في الثامن مايو 1945 خرج الشعب الجزائري إلى الشوارع بنية الاحتفال بانتصار الحلفاء على دول المحور وإعلان انهزام النازية الألمانية والفاشية الايطالية، مبتغيًا من وراء ذلك اغتنام فرصة الاحتفال العالمي لتوجيه رسالة إلى فرنسا مطالبًا إياها بحقه المشروع في الاستقلال، وبخروج المستعمر الفرنسي من الأرض التي احتلها سنة ,1830 لكن آمال الجزائريين خابت بإخلاف المستعمر لوعوده.

 كانت الاستجابة لمطلبهم، بأن واجهت الآلة العسكرية الفرنسية. المظاهرات السلمية التي نظمها الجزائريون بالعديد من مدن الوطن بالتقتيل الوحشي والاعتقال الهمجي، وصوب بوليس الاستعمار و”الكولون” الفرنسيين نيران أسلحتهم صوب المواطنين العزل، مستهدفين كل من يرفع شعار الحرية للجزائر، فكانت الحصيلة أن سقط في ميدان الشرف أكثر من 45 ألف شهيد، واعتقلت السلطات الاستعمارية 10 آلاف جزائري حكمت بالإعدام على العديد منهم _ ووصلت الإحصاءات الأجنبية إلى تقديرات أفظع بين (خمسين وسبعين ألف) قتيل من المدنيين العزل فكانت مجزرة بشعة على يد الفرنسيين الذين كثيرًا ما تباهوا بالتحضر والحرية والإنسانية.

 إن مظاهرات ومجازر الثامن من مايو 1945 كانت القطرة التي أفاضت الكأس وتيقن الجزائريين أن المستعمر الفرنسي لا يفهم لغة الحوار وكل وعوده وشعاراته بالمساواة والديمقراطية هي شعارات كاذبة وما أخذ بالقوة لا يسترجع سوى بالقوة. فكانت الشرارة التي مهدت للثورة الجزائرية.وكانت أكثر المدن تضررًا (سطيف, قالمة, وخراطة).

 لعل من أهم أحداث الثامن من مايو 1945، التي لم تكن محل عناية من طرف المؤرخين لحد اليوم، هي تلك التي وقعت في بلدة بني عزيز التي كانت تعرف فــي ذلك الوقت ب “شوفرول”  بني عزيز، بلدة صغيرة (20 ألف ساكن)، تقع على سفح جبل سيدي ميمون على ارتفاع 1.646  متر وتبعد بخمسين كيلومتر عن مدينة سطيف. أنشئت سنة 1898 وأطلق عليها أسم (Chevreul ).

 انتشر خبر الاعتداء على المواطنين المسالمين في سطيف بسرعة عبر كل المشاتي والدواوير ،كما انتشرت فكرة المناداة للجهاد. في يوم العاشر من مايو، كان نبأ تحرير بني عزيز قد انتشر في كل أنحاء المنطقة، وهرع حتى سكان الجهات النائية إلى البلدة التي أصبحت محررة إلا من ثكنة الجندرمة. في يوم الحادي عشر من مايو، وصلت وحدات من الجيش الفرنسي بقيادة العقيد بورديا، إلى مشارف بني عزيز، فنصبت المدفعية وراحت تدك القرى والمشاتي المحيطة (الريايشة، أولاد يعقوب، أولاد الحاج…)، ولما دخلت هذه الوحدات البلدة عمدت إلى حرق كل مساكن ومحلات “الأهالي” الذين فروا إلى أعالي جبال بابور وجبال الحلفه. والجيش الفرنسي، أثناء تقدمه وانتشاره، كان يحرق كل دار أو قرية يمر بها، ويقتلع كل شجرة يصادفها، ويقتل كل جزائري يجده في طريقه، حتى لو كان هذا الجزائري شيخًا هرمًا تجاوز المائة أو طفلًا رضيعًا. ويسمى هذا التاريخ في بعض المصادر بأحداث الثامن من مايو 1945، بينما يسميه الباحثون ب”المجازر”، ذلك أن تلك الأحداث لم تكن عادية أو مجرد مظاهرات أو مسيرة، بل كانت مجزرة وجريمة ضد الإنسانية بمعنى الكلمة، ارتكبت في حق مواطنين عزل.

 مهما يكن من أمر، فإن مجازر الثامن من مايو 1945، وما ترتّب عليها من مآس وويلات للشعب الجزائري، ومحاولة تشتيت الحركة الوطنية بالقمع والسجن والتشريد، لم تجد حكومة المحتل فرصة للرجوع إلى سياسة الإصلاحات، كما كان يريدها أصحاب البيان، ولكن حاولت ربح الوقت ولو بشيء بسيط من تحسين صورتها أمام الرأي العام الدولي. غير أن تلك المجازر كانت بمثابة بداية النهاية بالنسبة للتواجد الاستعماري الفرنسي في الجزائر الذي واجه فيما بعد عملًا مسلحًا منظمًا شرع في التأسيس لنواته منذ ذلك التاريخ، حيث ساهمت تلك الأحداث الدموية التي انتشرت بكل أنحاء مناطق الشرق الجزائري بعد أن انطلقت من سطيف وخراطة وقالمة، في انتقال الحركة الوطنية من مسارها السياسي نحو التوجه العسكري بإنشائها المنظمة السرية عام 1947 بقيادة محمد بلوزداد، والتي بلورت عملها إلى ثورة اهتز لها أركان المستعمر وحكوماته المتعاقبة التي فشلت في إخماد لهيبها بالرغم من وحشية كل الأساليب التي استعملها.

 وعمدت فرنسا الاستعمارية في إطار ممارستها التعتيم الإعلامي حول تلك الأحداث إلى الإعلان عن مقتل (1340 شخصًا) فقط في تلك المظاهرات وذلك في محاولة منها للتخفيف من حدة النتائج الوخيمة على المتظاهرين، إلا أن كتابات المؤرخين المستمدة مما أتيح من أرشيف واستنادًا لشهادات حية لمناضلين عايشوا تلك المجازر الوحشية، تؤكد بأن عدد الشهداء لم يقل عن (45 ألف شهيد)، كاشفة بأن السلطات الاستعمارية تخلصت من جثث ضحايا مجازرها في الثامن من مايو 1945 بقالمة، برميها في أفران الجير بمدينة ”هيليوبوليس” والتي لا تزال موجودة إلى حد الآن وشاهدة على فظاعة الأحداث، وذلك لإخفائها عن لجنة التحقيق التي أعلن عن تشكيلها برئاسة الجنرال ”توبارت”.

 إلى كل تلك الممارسات أيضًا لا يتردد بعض المسؤولين الرسميين في قلب مسار التاريخ من خلال تحميل جيل الثورة مسؤولية توتر العلاقات بين الجزائر وفرنسا، بدل التحلي بروح المسؤولية وروح المبادئ المزعومة التي بنيت عليها أسس الجمهورية الفرنسية والنظر في ما يطلبه الجزائريين من حق في الاعتراف والاعتذار والتعويض عن جرائم سيظل التاريخ شاهدًا عليها، متناسين بالتالي بأن سياسة الهروب إلى الأمام وكل تأخير في الاستجابة للمطالب المذكورة لن يعمل سوى في تمديد بقاء تلك الحقبة السوداء من التاريخ وصمة عار على جبين الدولة الفرنسية. 

د.محمد عبدالرحمن عريف