محاضرات في تاريخ الماركسية

بقلم د. ريازانوف

تقديم

المحاضرة الأولى [مدخل – الثورة الصناعية في إنكلترا- الثورة الفرنسية الكبرى وأثرها في ألمانيا]

المحاضرة الثانية [الحركة الثورية في ألمانيا في 1830 – الراينلاند – سنوات مراهقة ماركس وانجلز – كتابات انجلز الأدبية – ماركس محرر «الصحيفة الراينية».]

المحاضرة الثالثة [الصلة بين الاشتراكية العلمية والفلسفة –المادية – كانط – فيخته – هيغل -فيورباخ – مادية ماركس الجدلية –الرسالة التاريخية للبروليتاريا].

المحاضرة الرابعة [نقد وجهات النظر الشائعة عن تاريخ «رابطة الشيوعيين» – ماركس منظما – الصراع ضد فيتلنغ – تأسيس «رابطة الشيوعيين» -«البيان الشيوعي» – المساجلة مع برودون].

المحاضرة الخامسة [ثورة 1848 الألمانية – ماركس وانجلز في الراينلاند –إ نشاء «الصحيفة الراينية الجديدة» -غوتشالك وفيليش – اتحاد كولن العمالي – سياسة «الصحيفة الراينية الجديدة» وتكتيكها – ايتيين بورن – انعطاف في تكتيك ماركس – هزيمة الثورة وخلافات في الآراء في «رابطة الشيوعيين» – الانشقاق].

المحاضرة السادسة [الردة من عام 1852 إلى 1862 -«تريبيون» النيويوركية – حرب القرم – آراء ماركس وانجلز – المسألة الإيطالية – مناقشة ماركس وانجلز مع لاسال – المناظرة مع فوغت – موقف ماركس من لاسال]

المحاضرة السابعة [أزمة 1857-1858 – نمو الحركة العمالية في إنكلترا وفرنسا وألمانيا –معرض 1862 الكوني في لندن – الحرب الأهلية في أمريكا – أزمة الصناعة القطنية – الانتفاضة البولونية – تأسيس الأممية الأولى – دور ماركس -«الخطاب الافتتاحي»].

المحاضرة الثامنة [دستور الأممية الأولى – اجتماع لندن – مؤتمر جنيف – مذكرة ماركس التقريرية –المؤتمران الأمميان في لوزان وبروكسيل – باكونين وماركس – مؤتمر بال – الحرب الفرنسية البروسية – عامية باريس – الصراع بين ماركس وباكونين – مؤتمر لاهاي]

المحاضرة التاسعة [انجلز يستقر في لندن – دوره في المجلس العام – مرض ماركس – انجلز يحل محل ماركس – «الآنتي-دهرينغ» – آخر سنوات ماركس – اهتمام ماركس بروسيا – انجلز ينشر مؤلفات ماركس بعد وفاته – دور انجلز في عهد الأممية الثانية – وفاة انجلز].

تقديم

بناء على اقتراحي، قررت شعبة الدعوة التابعة للجنة موسكو لحزب روسيا الشيوعي [40] في أيار 1922 تنظيم دورة دروس قصيرة الأمد عن الماركسية في نطاق الأكاديمية الاشتراكية. «كان هدف تلك الدروس تقوية الإعداد الماركسي وتزويد الرفاق العاملين في الحزب أو النقابات أو الاقتصاد بمنهج لدراساتهم اللاحقة». وعلى الرغم من تشكك عدد من الرفاق الذين ارتأوا أن محاولة اجتذاب عمال مختلف الفروع إلى دورة الدروس تلك من دون إبعادهم عن وظائفهم في الحزب وغير الحزب مقضي عليها بالإخفاق، أصابت التجربة نجاحا رائعا. وقد أظهرت أعمار المستمعين (أكثر من 50 بالمئة هم في الثلاثين وما فوق)، وفترة تدرجهم في الحزب (69 منهم منسبون إلى الحزب قبل أوكتوبر 1917، و64 منهم وفي عامي 1918 و1919)، ووضعهم الاجتماعي (أكثر من 80 بالمئة هم من البروليتاريين)، ومواظبتهم على الدروس (لم يفوت 80 شخصا محاضرة واحدة)، أظهرت أن لديهم رغبة صادقة في التثقف.

وقد كان من المأمول أن يمدّ في أجل الدروس، لكن شعبة الدعوة التابعة للجنة موسكو ارتأت غير هذا الرأي.

وقد ألقيت أثناء الدورة الدراسية، ووفقا للمخطط الذي وضعته بنفسي، سلسلة من المحاضرات في المواضيع التالية: أ- حياة ماركس وأنجلز وعملهما- د. ريازانوف، 2- المادية الجدلية- أ. ديبورين، 3- بدلا من حلقة دراسية عن المادية التاريخية، ألقى ستيبانوف أربع محاضرات عن تاريخ الدين.

لقد عهد إلي بالحلقة التاريخية. وكان عليّ أن آخذ بعين الاعتبار أن رفاقي تناولوا مواضيع محددة. وكان في نيتي أن أعرض في دروس تالية آراء ماركس الاقتصادية، لكنني كرست محاضرتي العاشرة للمحة وجيزة عن الرأسمال وللسؤال التالي: كيف نقرا الرأسمال؟ وسوف تنشر هذه المحاضرة على حدة، بعد إعادة النظر فيها وتكميلها.

سوف يفهم القارئ الآن علة بعض الثغرات في المحاضرات التي أنشرها هنا. فهي مكرسة بصورة رئيسية، شأن سيرة ماركس بقلم مهرينغ، لحياة ماركس وأنجلز ولعملهما كثوريين.

يبقى عليّ أن أقول بضع كلمات بصدد طابع محاضراتي. فقد حاولت، بقدر ما يسمح لي الموضوع، أن أكون شعبيا، وأملي أن تكون هذه المحاضرات سهلة الفهم على القراء الذين هم في مستوى يؤهلهم لاستيعاب الشرح الذي كتبته لتلامذة مدارس الحزب عن البيان الشيوعي (منشورات موسكوفسكي رابوتشي). ومن المؤكد أنهم سيكونون بحاجة، من أجل ذلك، إلى إعداد معين، متوفر أصلا لمستمعيَّ جميعا بوجه الإجمال. فهؤلاء المستمعون، الذين نالوا حظا من الإعداد في الحزب، قرأوا جميعا بناء على نصيحتي، وبصورة مسبقة، كراستَي زتكين وستكلوف عن ماركس. وكما أمكنني أن ألاحظ من الأسئلة التي طرحتها عليهم، كان في إعدادهم من قرأ كتاب مهرينغ. وعليه، فإن مستمعيَّ جميعا كانوا مطلعين بقدر أو بآخر على الطريقة المعهودة في معالجة الموضوع الذي وقع اختياري عليه.

سأضيف القول، برسم أساتذة مدارس حزبنا، أن منهجي، كما سيلاحظون بأنفسهم، يختلف اختلافا كبيرا لا عن منهج مهرينغ فحسب، بل أيضا عن منهج سائر كتّاب سيرة ماركس وأنجلز، وكذلك عن منهج مؤرخي الأممية. وقد حملني طابع محاضراتي على التخلي عن كل بهرج علمي له شكل هوامش وإحالات إلى مراجع، ولم أسمح لنفسي ببعض الشواهد إلا فيما ندر. بيد أنه يمكنني القول مع ذلك أن استنتاجاتي تستند إلى دراسة مطولة ومدققة لا لكل ما نشر فحسب، بل أيضا لمواد كثيرة استقيتها من محفوظات (أرشيفات) متنوعة، كنت أنا السباق في معظم الأحوال إلى نبشها من الغبار والنسيان. ويمكن، لمن يشاء، أن يعثر في مجموعة كتاباتي عن تاريخ الماركسية، التي ستنشر في طبعة خاصة، على أدلة وبراهين في تأييد بعض من أطروحاتي.

المحاضرة الأولى [مدخل – الثورة الصناعية في إنكلترا- الثورة الفرنسية الكبرى وأثرها في ألمانيا]

الموضوع الذي سأعالجه تاريخي بحت، لكنني آخذ في الوقت نفسه على عاتقي المهمة التالية: لما كان ماركس وانجلز معلمانا، يستأثران باهتمامكم بصفتهما واضعي التصور المادي للتاريخ، وبصفتهما مبدعي الاشتراكية العلمية، ففي ودي أن أسرد عليكم تاريخهما مستخدما منهجهما بالذات، مطبقا تصورهما المادي.

على الرغم من أن برنامجنا ينوه بأهمية الجماعة، ترانا نعزو أحيانا أهمية مسرفة إلى دور الأفراد في التاريخ. وفي الآونة الأخيرة بوجه خاص، ترانا نهّون إلى حد ما من دور الجماهير ونضرب صفحا عن الشروط الاقتصادية والتاريخية العامة التي تحدد دور الأفراد. إن شخصية انجلز تنحني قليلا أمام تفوق شخصية ماركس.. ولا يكاد يكون في الامكان العثور في تاريخ القرن التاسع عشر على رجل حدد مثله بنشاطه وبنتاجه العلمي فكر وعمل سلسلة من الأجيال في جملة من البلدان. وعما قريب يكون قد تصرم أربعون عاما على وفاة ماركس، ولكنه لا يزال حيا، ويواصل فكره ممارسة تأثيره، محدِّدا التطور الفكري حتى لأنأى البلدان، بلدانا لم تسمع باسمه يوم كان على قيد الحياة.

إن اسم ماركس معروف جدا في روسيا. وها قد انقضى خمسون عاما ونيف على صدور الترجمة الروسية لـ«الرأسمال»، ولكن تأثير الماركسية لا يني يتزايد عاما بعد عام. ولن يكون في مستطاع أي مؤرخ مستقبلا أن يدرس التاريخ الروسي ابتداء من عام 1880 من دون أن يدرس قبل ذلك مؤلفات ماركس وانجلز، نظرا إلى عمق تغلغلهما في تاريخ الفكر الاشتراكي والاجتماعي الروسي، وفي تاريخ الحركة العمالية الثورية الروسية.

ها نحنذا نقف أمام رجلين نابغتين حددا وجهة الفكر الإنساني. فلنرَ إذن إلى الشروط والبيئة التي ترعرعا فيها. إن كل إنسان نتاج لوسط تاريخي محدد، وكل نابغة كبير يأتي بشيء ما جديد، إنما يفعل ذلك على أساس ما فُعل قبله. إنه لا ينبجس من العدم. بل أكثر من ذلك: فنحن إذا أردنا تحديد عبقرية رجل من الرجال ودرجة ابتكاره وأصالته، ما استطعنا سبيلا إلى ذلك إلا إذا تكونت لدينا فكرة تقريبية عما فُعل قبله، وعن التطور الذي كان الفكر الإنساني والمجتمع الإنساني قد أدركاه يوم شرع ذلك الرجل يتكون ويتنسم تأثير الوسط المحيط. وعليه، لا بد لنا حتى نفهم ماركس –وسيكون ذلك بمثابة تطبيق عملي لمنهج ماركس على ماركس ذاته- من أن ندرس تأثير الوسط التاريخي على ماركس وانجلز.

رأى ماركس النور في 5 أيار 1818 في تريير [40]، وانجلز في 28 تشرين الثاني 1820 في بارمن. وتريير وبارمن مدينتان ألمانيتان تقعان في إقليم واحد، إقليم الراينلاند الذي يحيط به نهر الراين الذي يؤلف خط الحدود الفاصل بين فرنسا وألمانيا. لقد ولد إذن ماركس وانجلز في زمن واحد تقريبا، بفاصل سنتين ونيف.

ولدا في ألمانيا، في إقليم واحد، في النصف الأول من القرن التاسع عشر. والطفل، كما تعلمون، يكون عرضة على الأخص لتأثير الوسط العائلي في السنوات الأولى في حياته. وبدءا من السنة العاشرة، أو السنة الثانية عشرة، يتعرض لتأثير أكثر تعقيدا، تأثير المدرسة، حيث يبدأ بالاحتكاك بجملة من الظاهرات والوقائع التي كان يجهلها في الدائرة الضيقة للحياة العائلية.

نحن نرى إذن ماركس وانجلز من الآن في وسط جغرافي معين: ألمانيا. وسنرى فيما بعد ما الطبقة التي كانا ينتميان إليها بحكم أصلهما. وفي حوالي العام 1830 كانا قد أمسيا صبيين واعيين، وإنما في ذلك الوقت طفقا يتعرضان لتأثير الوسط التاريخي الاجتماعي.

لنرَ كيف كان الوضع التاريخي العام يوم بدأ ماركس وانجلز يحييان حياة واعية. إن عامي 1830 و1831 عامان ثوريان بالنسبة إلى أوربا. في 1830 اندلعت ثورة تموز [41] في فرنسا. فطغت على أوربا بكاملها، من الغرب إلى الشرق، بل أنها أدركت روسيا ذاتها، حيث حركت في مملكة بولونيا انتفاضة 1831 [42]. إذن ما أن إذن ما إن غدا ماركس وانجلز غلامين واعيين بقدر أو بآخر، حتى وجدا نفسيهما في دوامة الثورة، يتلقيان انطباعات الحقبة الثورية. لكن ثورة تموز 1830 لم تكن هي نفسها سوى إكمال لثورة أخرى أعظم شأنا، لا مناص لنا من معرفة نتائجها وتأثيرها حتى نفهم الوسط التاريخي الذي شب فيه كل من ماركس وانجلز عن الطوق.

تحدد تاريخ القرن التاسع عشر امتدادا إلى عام 1830 بعاملين أساسين: الثورة الصناعية في إنكلترا والثورة الفرنسية الكبرى. وقد بدأت الثورة الصناعية في إنكلترا في حوالي عام 1760، وامتدت على حقبة طويلة جدا من الزمن. وأدركت أوجها في أواخر القرن الثامن عشر، ولكنها لم تنته إلا في حوالي عام 1830. فما الثورة الصناعية (كما سماها انجلز)؟

في النصف الثاني من القرن الثامن عشر كانت إنكلترا قد أضحت قطرا رأسماليا. كان فيها طبقة من العمال، من البروليتاريين، أي طبقة من رجال محرومين من كل ملكية، غير مالكين لأدوات إنتاج، وبالتالي مكرهين على بيع قوة عملهم كما تباع السلعة حتى يعيشوا. وكان يوجد فيها أيضا طبقة من الرأسماليين الذين يستغلون طبقة العمال. وكان فيها أخيرا طبقة من كبار الملاك العقاريين.

بيد أن الرأسمالية في إنكلترا كانت لا تزال تعتمد تقنيا حتى منتصف القرن الثامن عشر على الإنتاج اليدوي القديم، على المهنة. ولا نقصد بذلك الإنتاج الحرفي القديم حيث كانت كل منشأة لا تضم سوى رب عمل واحد، واثنين أو ثلاثة من العرفاء، وبعض المبتدئين. فقد كان ذلك الإنتاج الحرفي قد أخلى الساح لنمط الإنتاج الرأسمالي. وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر كان الإنتاج الرأسمالي في إنكلترا قد أضحى معمليا [43]. وفي الطور المعملي من تطور الإنتاج، يواصل الرأسماليون استغلال العامل، لكن على نطاق واسع، وفي مشغل أكبر بكثير من مشغل الحرفي. أما من منظور تنظيم العمل، فإن الإنتاج المعملي يتميز عن الصناعة الحرفية بجمعه لمئات من الحرفيين في مقر كبير. ويقوم بين أولئك الرجال الذين يعدون بالمئات، أيا تكن المهنة التي يعملون فيها، تقسيم مكتمل للعمل مع كل ما يترتب على هذا التقسيم من نتائج. تلك هي المنشأة الرأسمالية، منشأة بلا آلات، لكن تقسيم العمل، تقسيم كيفية الإنتاج بالذات إلى عمليات جزئية متباينة، يكون قد قطع فيها شوطا بعيدا. وفي منتصف القرن الثامن عشر تحديدا أدركت هذه الحقبة المعملية أوج ازدهارها في إنكلترا.

وإنما ابتداء من عام 1760 طفقت تتبدل أسس الإنتاج التقنية بالذات. فمحل أدوات الحرفيين القديمة حلت آلات. وحدث هذا التجديد أول ما حدث في الفرع الرئيسي من الصناعة الإنكليزية: النسيج. وطرأ تحول كبير على الجانب التقني من مهنة النساج والغزال بنتيجة التطبيق المتعاقب لسلسلة من الاختراعات. ولن أعدد تلك الاختراعات جميعا. سأقول فقط أنه في حوالي العام 1780 كان قد تم اختراع المغزل والمنسج الآليين، وفي عام 1785 اخترع واط أيضا آلته البخارية المتقنة التي أتاحت إمكانية إقامة المعامل في المدن بعد أن كانت من قبل لا تقام إلا عند مجاري المياه المولدة للطاقة الضرورية. ونجمت عن ذلك شروط موائمة لتركز الإنتاج. وابتداء من 1785 بدأت محاولات استخدام البخار كمحرك في عدد من فروع الصناعة. لكن تقدم التقنية الصناعية لم يتم بالسرعة التي تتحدث عنها أحيانا موجزاتنا المدرسية. لهذا قلت أن الحقبة الممتدة من 1760 إلى 1830 هي بكاملها حقبة تلك الثورة الصناعية الكبرى. ومن ذلك أن المغزل الذي يعرفه الكثيرون منكم، المغزل الآلي Self-Acting الكثير الانتشار في معاملنا، لم يأخذ شكله المكتمل، المتقن، النهائي، إلا في عام 1825. كذلك لم يأخذ النول الآلي شكله الراهن إلا في عام 1813، مع أن الأنوال الأولى اخترعت قبل عام 1760 (نول كارترايت في عام 1785)، أي قبل ذلك التاريخ بمدة لا بأس بطولها.

نحن إذن أمام بلد ما ونت الاختراعات تتوالى بلا انقطاع منذ سبعين عاما، ومال ونى فيه الإنتاج يتركز أكثر فأكثر، وما ونت فيه أنوال الغزل والنسيج الصغيرة تنقرض وتزول تدريجيا، وكان يحل محل الحرفيين أعداد متزايدة باستمرار من البروليتاريين. وهكذا نجد في إنكلترا في نهاية القرن الثامن عشر، وعلى الأخص في أواسط القرن التاسع عشر، وبدلا من طبقة العمال القديمة التي شرعت بالتكون في القرنين السادس عشر والسابع عشر والتي ما كانت تمثل، حتى في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، سوى جزء ضئيل من السكان، نجد طبقة كثيرة التعداد من السكان، تسم بميسمها العلاقات الاجتماعية كافة.

وبالتواقت مع تلك الثورة الصناعية، طرأ قدر من التركز في داخل الطبقة العاملة بالذات، كما طرأ تغير على العلاقات الاقتصادية كافة. فقد سُلخ الغزالون والنساجون عن شروط وجودهم المعهودة. في البدء كان العامل في المعمل لا يتميز كثيرا عن الحرفي أو الفلاح، فكان مطمئنا إلى الغد، مدركا أنه يحيا في الشروط نفسها التي عاش فيها والده أو جده، لكن كل شيء قد تغير الآن. فالعلاقات العائلية العريقة القدم بين أصحاب المنشآت والعمال قد اندثرت، وصار أصحاب المنشآت يلقون إلى قارعة الطريق بالعشرات والمئات من العمال. وعندئذ ثارت ثائرة هؤلاء الأخيرين على هذا التبدل الجذري، على هذا الانقلاب في شروط حياتهم. استولى على قلوبهم الغيظ، وانصب غيظهم وحقدهم في البداية على العلامة الخارجية لتلك الثورة الجديدة المعاكسة لمصالحهم، أي على الآلات التي كانت تشخص في نظرهم الشر كله. وفي مطلع القرن التاسع عشر حدثت سلسلة من أعمال تمرد العمال على الآلات، على التحسين التقني للإنتاج. وبلغت حركات التمرد تلك أقصى مداها في إنكلترا في حوالي العام 1815، وذلك على اثر الابتداء باستخدام المنسج الآلي المطور. ويومئذ اجتاحت الحركة المراكز الصناعية جميعا، وبعد أن كانت عفوية، تنظمت وابتدعت شعاراتها وزعماءها.

ولمواجهة هذه الحركة، المعروفة في التاريخ باسم حركة اللوديين، والتي اقتبست تسميتها في رأي بعضهم من اسم واحد من العمال، وفي رأي بعضهم الآخر من اسم الجنرال الخرافي لودا الذي كان العمال يوقعون به بياناتهم، لجأت الطبقات الحاكمة والاوليغارشية السائدة إلى أشد التدابير حزما وصرامة. فكل عمل من أعمال التدمير، وكل محاولة لتخريب الآلات عقوبتها الموت، وقد قضى الكثير من العمال شنقا.

كانت هناك حاجة إلى دعاية مناسبة لتنوير العمال، ولإفهامهم أن خطأ وضعهم لا يرجع إلى الآلات نفسها، وإنما إلى الشروط التي تستخدم فيها هذه الآلات الجديدة. والحال أن الحركة الثورية التي تجعل هدفها تحويل العمال إلى كتلة جماهيرية واعية، قادرة على التصدي لشروط اجتماعية وسياسية معينة، طفقت تنمو وتتطور بقوة في إنكلترا ابتداء من عام 1815 تحديدا. ولن أدخل في تفاصيل تلك الحركة، لكن بودي التنويه بأنها وإن بدأت في 1815-1817 فإن روادها ظهروا في أواخر القرن الثامن عشر.

لكن حتى نفهم دور هؤلاء الرواد، ينبغي علينا أن ندرس الآن فرنسا، لأنه يشق علينا أن نفهم الخطوات الأولى للحركة الإنكليزية من دون أن نعرف دور الثورة الفرنسية.

اندلعت الثورة الفرنسية في 1789، وأدركت ذروتها في 1793. وبدءا من 1794 طفقت تأفل، وبعد بضعة أعوام أفضت إلى قيام دكتاتورية نابليون العسكرية. ففي 1799 قام نابليون بانقلابه، وشغل منصب القنصل لمدة خمس سنوات، ثم أعلن نفسه إمبراطورا، وملك على فرنسا حتى عام 1815.
كانت فرنسا، حتى نهاية القرن الثامن عشر، قطرا تحكمه ملَكية مطلقة. وفي الواقع، كانت السلطة في أيدي النبالة والاكليروس اللذين كانا يبيعان مقابل إعانات مالية جزءا من نفوذهما للبرجوازية المالية التجارية التي كانت قيد التكوين. وأفضى غليان الجماهير الشعبية، والمنتجين الصغار، والفلاحين، والصناعيين الصغار والمتوسطين غير المتمتعين بأي امتياز، أفضى إلى حركة ثورية قوية أجبرت السلطة الملكية، في خاتمة المطاف، على القبول بتنازلات. فاستدعى لويس السادس عشر «المجالس العامة» [44]. وفي إبان صراع الفئتين الاجتماعيين الممثلتين بطبقة فقراء المدن وبطبقة أصحاب الامتيازات، سقطت السلطة، في 10 آب 1792، بين يدي البرجوازية الصغيرة الثورية والعمال الباريسيين. ويومئذ سيطر اليعاقبة مع روبسبير ومارا اللذين ينبغي أن نضيف إليهما الجيروندي دانتون. وعلى مدى سنتين كان مصير فرنسا بين أيدي الشعب الثائر الذي كانت باريس طليعته. كان اليعاقبة ممثلي البرجوازية، لكنهم دفعوا بمطالب هذه البرجوازية إلى حدها المنطقي. ما كانوا لا بشيوعيين ولا باشتراكيين، وما كان روبسبير ومارا ودانتون سوى برجوازيين صغارا ديموقراطيين أخذوا على عاتقهم الدور والمهمة اللذين كان يفترض بالبرجوازية قاطبة أن تنجزهما: تحرير فرنسا من جميع مخلفات العهد الإقطاعي، وخلق الشروط السياسية التي تسمح لجميع المالكين بمزاولة نشاطهم بحرية، ولكل مالك صغير بأن يتدبر لنفسه دخلا متوسطا من خلال مهنة شريفة أو استثمار شريف لعمل الغير. لكن اليعقوبيين روبسبير ومارا، في نضالهما ضد الإقطاع، وضد الأرستقراطية، وبصورة رئيسية ضد أوربا قاطبة التي كانت تنقض على فرنسا، لعبا دور زعماء ثوريين. وقد كان عليهما، في مجرى ذلك الكفاح ضد أوربا قاطبة، أن يلجآ إلى استخدام خطة الدعاية الثورية. وكي يواجها قوة النبلاء والملوك بقوة الجماهير الشعبية، أطلقا شعار: «الحرب على القصور، السلم للأكواخ!». وتحت رايتهما نقشا شعار: الحرية، المساواة، الإخاء.

