مقام الشهيد أو رياض الفتح، الذي أراد له الساسة في الجزائر أن يكون الواجهة التي تطبع العهد الجديد لجزائر ما بعد الاستقلال ورمزا يخلد بطولات شهداء واحدة من أعظم الثورات على وجه الأرض، احتل مكانة امتيازية في مخيلة الجزائريين وحتى كثير من الأجانب، فقد شدهم إليه على مدى عشريات، وكان وجهة مفضلة للرفاه والتنزه والتسلية، فعلى أرضه ومحيطه يتقاطع أيضا التاريخ مع الثقافة والسياحة والجمال، لكن الزائر اليوم لرياض الفتح يجده خاويا على عرشه، فقد توقف تدفق الزوار على المكان وعسكر الركود بعد أن أغلقت عشرات المحلات أبوابها وتراجعت ثقة الناس في المكان في غمرة الغلاء الفاحش وغياب الأمن وبروز معالم ترفيهية أكثر جاذبية منه، في ظل غياب تصور من وزارة الثقافة لمد الروح من جديد في هذا المكان.

حيثما وليت وجهك وأنت تقصد الجزائر العاصمة، برا وبحرا وجوا، فثمة مقام الشهيد، هذا المعلم التاريخي العنيد في شموخه بهضبة الحامة، حاضر في كل لحظة فاتحا شرخا في ذاكرة الجزائريين، كما لو أنه يذكرهم أن التاريخ قد مر من هنا على يد الرجال الشهداء ممن صنعوا واحدة من أعظم الثورات على وجه الأرض.

وتشير مراجع تاريخية إلى أن اختيار هضبة الحامة لم يكن بمحض الصدفة، ولو أن الرئيس الراحل هواري بومدين، كان يفضل إنجاز النصب التذكاري بعاصمة الأوراس، باتنة، ومع ذلك وقع الاختيار على العاصمة لاعتبارات تاريخية وإستراتيجية.

العاصمة بدل باتنة

وبين الأسباب التي على أساسها اختيرت هضبة الحامة لاحتضان الصرح، أنها شهدت عدة معارك تاريخية، بينها معركة ضد الحملة الصليبية التي قادها “شارل لوكان” على الجزائر في الـ23 من شهر أكتوبر من عام 1541. وتشير خطاطات تاريخية إلى أن الطلقات المدفعية الآتية من الهضبة حطمت سفن شارل لوكان وأجبرتها على العودة، أنه خلال فترة الاحتلال الفرنسي للجزائر، اختارت مجموعة الـ22 الاجتماع في هذه الهضبة في الـ24 من شهر جوان من عام 1954 قصد التحضير لاندلاع الثورة التحريرية، كما كانت الهضبة التي تحتضن اليوم النصب التذكاري مكانا اتخذه الاستعمار لتعذيب الجزائريين والتنكيل بهم في مكان عرف بـ(فيلا سوزيني).

فكرة بومدين

والحاصل أن الرسام الشهير بشير يلس، المنحدر من ولاية تلمسان، تلقى فكرة بناء مجسم أو معلم يخلد بطولات شهداء الثورة التحريرية من الرئيس الراحل هواري بومدين، لذلك خطط رفقة مهندسين من مؤسسة (لافالين) الكندية لبناء الصرح التذكاري.

وتشير مراجع تاريخية إلى أن المؤسسة الكندية التي كلفت بهندسة وبناء مقام الشهيد، وجدت نفسها في حرج كبير بعد أن طلب منها إنجاز المشروع في غضون تسعة أشهر؛ وذلك لأجل أن يصادف يوم تدشينه الـ 5 من شهر جويلية، الموافقة للذكرى الـ20 لاستقلال الجزائر، وقد دشنه الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد سنة 1982، ودخل الخدمة سنة 1986.

