Print Friendly, PDF & Email

مع انقضاء عدة شهور من التفاهمات الإنسانية التي تمت بين حماس وإسرائيل بوساطة مصرية، يتزايد الحديث الإسرائيلي أن الوساطة المصرية الجارية بين إسرائيل وحماس في غزة تخدم التوجه الاستراتيجي الإسرائيلي في القطاع، وتعتبره كنزا استراتيجيا يفرض نفسه على تل أبيب.

إسرائيل معنية بتثبيت الدور المصري في غزة من خلال فرضية إدارة الصراع، لأن اتفاق السلام الإسرائيلي المصري منذ أربعين عاما نجح في التصدي للتهديد الأمني في سيناء، ومواجهة الاختراقات الخارجية في البحر المتوسط، حتى بعد ظهور اكتشافات الطاقة الجديدة.

تأتي الشراكة المصرية الإسرائيلية في غزة دون التواجد العسكري المصري داخل القطاع، مما يعدّ لبنة جديدة في علاقات الدولتين، للعمل على تحييد المفاهيم الجهادية لحماس، مما يعني أن الدور المصري المتزايد في القطاع، لاسيما من خلال جهاز المخابرات العامة، يمثل قيمة استراتيجية واسعة لإسرائيل وشركائها المعنيين بترتيب أولوياتهم في المنطقة.

تقوم الشراكة الإسرائيلية المصرية في غزة، على نقل رسائل مباشرة لقيادة حماس، وهكذا تجري عملية دبلوماسية ثلاثية من مصر وإسرائيل وحماس؛ بهدف تحقيق تهدئة مستمرة قدر الإمكان، ولا تخفي إسرائيل تفضيلها للدور المصري الذي أثبت دوره في الحروب الأخيرة في أعوام 2008-2009، 2012، 2014، وبعض الجولات الصغيرة، وفي جميع المواجهات العسكرية نجحت مصر بكبح جماح حماس، خشية ذهاب إسرائيل لخيارات عسكرية برية في غزة من شأن تدهورها أن يهدد اتفاق السلام بين البلدين.

ورغم اختلاف دور مصر تجاه حماس بعهدي محمد مرسي 2012 وعبد الفتاح السيسي 2014، لكن يمكن القول إن سياستها اليوم نجحت بتفعيل المزيد من أدوات الضغط على حماس، لأن إسرائيل معنية قبل كل شيء بتعميق التعاون مع مصر، لأنها تصل اليوم لمستويات مثيرة للإعجاب.

مر اتفاق السلام المصري الإسرائيلي خلال الأعوام الأربعين بعدة اختبارات هامة: الهجوم الإسرائيلي على المفاعل النووي العراقي 1981، حرب لبنان الأولى 1982، الانتفاضتين الفلسطينيتين الأولى 1987، والثانية 2000، والمواجهات العسكرية مع الفلسطينيين خلال العقود الماضية، الهزات الأرضية التي عاشتها مصر في السنوات الأخيرة، وشكلت تهديدا لاتفاق السلام الذي نجح بالبقاء بسبب المصالح المشتركة.

دفع التهديد الأمني في سيناء، وزيادة النفوذ التركي شرق البحر المتوسط، كلا من القاهرة وتل أبيب إلى رفع مستوى تنسيقهما بصورة غير مسبوقة، وجاء تعاونهما الثنائي بغزة لتعزيز العلاقات، لأن انفجار الوضع بغزة قد يتسبب باندفاع الفلسطينيين للحدود المصرية، وهو سيناريو كابوس للقاهرة، مع أن الوساطة المصرية بغزة لن تكبل يد إسرائيل من أي عملية عسكرية ضد حماس وباقي المنظمات المسلحة.

بجانب التنسيق الإسرائيلي المصري، فما زالت الجغرافيا تفرض نفسها على علاقة حماس بالقاهرة بين كل جولة وأخرى، تتضح آثاره أكثر فأكثر كون مصر المعبر الوحيد لقطاع غزة الذي تديره حماس؛ مما يدفع الأخيرة للحرص أكثر من سواها على علاقة قوية متينة مع القاهرة، رغم ما بينهما من تباينات لا تخطئها العين.

لا تكاد علاقات حماس مع مصر تستقرّ على حالة واحدة؛ لأنّها تعيش وضعا من عدم الاستقرار والتذبذب، بين توتّر يوشك أن يعصف بعلاقاتهما ليوصلها إلى مرحلة القطيعة الكاملة، وفتور يحافظ على الحدّ الأدنى من التواصل.

مرت علاقة حماس ومصر بمراحل عديدة خلال العقد الأخير، ففي حين اتسمت بتوتر شديد خلال حقبة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، مما دفعها للترحيب بثورة يناير 2011 التي أطاحت به، وأعربت الحركة عن تفاؤلها بالثورة المصرية، وخرج الشعب الفلسطيني بمظاهرات عارمة ابتهاجا بنجاح الثورة المصرية.