إن تلك المنجزات الأولى للثورة الفرنسية قد عادت بالفائدة المباشرة على راينلاند حيث جرى تنظيم جمعيات يعقوبية. وتطوع الكثيرون من الألمان في الجيش الفرنسي. وقد ساهم بعضهم في جميع الجمعيات الثورية في باريس. وكان للثورة الفرنسية تأثير بالغ ودائم في إقليم راينلاند حيث حافظ الجيل الفتي في مطلع القرن التاسع عشر على زاهي تقاليدها البطولية. وقد كان على نابليون الغاصب نفسه، في صراعه مع أوربا الملكية والإقطاعية، أن يعتمد على المنجزات الأساسية للثورة الفرنسية، لمجرد أنه كان غاصبا، عدوا للنظام الإقطاعي. كان قد بدأ حياته العسكرية في الجيش الثوري. وقد حارب الجنود الفرنسيون، الحافية أقدامهم، الرثة ثيابهم، شبه العزل من الأسلحة، ضد القوات النظامية البروسية وقهروها بحماستهم، بتفوقهم العددي، ببراعتهم في تثبيط معنويات الجيش المعادي وتفكيكه عن طريق قذفه بالمناشير قبل قصفه بالرصاص. وقد لجأ نابليون نفسه في حروبه إلى تلك الدعاية الثورية. وكان يعلم حق العلم أن المدافع وسيلة عمل قوية، لكنه لم يهمل قط، حتى آخر أيام حياته، أداة الدعاية الثورية التي تفكِّك قوات الخصوم.

وامتد تأثير الثورة الفرنسية إلى الشرق أيضا، فوصل حتى إلى سان بطرسبورغ. وتروي كتبنا القديمة أن الناس، عند وصول نبأ سقوط الباستيل، راحوا يتبادلون التهاني ويتعانقون في شوارع سان بطرسبورغ بالذات.

وكان في روسيا أصلا مجموعة قليلة من الرجال، أشهرهم راديتشيف [45]، تفهم عميق الفهم معنى أحداث الثورة الفرنسية. وقد بان أثر هذه الثورة في أقطار أوربا طرا بقدر أو بآخر. وحتى في إنكلترا، القطر الذي كان يومئذ على رأس جميع الأحلاف الموجهة ضد فرنسا، امتد أثرها لا إلى العناصر البرجوازية الصغيرة فحسب، بل أيضا إلى الأعداد الكبيرة من العمال الذين أوجدتهم الثورة الصناعية. وفي حوالي 1791-1792 على وجه التحديد رأى النور في إنكلترا أول تنظيم عمالي ثوري، وحمل ذلك التنظيم اسم جمعية التراسل، وقد تسمى بهذا الاسم احتيالا على القانون الإنكليزي الذي يحظر على كل جمعية في بلدة من البلدات أن تقيم صلة تنظيمية مع جمعية أخرى في بلدة أخرى. في نهاية القرن الثامن عشر، كانت إنكلترا قطرا دستوريا. وكان قد حدث فيها ثورتان: أولاهما في أواسط القرن السابع عشر، وثانيتهما في أواخره. وكانت تعتبر أكثر الأقطار تحررا، وكانت النوادي والجمعيات مرخصا لها فيها، لكن لم يكن يحق لأي من تلك النوادي أو الجمعيات أن يقيم علاقة تنظيمية مع غيره. وتداركا لأمر هذا التحظير ابتكر العمال تنظيم جمعيات مراسلة حيثما وجدوا إلى ذلك سبيلا. وكانت تلك الجمعيات تراسل بعضها بعضا. وكان على رأس جمعية لندن اسكافي يدعي توماس هاردي، وهو اسكتلندي من أصل فرنسي. وقد اجتذب عددا كبيرا من العمال إلى الجمعية التي كان هو منظمها. وكان رسم الدخول زهيدا للغاية. وكانت الجمعية تنظم اجتماعات ومهرجانات خطابية. وكان معظم العمال المنتسبين إليها حرفيين واسكافيين وخياطين. وآية ذلك أن الثورة الصناعية التي تحدثت عنها كانت قد بدأت تمارس تأثيرها التفكيكي على الإنتاج المعملي القديم وعلى المهن القديمة. وسأذكر لكم اسما آخر يرتبط بالتاريخ اللاحق للحركة التريديونيونية في إنكلترا، هو فرنسيس بلاس، الخياط مهنةً. وبين سائر الحرفيين الأعضاء في جمعيات التراسل تلك، سأذكر الاسكافي هولكرافت، الشاعر، الكاتب، الخطيب المفوه، الذي لعب دورا كبيرا في أواخر القرن الثامن عشر.

بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع من إعلان الجمهورية في فرنسا (10 آب 1792)، بعثت جمعية هاردي للتراسل، بواسطة السفير الفرنسي في لندن، بخطاب تعاطف وتأييد إلى الجمعية التأسيسية [46]. وقد ترك ذلك الخطاب، وهو من أوائل بيانات التضامن الأممي، أثرا كبيرا في الجمعية التأسيسية، لأنه صادر عن الشعب الإنكليزي، ولأن الطبقات السائدة في إنكلترا كانت تبدي آنئذ عن عداء لدود حيال فرنسا. وقد ردت عليه الجمعية التأسيسية بقرار خاص. وقد تذرعت الاوليغارشية الإنكليزية بعلاقات جمعيات التراسل باليعاقبة الفرنسيين كي تقوم بحملة ملاحقة ضدها. ورفعت عدة دعاوي على هاردي وعلى عدد من رفاقه. ولو قرأنا خطابات وكلاء النيابة في تلك المحاكمات، لرأينا كيف انتهزت المجموعات الرأسمالية الإنكليزية سانحة الثورة كي تجرد فرنسا الثورية من مستعمراتها في آسيا وأمريكا.

لقد عمدت الاوليغارشية، تخوفا من انهيار أسس سيطرتها، إلى اتخاذ سلسلة من الإجراءات ضد الحركة العمالية الوليدة. فالجمعيات والاتحادات التي كان قد رخص للعناصر البرجوازية والأفراد الميسورين بإنشائها، والتي كان من المستحيل فيما بعد الامتناع عن الترخيص بها للحرفيين، قد جرى في العام 1800 تحظيرها. وحظرت بوجه خاص جميع الجمعيات التي تتبادل التراسل فيما بينها. وفي العام 1799 صدر قانون خاص بتحظير كل اتحادات للعمال في إنكلترا. ومن 1799 إلى 1824 حرمت الطبقة العاملة الإنكليزية من كل حق في الاجتماع والتكتل.

لنرجع إلى عام 1815. فحركة اللوديين، التي كان هدفها الأوحد تدمير الآلات، أخلت الساح لنضال أكثر وعيا. ورأت النور تنظيمات ثورية جديدة جعلت هدفها تغيير شروط الحياة السياسية للطبقة العاملة. وقد طالبت في المقام الأول بحق الاجتماع، وبحق التكتل، وبحرية الصحافة. وبدأت سنة 1817 بكفاح مستعر الأوار تمخض في عام 1819 في مركز الصناعة القطنية، مانشستر، عن معركة كتبت لها الشهرة، معركة تعرف باسم معركة بيترلو. فكما أن نيقولا الثاني صفق لعساكره الشجعان الذين أطلقوا النار على عمال إياروسلافل، كذلك هنأ ملك إنكلترا الفرسان البواسل الذين قهروا العمال العزل من السلاح. فضلا عن ذلك، اتخذت إجراءات جديدة صارمة ضد الطبقة العاملة، تعرف باسم القوانين الستة. لكن تلك الاضطهادات لم تؤد إلا إلى تعزيز الكفاح الثوري. ففي عام 1824، وبفضل بلاس على الأخص الذي كان قد غدا يومئذ صناعيا غنيا من دون أن يقطع صلاته بالراديكاليين في مجلس العموم، حصل العمال الإنكليز على تنازل: قانون التكتل المشهور. وصار لحركتهم الساعية إلى إنشاء منظمات مهنية غرضها الدفاع عنهم وحمايتهم من اضطهاد أرباب العمل والحصول على شروط عمل أفضل وعلى أجور أكثر ارتفاعا، صار لها أساس شرعي. وابتداء من ذلك اليوم شرعت الحركة التريديونيونية الإنكليزية بالتطور. وتكونت في داخلها جمعيات سياسية جعلت غايتها الفوز بحق الانتخاب العام.

في فرنسا، أدت هزيمة نابليون في سنة 1815 إلى إعادة الحكم الملكي القديم لآل بوربون، فتسنم العرش لويس الثامن عشر. أنه عهد عودة الملكية الذي دام خمسة عشر عاما. فبعد أن استعاد لويس الثامن عشر عرشه بمساعدة التدخل الأجنبي، وعلى الأخص مساعدة ألكسندر الأول [47]، قام بسلسلة من التنازلات لصالح كبار الملاك العقاريين الذين تضرروا من الثورة. كان من المستحيل أن تعاد إليهم أراضيهم، إذ كان لا مفر في هذه الحال من انتزاعها من أيدي الفلاحين، لذا فقد دفع إليهم مبلغ مليار فرنك. وبذلت السلطة الملكية قصارى جهدها لكبح تطور علاقات سياسية واجتماعية جديدة. وسعت إلى سحب أكبر قدر من التنازلات التي كانت قد أرغمت على التنازل عنها. ودار الصراع بين الليبراليين والمحافظين بلا توقف، وأدى أخيرا إلى ثورة جديدة اندلعت في تموز 1830.

أما إنكلترا، التي تجاوبت في نهاية القرن الثامن عشر مع الثورة الفرنسية بتعزيزها للحركة العمالية، فقد أمست، تحت تأثير ثورة تموز، مسرح اندفاعة ثورية جديدة، وعمت البلاد حركة قوية تطالب بتوسيع حق الانتخاب. ففي ذلك العهد كان الحق الانتخابي يقتصر على أقلية زهيدة من السكان. وكان كبار الملاك العقاريين أصحاب اليد الطولى في الانتخابات، ومن هم في مجلس العموم. وقد أرغم الحزبان الحاكمان، اللذان كانا يمثلان مختلف أجنحة الأرستقراطية العقارية، الويغ والتوري [48]، على تقديم تنازلات. وكتبت الغلبة للحزب الأكثر ليبرالية منهما، حزب الويغ الذي كان يعتبر الإصلاح الانتخابي ضروريا. لكن البرجوازية الصناعية هي وحدها التي حصلت على حق الاقتراع. وردا على خيانة البرجوازية الليبرالية، التي انحاز إليها العضو السابق في جمعية المتراسلين بلاس، نظم العمال، بعد عدة محاولات غير مثمرة، جمعية لندن العمالية في عام 1836. وقد تولى قيادة تلك الجمعية عدد من العمال الموهوبين، ومنهم وليم لويت وهنري هاسرينغتون. وفي سنة 1837 صاغ لويت ورفاقه لأول مرة المطالب السياسية الأساسية للطبقة العاملة. فقد جعلوا هدفهم تنظيم العمال لا في حزب عمالي طبقي يتنصب في وجه سائر الأحزاب البرجوازية الأخرى، وإنما في حزب سياسي ينادي بأنه يريد أن تكون له حصته من النفوذ، وأن يشارك في المعترك السياسي ، وأن يكون في ظل النظام البرجوازي الحزب السياسي للطبقة العاملة. وتوجد في الوقت الراهن أحزاب عمالية من ذلك النوع في استراليا وزيلاندا الجديدة، وليس هدفها التحويل الجذري للشروط الاجتماعية، وقد تتحالف أحيانا تحالفا وثيقا مع البرجوازية بغية تأمين حصة محددة من النفوذ للعمال في الآلة الحكومية.

عمدت الوثيقة التي صاغ فيها لويت ورفاقه مطالب العمال باسم «الميثاق»، وحركتهم باسم الحركة «الميثاقية» [49]. وقد طرح العمال الميثاقيون ستة مطالب: الانتخاب العام، برلمان سنوي، اقتراع سري، تعويض برلماني، تقسيم البلاد إلى دوائر انتخابية متساوية، وإلغاء ضريبة الترشيح المفروضة على النواب. على هذا النحو بدأت الحركة الميثاقية.

في فرنسا، أدت ثورة تموز 1830 لا إلى إقامة الجمهورية، وإنما إلى إقامة حكم ملكي دستوري، على رأسه زعيم الفرع الاورليانسي الذي كان قد وقف إبان الثورة الفرنسية الكبرى، ثم في عهد عودة الملكية لاحقا، موقف المعارضة من آل بوربون. وكان لوي فليب [50] الممثل النموذجي للبرجوازية: فقد كان حرصه على الاقتصاد والتوفير يحظى بإعجاب أصحاب الدكاكين الباريسيين الصغار.

أطلقت ملكية تموز الحرية للبرجوازية الصناعية والتجارية والمالية حتى تتيح لها فرصة الإثراء السريع، وسددت ضرباتها إلى الطبقة العاملة التي تجلى في أوساطها منذ ذلك العهد، وإن بصورة غير كافية، ميل إلى التنظيم.

في السنوات الأولى التالية للثورة كانت الجمعيات الثورية تتألف بصورة رئيسية من الطلبة والمثقفين، وما كان العمال فيها إلا الاستثناء. لكن ردا على خيانة البرجوازية انفجرت انتفاضة عمالية في عام 1831 في ليون، مركز صناعة الحرير. واستولى العمال لعدة أيام متتالية على المدينة. ولم يطرحوا أي مطلب سياسي، ونقشوا على رايتهم شعارا يقول: «لنعش عاملين أو لنمت مقاتلين». وفي خاتمة المطاف غلبوا على أمرهم، وتعرضوا لانتقام رهيب.

تجددت الانتفاضة في ليون عام 1834. وكان دورها لا يستهان به، وأهم شأنا من دور ثورة تموز. فقد أثرت هذه الأخيرة على العناصر البرجوازية الصغيرة الديموقراطية بوجه خاص. أما الانتفاضة الليونية المزدوجة فقد أظهرت للعيان للمرة الأولى الأهمية الثورية للعنصر العمالي الذي رفع، وإن في مدينة واحدة فقط، راية التمرد على البرجوازية قاطبة وطرح بوضوح المسألة العمالية. ولم تكن مطالب البروليتاريا الليونية موجهة بعد ضد أسس النظام البرجوازي بالذات، ولكنها كانت موجهة ضد الرأسماليين، ضد الاستغلال.

في ذلك العهد إذن، وفي فرنسا وإنكلترا، دلفت إلى خشبة المسرح طبقة ثورية جديدة، هي البروليتاريا. في إنكلترا حاولت هذه البروليتاريا أن تنظم نفسها. وفي فرنسا، وبعد انتفاضة ليون، بدأت المحاولات الأولى لتنظيمها الثوري. وأبرز ممثلي هذه الحركة هو أوغست بلانكي، أحد عظام الثوريين الفرنسيين. فتحت تأثير الانتفاضتين الليونيتين أظهرتا للعيان أن العنصر الأكثر ثورية في فرنسا يتمثل بالعمال، طفق بلانكي مع رفاق له بتنظيم جمعيات ثورية في أوساط عمال باريس. وقد ساهم في تلك الجمعيات الثورية، كما في زمن الثورة الفرنسية الكبرى، رجال من جنسيات مغايرة: ألمان، بلجيكيون، سويسريون. وقام بلانكي ورفاقه، وكان هدفهم الاستيلاء على السلطة السياسية بهجوم عسكري مفاجئ ثم المبادرة بعد ذلك إلى تحقيق سلسلة من التدابير لصالح الطبقة العاملة، قاموا في أيار 1839 في باريس بمحاولة تمرد جريئة سرعان ما أجهضت. وقد انتهت تلك المحاولة، التي أعادت على بلانكي بالحكم بالسجن المؤبد، نهاية مؤسفة بالنسبة إلى الألمان الذين شاركوا فيها. ومن بين هؤلاء الأخيرين سأذكر شخصا واحدا فقط، هو شابر الذي سيطالعنا اسمه لاحقا. فقد اضطر مع بضعة رفاق له إلى مغادرة فرنسا، وتوجه في شباط 1840 إلى لندن حيث نظم جمعية تثقيف عمالية.

وفي ذلك الزمن الذي بلغت فيه الحركة العمالية الثورية أوجها، كان ماركس وانجلز قد صارا رجلين واعيين، أولهما في الثانية والعشرين من العمر، والثاني في العشرين.

المحاضرة الثانية [الحركة الثورية في ألمانيا في 1830 – الراينلاند – سنوات مراهقة ماركس وانجلز – كتابات انجلز الأدبية – ماركس محرر «الصحيفة الراينية».]

لنر الآن إلى الوضع في ألمانيا بعد 1815. كانت الحروب النابوليونية قد انتهت. وقد شاركت في تلك الحروب، علاوة على إنكلترا، محور التكتل، روسيا المتحالفة مع الألمان والنمساويين. وكان ألكسندر الأول قد لعب الدور الرئيسي في مؤتمر فيينا [40] الذي قرر مصير أوربا. ولم يكن صلح فيينا أجدى لأوربا من مؤتمر فرساي [41] الذي أنهى الحرب الإمبريالية الأخيرة. فقد جرد فرنسا من كل فتوحاتها الإقليمية في الحقبة الثورية. وأعطيت المستعمرات الفرنسية لإنكلترا. وانشطرت ألمانيا، التي كانت تنتظر اتحادها من حرب التحرير تلك، إلى شطرين بصورة نهائية: ألمانيا الشمالية والنمسا.

وسرعان ما قامت بعد 1815 في أوساط المثقفين والطلبة حركة ترمي بصورة أساسية إلى إعادة توحيد ألمانيا. وكان العدو الرئيسي يومئذ روسيا التي عقدت، بعد مؤتمر فيينا مباشرة، مع كل من ألمانيا والنمسا التحالف المقدس الرامي في المقام الأول إلى خنق الصبوات الثورية. وكان المؤسسان الرسميان لذلك الحلف ألكسندر الأول وإمبراطور النمسا [42]، أما في الواقع فقد كان رأسه المدبر مترنيخ، موجه السياسة النمساوية. لكن روسيا كانت تُعد المعقل الأول للرجعية. لهذا كان للحركة اللامشروعة، التي ظهرت بين المثقفين والطلبة الألمان والتي كان هدفها تطوير الثقافة والتعليم في أوساط الشعب لإعداد العدة لتوحيد ألمانيا، اتجاه مناوئ للروس من البداية. وقد أسست جمعيات عديدة، وبرزت من بينها الحلقات الجامعية في إيينا وهس الخ. وفي عام 1819 اغتال طالب يدعى كارل ساند الكاتب الألماني كوتزبو [43] الذي كان يعد بحق جاسوسا روسيًا. وقد قدم ذلك العمل الإرهابي، الذي ترك أثرا عميقا في روسيا حيث أصبح كارل ساند قدوة غالبية كانونيينا [44] المقبلين، قدم لمترنيخ وللحكومات الألمانية ذريعة لشن حملة اضطهادات ضد المثقفين. لكن الجمعيات الطالبية وطدت أقدامها بدلا من أن تندثر، وشكلت رويدا تنظيمات ثورية.

إن حركتنا الكانونية، التي تمخضت عن محاولة عصيان مسلح لم يكتب لها النجاح في 14 كانون الأول 1825، ليست حركة معزولة ومحصورة بالمثقفين الروس. فقد تطورت تحت تأثير الحركة الثورية لمثقفي بولونيا والنمسا وفرنسا وأسبانيا.. وكان يقابلها تيار أدبي خاص، كان أبرز ممثليه وأهمهم شأنا وأكثرهم نموذجية، من 1818 إلى 1830، الصحفي الألماني لودفيغ بيرن. كان من أصل يهودي، وكان له تأثير عظيم على تطور الفكر السياسي الألماني. وبوصفه ديموقراطيا سياسيا حقيقيا، لم يكترث كثيرا للمسألة الاجتماعية، لاقتناعه بأن من الممكن إصلاح كل شيء وتحسين كل شيء متى ما منح الشعب الحرية السياسية الكاملة.

لقد كانت لثورة تموز 1830 صدى قوي في أوربا قاطبة، بل أنها تسببت في بعض أرجاء ألمانيا في فتن وانتفاضات. لكن نظرا إلى أن الحركة لم تكن ذات جذور عميقة في الجماهير الشعبية، فقد تغلبت عليها الحكومة بيسر وسهولة مقابل بعض تنازلات.

لقد أرغمت هزيمة انتفاضة 1831 البولونية، تلك العاقبة المباشرة لثورة تموز، عددا لا يستهان به من الثوريين البولونيين على البحث عن ملاذ لهم وملجأ في ألمانيا كي يفلتوا من ملاحقات الحكومة القيصرية. وترتب على ذلك في أوساط المثقفين الألمان، احتدام الكره لروسيا وتعاظم التعاطف مع بولونيا الرازحة تحت نير الاضطهاد.