مقام الشهيد وبرج إيفل

وإذا قورن مقام الشهيد ببرج إيفل الفرنسي، نقول إن مقام الشهيد بني بالأسمنت المسلح وله ثلاثة أعمدة تأخذ شكل سعفات نخيل، يبلغ طول الواحدة منها 97 مترا، وتلتقي كلها عند ارتفاع يبلغ 47 مترا، فيما بني برج إيفل الفرنسي بالحديد، وتشير مراجع تاريخية إلى أنه تم اختيار أجود أنواع الحديد في بنائه سنة 1889 على يد المهندس غوستاف إيفل، وهو الحديد الذي تم اختياره بعناية وتم اقتناؤه من الجزائر، يصل طول البرج إلى 324 متر، يحتوي على ثلاثة أقسام مخصصة للزوار والسياح.

لقد توقع غوستاف إيفل، المهندس المسؤول عن بناء البرج، أن يزور البرج سنويا 500 ألف زائر، لكن الواقع فاق توقعه، وقدر عدد الزوار عند افتتاحه بـ6 ملايين زائر، ويشترك مقام الشهيد وبرج إيفل في نقطة واحدة، هي أنهما جعلا من شهر جويلية شهرا للاحتفال، ففيما تحتفل الجزائر يوم الـ5 من جويلية بعيد الاستقلال، تحتفل فرنسا يوم الـ14 من الشهر ذاته بعيد الثورة الفرنسية.

الشاذلي أراده في العالية

ومع ذلك، يقول المهندس المعماري والمدني السويسري، جون جاك دولوز، الذي توفي سنة 2008، وهو صديق وزير البيئة الأسبق شريف رحماني في أحد كتبه، يقول إن الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد، كان يرغب في إقامة النصب التذكاري للشهداء بالقرب من مقبرة العالية، المكان الذي يرقد فيه الرئيس هواري بومدين صاحب فكرة الصرح التاريخي.

والحاصل، أن مقام الشهيد أو رياض الفتح، له ملاحق تأخذ شكل مركب ثقافي ترفيهي وتجاري، يشمل متحفي المجاهد والجيش وقاعات للسينما ومطاعم، ومحلات الألبسة والحانات والصناعات التقليدية، وفضاءات للعب وأخرى مفتوحة على الهواء الطلق المستخدمة للمسرح، وصولا إلى غابة الأقواس.

كان وجهة مفضلة

ويقول بعض من أبناء المدنية، إن هذا المكان مارس تأثيره المنقطع النظير على الجزائريين القادمين من كل الولايات، وحتى الأجانب، في السنوات التي سبقت الألفية، واحتل مكانة امتيازية في مخيلتهم وتربع على عرش الأماكن المفضلة لديهم، فقد كانت الحشود البشرية تتدفق إليه مثل أسراب النحل ليل نهار، وكان الوجهة المفضلة لمن يزور مدينة الجزائر، سواء من أبناء الجزائريين أو القادمين من الخارج، بل وزاره عديد الرؤساء والملوك وشخصيات بارزة، فهو الصرح الذي يميز العاصمة عن باقي ولايات الوطن.

فمن مرتفعات المدنية، مكان تواجده، يلمحه الزائر للعاصمة، وعلى مرمى حجر منه، تتواجد غابة الأقواس وديار المحصول، فيما يطل على حي الحامة ببلوزداد وعلى حديقة التجارب إلى الشمال الشرقي، موقع مفتوح على البحر عن الهوائية، فمن تلك الهضبة ترى الجزائر البيضاء منشرحة أمامك وهي تعانق زرقة البحر، ما يجعل المكان متنفسا أو مقصدا لابد منه للباحثين عن الراحة والاستجمام في عاصمة أنهكها الازدحام، تحول فيها الإنسان إلى كائن مضغوط في ظل قلة الفضاءات المخصصة للعائلات.

محلات مغلقة…!

