تعاني المنطقة العربية أكثر من أزمة في التعامل مع حاضرها، ناهيك عن الحيرة في تحديد البوصلة نحو استشراف المستقبل. فقد تحوَّلت آمال الانتفاضات العربية في التغيير السياسي الشامل عام 2011 إلى تفاقم الأوضاع السياسية والأمنية وتردي الأحوال الاقتصادية مما يثير المزيد من الضجر وخيبة الأمل لدى الشعوب، وأيضًا التلاعب السياسي على نطاق واسع بسبب الأداء الرديء لحكومات إسلامية وعلمانية وعسكرية وقومية وائتلافية وغيرها من أصناف الحكومات التي قدَّمت نفسها بديلًا بعد سقوط أنظمة ابن علي ومبارك والقذافي وصالح. وبعد ثماني سنوات من فورة الآمال عالية السقف، تحوَّلت قصة التغيير والإصلاحات الديمقراطية في العالم العربي إلى حكاية لا متناهية. وتجد المجتمعات العربية نفسها تتعثر أمام عملية الانتقال من وضع تُسمِّيه أدبيات علم الاجتماع السياسي “التحرر من” (freedom-from) (الحرية السلبية كناية عن المطالبة بتغيير الأنظمة القائمة عام 2011) إلى تحديد وضع “التحرر إلى” (freedom-to) (تركيب نظام سياسي بديل بعد الانتفاضة أو الثورة). فكيف يمكن لهذه المجتمعات أن تتحوَّل من الوضع الأول الذي ينطوي على “حرية وصفية” (descriptive freedom) إلى تحديد آليات العمل السياسي من منطلق “حرية تقييمية” (evaluative freedom) في حقبة ما بعد الانتفاضات؟

يمكن تعقُّب أصل هذا المفهوم “التحرر من وإلى” إلى أعمال إيمانويل كانط (Immanuel Kant) في أواخر القرن الثامن عشر، وفي المقام الأول “ميتافيزيقيا الأخلاق”. كما تم تطويره في وقت لاحق من قِبَل عالم النفس الاجتماعي، إريك فروم (1900-Erich Fromm) (1980)، في كتابه: “الهروب من الحرية” في عام 1941، وكذلك المنظِّر السياسي، أشعيا برلين (1909-Isaiah Berlin) (1997)، في محاضرتين عن مفاهيم الحرية ألقاهما في جامعة أكسفورد في عام 1958. يُعرِّف برلين الحرية، بالمعنى السلبي، بأنها “إجابة على السؤال: “ما المجال الذي يُترك أو يُترك فيه الشخص -أو مجموعة من الأشخاص- لما يمكن أن يفعلوه أو يكونوا عليه، دون تدخل من قبل الآخرين”.

مع مطلع عام 2019، تبدو جلُّ الدول العربية عالقة داخل مثلث مظلم وخانق يتوالد الضغط بفعل تقارب أضلاعه الثلاثة:

1- دينية الخطاب السياسي: كناية عن دور حركات الإسلام السياسي التي تكرِّس منحى أيديولوجيًّا يستغل سماحة الدين لتحقيق طموحات سياسية.

2- توحش السلطة: في إشارة إلى مقاومة أصحاب النفوذ السياسي والمالي لمشروع التغيير وعودة الدول العميقة وتبريرها سياسة التخوين والشيطنة والإقصاء لمعارضيها سواء كانوا من الإسلاميين أو من سواهم تحت ذريعة “مقاومة التطرف” أو “مكافحة الإرهاب”.

3- نكوص الهويات الوطنية في أغلب الدول العربية وقيام عصبيات جديدة تتمحور حول الطائفة أو المذهب أو الأصل العرقي أو اللغة وشتى الفوارق الضئيلة بين شيعة مقابل سُنَّة، وإسلاميين ضد حداثيين، وتعريبيين ضد تغريبيين، وأمازيغ ضد عرب وغيرها من أصناف التخندق الهُوِيَّاتِي.

تركز الدراسة على تحليل الديناميات البنيوية والاجتماعية والثقافية التي تتحرك داخل أضلاع المثلث المجازي، وتفكيك العوامل التي دفعت المنطقة العربية إلى مأزق التحديات والتخبط السياسي حتى في تونس التي يعتبرها البعض قصة النجاح الوحيدة في الانتفاضات العربية. ثمة أكثر من سؤال يطرح نفسه بإلحاح في مستهل العام الثامن بعد الانتفاضات: كيف انتهى الأمرُ بالمنطقة العربية إلى هذه الحال دون استكمال دورة الانتقال السياسي؟ ولماذا يتركز كل هذا العنف والصراع في منطقة ذات بُعد استراتيجي، تقع في قلب العالم وتحظى بموارد طبيعية وبشرية هائلة؟ لماذا يظلُّ العجز الهائل في مشاريع الإصلاحات الديمقراطية وفي الكياسة عند الاختلاف وأخلاقيات الخطاب العام في هذه المنطقة؟

تهتمُّ هذه الدراسة بالبحث فيما يمنع المجتمعات العربية من أن تختطَّ مسارًا سهلًا يأخذها إلى الحداثة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية؟ وهل ثمة أي أفق حقيقي لعصر عربي تنويري يساعد العالم العربي في مرحلة المخاض قبل ولادة ديمقراطية عربية؟ وتقترح الدراسة أيضًا بضع خلاصات حول تداعيات ما يمكن اعتباره عصرًا جديدًا للطائفية وبقية تحديات التحديث والإصلاحات الديمقراطية في العالم العربي.