وتسببت ثورة تموز والانتفاضة البولونية في قيام عدد من الحركات الثورية التي يخلق بنا أن نتوقف عندها. وسأسرد عليكم الأحداث والوقائع التي أمكن لها، بصورة أو بأخرى، التأثير على ماركس وانجلز اللذين كانا لا يزالان فتيين يافعين. ففي 1832 كان إقليم بفالز مركز الحركة الثورية في ألمانيا الجنوبية. وكان إقليم بفالز، شأنه شأن إقليم الراينلاند، قد وقع في أيدي الفرنسيين لحقبة مديدة من الزمن، ولم يُرجع إلى ألمانيا إلا بعد 1815. ويومئذ أعطي الراينلاند لبروسيا، وبافلز لبافاريا حيث كانت الرجعية تعيث فسادا على نحو مماثل لما كانت تفعله في بروسيا. ولم يكن ثمة بد بالطبع من أن يقاوم سكان الراينلاند، وكذلك سكان بفالز، الذين اعتادوا على قدر من الحرية النسبية في ظل النظام الفرنسي، النظام الذي صاروا خاضعين له. وكان كل نهوض للحركة الثورية في فرنسا يشد بالضرورة من أزر معارضتهم. وفي 1831 انتشرت تلك الحركة على نطاق واسع للغاية في أوساط المثقفين الليبراليين في بافلز. وفي 1832 نظم المحاميان فيرث وشيبنفايفر في مدينة هامباخ حفلا كبيرا توالى فيه على المنصة عدد من الخطباء، بينهم بيرن، ليعلنوا ضرورة قيام ألمانيا حرة وموحدة. وكان في عدادهم صانع فراشي يدعى يوهان بيكر، وكان له من العمر آنئذ 23 عاما، وسوف نلتقي باسمه غير مرة في تاريخ الحركة الثورية الأوربية. وراح بيكر، الوثيق الصلة بعدة أجيال من الثورين الروس، يثبت للمثقفين أنه لا يجوز الاقتصار على التحريض، وانه لا بد من إعداد العدة للانتفاضة المسلحة. كان ثوريا نموذجيا، موهوبا جدا، قبل أن يصير فيما بعد كاتبا. بيد أنه لم يكن قط منظِّرا لامعا، بل كان يمثل بالأحرى نموذج الثوري العملي. وبعد حفل هامباخ، أمضى بضع سنوات أخرى في ألمانيا حيث مارس الدعاية والتحريض ونظم عمليات هرب للثوريين المسجونين. وفي عام 1832، وفيما كان هو نفسه في السجن، قامت مجموعته بهجوم مسلح على حامية فرانكفورت حيث مقر دييت الاتحاد الكونفدرالي الجرماني. وكان الطلبة والعمال المنتسبون إلى تلك المجموعة مقتنعين بأن انتفاضة مظفرة في تلك المدينة سيكون لها وقع عظيم في ألمانيا، بيد أن الإخفاق كان من نصيبهم. وقد شارك كارل شابر، الذي كان يشتغل يومئذ في ألمانيا، مشاركة فعالة في تلك الانتفاضة، وبعد الاندحار تمكن من الهرب إلى فرنسا. وكانت كل تلك الحركة الثورية متركزة بوجه الخصوص في المناطق التي لبثت ردحا طويلا من الزمن تحت السيطرة الفرنسية.

في إمارة هس أيضا قامت حركة ثورية بقيادة الراعي فيديغ، النصير الراسخ اليقين للحرية السياسية ولتوحيد ألمانيا. وقد نظم فيديغ مطبعة سرية كان يطبع فيها بياناته، ويسعى إلى تجميع المثقفين حوله. وكان في عداد هؤلاء واحد من أولئك الذين شاركوا أوسع المشاركة في الحركة، أعني جورج بوخنر مؤلف مسرحية «موت دانتون». فيقينا منه بضرورة كسب تعاطف الجماهير القروية، أنشأ برسم فلاحي إقليم هس صحيفة دعائية خاصة كانت أول محاولة في نوعها. ولم يطل العمر بتلك الصحيفة التي كان فيديغ يطبعها في مطبعته السرية. واعتقل منظموها. وأفلح بوخنر في الإفلات من الملاحقات: فهرب إلى سويسرا حيث قضى نحبه بعد مدة قصيرة. أما فيديغ (خال فلهلم ليبكنخت الذي تأثر، ولا بد، عميق التأثر بتلك الأحداث وإن كان غرا يافعا) فقد أودع السجن وتعرض لعقوبات جسدية.

يمم قسم من الثوريين الذين أفلح بيكر في تهريبهم من السجن، وكذلك شابر الذي فر بعد انتفاضة فرانكفورت، ثم شوستر، يمموا بوجوههم شطر باريس حيث استقر بهم المقام وأسسوا جمعية سرية: «اتحاد المنفيين». وتحت تأثير شوستر وعدد من العمال الألمان المقيمين في باريس، اشتد ساعد التيار الاشتراكي أكثر فأكثر في تلك الجمعية، وأدى في نهاية المطاف إلى انشقاقها. وأسس قسم من أعضائها، بزعامة شوستر، «اتحاد العادلين» الذي قضيت له ثلاث سنين من العمر والذي شارك المنتسبون إليه في انتفاضة بلانكي، وكان مآلهم، شأن البلانكيين، إلى الاعتقال والسجن. وبعد الإفراج عنهم توجه شابر ورفاقه نحو لندن حيث أنشؤوا جمعية للتثقيف العمالي، تحولت فيما بعد إلى جمعية شيوعية.

في ذلك العهد كان المثقفون الألمان واقعين تحت تأثير ل. بيرن ومجموعة من الكتاب الذين كان أبرزهم وألمعهم هنري هايني، الشاعر والصحفي معا. وقد ساهمت مراسلاته من باريس، وكذلك مراسلات بيرن، إسهاما مرموقا في تكوين الشبيبة الألمانية.

كان مسقط رأس بيرن في بفالز، وهايني في الراينلاند، وكانا كلاهما يهوديين. وكان ماركس هو الآخر يهوديا. فإلى أي حد أثر أصله اليهودي على تطوره؟

في تاريخ الاشتراكية الألمانية لعب أربعة يهود، ماركس ولاسال وهايني اليهودي وبيرن، دورا بالغ الأهمية. ولا مراء في أن أصل ماركس وهايني اليهودي كان له بعض التأثير على وجهة تطورهما السياسي. فقد كان الطلبة يرفعون يومئذ عقائرهم بالاحتجاج على النظام السياسي والاجتماعي السائد في ألمانيا، لكن المثقفين اليهود كانوا أشد إحساسا بوطأته. وينبغي أن نقرأ المقالات التي يصف فيها بيرن عسف الرقابة، ويندد فيها بضيق الأفق السائد في ألمانيا يومئذ، وبهيمنة البوليس، لكي ندرك أن كل إنسان، مهما ضؤل حظه من الاستنارة، كان مكرها بالحتم والضرورة على الاحتجاج على شروط الحياة تلك، والتي كانت تثقل بوطأتها على اليهود بوجه خاص. وقد أمضى بيرن حداثته كلها في الحي اليهودي من فرنكفورت. وقد ترك النظام القروسطي الذي كان يحيا في ظله اليهود أثرا عميقا في نفسه، وفي نفس هايني كذلك.

ولم تكن الشروط التي عاش فيها ماركس مماثلة، ولهذا كاد بعض مؤرخي سيرته أن ينكروا إنكارا تاما تأثير الوسط اليهودي عليه.

كان والده، هنري ماركس، المحامي مهنةً والإنسان المثقف والمنعتق من الأحكام المسبقة الدينية، يكنّ بالغ الإعجاب للأدب الفلسفي المبدع في القرن الثامن عشر. وقد علم ابنه أن يطالع مؤلفات كتاب من أمثال لوك وفولتير وديدرو. وكان لوك في الفلسفة خصما للفطرية. وكان يقول أن الإنسان لا يحمل أفكارا فطرية، وأن كل فكرة إن هي إلا نتاج التجربة والتربية. وقد سار الماديون الفرنسيون على خطاه. فكانوا يثبتون أنه لا يوجد في روح الإنسان شيء ليس أساسه الإحساس أولا، ولا يمر بالحواس أولا. كذلك ما كانوا يعترفون بأي فكرة فطرية.

لئن كان والد ماركس قد انقطع منذ عهد بعيد عن أداء فرائض دينه، فقد بقي مع ذلك يهوديا، ولم يعتنق المسيحية إلا في عام 1824. وقد جهد مهرينغ في السيرة التي وضعها عن حياة ماركس كي يثبت أن هنري ماركس أراد، بفعلته تلك، أن يفوز بحق الدخول إلى المجتمع المسيحي المثقف. وفي ذلك قسط من الحقيقة، لكن لئن تنصر هنري ماركس فهذا كي يفلت من ضروب التنكيد الجديدة التي بات يواجهها اليهود منذ عودة الراينلاند إلى بروسيا. وقد أبدى ماركس نفسه، على الرغم من أنه كان منقطعا عن كل صلة روحية بالوسط اليهودي، اهتماما كبيرا بالمسألة اليهودية في شبابه. فقد كان يتصل بالطائفة اليهودية في تريير. وكان اليهود يرفعون آنئذ عرائض متوالية يلتمسون فيها تخفيف وطأة مختلف الإجراءات الجائرة المتخذة بحقهم. وبناء على طلب من أقربائه الأقربين والطائفة اليهودية في ترير، حرر ماركس، وكان له من العمر آنئذ 24 سنة، واحدة من تلك العرائض.

لم يكن ماركس يحتقر بحال من الأحوال إذن أبناء دينه السابق، بل كان يهتم بالمسألة اليهودية ويشارك في النضال في سبيل انعتاق اليهود. وما كان ذلك ليمنعه من أن يميز تميييزا واضحا بين اليهود الفقراء وبين ممثلي الدوائر المالية العليا، وأن كان عدد اليهود الأثرياء في المنطقة التي كان يحيا فيها ماركس ضئيلا، والحق يقال. فقد كانت الأرستقراطية اليهودية متركزة يومئذ في هامبورغ وفرانكفورت.

تقع تريير، التي رأى فيها النور ماركس وعدد من أسلافه الذين كانوا من الحاخامات، في إقليم راينلاند كما سبق أن ذكرت. وكان هذا الإقليم يشهد حياة سياسية وصناعية مكثفة. وهو لا يزال إلى اليوم واحدة من أكثر مناطق ألمانيا تصنيعا. ويضم مدنا من أشباه سولنجن ورمشايد المعروفتين بمصاهرهما الفولاذية، وكذلك بارمن وإلبرفليد، مركزي الصناعة النسيجية. كانت تريير، التي عاش فيها ماركس، مدينة قروسطية قديمة لعبت في القرن العاشر دورا مرموقا، وكانت مع روما واحدة من حواضر المسيحية. وكان فيها مدابغ ومعامل نسيج، لكن الصناعة المعملية كانت واهية التطور فيها قياسا إلى الأجزاء الشمالية من راينلاند حيث كانت تقوم مراكز العدانة وصناعة القطن. وكانت تريير، الواقعة وسط منطقة مختصة بزراعة الكروم حافظت على مخلفات المشاعة القروية القديمة وكانت غالبية الفلاحين فيها من الملاك الصغار وزراع الكرمة الذين تطيب لهم حياة المسرة والخمرة الجيدة، أقول كانت تريير قد صانت إلى حد ما عادت مدينة من القرون الوسطى. وكان ماركس يولي فائق اهتمامه يومئذ لوضع الفلاحين. وكان يقوم بجولات في القرى المجاورة، ويتزود بالمستندات والبيِّنات بصدد حياتهم. وقد أظهرت المقالات التي نشرها بعد بضع سنوات أنه مطلع حق الإطلاع على تفاصيل الحياة القروية، وعلى نظام ملكية الأرض، وعلى طرائق الزراعة لدى فلاحي الموزيل.

في المدرسة الثانوية كان ماركس، كما تثبت ذلك بوجه خاص شهادة واحد من أساتذته بصدد موضوع إنشائي كتبه، من ألمع التلاميذ. فبناء على تكليف من ذلك الأستاذ بكتابة موضوع إنشاء عن اختيار مهنة للشبان، بيَّن ماركس أن المرء لا يستطيع اختيار مهنته بحرية، وأنه يولد في شروط تحدد سلفا مهنته وتصوره للعالم. ويمكننا، لو شئنا، أن نرى في ذلك البذرة الأولى للتصور المادي للتاريخ. ولكن لا يجوز أن نرى فيه سوى الدليل على أن ماركس استوعب منذ حداثته، وتحت تأثير والده، الأفكار الأساسية للمادية الفرنسية. وكل ما هنالك أنه عبر تلك الأفكار في شكل خاص.

ترك ماركس المدرسة الثانوية في السادسة عشرة من العمر. ودخل إلى الجامعة في عام 1836، أي في زمن كانت قد سكنت فيه الاضطرابات الثورية وران فيه قدر من الهدوء على الحياة الجماعية.

وحتى تحسنوا فهمي، سأرجع إلى حركتنا الثورية الروسية. فاندفاعة الحركة الثورية في العقد الثامن دامت حتى 1883-1884، يوم صار واضحا أن نارودنايا فوليا [45] القديمة قد غلبت على أمرها. وكانت سنوتا 1886-1889، وعلى الأخص بعد محاولة اغتيال الكسندر الثالث في 1 آذار، سنوات رجعية تماما في الجامعات حيث توقفت الحركة الثورية توقفا تاما. وقد شرع أترابي في السن – أعني أولئك الذين لم يفقدوا الحس الثوري- يدرسون الأسباب التي آلت بفعلها تلك الحركة السياسية الثورية إلى الفشل، وانكبوا مؤقتا على العلم.

وأننا لنواجه تيارا من هذا النوع في ألمانيا حين دخل ماركس إلى الجامعة. انكب ماركس على الدراسة بجد. ولدينا عنه وثيقة مهمة في ذلك العهد: رسالة وجهها إلى والده وخاطبه فيها مخاطبة الصديق الحميم، وعرض له بلا لف أو دوران أفكاره. كان هنري ماركس يقدر ويفهم أحسن التقدير وألفهم ابنه، وحسبنا أن نقرأ رده لنحكم على ثقافته الرفيعة. وبموجب روح ذلك الزمان، نرى ماركس يبحث عن تصورات ومذاهب تسمح له بأن يعلل نظريا الحقد الذي كان يعتمل في نفسه تجاه النظام السياسي والاجتماعي السائد. وسأدرس فيما بعد هذه المسألة بالتفصيل. سأقول لكم الآن أن ماركس، عبر بحثه ذاك، اعتنق الفلسفة الهيغيلية في شكلها الذي أعطاها إياه الهيغيليون الشبان الذين بتوا كل صلة لهم بتا مبرما بجميع الأحكام المسبقة واستخلصوا من تلك الفلسفة الاستنتاجات الأكثر راديكالية في مضمار السياسة والعلاقات المدنية والعلاقات الدينية. وفي 1841 أنهى ماركس دراسته الجامعية بدبلوم الدكتوراه.

في ذلك الوقت بالضبط وقع انجلز بدوره تحت تأثير الهيغليين الشبان.

رأى انجلز النور في بارمن، المدينة الواقعة في شمال الراينلاند، في مركز صناعة القطنيات والأصواف، غير بعيد عن إيسن [46] التي ستصبح فيما بعد مركز صناعة العدانة. وكان انجلز من أصل ألماني ومن أسرة ميسورة.

إن بين يديّ غوتا [47] التجار وأصحاب المعامل في الراينلاند. أسرة انجلز تحتل فيها مكانة كريمة. ولها فيها شعارها النسَبي الخاص بها. وهذا الشعار مزدان، وكأنه يشير إلى المجرى السلمي لحياة انجلز المستقبلة وإلى ميوله السلمية، بملاك مع غصن زيتون. وبذلك الشعار دخل انجلز إلى الحياة. وأرجح الظن أن أسلافه اختاروه لأن انجلز ينعني في الألمانية «ملاك». ويرجع أصل أسرة انجلز إلى القرن السادس عشر. كانت إذن أسرة ذات شأن. أما في يخص ماركس، فإن أسرته لم تحظ باهتمام كثير، بل أنه لتصعب معرفة جده معرفة يقينية. المعروف فقط أن ماركس كان من أسرة حاخامات. وحول أصل أسرة انجلز توجد روايتان. فطبقا لبعض المعطيات يقال أن انجلز سليل بعيد للفرنسي لانج [48]، البروتستنتي اللاجئ إلى ألمانيا. لكن أقربائه الحاليين ينكرون تلك الواقعة ويجهدون لإثبات أصله الألماني الصرف. وعلى كل الأحوال، كانت أسرة انجلز ابتداء من القرن السابع عشر قد أمست أسرة عريقة من أصحاب معامل الجوخ، وصار أحفادها أصحاب معامل قطنية وأناسا في منتهى اليسر وذوي ميول أممية قوية. وقد أسس والد انجلز، مع صديقه إرمن، معملا للنسيج في وطنه، ومعملا آخر في مانشتر، وبذلك صار صناعيا إنكليزيا-ألمانيا.

كان انجلز الأب يعتنق الديانة البروتستنتية وينتمي إلى الطائفة الإنجيلية. وهو يشبه شبها قويا قدامى الكالفينيين الذين كانوا يجمعون بين إيمان عميق وبين اقتناع لا يقل عمقا بأن دعوة الإنسان أن يتدبر لنفسه مالا وأن يكدس رأسمالا بالإنتاج والتجارة. كان في حياته الخاصة رجلا متدينا، متعصبا، يكرس جميع الساعات التي تتركها له قضاياه المالية لتأملات الورع والتقي. على هذا النحو قامت بين انجلز ووالده علاقات معاكسة تماما لتلك التي كانت قائمة بين ماركس وأبيه. فأفكار انجلز قادته، منذ وقت مبكر، إلى منازعات مع والده. فرغبة من هذا الأخير في أن يجعل من ابنه تاجرا، أنشاه التنشئة الموافقة. وحين ناهز السابعة عشرة من العمر أرسله إلى بريمن، وهي من أشهر المدن التجارية في ألمانيا. وهناك عمل انجلز الفتى ثلاثة أعوام في مكتب تجاري. وتظهر لنا رسائله إلى زملائه في المدرسة كيف كان يبذل كل ما أوتي من طاقة لينجو بنفسه من تأثير وسطه. فقد قدم إلى بريمن متدينا، بيد أنه سرعان ما سقط تحت تأثير بيرن وهايني. وفي التاسعة عشرة من العمر بدأ يكتب، واحتل مكانه بين المفكرين الأحرار الديموقراطيين الألمان. وتتضمن مقالاته الأولى (الموقعة بالاسم المستعار «أوسفالد»)، التي لفتت إليه الأنظار، نقدا لاذعا للوسط الذي قضى فيه طفولته. وأثارت رسائله من فوبرتال (من اسم وادي ألفوبر الذي تقع فيه مدينتنا بارمن وإلبرفيلد) وقعا وديا. وظهر واضحا منها أن كاتبها شب عن الطوق في تلك المنطقة وأنه يعرف كل من فيها منم رجال ناهبين. وفي بريمن انعتق انجلز من كل حكم مسبق ديني، وصار شبيها بيعقوبي فرنسي قديم.

في عام 1841 تطوع انجلز بصفته ابن صاحب معمل غني –وكان في حوالي العشرين من العمر- في مدفعية الحراسة في برلين. وهناك شق طريقه إلى حلقة الشبان الهيغيليين التي كان ماركس يتردد هو الآخر عليها. وشاركهم نضالهم ضد الآراء المسبقة القديمة، وانتمى، نظير ماركس، إلى الاتجاه الأكثر راديكالية في الفلسفة الهيغيلية. ولكن فيما بقي ماركس، إذا جاز التعبير، حبيس حجرة العمل والمطالعة يعد نفسه للحرفة الجامعية، كان انجلز، الذي بدأ بالكتابة منذ عام 1839، قد احتل باسمه المستعار مكانة مرموقة في الأدب وشارك بأوفى قسط في الصراع الإيديولوجي الجاري بين أتباع الأنظمة الفلسفية القديمة والجديدة.

إني ألفت انتباهكم بوجه خاص إلى عامي 1841-1842. فهما العامان اللذان كانت فيهما مجموعة كاملة من الروس الموسكوفيين تحيا في ألمانيا. وكان في عدادهم باكونين وأوغاريف وفرولوف الذين كانوا يعيشون في شروط شبه متماثلة ويبدون نحو الفلسفة عين الحماسة التي كان يبديها نحوها كل من ماركس وانجلز. وفي وسعكم أن تحكموا على ذلك بأنفسكم من الواقعة التالية:

كتب انجلز في عام 1842 نقدا عنيفا لفلسفة خصم هيغل، شيلنغ. وكان هذا الأخير قد دعي يومئذ من قبل الحكومة البروسية للقدوم إلى برلين لمعارضة فلسفة هيغل بفلسفته التي كان يحاول التوفيق فيها بين الإنجيل والعلم. وتشبه الآراء التي كان انجلز يعتنقها عهدئذ شبها قويا الآراء التي عبر عنها بييلنسكي وباكونين في مقالاتهما في ذلك الزمن، إلى حد أن كراسته التي انتقد فيها «فلسفة الوحي» لشيلنغ كانت تعزى حتى الآونة الأخيرة إلى باكونين. ونحن نعرف اليوم أن ليس باكونين هو الذي كتبها، لكن الموضوع والتعابير والبراهين المستخدمة لإثبات تفوق النظرية الهيغلية تشبه غاية الشبه تعابير باكونين وبراهينه إلى حد لا نستغرب معه أن يكون عدد من الروس قد اعتبروا –وما يزالون- أن ذلك المؤلف قد خطته يراعة باكونين.
كان انجلز في عام 1842 قد أدرك الثانية والعشرين من العمر. وهكذا يكون قد أضحى في عهد مبكر كاتبا ديموقراطيا، جذريا، ناجز التكوين. وكان، كما قال بنفسه في قصيدة ممتعة وصف فيها شخصه، يعقوبيا متحمسا. وهو يشبه عظيم الشبه، من هذه الزاوية، الألمان القلائل الذين التزموا بالثورة الفرنسية. وبحسب تعبيره، كان نشيد المارسييز يتردد باستمرار على شفتيه، وكان يطالب بالمقصلة، لا أكثر ولا أقل. هكذا كان انجلز في عام 1842. وكان ماركس قد وصل إلى الدرجة ذاتها من التطور. وفي 1842 أخيرا التقيا منة خلال عملهما المشترك.

كان ماركس قد أنهى دراسته وحصل على دبلوم الدكتوراه في نيسان 1842. وقد عقد العزم في بادئ الأمر على الاهتمام بالفلسفة والعلم، لكنه عدل عن هذا المشروع حين حرم معلمه وصديقه، برونو باور، الذي كان من زعماء الهيغليين الشبان والذي كان ينتقد انتقادا حادا اللاهوت الرسمي، من حق التدريس في الجامعة. وفي ذلك الوقت بالضبط دعي ماركس إلى المشاركة في تحرير صحيفة جديدة. كان ممثلو البرجوازية التجارية والصناعية الراديكالية في الراينلاند، كامبهاوزن وآخرون، قد عقدوا النية على تأسيس جريدة سياسية خاصة بهم. وكانت أكثر الصحف نفوذا في الراينالند صحيفة كولنيش زايتونغ، وكانت كولن [49] يومئذ أكبر مركز صناعي في المنطقة. وكانت «كولنيش زايتونغ» تجثو مستكينة أمام الحكومة. وشاءت البرجوازية الراديكالية أن تعارضها بصحيفة خاصة بها، حتى تذود عن مصالحها الاقتصادية ضد الإقطاع. وعلاوة على كامباوزن، كان باني السكك الحديدية مغيسون يلعب يومئذ دورا هاما في المنطقة. وقد قام هو وكامبهاوزن بجمع المال، لكن كان ينقصهما المحررون. وحدث يومئذ ما حدث بعدئذ في روسيا. فقد سقطت مجموعة من صحفنا التي أنشأها الرأسماليون بين أيدي جماعة محددة من الأدباء. هذا ما حصل قبل 1905 وبعده، وحتى أثناء الحرب. صناعيون مستقلون قدموا أموالا لجماعة معينة من الأدباء. وفي الراينلاند أيضا تولت مجموعة من الفلاسفة الشبان، من الأدباء الشبان، توجيه الصحيفة التي أسسها أصحاب المعامل الذين تحدثنا عنهم. ومن بين أولئك الأدباء لعب موسى هس الدور الرئيسي. كان يتقدم ماركس وانجلز في السن. وكان، مثل ماركس، يهوديا، لكنه بت مبكرا صلته بأبيه الذي كان رجلا على قدر من الثراء. وكان قد انتمى إلى الحركة التحريرية، وبعد 1830 طفق ينادي بضرورة قيام الاتحاد بين الأمم المثقفة بغية ضمان الفوز بالحرية السياسية والثقافية. وفي عام 1842 كان موسى هس ذاك قد أضحى، قبل ماركس وانجلز، وتحت تأثير الحركة الشيوعية الفرنسية، شيوعيا. ومع بعض من رفاقه، صار واحدا من ألمع محرري الصحيفة الراينية.