لكن الداخل اليوم إلى رياض الفتح ليس كالخارج منه، ففي حدود الساعة الحادية عشرة صباحا، كان فضاء رياض الفتح خاليا على عروشه، ماعدا عدد من أطفال إحدى المدارس الابتدائية ممن تجمعوا في محيط متحف المجاهد، فيما يتلاحق بين لحظة وأخرى شبان إلى ساحة ومحيط المقام لأخذ صور تذكارية، في حين تقلص حتى عدد العائلات التي اعتادت ارتياد المكان، بينما كان شريط واسع من المحلات التجارية مغلقة الأبواب، في مشهد زاد من عزلة الفضاء التجاري، في منظر صادم بعد أن عسكر الظلام على أجنحة أخرى من ذاك الفضاء، باستثناء بعض محلات بيع البيتزا التي تكسر صمت المكان… فهل اكتشف الناس وجهات أخرى أكثر جاذبية منه، بعد بروز كثير من مراكز التسوق ومنتزهات أخرى، كالصابلات؟

“الناس هجروا المكان.. “

يقول رياض، وهو عون أمن برياض الفتح، إن المكان أصبح مهجورا منذ سنوات عديدة.. فرغم حرص القائمين على تسيير هذه المركب، على توفير الأمن، إلا أن فضاء رياض الفتح فقد حيويته ونشاطه…”، قبل أن يواصل “بإمكانك أن تتجول قليلا وتلاحظ بعينيكما إذا كان هناك زوار، الناس ما عادوا يفضلون التوجه إلى رياض الفتح، المكان خال، لذلك يجب التفكير في إعادة الروح إليه.. فكل شيء مات فيه، سواء التجارة أو الترفيه أو الألعاب، وحتى ما هو متعلق بالثقافة..”، ويضيف “الجناح الذي لازال صامدا هو جناح المطاعم والحانات التي تشتغل، خصوصا بالليل..”.

التسعينيات.. العصر الذهبي

ومع أن البعض يرى أن رياض الفتح خرج عن إطاره الذي حدد له عند إنجازه، باقتصار نشاطه في تسعينيات القرن الماضي على نشاط الملاهي الليلية ولازال محافظا على ذات الصفة، يرى البعض من أبناء حومة (صالومبي) وديار المحصول، أنه برغم سنوات الفوضى والجنون الناجمة عن سنوات الإرهاب الأعمى، إلا أن مقام الشهيد كان وجهة لآلاف الزوار، لإشباع فضولهم برؤية هذا المعلم الذي هو في الحقيقة تعبير عن توجه اقتصادي جديد وأيديولوجية جديدة، كان حافلا بالحياة ليل نهار: “فالخوف لم يغير معسكره بمقام الشهيد الذي كان يستضيف أشهر مطربي الرأي آنذاك، مثل الشاب خالد، ومامي، والزهوانية، وحتى مطربي الغناء الشعبي..”، يقول نبيل، قبل أن يقاطعه زميله فؤاد “كان الشباب وطلاب الجامعات يرقصون على أنغام أغاني الشاب خالد والزهوانية حتى الصباح، وهي رسالة مشفرة إلى فلول الإرهاب على أن الحياة أقوى من وباء اليأس والبؤس، وأن الجزائر مازالت صامدة وقوية… القائمون على تسيير رياض الفتح كان لديهم تصور عن جعل المكان ينبض بالحياة، ولو من جانب تنظيم المهرجانات والسهرات فقط…”.

ملابسات..!