وترى أن التحدي الرئيسي يظل حاليًّا في كيفية تنظيم العرب للعلاقة بين الدين والدولة، ومن يفترض أن يكون الوصي على ذلك المسار. هناك سجال بشأن ما يعنيه الإسلاميون بتفسيرهم المبدئي بأن الإسلام دين ودولة. وهنا يبرز السؤال: هل الانتفاضات استجابة رُشدية (من ابن رشد) للتخلف من خلال العلاقة التاريخية والحضارية مع فلاسفة عصر التنوير الأوروبيين أمثال إيمانويل كانط؟ وهل هم مدفوعون لطلب حداثة عربية مستنيرة في نمط مماثل للثورة الفرنسية عام 1789 الذي تم تعزيزه بقيم التنوير أم أنهم سيرفضون مثل هذا الإسقاط، ويعرِّفون “تنويرهم” من خلال دمج الإيمان والعقل والشريعة والديمقراطية والمسجد والدولة؟

إن فلسفة التنوير ترتكز على مبدأ ترشيد العلاقة بين الدولة والدين، وتدعو إلى فصلهما عن بعض، ويجادل كانط بأن “درجة أكبر من الحرية المدنية تبدو مفيدة للحرية الروحية للشعب. ومع ذلك، فإن أولاهما تنشئ حدودًا صارمة للأخرى. وفي المقابل، توفر درجة أقل من الحرية المدنية مساحة كافية للجميع لتوسيع قدراتهم بشكل كامل”. وعلى أية حال، لا ترسم الرؤية الكانطيَّة ولا الرشديَّة خطوطًا واضحة لهذا الفصل الذي يظل ضبابيًّا تمامًا في جميع عمليات إعادة تنظيم المجتمعات المستندة إلى عصر التنوير”.

ويبرز بعض العلماء هذا الانتقال، أو سلسلة التحولات، ضمن التحديث “من اقتصادات الكفاف البدائية إلى الاقتصادات الصناعية كثيفة التكنولوجيا؛ ومن الخضوع للثقافات السياسية التي تنفتح على فكرة المشاركة، ومن الأنظمة المغلقة إلى الأنظمة المفتوحة الموجهة نحو الإنجاز؛ ومن القرابات الممتدة إلى وحدات القرابة الضيقة، ومن الدين إلى الأيديولوجيات العلمانية. وما إلى ذلك”. ومن ثم، يحتاج المرء لقفزة في الخيال التاريخي لاستحضار فيلسوف من القرن الثامن عشر مثل كانط للتفكير في واقع المجتمعات العربية في القرن الحادي والعشرين، ومشاركته في المناقشات العامة الحالية في المنطقة من المغرب إلى العراق؛ وكذلك بين المغتربين في القارات البعيدة التي تدور حول الحرية وحقوق الإنسان والفرص الاقتصادية المتساوية، والدعوة لتكريس التفكير النقدي. يبرز كانط كفيلسوف للحرية وهو القائل: إن “إمكانية تحقيق الحرية هي قضية سياسية بامتياز”.

هناك أيضًا صراع عربي مع مسألة “التحرر من/والتحرر إلى” والتي تنطوي على بعض التحديات. فكيف يمكن للعرب أن يتحولوا من الحرية الوصفية التي فقدوها في ظل أنظمتهم المنتهية ولايتها، إلى الحرية التقييمية في ظل حكومات ما بعد الانتفاضات؟ بعد تجربة التجاذبات، يتردد معظم العرب أمام الجزء الثاني من الإطار الثنائي للحرية المقصودة: الحرية إلى [الحرية الإيجابية] بعد الدفع من أجل حريتهم من [الحرية السلبية]. ويبدو أن سفينة حقبة ما بعد الانتفاضات ستبحر حسب التوجهات المختلفة لربابين السياسيين الجدد نحو مجموعة متنوعة من الأصوليات، أو الاستبدادات الجديدة، أو الحداثات إما على أمل أو مقاومة نظرية الديمقراطية العربية. كما ستواجه تحدي تقدير الفترة الزمنية قبل أن يستقر التغيير الحقيقي على هياكل سليمة وقيادات مستنيرة وتفاعل إيجابي بين المطالب من أسفل إلى أعلى والتوقعات والسياسات والقدرات من الأعلى إلى الأسفل في المنطقة. وسوف يتشكل مستقبل المجتمعات العربية بنتيجة ما يمكن تسميته جدلية جديدة بين الدين الإسلامي والديمقراطية. كما أن التبسيط المفرط في التلويح بمواجهة واحدة بين الإسلاموية والعلمانية يؤدي إلى تجاهل الاختلافات الدقيقة بين أصناف التيارات المحافظة أو التقليدية في الخطاب الإسلامي، وكذلك مسألة الحداثة ضمن حجج الرؤى المضادة. ومع ذلك، فإن غير الإسلاميين يظلون مسلمين محافظين على وجهة نظرهم الإسلامية السائدة عن الحرية والمجتمع والدولة بذهن متفتح للتحول الحضاري للحداثة العالمية.