كان ماركس يعيش آنئذ في بون. ولردح من الزمن، لم يكن إلا مراسلا يبعث بانتظام بمقالاته إلى الصحيفة. لكنه رويدا رويدا احتل المكانة الأولى في الصحيفة التي كان يوجهها سابقا هس واثنان من رفاقه، اوبنهايم وروتنبرغ. وكان هذا الأخير صديقا لماركس، وقد زكاه لدى هيئة التحرير. هكذا نجد أن الصحيفة الراينية، والتي كانت تطبع على نفقة البرجوازية الصناعية في المنطقة، كانت في الوقت نفسه الناطقة بلسان المجموعة البرلينية من الكتاب الشبان والجذريين الذين كان ينتمي إليهم ماركس وانجلز.

في خريف 1842 قدم ماركس إلى كولن للاستقرار فيها، وأعطى الجريدة للحال اتجاها جديدا. فخلافا لرأي أصدقائه البرلينيين ولرأي انجلز، ألح على خوض الكفاح الأكثر جذرية ضد الشروط السياسية والاجتماعية القائمة، ولكن في شكل لا يتجاوز الحد في صخبه. وهنا تجلى أثر الشروط المختلفة التي تكوّن فيها كل من ماركس وانجلز، وعلى الأخص واقع أن ماركس لم يعرف الاضطهاد الديني والنير الفكري اللذين عانى منهما انجلز في حداثته. لهذا كان ماركس لا يفيض حماسة وحمية للنضال الديني ولا يرى من ضرورة لتكريس قواه كلها لنقد عنيف معادٍ للدين. بل كان يفضل، من هذه الزاوية، محاجَّة تتعمق إلى باطن الأمور على محاجَّة تستسهل السطحية، مقدار أن ذلك ضروري للحفاظ على الصحيفة وللإبقاء بالتالي عليها كمنبر. أما انجلز –وهذه سمة اتسم بها كل ما أنتجه في فتوته- فكان أقرب إلى المجموعة الأخرى التي كانت تبغي أعنف كفاح خارجي ضد الدين. ولنقل بالمناسبة أن ذلك الخلاف في التكتيك بين ماركس وانجلز يشبه الخلاف التكتيكي الذي كان قائما في نهاية 1917 وبداية 1918 في وسطنا، حيث كان بعض الرفاق يطالبون بنضال فوري وفاصل ضد الكنيسة. وكان رفاق آخرون يقدرون، على العكس، أن ذلك النضال ليس أعجل المهام، وأن أمامنا مهام تفوقه أهمية. وكانت خلافات في وجهات النظر من هذا النوع تقوم بين ماركس وانجلز وسائر الصحفيين الشبان من زملائهما. وقد وجدت مجادلتهم تعبيرها في الرسائل التي كتبها ماركس كمحرر إلى رفاقه القدامى في برلين. ويروي واضعوا سيرة ماركس أن ماركس وانجلز استقبلا استقبالا فاترا في هيئة تحرير الصحيفة الراينة. وقد توجه انجلز، الذي كان واحدا من مراسلي الصحيفة البرلينيين، إلى كولن قبل رحيله إلى إنكلترا. ومن المحتمل أن تكون قد دارت يومئذ مصارحة بينه وبين ماركس الذي كان يدافع عن تكتيكه والذي كان قد طرح بدقة ووضوح مسألة الشغيلة. إذ كان قد وجه لاذع النقد إلى القوانين المناوئة لحق الاحتطاب، مبينا أن تلك القوانين مشبعة بروح الملكية الفردية، وأنها من صنع الملاك العقاريين الذين كانوا يسعون قصارى طاقتهم إلى استغلال الفلاحين الصغار باستصدارهم قرارات حكومية تجعل منهم مجرمين. وقد نشر يومئذ في الصحيفة الراينية سلسلة من المقالات عن وضع معارفه القدامى، فلاحي الموزيل. وقد أثارت تلك المقالات مجادلة حامية بينه وبين رئيسي إقليم الراينلاند.

عندئذ ضغطت السلطات المحلية على برلين. فأخضعت الصحيفة لرقابة مزدوجة. ولما كان ماركس هو موجهها، فقد طولب برفته. وكان الرقيب الجديد يعجب أشد الإعجاب بذلك الصحفي اللامع والأريب الذي يحتال بذكاء على الرقابة، ولكن ذلك لم يمنعه من الوشاية به، لا إلى هيئة التحرير، وإنما إلى مجموعة المساهمين الذين كانوا يمولون الصحيفة. وبدأ القلق يأكل هؤلاء الأخيرين: فطالبوا ماركس بأن يكون أكثر حذرا وفطنة وأن يتحاشى المسائل الشائكة. لكن ماركس أبى ذلك. وأثبت لهم أن كل محاولة للاعتدال لن تجدي فتيلا، وأن الحكومة لن يسكن لها روع. وفي خاتمة المطاف قدم استقالته من منصبه كمدير تحرير، وهجر الصحيفة. لكن ابتعاده لم ينقذ الجريدة التي صدر بعد فترة وجيزة أمر بإغلاقها نهائيا.

خرج ماركس من الصحيفة وقد تبدل تماما عما كان عليه يوم دخلها. فحين دخلها لم يكن إلا ديموقراطيا راديكاليا، لكن ديموقراطيا يهتم بالوضع الاجتماعي والاقتصادي للفلاحين، وفي فترة لاحقة بجميع المسائل الاقتصادية الأساسية المرتبطة بوضع أولئك الفلاحين. وبعد ذلك وجد ماركس نفسه مكرها، وهو الذي لم يشغل نفسه حتى ذلك اليوم إلا بالفلسفة وأحكام القضاء، على الانكباب المتعاظم على المسائل الاقتصادية وعلى مسائل اجتماعية شتى.

وقد دارت يومئذ مجادلة بينه وبين صحيفة محافظة بخصوص مقال لهس الذي كان قد هدى انجلز منذ خريف 1842 إلى الشيوعية. وكانت خلاصة رده على تلك الصحيفة: لا حق لكم في مهاجمة الشيوعية. أنني لا أعرف الشيوعية، لكن الشيوعية التي تولت الدفاع عن المضطهَدين لا يمكن أن تدان بخفة. ينبغي امتلاك معرفة دقيقة، تامة، بذلك التيار قبل إدانته. وحين غادر ماركس الصحيفة الراينية لم يكن قد أضحى شيوعيا بعد، لكنه كان رجلا يهتم بالشيوعية كاتجاه، كفلسفة خاصة. وتوصل مع صديقه أ. روجه إلى الاستنتاج بأنه من رابع المستحيلات خوض غمار الدعاية السياسية والاجتماعية في ألمانيا. لهذا قر قرار الرجلين على الذهاب إلى باريس ونشر مجلة الحوليات الألمانية-الفرنسية فيها. وكان قصدهما من هذه التسمية، المعاكسة لميول القوميين الفرنسيين والألمان، التوكيد على أن واحدا من شروط نجاح النضال ضد الرجعية هو التحالف السياسي الوثيق بين ألمانيا وفرنسا. وفي تلك الحوليات الألمانية-الفرنسية صاغ ماركس لأول مرة النقاط الأساسية في فلسفته المستقبلية، تلك النقاط التي تحول معها من ديموقراطي راديكالي إلى شيوعي.

المحاضرة الثالثة [الصلة بين الاشتراكية العلمية والفلسفة –المادية – كانط – فيخته – هيغل -فيورباخ – مادية ماركس الجدلية –الرسالة التاريخية للبروليتاريا].

توقفنا عند الفترة التي هجر فيها ماركس الحرفة الصحفية في ألمانيا كي يشد الرحال إلى الخارج. وسألخص لكم الآن ما قلته لكم في المرة السابقة. فقد أخذت على عاتقي، كما تذكرون، مهمة دراسة حياة ماركس وانجلز على ضوء منهج البحث الذي وضعاه بنفسيهما.

رأينا أن ماركس وانجلز كانا، على الرغم من عبقريتهما، رجلين منتميين إلى عصر محدد. وإنكم لتذكرون كيف أدركا سن الوعي، أي كيف خرجا من حقبة الطفولة التي تأتي فيها الانطباعات والتأثيرات الرئيسية من الأسرة، وكيف سقطا تحت تأثير المرحلة التاريخية التي كان طابعها يتحدد بصورة رئيسية بأثر ثورة تموز على ألمانيا، وبتطور الحركة الثورية في ذلك العصر. وقد أضحت لكم أن ماركس وانجلز ما كانا من نتاج تلك الحقبة التاريخية المحددة فحسب، بل كانا أيضا من حيث أصلهما من أبناء منطقة معينة، الراينلاند الذي كان يومئذ أكثر أقاليم ألمانيا أممية وتصنيعا والذي تأثر أكثر من أي إقليم آخر بالثورة الفرنسية. وأبنت لكم أن ماركس تعرض، في السنوات الأولى من حياته، لمؤثرات مغايرة لتلك التي تعرض لها انجلز، وأن أثر الفلسفة الفرنسية في بيته كان قويا للغاية. أما انجلز فقد خضع، على العكس، لتأثير الدين في أسرة تكاد أن تكون متزمتة. وعليه، كانت المسائل المتعلقة بالدين أشد إيلاما على الدوام لانجلز منها لماركس. وفي ختام المطاف، وصل كل من ماركس وانجلز، بطريقتين مختلفتين، وأحدهما بسهولة نسبية وثانيهما بصعوبة نسبية، إلى استنتاجات متماثلة.

لقد تركناهما في الفترة التي صارا فيها ممثلي الفكر السياسي والفلسفي الأكثر جذرية في ذلك الزمن. تركناهما في اللحظة التي همّ فيها ماركس بالرحيل إلى باريس ليصوغ وجهة نظره الجديدة. وحتى ندرك ما الجديد الذي صاغه ماركس حقا وهو لما يتجاوز الخامسة والعشرين من العمر، سأحاول أن أبين لكم باقتضاب ما كان لاقاه في مضمار الفلسفة.

لقد سبق للرفيق ديبورين أن درس معكم مسائل الوعي والروح والمادة والكينونة الخ، وأعطاكم في أرجح الظن أسماء بعض الفلاسفة. وسأرجع إلى كلمات انجلز في مقدمة كراسته: تطور الاشتراكية العلمية، فقد كتب يقول:

«إننا لنفتخر، نحن الاشتراكيين الألمان، بأننا نستمد أصلنا لا من سان سيمون وفورييه وأوين فحسب، بل أيضا من كانط وفيخته وهيغل». ولا يأتي انجلز بذكر اسم فيلسوف ألماني رابع، فيورباخ الذي كرس له فيما بعد مؤلَّفا خاصا. وسأعرض عليكم الآن الأصل الفلسفي للاشتراكية العلمية.

لست اختصاصيا، شأن الرفيق ديبورن، في الفلسفة. لكنني بذلت ما بوسعي في الماضي كي أكوّن لنفسي فكرة عن المسائل الفلسفية الأساسية، نظير ما فعل كل من يهتم بمسألة أصل التطور الإنساني.

إن المسالة الرئيسية، كما يطرحها انجلز، هي أن نعرف هل يوجد مبدأ خلاق سبق العالم، وبعبارة أخرى، هل هناك إله كما علمونا في طفولتنا. إن ذلك الخالق، ذلك الكائن الكلي القدرة، يمكن أن يتلبس أشكالا مختلفة بحسب الأديان. يمكن أن يتجلى في شكل عاهل سماوي لامحدود القدرة، تعمل تحت إمرته جحافل لا يحصى لها عد من الملائكة. ويمكنه أن يحول سلطاته إلى البابا والأساقفة والكهنة. ويمكنه أخيرا، بصفته عاهلا صالحا ومستنيرا، أن يسن لمرة واحدة ونهائية دستورا وقوانين أساسية تنظم شؤون الإنسانية قاطبة، وأن يكتفي، في حكمته اللامتناهية، بحب أولاده واحترامهم من دون أن يعود إلى التدخل في تصريف أمورهم. بكلمة واحدة، يمكنه أن يتجلى في الأشكال الأكثر تنوعا، ولكن الإقرار بوجود هذا الإله يستتبع الإقرار بوجود كائن وجد منذ الأزل، قال للكون ذات يوم: كن، فكان، وصارت كلمته للحال واقعا.

إذن، كانت فكرة خلق هذا العالم، نية خلقه، الرغبة في خلقه، موجودة في مكان ما خارج هذا العالم. أين بالضبط؟ لا أحد يدري. ولم يتمكن أي فيلسوف بعد، ولا حتى فلاسفتنا الجدد في بتروغراد، من فك ذلك اللغز.

إن ذلك الكائن الأزلي يخلق الوجود كله. وهكذا فإن الوعي والفكر يحددان كل ما هو موجود. الفكرة تخلق المادة، الوعي يحدد الكينونة. وفي الواقع، ليس هذا الشكل الجديد من تجلي «المبدأ الأول»، على الرغم من غلافه الفلسفي، سوى التصور اللاهوتي القديم للعالم.

زبدة القول، أنها مسألة معرفة ما إذا كان من الممكن أن يطرأ شيء ما في الكون الذي نتحرك فيه، في ما هو موجود، بدون تدخل كائن مجهول موجود فيما وراء حدود هذا الكون. كائن يقع خارج إدراكنا، يدعي يهوه، أو الأب، أو الابن، أو الروح القدس، أو حتى العقل. بل يمكننا أن نسميه، كما يفعل انجيل القديس يوحنا، الكلمة. «في البدء كان الكلمة». وهذه الكلمة فطرت الوجود. فطرت العالم.

هذه الفكرة عن الكلمة، مبدأ الأشياء جميعا، كافحها في القرن الثامن عشر الماديون، ممثلو الفلسفة الجديدة للطبقة الجديدة، البرجوازية الثورية، وذلك في نطاق نقدهم للنظام الاجتماعي القديم، النظام الإقطاعي. وكان التصور القديم للعالم يقف عاجزا عن أن يفسر لهم أصل ما جد من جديد في زمانهم، ما يميز عصرهم عن العصور السابقة.

كان الوعي والفكرة والعقل، المنظور إليها على أنها واحدة وثابتة، تشكو في نظرهم من عيب جوهري. وبالفعل، كانت الملاحظة تدلهم على أن كل ما هو أرضي يتغير. فالكائن يتلبس الأشكال الأكثر تنوعا. وكانت التجربة تدلهم (من دون أن نتكلم عن الأسفار والاكتشافات التي كانت تقدم لهم في كل يوم مواد جديدة) على أن هناك أناسا شتى، ودولا مختلفة، وأفكارا متباينة.

وكان مرامهم أن يعرفوا مصدر هذا التنوع، وكيف تظهر الفروق القائمة بين البشر والأشياء.

كان الفلاسفة كلما تبحروا في دراسة الماضي، وجدوا شعوبا مختلفة. ومن تلك الشعوب من اندثر وباد، ومنها من واصل الاستمرار في الحياة. فالإنكليز قد اجتازوا حقبا مختلفة، وكذلك حال الفرنسيين. فمن أين جاء ذلك الاختلاف في الزمان والمكان، إذا كانت علة كل شيء تكمن في مبدأ أوحد، في إله فاطر على سبيل المثال؟ ولم يكن هناك من مخرج إلا بالافتراض بأن ذلك الإله يقرر، من دون أن تكون لدى الإنسان القدرة على فهم السبب، أن توجد اليوم إنكلترا، وغدا ألمانيا، وبعد غد فرنسا. وحسبما يعن في باله، يسود آل ستيوارت اليوم في إنكلترا، وغدا يقطع رأس تشارلز الأول ويتولى كرومويل زمام السلطة.

بدءا من القرن الثامن عشر، بل بدءا من القرن السابع عشر، وطردا مع التبدلات العميقة التي كانت تطرأ على الوجود والعالم الإنساني والعلاقات بين البشر تحت تأثير البشر بالذات، راح وجود الألوهية، كمصدر لكل شيء، يثير المزيد فالمزيد من الشك. وبالفعل، أن ما يفسر كل شيء في تنوعه، في الزمان وفي المكان، لا يكون قد فسر شيئا بعد ما دام اختلاف الأحداث، لا الجامع المشترك بينها، يجد تفسيره بكونها طرأت في شروط مختلفة، تحت تأثير علل مختلفة. فكل فارق من هذه الفوارق يجب أن يفسر بالأسباب الخاصة، وبالمؤثرات الخاصة التي أنتجته.

كان الفلاسفة الإنكليز، العائشون في ظل رأسمالية قيد التحول السريع والمعايشون لتجربة ثورتين اثنتين، قد سبق لهم أن تساءلوا هل من وجود فعلا لقوة تدبر كل شيء وتفعل كل شيء، بصرف النظر عن إرادة البشر. وكانت قد ساورتهم الشكوك أيضا في أن تكون جميع تلك الأفكار المختلفة التي ظهرت وتصارعت في زمن الثورة الإنكليزية أفكارا فطرية. فتلك الأفكار كانت تحمل طابع الجدة، على الرغم من كل الجهود التي بذلت للتوفيق بينها وبين تعاليم الكتاب المقدس.

وكان الماديون الفرنسيون، الذين حدثتكم عنهم، قد طرحوا المسألة بمزيد من الوضوح. ففي نظرهم لم يكن ثمة من وجود لتلك القوة التي يقال أنها توجد عالمنا، تلك القوة الإلهية التي تهتم على الدوام بأوربا الجديدة، تفكر في كل شيء وتتدبر كل شيء. فما الظاهرات طرا، وما التاريخ قاطبة، إلا نتيجة فعل بني الإنسان بالذات.

ما كان الماديون الفرنسيون يعرفون كيف يفسرون ما يحدد أفعال البشر، لكنهم كانوا يعرفون أن ليست الآلهة، ليست قوة خارجية ما هي التي تصنع التاريخ، وإنما البشر أنفسهم هم الذين يصنعون الأحداث. لكن هنا كانوا يقعون في تناقض. فقد كانوا يعلمون أن البشر يختلفون في سلوكهم لأن لهم آراء ومصالح مختلفة. لكنهم ما كانوا يعرفون بعد ما يثير تلك الاختلافات المصلحية، ما كانوا يعرفون تأثير الشروط المادية على الإنسان الذي يتكون فيها. بل كانوا يعتقدون، على العكس، أن تكوين البشر يتحدد بهذا المشرع أو ذاك من المشرعين الذين يتحكمون بهم ويحددون أفعالهم على غرار إله من الآلهة.

كان بعض الماديين الفرنسيين قد طرحوا مسألة أخرى أيضا. فقد كان خصومهم قد رددوا عليهم بالقول: صحيح أن الله لا يمكن أن يكون هو عينه يهوه اليهود الرهيب، كما لا يمكن أن يكون هو عينه الأب أو الابن أو الروح القدس في الديانة المسيحية، لكن يوجد مبدأ روحي وضع في المادة إمكانية التفكير بالذات، وسبق بالتالي الطبيعة وتقدم عليها. فأجاب الماديون الفرنسيون بأن ذلك أيضا لا يحتاج إلى قوة خارجية ما، لأن القدرة على الإحساس متضمنة من الأساس في المادة بالذات.

كان العلم بوجه عام، والعلوم الطبيعية بوجه خاص، لا تزال ناقصة التطور في العصر الذي انصرف فيه الماديون الفرنسيون إلى إنشاء فلسفتهم، لكن العلوم كانت قد توصلت إلى تقرير تلك الفكرة الأساسية.

إن كل من يسمى نفسه ماديا أن يكون الوعي والفكر، بالمعنى الذي نفهم به هاتين الكلمتين، قد سبقا المادة وتقدما على الطبيعة. فعلى مدى مئات الألوف من السنين وملايين السنين، لم يوجد على الأرض أي كائن حي، متعضٍ ، وبناء عليه لم يوجد ما يسمى بالفكر، لم يوجد ما يدعي بالوعي. فالكينونة والطبيعة والمادة قد سبقت الوعي والروح والفكر.

لكن لا ينبغي لنا أن نتصور أن المادة هي بالضرورة شيء ما فج، ثقيل، قذر، وأن الفكر هي شيء ما رهيف، خفيف، طاهر. علما بأن الماديين المبتذلين، أو أحيانا بعض الماديين الصغار في السن، يندفعون في حميا النقاش، أو بغية السخرية من فريسيي المثالية الذين لا يتوقف سيل كلامهم عن «العظمة» و«الجمال» والذين يرتاحون كل الارتياح مع ذلك لقذارة عالم البرجوازية ودناءته، يندفعون إلى التوكيد عن قصد وتصميم أحيانا بأن المادة شيء ثقيل وفج.

أما إذا تتبعنا، على العكس من ذلك، تطور العلوم الفيزيائية في المئة والخمسين سنة الأخيرة، للاحظنا أن المادة أضحت شيئا أثيريا وحركيا إلى حدود لا تتصور. فمنذ أن قلبت الثورة الصناعية قواعد الاقتصاد الطبيعي القديم، أخذ كل شيء يتحرك. فكل ما كان راقدا استيقظ، وكل ما كان ساكنا دخل في مدار الحركة. وفي المادة الكتمية، الجامدة، تم، على ما بدا يومئذ، اكتشاف قوى كانت لا تزال مجهولة، وأشكال جديدة من الحركة.

إن الواقعة التالية ستبين لكم مدى النقص الذي كانت عليه معارف الماديين الفرنسيين. فحين كتب هولباخ، وهو من أكثر الماديين الفرنسيين تماسك منطق، كتابه نظام الطبيعة، ما كان يعرف بعد ما يعرفه اليوم كل تلميذ مدرسة مجتهد في السنة الثانية عشرة من العمر. فالهواء كان في نظره شيئا لامنظورا، واحدا من العناصر الرئيسية المكونة للطبيعة، وبعبارة أخرى، ما كانت معرفته بالهواء أفضل من معرفة الإغريق به قبل ألفي عام. وبعد بضع سنوات من نشر المؤلَّف الرئيسي لهولباخ، أثبتت الكيمياء، التي طورها على الأخص لافوازييه، أن الهواء مركب من الآزوت والأوكسجين اللذين يشوبهما بمقادير طفيفة للغاية عدد معين من عناصر أخرى. وبعد مئة سنة، وفي أواخر القرن التاسع عشر، اكتشفت الكيمياء بين تلك العناصر الأخرى غازات مثل الارغون والهيليوم، وهذه الغازات هي بدورها ضرب من المادة، ولكن بالغة الرهافة.