ومع أن القائمين على تسيير مركب رياض الفتح لا يفوتون أي فرصة إلا ويعبرون عن طموحهم ومساعيهم لمد الروح من جديد في مقام الشهيد ومحيطه، كونه مركبا ثقافيا وتجاريا، ورمزا تاريخيا، ولاسيما بعد إعادة النشاط لعدد من دور السينما وألعاب الأطفال، بعدما كانت مرتعا للمنحرفين والشروع في إشاعة أجواء الأمن داخل مركب رياض الفتح بتوظيف بعض الأعوان، إلا أن غياب الثقة لدى الزوار نتيجة غياب الأمن، ولاسيما بغابة الأقواس، جعل عديد المحلات تغلق أبوابها، في سياق ما تتحدث عنه مصادر بشأن ملابسات عديدة تسكن مواقع كثير من التجار ممن أقدموا على غلق محلاتهم، في وقت لا تزال فيه محلات أخرى محل متابعات قضائية، فيما لا يزال الغموض يكتنف إلغاء عديد المهرجانات الثقافية والفولكلورية.

غابة الأقواس.. خطر!

تشير عائشة، وهي صاحبة محل، إلى أن الجانب الترفيهي والتسلية أصبح غائبا تماما: “لم يعد لدينا الحق في الوصول إلى غابة الأقواس للمقام، هناك اعتداءات وتحرشات، أنا لا أجرؤ على اصطحاب أبنائي إلى ذلك المكان كما كانت الأمور أيام زمان، بل وهناك حتى سرقة…”، قبل أن تضيف: “بل هناك غلاء فاحش برياض الفتح، المواطنون البسطاء ليس بمقدورهم شراء أي شيء، بما فيها الدخول إلى أبسط محل لبيع البيتزا، الغالبية العظمى منهم تقتني غذاءها معها وتأخذ صورا تذكارية، ثم تلتحق ببيوتها، والمبرر أن التجار يتحججون بارتفاع قيمة الإيجار…”.

لمن استطاع إليه سبيلا..

يقول بعض من يعرفون رياض الفتح إن هذا الموقع أنجز ليكون مرتعا لطبقة النموكلاتيرا وأبنائها القادرين على اقتناء وشراء مختلف الألبسة العالمية ومختلف الحاجات التي لا يجرؤ أبناء الشعب على شرائها، ممن يكتفون في غالبية الأحيان بإشباع فضولهم والتفرج على واجهات المحلات والاكتفاء بأخذ صور تذكارية، فهو المقام لمن استطاع إليه سبيلا.

اعتداءات وسرقة..!

ومع أن مقام الشهيد أو رياض الفتح، أنجز ليسهم في صناعة بهجة العاصمة ووجهها المميز، إلا أن إسماعيل الذي يسهر على تنظيف محيط المقام يقول “أنا ابن المدنية، أسكن قبالة المقام، أنا شاهد على العصر الذهبي لهذا المكان الذي كان يعج بالحيوية، لكنه اليوم فقد الحياة بعد أن هجره الناس، لأنهم فقدوا الثقة… نتيجة غياب الأمن، خصوصا وأن الاعتداءات والسرقة لا تزال تميز غابة الأقواس..”، قبل أن يواصل “الجانب التجاري أصبح ميتا، سواء الصناعات التقليدية أو محلات الألبسة أو المطاعم أو محلات البيتزا.. فأين هو النشاط الذي كان يميز مطاعم حيزية، والبستان، والصومام، وفيجي مايا، وثريونغل؟ لذلك، فوزارة الثقافة هي المعنية بإيجاد الوصفة الملائمة لبعث الروح في رياض الفتح.

نسينا أننا بلد متوسطي…

يطرح الوضع الذي يواجهه مقام الشهيد ليكون الوجه المشرق للعاصمة تساؤلا أكبر عن سبب عدم فتح هذا المركب الثقافي التجاري والسياحي أمام المستثمرين الحقيقيين لبعث النشاط في هذا المكان، وفق توجهات جديدة بدل الأطر التقليدية القديمة التي تتغذى على البيروقراطية وتسيير المؤسسات الثقافية السياحية على نحو ما تسير به البلديات.

فرغم كوننا بلدا متوسطيا مفتوحا على كل الثقافات، إلا أن ذهنية الانغلاق أغرقت البلاد في ما هو محلي ونسينا امتدادنا ضمن شعوب البحر الأبيض المتوسط.