيروقراطي الذي تجاوزه الزمن، وأثبتت أزمة كورونا أنه لم يعد صالحا البتة لمرحلة ما بعد كورونا. ولا يفهم من ذلك، أن التحول إلى الرقمنة في مجالات الصحة والتعليم والبنوك والفلاحة والتشغيل وغيرها، بحاجة إلى موارد مالية كبيرة أو كوادر مؤهلة، فهي موجودة ومتوفرة، بل تؤشر إلى وجود مقاومة قوية لعدم الذهاب إلى الرقمنة، باعتبارها مرادفا للشفافية والوضوح. ما جعل الجزائر عوض الانتقال إلى الثورة الرقمية وإنشاء المجتمع المعلوماتي، ما تزال تعاني من الفجوة الرقمية. والأغرب في ذلك أن الجزائر كانت قد رفعت السقف عاليا، بحيث أنشأت لجنة معلوماتية للتحضير لما سمي بالحكومة الإلكترونية أو الحكم الإلكتروني، في وقت تفتقد أغلب الوزارات لمواقع إلكترونية بأتم معنى الكلمة، ومازالت تستهلك آلاف الأطنان من الأوراق سنويا.

فهل توجد وزارات أو مؤسسات حكومية تعمل على نهج التحول من وزارات “ورقية” إلى وزارات “إلكترونية”؟ يكفي الاطلاع على سجل البريد في مداخل الوزارات لمعرفة حجم الفجوة الرقمية التي تواجهها الوزارات السيادية، وليس الوزارات المنتدبة ولا أتحدث عن الولايات والبلديات. استعمال تكنولوجيا المعلوماتية والاتصالات يوفر الوقت والمال ويزيد الدخل القومي من خلال رفع نسبة النمو، ويحقق الرفاهية والعدالة والمساواة ويردم الفجوة المعرفية بين شرائح المجتمع، ومع هذا هناك من يقاوم عبثا هذا التغيير حتى لا يحدث التغيير.