إليكم مثالا آخر. إن البرق اللاسلكي كثير الاستعمال في روسيا السوفياتية. وقد أدى لنا خدمات جلى أثناء الحصار والحرب الأهلية. ولولاه لكنا تهنا في دياميس الظلمات. والحال أن البرق اللاسلكي لم يكن له من وجود قبل 26 عاما. ففي سنة 1897 أو 1898 اكتشفت في المادة الفجة، الخادمة، جواهر لامادية إلى أبعد حد، بحيث لم يكن هناك مفر، لوضع أسماء لها، من اللجوء إلى تسميات مقتبسة من اللاهوت الهندوسي القديم. إن البرق اللاسلكي ينقل الأصوات. ففي مقدورنا أن نسمع هنا في موسكو حفلة موسيقية تقام على بعد آلاف الفراسخ. وقبل زهاء أسبوعين علمنا أن في الامكان إرسال برقية لا تستنسخ توقيعك الخطي فحسب، بل أيضا صورتك الشخصية. وتحقيقا لذلك يكفي أن يجري تعديل جهاز اخترعه التقني الفرنسي بيلان، وهذا كله يتم لا بمساعدة «الروح»، وإنما بمساعدة مادة بالغة الدقة والرهافة، تقاس وتوجه من قبلنا.

لقد ضربت لكم تلك الأمثلة كي أبين لكم مدى تخلف التصورات المألوفة عن المادية واللامادية. ولقد كانت هذه التصورات أشد تخلفا أيضا في القرن الثامن عشر. ولو كان في متناول ماديي ذلك العصر هذه الوقائع الجديدة كافة، لكانوا أقل «فجاجة» ولما كان «المرهفون» أشاحوا عنهم.

كان الفلاسفة الألمان المعاصرون لكانط يعتنقون وجهة النظر التقليدية «القويمة». فكانوا يردون المذهب المادي على أنه زنديق ولا أخلاقي. لكن كانط ما كان يكتفي بحل بمثل تلك البساطة. وكان يدرك حق الإدراك كل تهافت الأفكار الدينية القديمة. لكن لم يكن يملك لا الجرأة ولا المنطق اللازم ليبت صلته بصورة نهائية بتلك الأفكار.

وفي عام 1781 نشر مؤلَّفه الرئيسي نقد العقل الخالص. وقد أبان فيه أنه لا وجود البتة لأي برهان على وجود الله وعلى خلود النفس وعلى أزلية الأفكار، وأن علمنا يقوم على أساس التجربة. على أنه أضاف القول أننا لا نستطيع أن نعرف الأشياء ذاتها، لا نستطيع أن نعرف ماهيتها بالذات، وإنما فقط الأشكال التي تتجلى بها تلك الأشياء فتؤثر على حواسنا. وماهية الأشياء، المختفية وراء الظاهرة، لن تكون أبدا في متناولنا. هكذا يكون كانط قد أقام نوعا من جسر بين المادية والمثالية، بين العلم والدين. ما كان ينكر تقدم العلم، وما كان ينكر أن العلم يساعد على فهم الأشياء، لكنه ترك في الوقت نفسه مخرجا للاهوت بقبوله بإطلاق اسم الله على ماهية الأشياء.

بيد أن كانط أوغل إلى أبعد من ذلك في محاسبته المزدوجة، في رغبته في التوفيق بين العلم والإيمان. فقد كتب مؤلَّفا آخر، نقد العقل العملي. وقد أوضح فيه أنه إذا كان من الممكن الاستغناء في النظرية عن الله وخلود النفس الخ، فلا مناص في الممارسة من الاعتراف بتلك المبادئ جميعا، لأنه بدونها يبقى النشاط بالذات مفتقرا إلى أساس أخلاقي.

يصف الشاعر الألماني هايني، الذي سبق لي أن حدثتكم عنه والذي كان الصديق الحميم لماركس وكان له عليه فترة من الفترات تأثير مرموق، يصف على نحو ممتع للغاية دوافع موقف كانط ذاك. فقد كان لدى كانط خادم طاعن في السن يدعى لامب، أقام لديه أربعين عاما وكان يحيطه بالرعاية الحنون. وكان لامب يجسد، في نظر كانط، العالم العادي الذي لا يستطيع أن يحيا بدون إيمان. وبعد أن يعرض هايني ببراعة كل الأهمية الثورية لـ نقد العقل الخالص بالنسبة إلى النضال ضد اللاهوت، بل حتى ضد الإيمان بمبدأ إلهي بحث، يفسر لماذا احتاج كانط إلى نقد العقل العملي الذي رمم فيه كل ما كان قد هدمه. إليكم ما كتبه:

«التراجيديا تعقبها الملهاة التهريجية. وعمانوئيل كانط لعب الآن دور الفيلسوف المتصلب. فقد انقض يهاجم يهاجم السماء، وأرغم حاميتها على وضع سلاحها، سيد العالم ممدد يسبح في دمه، لا رحمة بعد اليوم، ولا عناية أبوية، ولا مكافأة في الآخرة عن الفضيلة في هذه الدنيا، الخلود يحتضر، هنا أنين وهناك حشرجة. لكن لامب العجوز موجود هنا، المظلة تحت ذراعه، يتفرج مكروب النفس، ووجهه يغطيه عرق بارد، والدموع تنسال منه. عندئذ تدلف الشفقة إلى قلب كانط، فيظهر أنه ليس فيلسوفا كبيرا فحسب، وإنما رجل طيب القلب أيضا. فبعد هنيهة من التأمل، يقول بلهجة شبه متسامحة وشبه ساخرة معا: «لامب العجوز بحاجة إلى إله، وإلا فلن يعرف للسعادة طعما. والحال أن الإنسان يجب أن يكون سعيدا على هذه الأرض. هكذا يتكلم العقل العملي. حسنا! ليكن الأمر كذلك: فالعقل العملي يضمن وجود الله».

لقد لعب كانط دورا عظيما أيضا في تاريخ العلم. فقد اثبت، مع عالم الفلك الفرنسي لابلاس، أن أرضنا لم يخلقها الله في يوم واحد، كما يروي لنا ذلك الكتاب المقدس، وأنها حصيلة تطور طويل الأمد، وأنها تكونت مع جميع الأفلاك السماوية عن طريق تركز مادة عادة الشكل، ومتخلخلة للغاية.

كان كانط في الواقع توفيقيا بين الفلسفتين القديمة والجديدة، وقد بقي كذلك في جميع مضامير الحياة العملية. لكنه إن لم يعرف كيف يقطع أواصره بالماضي قطعا جازما، فقد خطأ مع ذلك خطوة هامة إلى الأمام، وجاء تلاميذه المتماسكو المنطق ممن فهموا، نظير هايني، السبب الحقيقي لمحاسبته المزدوجة، ليطرحوا جانبا نقد العقل العملي وليستخلصوا من نقد العقل الخالص الاستنتاجات المتطرفة التي يتضمنها بين طياته.

لن أتوقف عند فيخته الذي أتى انجلز بذكره. فتأثير فيخته كان على لاسال أكثر منه بكثير على ماركس. لكن فلسفته تشتمل على عنصر لم يتعرض له البتة مذهب كانط، وكان له بالغ الأثر في المثقفين الثوريين الألمان. فلئن كان كانط فيلسوفا مسالما لم يبارح على امتداد عشرات السنوات مدينته العزيزة كونيكسبرغ، فقد كان فيخته رجل عمل وليس مجرد فيلسوف. وعنصر النشاط هذا هو الذي ضمَّنه فلسفته. فقد عارض التصور القديم عن قوة خاصة تتحكم بأمر الناس بتصور جديد يجعل من الشخصية الإنسانية ونشاطها المصدر الرئيسي لكل نظرية ولكل ممارسة.

لكن الفيلسوف الذي كان له أكبر الأثر على ماركس وانجلز كان هيغل الذي يقوم نظامه كله على أساس نقد مذهبي كانط وفيخته. كان هيغل، في شبابه، قد تحمس للثورة الفرنسية، وحين حضرته الوفاة في عام 1831كان أستاذا جامعيا وموظفا بروسياً تحظى فلسفته باستحسان السلطات.

كيف أصبحت فلسفة هيغل المعين الذي كان ماركس وانجلز ولاسال يروون منه ظمأهم إلى المعارف؟ ماذا كان في تلك الفلسفة لتجتذب لا محالة نخبة الفكر الثوري والاجتماعي؟

كانت فلسفة كانط، في قسماتها الأساسية، قد تكونت قبل الثورة الفرنسية الكبرى. ويوم اندلعت شرارة تلك الثورة، كان كانط قد ناهز الخامسة والسبعين. ولئن أحس بأثرها، فإنه لم يستخلص منها استنتاجات جذرية. بيد أنه تمثل فكرة التطور فيما يتعلق بالطبيعة وبتاريخ كوكبنا، وأن يكن نظامه كله يرتد إلى تفسير العالم كما هو كائن عليه.

وعلى العكس من ذلك، سعي هيغل، الذي كان قد جاز تقلبات الحياة الاقتصادية والسياسية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، إلى تفسير العالم كما يتطور. فلا شيء ثابت. وعقل العالم وفكرته الطلقة لا يعيشان ولا يتجليان إلا في سيرورة الحركة والتطور المتصل. كل شيء يدور، كل شيء يتغير، كل شيء يندثر. والحركة المتصلة والتطور المتصل للفكرة يحددان تطور عالمنا في الميادين كافة. ولفهم الظاهرات التي تحيط بنا لا يكفي أن ندرسها كما هي موجودة، بل ينبغي أن نفهم كيف تطورت، لأن كل ما حولنا هو نتيجة تطور سابق. بل أكثر من ذلك: فلئن بدا هذا الشيء أو ذاك للوهلة الأولى في حالة سكون وجمود، فإننا نلحظ، عند تفحصه بانتباه، أنه يحدث في داخله حركة، صراع، وأنه توجد فيه مؤثرات وقوى تبقى عليه في المظهر الذي نعرفه عليه، ومؤثرات أخرى وقوى أخرى تجنح إلى تغييره. في كل ظاهرة، في كل علة، يحدث صراع بين ذينك المبدئين، الأطروحة والنقيضة. أول هذين المبدئين يثبت ويصون، وثانيهما يهدم ويدمر. وصراع هذين المبدئين الموجود في كل ظاهرة يفضي إلى شيء ما وسيط، إلى اتحادهما.

العقل والفكر لا تبقى في نظر هيغل ساكنة، لا تجمد في حالة واحدة، لا تستقر في أطروحة. بل على العكس، فهذه الأطروحة، هذه الفكرة التي تعارض نفسها بنفسها تنقسم إلى فكرتين معاكستين واحدتهما للأخرى: الإثبات والنفي، النعم واللا. ومن صراع هذين العنصرين المتعاكستين، المتضمنين في النقيضة، تتكون الحركة التي يسميها هيغل بالجدل للتوكيد على عنصر الصراع الموجود فيها. في هذا الصراع، في هذا الجدل، يتوازن الضدان ويؤسس كل منهما الآخر. ويتمخض انصهار هاتين الفكرتين المتناقضتين عن فكرة جديدة: تركيبهما. وتنقسم هذه الفكرة الجدية بدورها إلى فكرتين متعارضتين، فتتحول الأطروحة إلى نقيضة، وتذوب كلتاهما بدورهما في تركيب جديد.

كان هيغل يعد إذن كل ظاهرة، كل شيء، سيرورة، شيئا قيد تحول دائم وتطور متصل. فكل ظاهرة ليست نتيجة تبدل سابق فحسب، بل تحمل في ذاتها جرثومة تبدل جديد. وهي لا تتوقف أبدا عند درجة معينة. بل على العكس، فما أن ترتفع إلى درجة عليا حتى يبدأ بالنسبة إليها صراع تناقضات جديدة. وكما يقول هيغل ويحسن القول، فإن صراع التناقضات هذا هو نفسه مصدر كل تطور.

ذلكم هو كنه العنصر الثوري في فلسفة هيغل. فمع أن هيغل كان مثاليا، ومع أن المبدأ كان بالنسبة إليه الروح لا الطبيعة، الفكرة لا المادة، فقد مارس تأثيرا ضخما على العلوم التاريخية والاجتماعية كافة، وحتى على العلوم الطبيعية. وقد حث على دراسة الواقع، ودعا إلى البحث عن جميع أشكال تطور الفكرة المطلقة، وكلما كانت تظاهرات هذه الفكرة متنوعة، كانت متنوعة أيضا الظاهرات والسيرورات التي ينبغي درس تطورها.

وحتى نحسن فهم ما كان يجذب ماركس وانجلز ولاسال، وكذلك ثوريينا الروس بييلنسكي وهرزن وباكونين وتشيرنيشفسكي، إلى تلك الفلسفة الجافة للغاية في مظهرها الخارجي، بلغتها الضبابية، سأقرأ لكم ما قاله عنها تشيرنيشفسكي:

«التغير الأبدي للشكل، التدمير الأبدي للشكل المتولد عن مضمون أو توق معين، بنتيجة اشتداد هذا التوق بالذات، بنتيجة التطور الأقصى للمضمون عينه –أن من فهم هذا القانون الأبدي والكوني الأكبر، ومن تعلم أن يطبقه على كل ظاهرة، يلبث مطمئنا أمام المصادفات التي تحتار لها الباب الآخرين. فهو إذ يردد مع الشاعر: «لقد راهنت بكل ما لديّ على العدم، والعالم بأسره يخصني»، لا يتحسر على شيء مما فات أوانه ويقول: «ليكن ما سيكون، ولكننا نحن الذين سنظفر في خاتمة المطاف».

لن أتوقف عند الجوانب الأخرى من الفلسفة الهيغيلية، تلك الجوانب التي تبين لماذا كانت تلك الفلسفة بمثابة حافز قوي على دراسة الواقع. لكن كلما كان تلاميذ هيغل يتبحرون في دراسة الواقع على ضوء المنهج الجدلي الذي ابتكره أستاذهم وبإرشاده وهديه، كان يتضح لهم العيب الأساسي في تلك الفلسفة: كونها فلسفة مثالية، لأن المبدأ المحرك، الخالق، في نظرها، هو الفكرة المطلقة، الوعي المحدد للكينونة.

كانت هذه النقطة الضعيفة في نظام هيغل تستدعي النقد. وكان من الممكن القول أن فكرته المطلقة لا تعدو أن تكون في جوهرها طبعة جديدة من الإله المسيحي القديم، أو الإله المصفى، اللامادي، الذي خلقه فلاسفة من أمثال فولتير لأنفسهم أو للشعب.

وإنما من وجهة النظر تلك تناول واحد من أكثر تلامذة هيغل موهبة، ل. فيورباخ، فلسفة معلمه. كان قد فهم حق الفهم واستوعب كل الاستيعاب الجانب الثوري من تلك الفلسفة. لكنه طرح السؤال التالي: هل يمكن لتلك الفكرة المطلقة أن تحدد حقا في تطورها الكينونة كلها؟ على هذا السؤال، أجاب فيورباخ بالنفي. وقد قلب الأطروحة الأساسية لهيغل، وأوضح أن الكينونة، على العكس من ذلك، هي التي تحدد الوعي، وأنه مر زمن كانت فيه الكينونة موجودة بلا وعي، وأن الفكر والفكرة هما نتاج تلك الكينونة بالذات. وذهب إلى أن الفلسفة الهيغيلية هي آخر الأنظمة اللاهوتية، لأنها تحل محل الله كائنا، عنه يصدر كل شيء، الفكرة المطلقة. وأوضح فيورباخ أن جميع أفكارنا عن الله ومختلف الأنظمة الدينية، بما فيها المسيحية، هي من نتاج الإنسان عينه، وأن ليس الله هو الذي يخلق الإنسان، وإنما الإنسان هو الذي يخلق الله على صورته. وحسبنا أن نقشع عالم الأشباح والملائكة والساحرات وسائر تظاهرات الماهية الإلهية حتى يظهر العالم الإنساني. وعلى هذان يكون الإنسان المبدأ الأساسي في كل فلسفة فيورباخ. وأسمى شرائع العالم الإنساني ليست شريعة الله، وإنما خير الإنسان بالذات. وبعبارة أخرى، عارض فيورباخ المبدأ اللاهوتي الإلهي القديم بمبدأ جديد، المبدأ الانثربولوجي.

إذا ما قرأتم ناقدَينا وصحيفينا القديمين دوبروليوبوف وتشذيرنيشفسكي، ترون أن تصورهما عن العالم يقوم على أساس ذلك المبدأ الانثربولوجي، وأن نقطة الانطلاق بالنسبة إليهما هي الإنسان بحاجاته. ولإرساء أسس المجتمع الإنساني الحق، ينبغي الاهتمام لا بالروح وحده، وإنما بالجسد أيضا، كما ينبغي الانكباب على تلبية جميع حاجات الإنسان. ينبغي أن تخلق للحياة شروط يمكن فيها للإنسان أن يطور مواهبه كافة. وبفضل فيورباخ تحديدا توصلا إلى تلك الاستنتاجات التي توصل إليها أيضا ماركس وانجلز وسائر المثقفين المتقدمين عصرئذ.

إنها لظاهرة مثيرة للاهتمام إلى أقصى درجة. حسبنا أن نقارن مؤلفات ماركس وانجلز السابقة لعام 1845 مع مؤلفات هرزن وبييلنسكي ودوبروليوبوف وتشيرنيشفسكي، حتى ندرك تشابه الأفكار ووجهات النظر المعروضة فيها، وهو تشابه لا يزداد إلا عمقا بقدر ما يبتعد كتابنا الروس عن هيغل ليقتربوا من فيورباخ. والحال أنكم تعلمون أن لا تشيرنيشفسكي ولا دوبروليوبوف، وكم بالأحرى هرزن، كانوا ماركسيين أو شيوعيين، وان اعتنقوا مذهب الاشتراكية. لقد توقفوا جميعهم عند طور معين، بمن فيهم تشيرنيشفسكي نفسه الذي توغل أكثر مما توغل الآخرون في الطريق الذي دفعت به إليه دراسة فيورباخ.

ماركس وحده هو الذي ادخل شيئا جديدا كل الجدة على فلسفة فيورباخ باستخلاصه منها استنتاجات جديدة. لكن حتى نفهم الجديد الذي ادخله ماركس على الفلسفة الألمانية، ينبغي علينا أن نرجع إلى الوراء.

حين حدثتكم عن شباب ماركس، لفتّ أنظاركم إلى واقعة صغيرة لها دلالتها. فقد أوضح ماركس في واحد من مواضعيه الإنشائية في المرحلة الثانوية أنه توجد، حتى قبل ولادة كل إنسان، جملة من الشروط التي تحدد تحديدا حتميا مهنته في المستقبل. كان ماركس يعرف إذن، هو لا يزال على مقاعد الدراسة الثانوية، الفكرة التي تفرض نفسها بوصفها النتيجة المنطقية لفلسفة القرن الثامن عشر المادية. الفكرة التي تقول أن الإنسان نتاج البيئة والظروف، ولهذا لا يسعه أن يكون حرا كامل الحرية في اختياره لمهنته، ولا يمكنه أن يكون صانع سعادته. وليس في هذه الأطروحة، كما قلت، شيء جديد، ليس فيها شيء يعود إلى ماركس وحده دون غيره. وكل ما هنالك أن هذا الأخير صاغ صياغة مبتكرة إلى حد بعيد ما كان قرأه مرارا وتكرارا في مؤلفات الفلاسفة الذين كان والده مولعا بهم. وحين دخل إلى الجامعة ووجد نفسه في ذلك الوسط الفكري الجديد الذي كانت الهيمنة فيه للفلسفة الألمانية الكلاسكية، عارض من فوره مثالية هذه الفلسفة بتصور أكثر مادية. لهذا استخلص بفائق السرعة من الفلسفة الهيغيلية جميع الاستنتاجات الجذرية التي تنطوي عليها وهلل لمؤلف فيورباخ ماهية المسيحية. وكان هذا الأخير قد توصل إليها الماديون المتطرفون في القرن الثامن عشر، مع فارق واحد وهو أن فيورباخ، تلميذ هيغل، رأى في ما لم ير فيه أولئك الماديون سوى خداع وخرافة طورا ضروريا من أطوار الحضارة الإنسانية. لكن الإنسان بقي لديه، كما لدى الماديين الفرنسيين في القرن الثامن عشر، صورة مجردة إلى حد بعيد.

كان يكفي المضي قدما إلى الأمام في تحليل الإنسان والبيئة حتى يتضح أن هذا الإنسان يشكل بذاته تنوعا بالغا، وأنه يوجد في أشكال فائقة التنوع، ويكتسي بملابس شديدة التفاوت. فملك بروسيا ورئيس إقليم الراينلاند كانا إنسانيين مثلما كان إنسان فلاح الموزيل وعامل المعامل اللذين كان ماركس يتعاطى وإياهما في بلاده. فقد كان لهم جميعا الأعضاء ذاتها، والرأس ذاتها، والسيقان ذاتها، والأذرع ذاتها. لم يكن ثمة فارق أساسي من وجهة النظر الفيزيولوجية والتشريحية بين فلاح الموزيل والنبيل الريفي البروسي، ولكن كان بينهما مع ذلك فارق هائل منة منظور وضعهما الاجتماعي.

لكن الناس يختلفون عن بعضهم بعضا لا في المكان فحسب، بل في الزمان أيضا. فقد كان أهل القرن السابع عشر يتميزون عن أهل القرن الثاني عشر. فمن أين جاءت تلك الاختلافات إذا كان الإنسان ذاته لا يتغير، وإذا لم يكن إلا نتاج الطبيعة؟

في هذا الاتجاه تحديدا شرع ذهن ماركس بالعمل. فلا يكفي أن يقال أن الإنسان نتاج البيئة، وأن البيئة تكوّن الإنسان. فلتكوين أناس على ذلك القدر من الاختلاف، لا بد أن تكون البيئة نفسها مختلفة وأن تحتوي على عناصر متناقضة. وبالفعل، أن هذه البيئة ليست محض محتشد من الناس، وإنما هي وسط اجتماعي يرتبط الناس فيه فيما بينهم بوشائج محددة، وينتمون إلى فئات اجتماعية مختلفة.

لهذا ما كان يمكن لماركس أن يكتفي بنقد فيورباخ للدين. فقد فسر هذا الأخير ماهية الدين بماهية الإنسان، لكن ماهية الإنسان بشيء مجرد، بشيء يخص الإنسان كفرد. وإنما يمثل الإنسان بنفسه جملة، منظومة من علاقات اجتماعية محدد، ولا وجود لإنسان منعزل. لكن الروابط الطبيعية القائمة بين الناس تقل أهمية عن الروابط الاجتماعية التي تقوم فيما بينهم في مجرى التطور التاريخي. لهذا لم يكن الشعور الديني شيئا طبيعيا، وإنما هو نتاج اجتماعي.

ترتيبا على ما تقدم، لا يكفي القول بأن الإنسان هو نقطة الانطلاق لفلسفة جديدة. بل ينبغي أن يضاف القول أن ذلك الإنسان الاجتماعي، الذي هو نتاج تطور اجتماعي محدد، يتكون ويتطور على أرضية مجتمع محدد، متمايز تمايزا محددا. وفي حال تعميق التحليل، نلاحظ أن تمايز الوسط الاجتماعي إلى طبقات متباينة ليس شيئا قَبليا، طبيعيا، وإنما نتاج تطور تاريخي طويل. ولو درسنا الكيفية التي تم بها ذلك التطور، لرأينا أنه كان على الدوام نتيجة صراع تناقضات وتعارضات تبرز إلى حيز الوجود في مرحلة معينة من التطور الاجتماعي.