أما مرحلة الرئيس المنتخب محمد مرسي، فقد شكلت شهر عسل لحماس لم يدم أكثر من عام، فقد أقامت الأخيرة في غزة احتفالات شعبية عارمة بفوز مرسي في الانتخابات الرئاسية التي شهدتها مصر في يونيو 2012، وتعززت علاقة الحركة بالقاهرة، إلى درجة دفعت الأخيرة لإيفاد رئيس وزرائها الأسبق هشام قنديل إلى غزة في ذروة الحرب الإسرائيلية على القطاع في نوفمبر 2012، وهي الزيارة التاريخية الأولى لمسئول مصري بهذا المستوى.

لكن العلاقات تدهورت بين مصر وحماس بعد الانقلاب العسكري الذي قاده عبد الفتاح السيسي ضد مرسي، وانحدرت علاقتهما بصورة أسوأ ما كان عليه الوضع في حقبة مبارك، وتمثل ذلك بإغلاق الأنفاق التجارية بين غزة وسيناء في 2014، وإعلان القضاء المصري أن حماس حركة إرهابية في مارس 2015، وشن حملات إعلامية قاسية عليها، واتهامها بالتورط في عمليات مسلحة شهدتها الأراضي المصرية في مرحلة ما بعد ثورة يناير 2011.

ورغم التأرجح الذي اتسمت به علاقة مصر وحماس خلال السنوات الأخيرة، لكن الحاجة العضوية بينهما، جعلهما مضطرين للوصول بهذه العلاقة إلى أقل مستوى من التوتر، وإن استطاعا تحسينها قدر الإمكان.

غزة بحاجة إلى مصر بسبب معبر رفح الحدودي بينهما للتواصل مع العالم الخارجي، المنفذ الوحيد تقريبا لسكان قطاع غزة، وكذلك للتزود بالبضائع والسلع التي لا تتوفر في القطاع، أما مصر فهي تحتاج حماس لضبط الوضع الأمني على الحدود المشتركة، ومواجهة المجموعات المسلحة في سيناء، التي تستهدف النظام المصري، وقد حققت حماس والمخابرات المصرية منذ 2017 تعاونا ملحوظا في هذا المجال.

يمكن القول إن تطور العلاقة بين حماس والنظام المصري الحالي، مرتبط بالمصالح بالدرجة الأولى، وتأمل مصر أن تعزّز حماس دورها بالتهدئة، وصفقة التبادل مع إسرائيل، ومصالحة فتح، وترجو حماس أن تبذل مصر جهودها لرفع اسمها من قوائم الإرهاب الأوروبّيّة والأميركيّة.

شهدت الأشهر الأخيرة مراحل من المد والجزر في علاقة حماس ومصر، آخرها الإفراج عن مختطفي حماس الأربعة، الأعضاء في جناحها العسكري، في فبراير، بعد أن مضى على اختطافهم داخل مصر قرابة أربع سنوات، فيما خرجت أصوات مصرية تهاجم حماس؛ رغم أن الحركة دأبت على إدانة العمليات المسلحة ضد الجيش المصري في سيناء، واعتبارها أعمالا إرهابية تستهدف أمن مصر واستقرارها.

كما أعلنت وزارة الداخلية بغزة التي تشرف عليها حماس في يونيو 2017، إنشاء منطقة أمنية عازلة على حدود غزة وسيناء، بطول 12 كيلومترا وعمق 100 متر، ونشر منظومة كاميرات وأبراج مراقبة، وشبكة إنارة كاملة، استجابة لطلب مصري لمنع المتسللين من استخدام الحدود المشتركة في التسلل من وإلى الأراضي المصرية؛ مما تسبب في قطيعة قاسية للعلاقات بين حماس والمجموعات المسلحة بسيناء.

باتت علاقة حماس مع مصر أكثر تماسا مع انطلاق مسيرات العودة بغزة منذ مارس 2018، وارتفاع التوتر الأمني بين حماس وإسرائيل، وخشية وصوله حد المواجهة المفتوحة؛ مما يستدعي تدخل الوسيط المصري باعتباره “طفاية حرائق”، كي لا تتوسع رقعة التصعيد العسكري، حيث تلجأ تل أبيب دائما للقاهرة للضغط على حماس لتخفيف المسيرات الشعبية، في ظل تأثيرها المتنامي على الحركة.

ويتزامن تقارب مصر مع حماس مع التحضيرات الأمريكية لإعلان صفقة القرن، مع تعويل الأخيرة على دورها بإقناع الحركة بأن يكون لها دور لإتمامها، وإن لم تنجح بجعل حماس تقبلها، فلا أقل من عدم معارضتها على الأرض.

لا يخفي المسئولون المصريون قلقهم من فقدان تأثيرهم في غزة، مع دخول أطراف قطرية وأممية على خط معالجة أزمتها الإنسانية، وظهور عدم ارتياح مصر من دخول المنحة المالية القطرية إلى غزة بقيمة 150 مليون دولار منذ نوفمبر 2018، وعدم تشجع مصر لإقامة أي ممر مائي أو ميناء لغزة بديلا عن معبر رفح.

ورغم التحسن الظاهري في علاقات حماس ومصر، لكن يصعب أن تصل إلى التفاهم الاستراتيجي، لما يحمله كل منهما من تباين واضح في العلاقة مع إسرائيل، وعملية التسوية، والتطبيع معها، والموقف من اصطفافات الإقليم؛ مما يرجح أن تبقى العلاقة في الإطار التكتيكي ([1]).


لقراءة النص بصيغة PDF إضغط هنا.