لم يتوقف ماركس عند هذا الحد، بل أخضع لنقده سائر اطروحات فيورباخ الفلسفية. وأدخل على الفلسفة النظرية، التأملية المحض، عنصرا جديدا: النشاط العملي الثوري القائم على أساس نقد الواقع.

كان فيورباخ، نظير الماديين الفرنسيين، يقول أن البشر نتاج الظروف والتربية، نتاج رد فعل الكينونة على الوعي. وكان يظهر للعيان على هذا النحو أن الإنسان، بما هو عليه من حال، برأسه وذراعيه وساقيه، ليس، وأن تميز عن سائر العالم الحيواني، سوى جهاز حسي محدد تعرض لتأثير الطبيعة المحيطة. فأفكاره جميعا وخطرات ذهنه كافة هي انعكاس تلك الطبيعة. وعليه، ما الإنسان في نظر فيورباخ إلا عنصر سلبي يسجل بكل دعة جميع الانطباعات التي يتلقاها من الطبيعة.

وقد عارض ماركس هذا التوكيد بتوكيد آخر: فكل ما يتم في الإنسان، كل تبدلات الإنسان بالذات، ليست نتيجة فعل الطبيعة فيه فحسب، وإنما أيضا، وإلى حد بعيد، نتيجة فعله هو في الطبيعة. أن كل تطور الإنسانية إنما يكمن في أن الحيوان البدائي، الإنساني الشكل، لا يكتفي، في صراعه المتصل من أجل البقاء، بأن يتعرض سلبا لتأثير الطبيعة، بل يفعل هو نفسه في الطبيعة، وبتحويله إياها يحول شروط وجوده، ويحول ذاته بذاته في الوقت نفسه.

على هذا النحو أدخل ماركس على فلسفة فيورباخ السلبية العنصر الثوري، عنصر العمل والنشاط. وقد قال، خلافا لفيورباخ، أن دور الفلسفة ليس تفسير هذا العالم فحسب، بل تحويله أيضا. فالنظرية تكتمل بالممارسة، ونقد الواقع والعالم المحيط ونفيها يكتملان بالعمل الايجابي، بالنشاط العملي. على هذا النحو أدخل ماركس على الفلسفة المادية المبدأ الثوري، على هذا النحو حوّل فلسفة فيورباخ التأملية إلى فلسفة للعمل والنشاط. فعلى الإنسان أن يثبت بممارسته كلها، بعمله كله، صحة فكره وبرنامجه. وكلما أحسن تطبيق هذا البرنامج في الممارسة، وكلما جسَّده في الواقع على نحو أسرع، أثبت على نحو أفضل أن هذا الواقع ذاته يحتوي من الأساس على جميع العناصر اللازمة لإنجاز المهمة التي أخذها على عاتقه ولتحقيقه البرنامج الذي وضعه.

لقد صاغ ماركس في وقت مبكر للغاية نقد فيورباخ هذا في خطوطه الكبرى. ولو تتبعنا بعناية وانتباه مسار فكره، سهل علينا أن نفهم بأي طريقة وصل إلى فكرته الأساسية التي قاده إنشاؤها إلى الشيوعية العلمية.

كان ماركس ينتمي بأصوله إلى الوسط الفكري الألماني، ومع المثقفين خاض النقاش وأدار دفته ليقنعهم بتهافت مبادئهم القديمة.

قال: إننا جميعا متفقون على الإقرار بأن ألمانيا الراهنة، بروسيا التي تعسر فيها الحياة للغاية والتي لا وجود فيها لا لحرية الفكر ولا لحرية التعليم، متفقون على الإقرار بأن ذلك العالم كله شيء قليل الإغراء والجاذبية. ولا يساورنا ريب في وجوب تغييره إذا كنا لا نريد أن يغرق الشعب الألماني نهائيا في حماة ذلك المستنقع الكريه.

لكن –يتساءل ماركس- بأي صورة يمكن تغييره؟ أنه لن يتغير ما لم توجد في المجتمع الألماني مجموعة، فئة من الناس المعنيين، بحكم شروط حياتهم بالذات، بتغييره.

ويحلل ماركس على التوالي جميع الفئات الموجودة في المجتمع الألماني: النبالة، سلك الموظفين، البرجوازية. ويصل إلى الاستنتاج بأن هذه الأخيرة، بعكس البرجوازية الفرنسية التي لعبت دورا ثوريا مرموقا، ليست في حالة تؤهلها للقيام بعبء دور الطبقة المحررة القادرة على تغيير النظام الاجتماعي بأسره.

لكن أي طبقة أخرى تستطيع القيام، والحالة هذه، بعبء ذلك الدور؟ هنا يخلص ماركس، الذي كان يدرس بعناية يومئذ تاريخ إنكلترا وفرنسا ووضعهما، إلى الاستنتاج بأن تلك الطبقة لا يمكن أن تكون غير البروليتاريا.

هكذا طرح ماركس منذ 1844 هذه الأطروحة الأساسية: أن الطبقة التي تستطيع ويتوجب عليها أن تتولى مهمة تحرير الشعب الألماني قاطبة وتحويل النظام الاجتماعي لا يمكن أن تكون غير البروليتاريا. لماذا؟ لأنها الطبقة التي يتجسد في شروط حياتها كل شر المجتمع البرجوازي المعاصر. فليس ثمة من طبقة أخرى تحتل في السلم الاجتماعي مرتبة أدنى من تلك التي تحتلها البروليتاريا، وليس ثمة من طبقة أخرى تتحمل مثلها وطأة كل المجتمع الباقي. وفي حين يقوم وجود سائر الطبقات الأخرى على الملكية الفردية، تجد البروليتاريا نفسها محرومة من تلك الملكية ولا مصلحة لها البتة في بقاء المجتمع القائم. إنها لا تفتقر إلا إلى وعي رسالتها، أي إلى العلم، إلى الفلسفة. ولسوف تغدو مرتكز الحركة التحريرية قاطبة ومحورها إذا تشعبت بذلك الوعي، بتلك الفلسفة، وإذا فهمت جميع شروط تحررها، وإذا استوعبت الدور العظيم الذي يؤول إليها.

تلك هي وجهة نظر ماركس الأساسية، وجهة النظر التي كان هو أول القائلين بها.

كان الطوباويون الكبار: سان سيمون وفورييه وأوين، وعلى الأخص هذا الأخير، قد وجهوا اهتمامهم آنفا إلى «الطبقة الأكثر تعدادا والأكثر حرمانا»، إلى البروليتاريين، لكنهم انطلقوا جميعهم من فكرة أن البروليتاريا ليست إلا الطبقة الأكثر إدقاعا وبؤسا، والأشد نصَبا وتألما، وأنه من الواجب بالتالي الاهتمام بوضعها، وأن هذه المهمة تقع على عاتق الطبقات العليا، الطبقات المستنيرة. في بؤس البروليتاريا لم يروا غير البؤس، ولم يلحظوا العامل الثوري الذي ينطوي عليه ذلك البؤس، نتاج تفسخ المجتمع البرجوازي.

كان ماركس أول من أظهر أن البروليتاريا ليست طبقة متألمة فحسب، بل هي أيضا مصارع فعال ضد المجتمع البرجوازي، وأنها الطبقة التي تتحول حتما، بحكم شروط وجودها، إلى الطبقة الثورية الوحيدة في المجتمع البرجوازي.

هذه الفكرة، التي كانت قد عرضها لأول في عام 1844، عاد إلى تطويرها في مؤلَّف كتبه بالتعاون مع انجلز، وهذا المؤلَّف المعنون باسم الأسرة المقدسة، مكرس لرفيقيه القديمين في السلاح الأخوين باور. ولقد شاخ هذا المؤلَّف اليوم (ظهر في عام 1845)، لكنه لم يشخ أكثر بكثير مما شاخت بعض مؤلفات بليخانوف أو حتى لينين. لنأخذ كراسة ما لبليخانوف ظهرت في عام 1883، أو حتى للينين في عام 1903، ولسوف نرى أن القارئ الشاب لن يفقه منها شيئا البتة تقريبا إذا لم ترفق بشرح وتعليق. إن الشيوخ من أمثالي يتذكرون تماما فترة 1890، ويعرفون عن ظهر قلب جميع ممثلي التيارات الأدبية والثورية، حتى أقلهم شأنا، في تلك الحقبة. لكنكم، أنتم، تجهلون أو تكادون تلك الأسماء كلها، والنضال الذي خاضه الماركسيون الأوائل مجهول منكم تماما، وأنكم لتقرؤون بلامبالاة، بل بسأم أحيانا، الصفحات التي تهز أوتارنا العميقة.

وإنما بهذا المعنى شاخ كتاب الأسرة المقدسة الذي كتبه ماركس بصورة رئيسية. لكنه كتاب يتفجر حيوية بالنسبة إلى كل من يملك فكرة واضحة عن ألمانيا في الفترة ما بين 1840 و1850 وعما دار فيها من صراع مستعر بين مختلف التيارات الفكرية والاجتماعية. وفي ذلك الكتاب يسخر ماركس من جميع محاولات المثقفين الألمان للإشاحة عن البروليترايا أو للاكتفاء بجمعيات البر والإحسان الرامية إلى إسعاد تلك البروليترايا عينها. ويشرح للمثقفين الأهمية الثورية للبروليتاريا التي أظهرت للعيان قبل بضعة أشهر، في شخص الحاكة السيليزيين، أنها لا تتراجع أمام شهر راية العصيان ذودا عن مصالحها الأساسية.

في ذلك المؤلَّف مهد ماركس السبيل للتطور اللاحق لفلسفته الجديدة. فالبروليتاريا طبقة على حدة، لأن المجتمع الذي تحيا فيه مجتمع طبقات. والبروليتاريا تقابلها البرجوازية، فالعامل يستغله الرأسمالي. وهنا يطرح سؤال جديد نفسه. من أين يأتي الرأسماليون؟ ما الأسباب التي تمخض عنها ذلك الاستغلال للعمل الأجير من قبل الرأسمال؟ كانت هناك حاجة إلى دراسة هذا المجتمع والقوانين الأساسية لوجوده وتطوره. ومن هذه الزاوية أيضا خلف ماركس بعيدا وراءه فيورباخ الذي ما كان أبدى اهتماما يذكر بتطور العلاقات الاجتماعية والذي بقي، في هذا المضمار، دون مستوى معلمه هيغل بكثير، إذ أن هذا الأخير كان قد درس بعناية قوانين تطور المجتمع البرجوازي، وأن من وجهة نظر مثالية.

في ذلك الكتاب أشار ماركس إلى أنه من المستحيل أن يفهم المرء شيئا من تاريخ عصره إذا لم يكن يعرف حالة الصناعة، والشروط المباشرة للإنتاج، والشروط المادية لحياة الإنسان، والعلاقات التي تقوم بين البشر في سيرورة تلبية حاجاتهم المادية.

وقد انكب ماركس عندئذ على دراسة تلك المسألة بشغف. وسوف نرى فيما بعد ما سيتوصل إليه من نتائج إبان السنتين التاليتين وقبل ثورة 1848. فقد انصرف إلى دراسة الاقتصاد السياسي حتى يفهم فهما أفضل أوالية العلاقات الاقتصادية في المجتمع المعاصر.

لكن ماركس لم يكن مجرد فيلسوف يرغب في تفسير العالم، بل كان ثوريا يبغي تغييره. وكان العمل النظري عنده يواكب العمل العملي.

في المرة القادمة سأعرض عليكم كيف أسس مع انجلز خلال سنتين ونصف سنة، وعبر صراع فئوي شرس، منظمة رابطة الشيوعيين التي كلفته بكتابة البيان الشيوعي.

المحاضرة الرابعة [نقد وجهات النظر الشائعة عن تاريخ «رابطة الشيوعيين» – ماركس منظما – الصراع ضد فيتلنغ – تأسيس «رابطة الشيوعيين» -«البيان الشيوعي» – المساجلة مع برودون].

صاغ ماركس، كما رأينا، وجهة نظر جديدة كل الجدة في تاريخ الفكر الاجتماعي والسياسي في القرن التاسع عشر. وقد استفاد في ذلك من كل علم عصره ومن كل فلسفته. أما عن تأثير الفكر الاشتراكي عليه فلم أتحدث البتة تقريبا، وهذا لأن ذلك التأثير لم يبدأ إلا في زمن لاحق. وسوف أعالج اليوم مسألة مغايرة تماما. لقد وعدتكم في المرة الأخيرة بأن أعرض لكم مساهمة ماركس في إنشاء رابطة الشيوعيين. وكنت قد وعدتكم سابقا بعرض سيرة حياة ماركس وانجلز بالاعتماد على منهجهما بالذات. وهأنذا أجد نفسي مكرها على أن ألاحظ، بعد تمحيص جميع المعطيات التي تتضمنها كتابات ماركس وانجلز عن تاريخ رابطة الشيوعيين، أن هذه المعطيات لا تصمد لنقد جاد. لم يتطرق ماركس إلى ذلك التاريخ إلا مرة واحدة في حياته، وذلك في نص لم تكتب له الشهرة وهو السيد فوغت الصادر في عام 1860. وقد ارتكب ماركس فيه جملة من الأخطاء. بيد أن نبذة كتبها انجلز في عام 1885 هي التي تُعتمد عادة للاستعلام عن تاريخ رابطة الشيوعيين. وإليكم بصورة تقريبية كيف يصور انجلز الأمر:

كان، يا ما كان، فيلسوفان وسياسيان ألمانيان، ماركس وانجلز، وكانا قد اضطرا إلى مبارحة ألمانيا. عاشا في فرنسا، وزارا بلجيكا، وكتبا مؤلفات ذات طابع علمي جذبت انتباه المثقفين، ووقعت بعد ذلك بين أيدي العمال. وذات يوم من الأيام توجه العمال إلى ذينك العالمين اللذين كانا ملازمين بكل طمأنينة جدران مكتبهما، متحاشين النشاط العملي الفظ، منتظرين بإباء وأنفة في حجرتهما قدوم العمال للقائهما. والحال أن تلك الساعة المباركة أزفت: فقد قدم العمال ودعوا ماركس وانجلز إلى اتحادهم. وأعلن ماركس وانجلز أنهما لن يدخلا إليه ما لم يتم أولا قبول برنامجهما. فوافق العمال، ونظموا رابطة الشيوعيين، وكلفوا للحال ماركس وانجلز بكتابة بيان الحزب الشيوعي. كان أولئك العمال ينتمون إلى «اتحاد العادلين» الذي حدثتكم عنه في محاضرتي الأولى عن تاريخ الحركة العمالية في فرنسا وإنكلترا. وكما قلت لكم، تأسست تلك المنظمة في باريس وعانت من محنة شديدة بعد محاولة البلانكيين الانقلابية الفاشلة في 12 أيار 1839. فبعد تلك الهزيمة شد أعضاؤها الرحال إلى لندن. وكان في عدادهم شابر الذي نظم في شباط 1840 جمعية التثقيف العمالي.

حتى يكون لديكم فكرة أوضح عن الكيفية التي يُسرد بها ذلك التاريخ عادة، سأقرأ عليكم من كتيب ستكلوف عن ماركس:

«أثناء إقامة ماركس في باريس، كان على صلات شخصية بقادة إتحاد العادلين المؤلف من مهاجرين سياسيين ومن حرفيين، لكه لم ينتسب إليه لأن برنامج هذا الاتحاد، وهو برنامج مشبع بالروح المثالية والتهييجية، ما كان من الممكن أن يلقي في نفسه قبولا. لكن شيئا فشيئا حدث في الاتحاد تطور قرّب الشقة بينه وبين ماركس وانجلز اللذين كانا يؤثران بأحداثيهما ورسائلهما، وعن طريق الصحافة أيضا، على الآراء السياسية لأعضائه. وفي حالات نادرة كان الصديقان ينقلان آراءهما إلى مراسيلهما بواسطة نشرات مطبوعة على الحجر. وبعد القطيعة مع المهيج فيتلنغ و«النقد الصارم للمنظِّرين المتقلبين»، تهيأ الجو لدخول ماركس وانجلز إلى «الرابطة». وحضر المؤتمر الأول للرابطة، التي تسمت باسم رابطة الشيوعيين، انجلز وفلهلم وولف، وانعقد المؤتمر الثاني في تشرين الثاني 1847 بمشاركة ماركس شخصيا. وبعد الاستماع إلى الخطاب الذي عرض فيه ماركس فلسفته الاشتراكية الجديدة، كلف المؤتمر هذا الأخير بأن يضع مع انجلز برنامج الرابطة. وعلى هذا النحو رأى النور البيان الشيوعي الشهير».

لا يفعل ستكلوف شيئا سوى ترداد ما كتبه مهرينغ الذي يردد هو نفسه ما يرويه لنا انجلز. والحال، كيف لنا ألا نصدق هذا الأخير؟ وبالفعل، هل هناك لرواية تاريخ مشروع ما أو قضية ما رواية أفضل من ذاك الذي شارك بنفسه في تنظيمه؟ بيد أنه يتوجب علينا مع ذلك أن نخضع للتمحيص النقدي كلمات انجلز، وكلمات أي مؤرخ آخر، ولاسيما أنه حرر نبذته بعد زهاء أربعين عاما من وقوع الأحداث التي يصفها فيها. ففي مثل هذا الردح الطويل من الزمن يكون من السهل نسيان شيء ما، ولاسيما إذا كتب المرء ما كتبه في شروط وحالة معنوية مختلفة كل الاختلاف.

إن لدينا وقائع أخرى لا تتفق البتة وتلك الرواية. فماركس وانجلز ما كانا بمنظِّرين مجردين كما يصورهما ستكلوف. بل على العكس، فما أن فهم ماركس أن جميع أولئك الذين يقولون بضرورة تحويل النظام الاجتماعي القائم تحويلا جذريا لا يمكنهم الاعتماد إلا على الطبقة العاملة، على البروليتاريا التي تجد في وجودها بالذات جميع حوافز كفاحها ضد ذلك النظام، حتى شق طريقه إلى الوسط العمالي وسعى مع صديقه إلى دخول جميع الأماكن وجميع المنظمات التي كان أولئك العمال يتعرضون فيها لمؤثرات مغايرة. والحال أن أشباه تلك المنظمات كانت قائمة. فلنتفحصها.

في سردي لتاريخ الحركة العمالية، توقفت عند عام 1840 تقريبا. فبعد هزيمة أيار 1839 كف اتحاد العادلين عن الوجود كتنظيم مركزي. وعلى كل حال، وابتداء من 1840، لا نعود نعثر على أثر لوجوده أو لنشاطه كتنظيم مركزي. وإنما كل ما تبقى منه حلقات منعزلة كان ينظمها الأعضاء القدامى في اتحاد العادلين. وقد تكلمنا عن واحدة من تلك الحلقات رأت اتحاد العادلين. وقد تكلمنا عن واحدة من تلك الحلقات رأت النور في لندن.

أما الأعضاء الآخرون في اتحاد العادلين فقد لاذوا بالفرار إلى سويسرا، وكان أعظمهم نفوذا وتأثيرا فلهلم فيتلنغ.

كان فيتلنغ، الخياط مهنة واحد أوائل الحرفيين الألمان الثوريين، ينتقل شأن الكثير من الحرفيين في ذلك الزمن من مدينة إلى أخرى، وكان قد قدم إلى باريس للمرة الأولى في عام 1835، بيد أنه لم يمكث فيها لفترة طويلة من الزمن إلا بعد أن قدم إليها للمرة الثانية في عام 1837. وقد انتسب فيها إلى اتحاد العادلين ودرس نظريات لامينه، ممثل الاشتراكية المسيحية، وسان سيمون وفورييه. وفي باريس أيضا التقى ببلانكي وأتباعه وتبادل وإياهم أطراف الحديث. وفي أواخر عام 1838، كتب ، بناء على طلب من رفاقه، كراسة الإنسانية كما هي وكما ينبغي أن تكون، وقد ذاد في هذه الكراسة عن افكار الشيوعية.

بعد محاولة فاشلة للدعوة في سويسرا الفرنسية، ثم في سويسرا الألمانية، بادر مع بعض رفاق له إلى تنظيم حلقات في أوساط العمال والمهاجرين الألمان. وفي 1842 نشر مؤلَّفه الرئيسي ضمانات التآلف والحرية الذي عرض فيه بإسهاب وجهات النظر التي سبق له التعبير عنها في عام 1838.

لن أعرض عليكم تفاصيل وجهات النظر تلك. إنما كان فيتلنغ يتميز عن سائر طوباويي عصره بكونه ما كان يؤمن (تحت تأثير بلانكي جزئيا) بإمكانية الوصول إلى الشيوعية بالاقناع. والمجتمع الجديد الذي وضع مخططه في جميع تفاصيله لا يمكن أن يتحقق بغير العنف. وكلما تم القضاء على المجتمع القائم بسرعة أكبر، تحرر بسرعة أكبر أيضا الشعب. وخير وسيلة لذلك هي دفع الفوضى والاختلال الاجتماعي القائم إلى أقصى حد ممكن. فكلما تردت الأحوال، تعاظمت الآمال. وكان أضمن العناصر القادرة على الإطاحة بذلك المجتمع وأكثرها ثورية في نظر فيتلنغ البروليتاريا المتشردة، اللومبن –بروليتاريا، بله بروليتاريا اللصوص وقطاع الطرق.

في سويسرا التقى باكونين –وكان يعتنق بعضا من الأفكار الواردة أعلاه- بفيتلنغ وأطلعه على نظرياته، وحينما اعتقل فيتلنغ في ربيع 1843 في زوريخ وفتح ضده أتباعه تحقيق قضائي، وجد باكونين نفسه متورطا في القضية، فاضطر إلى المهاجرة.

بعد أن مضى فيتلنغ مدة عقوبته، أعيد في أيار 1844 إلى ألمانيا. وبعد طول عناء أفلح في مغادرة هامبورغ إلى لندن حيث استقبل بحفاوة عظيمة.

ونظم على شرفه اجتماع حاشد حضره، علاوة على الاشتراكيين والميثاقيين الإنكليز، المهاجرون الفرنسيون والألمان. كان ذلك الاجتماع أول اجتماع أممي كبير في لندن. وقد أتاح لشابر الفرصة كي ينظم، في تشرين الأول 1844، جمعية أممية تسمت باسم جمعية الأصدقاء الديموقراطيين للشعوب كافة. أما الهدف الذي وضعته نصب عينيها فكان تقريب الشقة بين الثوريين من جميع القوميات، وتمتين روابط الإخاء بين مختلف الشعوب، وانتزاع الحقوق الاجتماعية والسياسية. وقد قادها شابر وأصدقاؤه الأقربون.

كان فيتلنغ، الذي مكث في لندن قرابة عام ونصف عام، يتمتع في البداية بنفوذ واسع في الجمعية العمالية اللندنية التي كانت تدور فيها مناقشات حامية الوطيس حول مختلف المواضيع المرتبطة بـ«الساعة الراهنة»، لكنه سرعان ما اصطدم بمعارضة قوية. فقد كان رفاقه القدامى من أمثال شابر وباور ومول قد تآلفوا، أثناء فراقهم، مع الحركة العمالية الإنكليزية ووجدت مذاهب أوين طريقها إلى عقولهم.

لم تكن البروليتاريا، كما رأينا، طبقة خاصة وذات مصالح خاصة في نظر فيتلنغ. لم تكن سوى شطر من السكان الفقراء، المضطهَدين، وكان العنصر الأكثر ثورية بين هذه العناصر الفقيرة اللومبن-بروليتاريا [40] . كان فيتلنغ يزعم أن اللصوص وقطاع الطرق يمثلون واحدا من العناصر الأكثر موثوقية في الكفاح ضد المجتمع القائم. ولم يكن يعزو أي أهمية للدعاية. وكان يتصور مجتمع الغد في شكل مجتمع شيوعي تتولى قيادته حفنة قليلة من حكماء الناس. وكان يرى أنه من الضروري، كي يجتذب الجماهير إليه، أن يستغل الشعور الديني: فجعل من المسيح رائدا للشيوعية، التي صورها مسيحية مطهرة من كل الشوائب التي شابتها على مر الأجيال.

وحتى نحسن فهم الخلافات التي قامت فيما بعد بينه وبين ماركس وانجلز، ينبغي أن نتذكر أن فيتلنغ كان عاملا موهوبا جدا، ثقف نفسه بنفسه، وكان ذا موهبة أدبية مرموقة، لكنه كان يشكو من جميع عيوب العصاميين من الناس. وعديدون هم العصاميون في روسيا من أشباه فيتلنغ، ولا شك في أنكم قابلتم منهم الكثيرين.

إن العصامي يتدرب، بوجه عام، على استخلاص شيء ما بالغ الجدة من تلافيف دماغه، يبتكر جهازا ما ينم عن براعة عظيمة، لكن يتضح عند التجربة أنه انفق طاقة وزمنا هائلين كيلا يكتشف في خاتمة المطاف سوى أمريكا. وقد يحدث له أن يبحث عن مبدأ دائم ما، أن يبتكر وسيلة لإسعاد الإنسان أو لتحويله إلى عالم بمثل لمح البصر.

والحال أن فيتلنغ كان ينتمي إلى تلك الفئة من العصاميين. فقد كان يريد أن يكتشف وسيلة تسمح للبشر بأن يتمثلوا بصورة شبه فورية أي علم كان. وكان يريد ابتكار لغة عالمية. ومن الوقائع التي لها دلالتها أن عصاميا آخر وعاملا، وهو برودون، قد شرع بدوره بتنفيذ تلك المهمة. ويصعب أحيانا أن نميز ما كان فيتلنغ يحبذه ويقدمه في المعزة: أشيوعيته أم لغته العالمية. كان يعد نفسه نبيا حقيقيا، فما كان يطيق نقدا، وكان يضمر شكا وريبة تجاه الناس المتعلمين بوجه خاص لأنهم لم يحملوا على محمل الجد فكرته الراسخة عن لغة عالمية.

والحال أن فيتلنغ كان في عام 1844 واحدا من أشهر الناس وأكثرهم شعبية لا في أوساط العمال فحسب، بل في أوساط المثقفين الألمان أيضا. وقد ترك لنا الشاعر الشهير هايني وصفا بليغ الدلالة للقائه بالخياط الشهير:

«كان أكثر ما جرح كبريائي عدم تهذيب ذلك الغلام تجاهي أثناء محادثتنا. فقد بقي معتمرا قبعته، وفيما لبثت واقفا جلس على مقعد ورفع ركبته اليمنى إلى علو ذقنه، وما توقف عن حك ركبته تلك بيده الطليقة. وقد خيل إلي في البداية أن ذلك الوضع اللامحتشم عادة اكتسبها أثناء مزاولته لمهنته كخياط، لكنه سرعان ما بدد وهمي. فحين سألته لماذا لا يكف عن حك ركبته، أجابني بلهجة لاأبالية، وكان الأمر في منتهى الطبيعة، أنه في مختلف السجون الألمانية التي سجن فيها كان يوضع في الأغلال، لكن نظرا إلى أن القيد الحديدي الذي كان يضرب حول ركبته كان في الكثير من الأحيان أضيق مما ينبغي، فقد أورثه أكلاناً يرغمه على حك ركبته.. وأنني لأقر بأنني تراجعت بضع خطوات إلى الوراء حين سرد ذلك الخياط على مسامعي، وهو يرفع الكلفة فيما بيننا على ذلك النحو المنفر، أشباه تلك القصص عن القيود في السجون… ألا ما أغربها من نقائض في قلب الإنسان! فأنا الذي قبلت ذات يوم بكل خشوع في مونستر ذخيرة الخياط حنا اللايدني [41]»، والأغلال التي حملها، والكلابات التي عذب بها، أنا الذي تأججت حماسة لخياط ميت، أحسست بالمقابل باشمئزاز لا دفع له من ذلك الخياط الحي، من ذلك الرجل الذي كان مع ذلك رسولا وشهيدا لنفس القضية التي قاسى من أجلها العذاب حنا اللايدني الماجد».

وبالرغم من أن هذا الوصف لا يشرف هايني كثيرا، فإنه يظهر للعيان أي انطباع عميق خلفه في ذلك الشاعر الذي كان يعزه ويتزلف إليه عدد لا حصر له من المعجبين. ويبدو هايني هنا وكأنه رب الفكر والفن الكبير الذي ينظر بفضول، وإن بقدر من الاشمئزاز، إلى ذلك النموذج من المكافحين الذي لا عهد له بعد. وبذلك الفضول الباطل عينه كان شعراؤنا القدامى يقلبون النظر في الإنسان البلشفي. وعلى العكس من ذلك، كان مثقف كماركس يسلك غير ذلك المسلك حيال فيتلنغ. ففي نظره كان فيتلنغ الناطق الموهوب بلسان صبوات تلك البروليتاريا عينها التي قام بصياغة رسالتها التاريخية. إليكم ما كتبه عن فيتلنغ قبل أن يتعرف إليه:

«ما الملَّف الذي يستطيع البرجوازية [الألمانية], بمن فيها فلاسفتها وأدباؤها, أن تعارض به كتاب فيتلنغ ضمانات التآلف والحرية بصدد مسألة انعتاقها السياسي؟ ألا فلنقارن بين التفاهة الجافة والرعديدية للأدب السياسي الألماني وبين تلك البداية الباهرة للعمال الألمان, لنقارن بين هذه الجزمة التي بطول سبعة فراسخ [42] للبروليتاريا الطفلة وبين النعال الضيقة للبرجوازية، فنكشف في البروليتاريا التي تنوء بآلامها جبار الغد بجثته الهائلة».

كان من المحتم بالطبع أن يسعى كل من ماركس وانجلز إلى التعرف إلى فيتلنغ. وكان الصديقان, كما رأينا، قد تعرفا أثناء إقامتهما القصيرة في إنكلترا في عام 1845 إلى ميثاقيين إنكلترا وإلى المهاجرين الألمان. فهل التقيا بفيتلنغ الذي كان يعيش آنئذ في لندن؟ هذا ما لا يمكن الجزم به. ولم تقم بينهما وبينه علاقات وثيقة إلا في مستهل 1846 حين قدم فيتلنغ إلى بروكسيل حيث كان المقام قد استقر بماركس منذ عام 1845 على إثر إبعاده من فرنسا.

كان ماركس قد غطس منذ ذلك الحين في المعمل التنظيمي، وكانت بروكسيل تقدم تسهيلات كبيرة من هذه الزاوية. فقد كانت بلجيكا أشبه بمحطة وسيطة بين فرنسا وألمانيا. وكان العمال والمثقفون الألمان المتوجهون إلى باريس يمضون عادة بضعة أيام في بروكسيل، ومن هناك كان الأدب اللامشروع يسرب إلى جميع أنحاء ألمانيا. وكان بين العمال الذين اختاروا الإقامة المؤقتة في بروكسيل عدد لا يستهان به من أصحاب المواهب الأكيدة.

لهذا سرعان ما طرح ماركس فكرة دعوة مؤتمر لجميع الشيوعيين بغية إنشاء أول تنظيم شيوعي عام. وكان من المفروض أن ينعقد ذلك المؤتمر في فيرفييه، وهي مدينة تقع على الحدود الألمانية، بحيث يسهل على الشيوعيين الألمان الحضور إليها. وما أمكنني أن أتأكد بشكل قاطع مما إذا كان ذلك المؤتمر قد انعقد فعلا، لكن جميع الاستعدادات له كانت قد تمت على يدي ماركس قبل فترة طويلة من قدوم مندوبي اتحاد العادلين من لندن لدعوته إلى الانتساب إليه.

صحيح أن ماركس وانجلز كانا يريان أنه من الأهمية بمكان الوصول إلى الحلقات الواقعة تحت نفوذ فيتلنغ، ولهذا بذلا جهودا كثيرة للاتفاق معها على برنامج أساسي مشترك. بيد أن محاولاتهما لم تتمخض إلا عن قطيعة. وقد روى لنا قصة تلك القطيعة واحد من مواطنينا، وكان قد توقف في بروكسيل يومئذ في طريقه إلى فرنسا. أقصد به الناقد الروسي ب. أنينكوف الذي كان لحين من الزمن من المعجبين بماركس، قبل أن يقلع بعد ذلك عن اعتناق قضية الثورة.

لقد ترك لنا وصفا مثيرا للاهتمام عن إقامته في بروكسيل في ربيع 1846، وصفا ينطوي على قدر لا بأس به من الأكاذيب، ولكن على قسط من الحقيقة أيضا. وقد ترك لنا فيما ترك تقريرا عن جلسة دار فيها نقاش حاد بين ماركس وفيتلنغ.

ضرب ماركس بقبضته على الطاولة وصاح بفيتلنغ: «الجهل لم يساعد أحدا قط وما أجدى نفعا قط». وكلمات ماركس هذه تبدو مشاكلة للواقع. وبالفعل، كان فيتلنغ يعارض، شأن باكونين، العمل الدعائي التحضيري بحجة أن الفقراء يقفون على الدوام على أهبة الثورة، وأن هذه الثورة يمكن بالتالي أن تتم في أي لحظة شرط أن يتوفر لها قادة يمتلكون العزم والتصميم.

وبموجب فحوى رسالة لفيتلنغ نفسه نادى ماركس في ذلك الاجتماع بضرورة تطهير صفوف الشيوعيين ونقد جميع المنظِّرين المتقلبين، وقد أعلن وجوب نفض اليد من كل اشتراكية تعتمد على طيب الإرادة لا غير، وصرح بأنه من الضروري أن تسبق تحقيق الشيوعية حقبة تمسك البرجوازية أثناءها بزمام السلطة.

هكذا نرى أن الخلافات في وجهات النظر بين ماركس وانجلز من جهة وبين فيتلنغ من الجهة الثانية كانت مماثلة تقريبا للخلافات التي برزت في صفوف الثوريين الروس بعد أربعين عاما.

في أيار 1846 وقعت القطيعة النهائية. وعلى الإثر سافر فيتلنغ إلى لندن، ومنها إلى أمريكا التي أقام فيها إلى حين اندلاع ثورة 1848.

تابع ماركس وانجلز، بمساعدة رفاق آخرين وطدا الأواصر معهم عصرئذ، عملهما التنظيمي. وفي بروكسيل أنشآ جمعية التثقيف العمالي التي ألقى فيها ماركس على العمال محاضرات في الاقتصاد السياسي. وكان في بروكسيل، علاوة على عدد معين من المثقفين الذين كان من أبرزهم ف. وولف (الذي أهداه ماركس فيما بعد الكتاب الأول من الرأسمال) وويدماير، عمال من أمثال اسطفان بورن وفالو وسيلر وآخرون.

سعى ماركس وانجلز، بالاعتماد على ذلك التنظيم وبمساعدة من رحل من رفاقهما من بروكسيل، إلى عقد الأواصر مع حلقات ألمانيا ولندن وباريس وسويسرا. ورويدا رويدا، راح يتزايد عدد أتباع ماركس وانجلز. ووضع ماركس يومئذ الخطة التالية بغية تجميع العناصر الشيوعية قاطبة. فقد فكر بتحويل ذلك التنظيم القومي الألماني الصرف إلى تنظيم أممي. وكان لا بد في البداية من أن تُنشأ في بروكسيل وباريس ولندن مجموعة أو نواة من الشيوعيين المتفاهمين فيما بينهم أكمل التفاهم. ثم كان على تلك المجموعات أن تعين لجانا مكلفة بعقد الصلات مع المنظمات الشيوعية الأخرى. وعلى هذا النحو تكون قد قامت روابط أوثق مع الأقطار الأخرى، ويكون قد مهد السبيل أمام اجتماع أممي لتلك اللجان. وبناء على اقتراح ماركس، سميت اللجان الأخيرة بلجان التراسل الشيوعي.

لما كان تاريخ الاشتراكية الألمانية والحركة العمالية قد كتبه أدباء وصحفيون لهم باع طويلة في مضمار التراسل أو كانوا أعضاء في مكاتب المراسلة والصحافة، فقد تصور أولئك المؤرخون أن لجان التراسل لم تكن سوى مكاتب عادية للمراسلة.

وزبدة القول، خيل إليهم أن ماركس وانجلز قد عقدا العزم على تأسيس مكتب مراسلة في بروكسيل ليرسلا منه رسائل مطبوعة على الحجر، أو كما كتب مهرينغ في آخر مؤلفاته عن ماركس:

«نظرا إلى افتقار ماركس ورفاقه إلى جريدة خاصة بهم، فقد سعوا جهدهم بقدر المستطاع إلى سد تلك الثغرة بنشرات مطبوعة طباعة عادية أو حجرية. وفي الوقت نفسه سعوا إلى تأمين مراسلين نظاميين لهم في المراكز الكبرى التي يحيا فيها الشيوعيون. وكانت أشباه مكاتب المراسلين تلك موجودة في بروكسيل ولندن، وقد اتجهت النيات نحو تأسيس مكتب في باريس. وقد كتب ماركس إلى برودون يسأله تعاونه».

والحال أنه يكفينا أن نقرأ بعناية وانتباه جواب برودون كي ندرك أن الهدف كان مؤسسة لا تشبه إلا أقل الشبه مكتبا عاديا للمراسلة. ولو تذكرنا أن تبادل الرسائل ذاك قد تم في صيف 1846، لما وجدنا مناصا من الاستنتاج بأنه قبل زمن طويل من وصول مندوب من لندن ليقترح على ماركس الانتساب إلى اتحاد العادلين، الذي كان قد زال من الوجود أساسا، كانت توجد في لندن وبروكسيل وباريس منظمات تعود بادرة إنشائها إلى ماركس بلا مراء.

تذكروا ما قلته لكم عن جمعية التراسل اللندنية التي نظمها في 1792 توماس هاردي. وكانت لجان التراسل التي نظمها نادي اليعاقبة حين حُظر عليه تنظيم فروع مرتبطة به في الأقاليم تمثل تنظيما مشابها لتنظيم ماركس. وبعد دراسة تلك الوقائع والمقارنة فيما بينها خلصت إلى الاستنتاج، قبل زهاء عشر سنوات، بأن ماركس، عند تأسيسه جمعياته، كان عاقدا النية بالضبط على أن يجعل منها لجان مراسلين.

وبالفعل، وجدت في بروكسيل في النصف الثاني من سنة 1846 لجنة مراسلين مكتملة التنظيم، تلعب دور الصحيفة المركزية وإليها ترسل التقارير. وقد ضمت عددا لا يستهان به من الأعضاء، وفي عدادهم عمال كثيرون. ووجدت في باريس لجنة نظمها انجلز، وكانت تقوم بدعاية مكثفة في أوساط الحرفيين الألمان، كما وجدت في لندن لجنة يقودها شابر وباور ومول (وهو مول عينه الذي قيل أنه قدم بعد ستة شهور إلى بروكسيل ليدعو ماركس إلى الانتساب إلى اتحاد العادلين). وكما يتضح من رسالة مؤرخة في 20 كانون الثاني 1847 نقلها إلى مهرينغ، قدم مول إلى بروكسيل لا بصفته مندوب اتحاد العادلين، وإنما بصفته مندوب لجنة المراسلين الشيوعيين في لندن، ليقدم تقريرا عن الوضع في الجمعية اللندنية.

هكذا توصلت إلى الاقتناع بأن قصة تأسيس رابطة الشيوعيين، كما رواها انجلز وكما تناقلتها فيما بعد مؤلفات شتى، ما هي إلا قصة خرافية لا تصمد للنقد. فالعمل التحضيري الضخم الذي قام به بصورة رئيسية ماركس يذكرنا إلى حد كبير بالعمل التحضيري الذي أنجزه الاشتراكيون-الديموقراطيون الروس الأوائل بعد زهاء خمسين سنة حين سعوا إلى توحيد المنظمات القائمة. كل ما هنالك أن تنظيم الايسكرا هو الذي ناب مناب لجان المراسلين، كما أن مختلف الجمعيات العمالية التي كان ينشط فيها عملاء الشيوعيين قد نابت منابها لجانب واتحادات كان عملاء المركز يبذلون قصارى جهدهم للتغلغل فيها ولاكتسابها لقضيتهم.

لم ينتبه المؤرخون لذلك العمل التنظيمي الذي أنجزه ماركس، لأنهم ما كانوا يرون في هذا الأخير سوى مفكر من وراء مكتب. وعلى هذا النحو لم يروا دور ماركس كمنظم، لم يروا واحدا من أكثر جوانب شخصيته إثارة للاهتمام. وإذا لم نفهم الدور الذي كان يؤديه ماركس (أشدد فأقول: ماركس وليس انجلز) في عامي 1846-1847 كموجه وملهم لكل ذلك العمل التنظيمي، يتعذر علينا أن ندرك الدور الكبير الذي أداه فيما بعد كمنظم في عامي 1848-1849 وفي عهد الأممية الأولى.

وإنما بعد سفر مول إلى بروكسيل، وحين اقتنع ماركس بأن معظم اللندنيين قد انعتقوا من تأثير فيتلنغ، تقرر، بمبادرة من لجنة بروكسيل في أرجح الظن، دعوة المؤتمر إلى الانعقاد في لندن باعتبارها المدينة التي يتوفر فيها القدر الأكبر من التسهيلات. وعندئذ بدأ نقاش وصراع بين الميول المتباينة. وفي باريس بوجه خاص، حيث كان يعمل انجلز، كان ذلك الصراع بالغ الحدة. وحين نقرأ رسائله، يساورنا الظن بأننا قد انتقلنا إلى أوساطنا الروسية لبضع سنوات خلت. فصراع الأجنحة الذي يصفه يذكرنا إلى حد يبعث على الدهشة بمناقشاتنا حول مختلف البرامج. فثمة تيار يمثله غرون الذي كان يذود عن الشيوعية الألمانية أو الشيوعية «الحقة» التي نجد وصفا ساخرا لها في البيان الشيوعي. وكان انجلز يتبنى برنامجا أساسيا آخر. وطبيعي أن كل واحد من الخصوم كان يسعى إلى اكتساب تأييد أكبر عدد ممكن من الأصوات. وكثيرا ما كان يخيل لانجلز أنه انتزع النصر لا لأنه أفلح في إقناع المترددين فحسب، كما كتب يبلغ لجنة بروكسيل، بل أيضا لأنه أشد مكرا من خصومه أو لأنه أحرجهم وجعل الأمر يسقط في أيديهم.

في صيف 1847 انعقد المؤتمر في لندن ولم يحضره ماركس. وكان ممثل بروكسيل ف. وولف. وكان انجلز يمثل شيوعيي باريس. وما كان عدد المندوبين بالكبير، لكن لم ينفعل أحد لذلك أكثر من اللزوم. وفي عام 1898 أيضا، حين تأسس الحزب الاشتراكي-الديموقراطي العمالي الروسي، لم يضم مؤتمر مينسك سوى ثمانية أو تسعة أشخاص يمثلون ثلاث أو أربع منظمات.

وقر قرار المؤتمرين على التجمع في إطار «رابطة الشيوعيين». وتم إقرار نظام أساسي صاغت فقرته الأولى بوضوح ودقة الفكرة الجوهرية للشيوعية الثورية:

«هدف الرابطة هو الإطاحة بالبرجوازية، وسيطرة البروليتاريا، وإلغاء المجتمع البرجوازي القديم، القائم على أساس تطاحن الطبقات، وتأسيس مجتمع جديد بلا طبقات ولا ملكية فردية».

وتم إقرار دستور تنظيمي بشرط إخضاعه للدراسة من قبل اللجان المختلفة، على أن يتم تبنيه نهائيا في المؤتمر التالي مع التعديلات التي يكون قد قر الرأي على ضرورة إدخالها عليه.

كان مبدأ «المركزية الديموقراطية» في أساس التنظيم. كان على كل عضو من الأعضاء أن يجاهر باعتناقه للشيوعية وأن يحيا حياة تتفق وأهداف الرابطة. وكانت مجموعة محددة من الأعضاء تشكل النواة الأساسية للتنظيم. وكان اسمها المتحد. وكان هناك لجان إقليمية. وكانت شتى أقاليم القطر الواحد تتحد تحت قيادة مركز تشمل سلطاته القطر بأسره. وكانت تلك المراكز مسؤولة أمم اللجنة المركزية.

غدا ذلك التنظيم فيما بعد نموذجا يحتذى بالنسبة إلى جميع الأحزاب الشيوعية للطبقة العاملة في مستهل تطورها. لكن كانت له ميزة خاصة ما لبثت أن اختفت في زمن لاحق، وان يكن في الامكان العثور عليها لدى الألمان حتى عام 1860. فاللجنة المركزية لـ«رابطة الشيوعيين» لم تكن تنتخب شخصيا في المؤتمر. وكانت سلطاتها المطلقة كمركز تنقل إلى اللجنة الإقليمية للمدينة التي يقع عليها اختيار المؤتمر كمكان إقامة للجنة المركزية. وعلى هذا النحو، إذا وقع اختيار المؤتمر على لندن، فإن تنظيم هذه المنطقة ينتخب لجنة مركزية من خمسة أعضاء على الأقل. وكان ذلك هو السبيل لتأمين اتصالها الوثيق مع التنظيم القومي الكبير. وهذا النمط التنظيمي هو الذي نلتقيه فيما بعد لدى الألمان في ألمانيا ذاتها وفي سويسرا. فلجنتهم المركزية كانت ترتبط على الدوام بمدينة محددة يسميها المؤتمر وتحمل اسم المدينة الطليعية.

في المؤتمر، قر الرأي أيضا على وضع مشروع لـ«قانون إيمان» شيوعي يكون بمثابة أول برنامج لـ«الرابطة». وكان على مختلف الأقاليم أن تقدم برنامجها إلى المؤتمر التالي. وتقرر، فضلا عن ذلك، المباشرة بطبع مجلة شعبية. وتلك هي أول مجلة عمالية أمكن لنا أن نعرف بوجودها، وقد حملت، كما ترون [43]، جهارا اسم الشيوعي. وفي الصفحة الأولى من تلك المجلة، التي صدرت قبل سنة واحدة من نشر البيان الشيوعي، يمثل الشعار القائل: «يا بروليتاري جميع الأقطار، اتحدوا!».

إن تلك المجلة تحفة نادرة للغاية من تحف المكتبات. ولست أعرف لها إلا نسخا ثلاثا. وقد عثرت فبي عام 1912 على النسخة التي هي بين يديّ الآن، ووصفهتا في مقال يرجع إلى عام 1914. وقد تم فيما بعد العثور على نسخة ثانية في محفوظات الشرطة البرلينية، وماير هو الذي عثر عليها ووصفها في عام 1919. ووجد مؤخرا الأستاذ غرونبرغ نسخة ثالثة ونشرها في كراسة خاصة.

لم تصدر المجلة إلا مرة واحدة يتيمة. وقد كتب مقالات العدد الأول واليتيم ممثلو رابطة الشيوعيين المقيمة في لندن بصورة رئيسية، وتولوا بأنفسهم تنضيدها طباعيا. وقد كتبت الافتتاحية بأسلوب شعبي جدا. وبلغة بسيطة عرضت الخصائص التي تميز التنظيم الشيوعي الجديد عن تنظيم فيتلنغ والتنظيمات الفرنسية. ولم ترد فيها كلمة واحدة عن اتحاد العادلين. وأفرد مقال خاص للشيوعي الفرنسي كابيه، مؤلف اليوتوبيا المشهورة رحلة إلى ايكاريا. وكان هذا الأخير قد قام في 1847 بدعاية مكثفة بغية تجميع الناس العاقدي العزم على الهجرة إلى أمريكا وإنشاء مستوطنة شيوعية في الأرض البكر على طراز المستوطنة التي وصفها في روايته ايكاريا. بل أنه قصد لندن خصيصا ليكسب فيها تأييد شيوعيي تلك المدينة لقضيته. وقد أخضع المقال الآنف الذكر تلك الخطة لنقد مفصل وأوصى العمال بألا يغادروا القارة الأوربية لأن الشيوعية لن تقوم لها قائمة إلا في أوربا. وضمت المجلة أيضا مقالا طويلا كتبه، في رأيي، انجلز. وتنتهي المجلة بعرض سياسي واجتماعي كان واضعه بلا مراء مندوب لجنة بروكسيل إلى المؤتمر، ف. وولف.

في نهاية تشرين الثاني 1847، انعقد المؤتمر الثاني في لندن، وحضره هذه المرة ماركس. وقبل انعقاد ذلك المؤتمر، كتب إليه انجلز من باريس يبلغه أنه وضع مشروعا أوليا لتعليم ديني أو قانون إيمان شيوعي، ولكنه يرتئي أنه من الأقرب إلى المنطق عنونته باسم البيان الشيوعي. وأرجح الظن أن ماركس حمل بدوره إلى المؤتمر الاطروحات التي كان قد صاغها. والشيء الجدير بالذكر أن الأمور هناك لم تسر على ما يرام كما يصور لنا ستكلوف. فقد كان المؤتمر مسرحا لمناقشات حامية. ودامت المداولات عدة أيام، ووجد ماركس مشقة كبيرة في إقناع الغالبية بصحة البرنامج الجديد. وقد تم تبني هذا البرنامج في معالمه الأساسية، وكلف المؤتمر ماركس بصورة خاصة بأن يكتب باسم رابطة الشيوعيين لا قانون إيمان بل بيانا كما كان اقترح انجلز. وصحيح أن ماركس، وقد سماه المؤتمر لإنشاء البيان، قد استفاد من المشروع الذي وضعه انجلز، لكنه هو وحده الذي تحمل المسؤولية السياسية للبيان أمام الرابطة. وإذا كان البيان يعطي انطباعا قويا بوحدته، فذلك يرجع على وجه التحديد إلى أن ماركس كتبه بمفرده. صحيح أن يحتوي أفكارا صاغها ماركس وانجلز صياغة مشتركة، لكن فكرته الأساسية، كما نوه بذلك على الدوام انجلز نفسه، ترجع إلى ماركس وحده:

«إن الفكرة الأساسية في البيان، وأعني أن الإنتاج الاقتصادي والبنية الاجتماعية المتحددة به جبريا يشكلان أساس التاريخ السياسي والفكري لحقبة تاريخية بعينها، وأن التاريخ كله بالتالي، منذ انحلال المشاعة القروية البدائية، كان تاريخ الصراع الطبقي، أي الصراع بين المستغَلين والمستغِلين، بين الجماهير الخاضعة والطبقات السائدة في شتى درجات التطور الاجتماعي، وأن ذلك الصراع قد بلغ الآن درجة لا يمكن معها للطبقة المستغَلة والمضطهدة [البروليتاريا] أن تنعتق من نير الطبقة التي تستغلها وتضطهدها [البرجوازية] من دون أن تحرر في الوقت نفسه وإلى الأبد المجتمع قاطبة من الاستغلال، أقول: أن تلك الفكرة الأساسية ترجع إلى ماركس وحده دون غيره».

لقد أكدت على هذه النقطة حتى تعرفوا، كما كان يعرف انجلز و«رابطة الشيوعيين»، أن وضع البرنامج الجديد كان إلى حد كبير من صنع ماركس، وأن هذا الأخير هو الذي عهد إليه بمهمة إنشاء البيان. وبحوزتنا رسالة هامة تؤكد تلك الحقيقة كما لا يؤكدها أي شيء آخر. وفضلا عن ذلك، تلقى تلك الرسالة ضوءا مثيرا للاهتمام على العلاقات بين ماركس والتنظيم العمالي الخالص الذي كان يميل إلى اعتبار «المثقف» رجلا يصلح فقط لأن يصوغ أدبيا ما يفكر ويشعر به العامل. وحتى نحسن فهم مدلول تلك الرسالة، سأضيف القول أن المؤتمر سمي، بموجب النظام الأساسي، لندن كمكان لإقامة اللجنة المركزية، وأن هذه اللجنة المركزية انتخبت من قبل تنظيم لندن.

إن الرسالة التي سأقرأها عليكم قد أرسلت في 26 آذار من قبل اللجنة المركزية إلى لجنة بروكسيل الإقليمية كي تنقلها إلى ماركس. وهي تشتمل على القرار الذي اتخذته في 24 كانون الثاني اللجنة المركزية.

«إن اللجنة المركزية تكلف، بموجبه طيا، لجنة بروكسيل الإقليمية بأن تبلغ المواطن ماركس بأنه إذا لم يصل بيان الحزب الشيوعي الذي تعهد بإنشائه في المؤتمر الأخير إلى لندن قبل الأول من شباط من السنة الجارية، فإن إجراءات ستتخذ بحقه حسب المقتضى. وفي حال عدم إنجاز المواطن ماركس لعمله، ستطلب اللجنة المركزية الإعادة الفورية للوثائق الموضوعة تحت تصرف ماركس.
باسم اللجنة المركزية
وبتفويض منها:
شابر، باور، مول».

كما يتضح من هذه الرسالة ذات اللهجة الآمرة، لم يكن ماركس في نهاية كانون الثاني قد أنجز بعد العمل الذي كلف به في كانون الأول. وهذه واحدة من السمات المميزة لماركس: فعلى الرغم من كل موهبته الأدبية، كان يفتقر إلى السهولة واليسر في العمل. كان يشتغل على الدوام مطولا في نصوصه، ولاسيما إذا تعلق الأمر بوثيقة هامة. وكان يريد أن تحرر هذه الوثيقة بصورة مثلى حتى تقاوم هجمة الزمن. وبحوزتنا صفحة من واحدة من مسوداته تظهر مدى عنايته بكل جملة من جمله.

ولم تضطر اللجنة المركزية إلى اتخاذ إجراءات معاقبة. فقد نجح ماركس في إنجاز عمله في مطلع شباط. وهذا تاريخ ينبغي التنويه به. فقد صدر «البيان» في النصف الثاني من شباط، أي قبل بضعة أيام من ثورة شباط. وعليه، ما أمكن له بذاته أن يلعب أي دور في التحضير لتلك الثورة، ونظرا إلى أن النسخ الأولى لم تصل إلى ألمانيا قبل أيار-حزيران 1848، يترتب على ذلك أنه لم يكن له أيضا من تأثير كبير على الثورة الألمانية. ففي ذلك الزمن لم يعرفه ولم يستوعبه سوى مجموعة صغيرة من الشيوعيين البروكسيليين واللندنيين.

دعوني أحدثكم الآن قليلا عن مضمون البيان. أنه برنامج رابطة الشيوعيين الأممية. وبحوزتنا اليوم بعض معلومات عن تركيب تلك الرابطة. فقد كانت تضم بلجيكيين، وبعض الميثاقيين الإنكليز الميالين إلى الشيوعية، وكذلك وعلى الأخص ألماناً. وقد كان على البيان أن يأخذ باعتباره لا قطرا واحدا دون غيره، وإنما العالم البرجوازي بأسره الذي يعرض عليه الشيوعيون، لأول مرة، أهدافهم جهرا وعلانية.

يزودنا الفصل الأول بصورة باهرة وواضحة ودقيقة عن المجتمع الرأسمالي البرجوازي، عن صراع الطبقات الذي أوجده والذي يواصل تطوره على أساس ذلك المجتمع. وفي تلك الصورة نرى كيف تكونت البرجوازية جبريا في رحم النظام الإقطاعي القديم، وكيف تغيرت شروط وجودها تدريجيا غب تحول العلاقات الاقتصادية، وما الدور الثوري الذي لعبته في كفاحها ضد الإقطاع، وإلى أي درجة منقطعة النظير طورت قوى المجتمع الإنتاجية، وكيف أوجدت للمرة الأولى في التاريخ إمكانية الانعتاق المادي للبشرية قاطبة.

تلي ذلك لمحة تاريخية عن تطور البروليتاريا. وفيما نرى أن البروليتاريا تتطور وفق قوانين جبرية، شأنها شأن البرجوازية، وأنها تقفو في تطورها أثر هذه البرجوازية وكأنها ظلها. ونرى فيها أيضا كيف تتكون البروليتاريا تدريجيا في طبقة خاصة، وكيف وبأي أشكال تخوض نضالها ضد البرجوازية إلى أن تخلق تنظيمها الطبقي الخاص بها.

ثم يعرض «البيان» بعد ذلك ويدحض جميع الاعتراضات التي يشهرها الإيديولوجيون البرجوازيون ضد الشيوعية. ولن أتوقف عند هذه النقطة، لأنكم جميعكم، أنا متيقن من ذلك، قد قرأتم أو ستقرؤون عما قريب البيان.

ثم يعرض ماركس بعد ذلك، بالاستناد إلى انجلز، وان على نطاق أضيق مما كان يسود الاعتقاد آنفا، تكتيك الشيوعيين قياسا إلى سائر الأحزاب العمالية الأخرى. وهنا يخلق بنا أن نلحظ سمة خاصة مثيرة للاهتمام. يقول البيان أن الشيوعيين لا يمثلون حزبا خاصا يقف موقف المعارضة من الأحزاب العمالية الأخرى، وأنهم يتميزون عن هذه الأحزاب بكونهم فقط يمثلون طليعة العمال، الطليعة التي تمتاز على سواد البروليتاريا بفهمها لشروط الحركة العمالية ومسارها ونتائجها العامة.

سيكون من الأيسر عليكم من الآن فصاعدا، وقد بتم تعرفون التاريخ الحقيقي لـ«رابطة الشيوعيين»، أن تفهموا سبب تلك الصياغة لمهام الشيوعيين. فقد أملاها وضع الحركة العمالية عصرئذ، وبخاصة في إنكلترا. فالقلائل من الميثاقيين الذين دخلوا إلى الرابطة لم يقبلوا بفعل ذلك إلا بشرط حفاظهم على ارتباطهم بحزبهم. ولم يلتزموا إلا بتنظيم ضرب من نواة شيوعية في قلب الحركة الميثاقية بهدف نشر برنامج الشيوعيين وأهدافهم فيها.

يحلل «البيان» التيارات العديدة التي كانت تناضل يومئذ في سبيل ترجيح كفتها في أوساط الاشتراكيين والشيوعيين. وينتقدها بعنف ويردها ردا قاسيا، ما خلا الطوباويين الكبار سان سيمون وفورييه وأوين الذين كان ماركس وانجلز قد قبلا إلى حد ما بمذاهبهم، ولاسيما مذاهب الاثنين الأخيرين منهم، وأعادا سبكها ثانية. لكن بينما يتبنى البيان انتقاداتهم الموجهة إلى النظام البرجوازي، يعارض الاشتراكية المسالمة، الطوباوية، المتحاشية للكفاح السياسي، بالبرنامج الثوري للشيوعية النقدية البروليتارية الجديدة.

في الختام، يمحص البيان تكتيك الشيوعيين إبان الثورة، وبخاصة حيال الأحزاب البرجوازية. فقواعد هذا التكتيك تختلف من بلد إلى آخر بدالة الشروط التاريخية. فحيثما تكن البرجوازية قد أمست هي الطبقة السائدة، توجه البروليتاريا كفاحها كله ضدها. أما في الأقطار التي لا تزال البرجوازية فيها طبقة تصبو إلى السلطة السياسية، كما في ألمانيا، فإن الحزب الشيوعي يسندها في نضالها الثوري ضد النظام الملكي والنبالة.

بيد أن الشيوعيين لا يتهاونون لحظة واحدة في بث الوعي الصافي بتعارض المصالح الطبقية بين البرجوازية والبروليتاريا وفي ترسيخه في أذهان العمال. وهم يعطون على الدوام مكانة الصدراة لمسألة الملكية الفردية بوصفها المسألة الأساسية للحركة كلها. تلك هي القواعد التكتيكية التي صاغها ماركس وانجلز عشية ثورة شباط-آذار 1848. وسوف نرى، في المحاضرة التالية، كيف طبقها واضعاها في الممارسة، وما التعديلات التي أدخلتها عليها تجربة الثورة.

لقد عرضت عليكم الخطوط الكبرى لـ«البيان». وهذه الوثيقة تحوي جميع نتائج النشاط العلمي الذي أنجزه ماركس وانجلز، وبخاصة الأول، بين 1845 و1847. ففي إبان ذلك، كان انجلز قد هيأ المواد التي جمعها في إنكلترا عن وضع الطبقة العاملة في إنكلترا، أما ماركس فقد انكب على تاريخ المذاهب السياسية والاقتصادية. فالتصور المادي للتاريخ، الذي أتاح لهما إمكانية التحليل السديد للعلاقات المادية ولشروط الإنتاج والتوزيع التي تتحدد بها العلاقات الاجتماعية كافة، قد تمت صياغتهما له في إبان تينك السنتين في معرض كفاحهما ضد شتى المذاهب المثالية.

كان ماركس، حتى قبل البيان، قد عرض المذهب الجديد في أكمل شكل وأبهره في محاجَّة له ضد برودون. وهذا مع أن ماركس كان لا يزال يدلل في مؤلفه الأسرة المقدسة على تقدير كبير لبرودون. ففيمَ يكمن سبب القطيعة بين الحليفين السابقين؟

كان برودون عاملا في أصله وعصاميا نظير فيتلنغ، لكنه أكثر موهبة حتى من هذا الأخير، وكان واحدا من المع الصحفيين الفرنسيين. وفي مؤلفه «ما الملكية؟»، الصادر في عام 1841، يوجه نقدا عنيفا إلى الملكية البرجوازية ويخلص إلى الاستنتاج الجريء بأن الملكية إن هي في ختام التحليل إلا سرقة. لكن سرعان ما اتضح أن برودون، بإدانته الملكية، لم يكن يضع نصب عينيه سوى واحد من أشكالها فقط، الملكية الرأسمالية الخاصة القائمة على استغلال الرأسمالي للمنتج الصغير. وفي الوقت الذي كان برودون يطالب فيه بإلغاء الملكية الرأسمالية الخاصة، كان يخاصم الشيوعية. وكان يرى في صيانة الملكية الخاصة للفلاح والحرفي وتعزيزها الضمانة الوحيدة لازدهار أحوال هذين الأخيرين. وكان يعتقد أن وضع العامل يمكن أن يتحسن لا بواسطة الاضرابات، لا بواسطة النضال الاقتصادي، وإنما عن طريق تحويل العامل إلى مالك. وقد تبنى برودون بصورة نهائية وجهة النظر تلك في 1845-1846، وهي الفترة التي خيل فيها المخطط الذي يمكن بموجبه، على حد زعمه، وقاية الحرفيين من شر الإفلاس وتحويل العمال إلى منتجين مستقلين.

سبق أن حدثتكم عن الدور الذي كان انجلز يلعبه في باريس عهدئذ. قلت أن خصمه الرئيسي في النقاش الدائر يومئذ حول مختلف البرامج الأساسية كان كارل غرون، ممثل «الاشتراكية الحقة». كان كارل غرون على صلة وثيقة ببرودون، وقد عرض نظرياته على العمال الألمان المقيمين في باريس. وقبل أن ينشر برودون مؤلفه الجديد الذي أراد أن يزيح فيه القناع عن جميع «التطاحنات الاقتصادية» في المجتمع المعاصر وأن يفسر من أين يأتي البؤس وأن ينشئ فلسفة البؤس، نقل مخططه لغرون، فسارع هذا إلى استعماله في محاجَّته ضد الشيوعيين. وبادر انجلز من فوره إلى نقل ذلك المخطط إلى لجنة بروكسيل، حسب ما جاء في قول غرون نفسه. وقد كتب يقول:

«ما ذا نرى فيه؟ لا أكثر ولا أقل من «بازارات العمل» المعروفة منذ عهد بعيد في إنكلترا، جمعيات الحرفيين من مختلف المهن، الجمعيات التي أثبتت سابقا فشلها مرارا وتكرارا، ومستودع كبير، وجميع المنتجات المقدمة إلى أعضاء الجمعيات تقدر حسب كلفة المادة الأولية ومجموع العمل المنفق في صنعها، وتدفع قيمتها بمنتجات أخرى مثمَّنة بالطريقة نفسها. وكل كمية المنتجات المجاوزة لحاجات الجمعية والمباعة في السوق يذهب إيرادها لصالح المنتجين. على هذا النحو يخيل للماكر برودون أنه مستطيع إلغاء الربح الذي يحققه الوسيط التجاري».

في رسالة أخرى، ينقل انجلز تفاصيل جديدة عن مخطط برودون، ويعرب عن سخطه من أن العمال لا تزال تجتذبهم الأوهام القائلة على سبيل المثال بتحويل العمال إلى ملاكين عن طريق شرائهم المشاغل بمدخراتهم.

لهذا ما أن ظهر كتاب برودون، حتى انكب ماركس على العمل ورد على فلسفة البؤس بمؤلَّف جعل عنوانه بؤس الفلسفة، وفيه يدحض أفكار برودون واحدة واحدة. لكنه لا يكتفي بالنقد: فهو يعارض نظرات برودون بأسس الشيوعية النقدية التي سبق له صوغها.

كان ذلك المؤلف، يلمعان القريحة ودقة الفكر ووضوحه فيه، بمثابة مدخل لائق إلى البيان الشيوعي، وهو لا يقل وزنا عن آخر مقال لماركس ضد برودون، وقد كتب بعد ثلاثين عاما، في 1874، برسم العمال الطليان. أن ذلك المقال المعنون بـ«اللامبالاة السياسية» (نشرته بالروسية في 1913 في بروسفييستشينيه)، لا يختلف البتة عن بؤس الفلسفة –مما يظهر أن صياغة وجهة نظر ماركس كانت قد اكتملت نهائيا منذ عام 1847.

أكرر فأقول أن ماركس كان قد صاغ وجهة نظره في عام 1845، ولكن في شكل أقل وضوحا. وقد اقتضته كتابة بؤس الفلسفة سنتين من العمل المكثف. وبدراسته شروط تكوين البروليتاريا وتطورها في المجتمع البرجوازي، كان يتبحر أكثر فأكثر في دراسة قوانين النظام الرأسمالي، القوانين التي تحكم إنتاج المجتمع الرأسمالي وتوزيعه. وقد محص مذاهب الاقتصاديين البرجوازيين على ضوء المنهج الجدلي، وأبان أن جميع المقولات الأساسية وجميع الظاهرات في المجتمع البرجوازي، من البضاعة إلى القيمة إلى المال إلى الرأسمال، تمثل شيئا ما عابرا. وفي بؤس الفلسفة يحاول، لأول مرة، أن يحدد المراحل الرئيسية لتطور الإنتاج الرأسمالي. صحيح أنه لم يتعد في ذلك المعالم الاولى والعريضة، لكن ذلك الكتاب يظهر أن ماركس هو في الطريق الصحيح، وأنه امتلك المنهج الموثوق، بوصلة أمينة لا تخطئ يتوجه بواسطتها في متاهة الاقتصاد البرجوازي. بيد أن ذلك المؤلَّف يظهر للعيان أيضا أنه لا يكفي امتلاك المنهج الأمين، وأنه لا يجوز الاكتفاء باستنتاجات عامة، وأنه من الضروري دراسة الرأسمالية بدقة وعناية لمعرفة جميع خفايا تلك الاوالية المعقدة. وكان لا يزال على ماركس أن ينجز عملا هائلا كي يحول إلى صرح عظيم ونظام متكامل ذلك الرسم الأولي العبقري المتمثل بـ«بؤس الفلسفة» فيما يتعلق بدراسة المسائل الاقتصادية الرئيسية. وقبل أن يحوز ماركس، على عظيم الأسف من جانبه، على إمكانية إنجاز تلك المهمة –وإن يكن الثمن الضروري لذلك امتنعاه عن الاهتمام بالنشاط العملي- كان عليه أولا أن يمر بثورة 1848 التي كان هو وانجلز ينتظرانها بفارغ الصبر، والتي كانا قد تنبآ بها، والتي كانا يستعدان لها ويتهيئان، والتي صاغا برسمها الاطروحات الأساسية المعروضة في البيان الشيوعي.

المحاضرة الخامسة [ثورة 1848 الألمانية – ماركس وانجلز في الراينلاند –إ نشاء «الصحيفة الراينية الجديدة» -غوتشالك وفيليش – اتحاد كولن العمالي – سياسة «الصحيفة الراينية الجديدة» وتكتيكها – ايتيين بورن – انعطاف في تكتيك ماركس – هزيمة الثورة وخلافات في الآراء في «رابطة الشيوعيين» – الانشقاق].

هنا نحنذا وصلنا الآن إلى ثورة شباط. وكنا قد بيَّنا أن البيان الشيوعي طبع قبل بضعة أيام من ثورة شباط. ولم يكن تنظيم رابطة الشيوعيين قد اكتمل إلا في تشرين الثاني 1847. وكان هذا التنظيم يضم الحلقات الأجنبية في باريس وبروكسيل ولندن، ولم يكن على صلة إلا ببضع مجموعات ألمانية صغيرة.

كانت القوى المنظمة التي يمكن للفرع الألماني من رابطة الشيوعيين أن يعتمد عليها غير ذات وزن كبير إذن. والحال أن الثورة اندلعت منذ 24 شباط 1848 في باريس، وسرعان ما امتدت إلى ألمانيا. ففي 3 آذار، في كولن، كبرى مدن الراينلاند، حدث ضرب من ثورة شعبية. واضطر القيِّمون على شؤون المدينة أن يوجهوا عريضة إلى ملك بروسيا يسألونه فيها أن يحسب حساب الغليان الشعبي وأن يقدم بعض تنازلات. وكان ذلك الغليان، أو إذا شئتم ذلك التمرد الشعبي الذي حدث في 3 آذار 1848 في كولن، يقوده رجلان: غوتشالك، وهو طبيب ذو شعبية واسعة في أوساط العمال وفقراء سكان كولن، وفيليش، وهو ضابط سابق. ولم تندلع الثورة في فيينا، عاصمة النمسا، إلا بعد عشرة أيام. وفي 18 آذار، انتقلت شرارتها إلى برلين، عاصمة بروسيا.

كان ماركس آنئذ في بروكسيل. وقد سددت الحكومة البلجيكية، تحاشيا منها لمصير الحكم الملكي الفرنسي، ضرباتها إلى المهاجرين المقيمين في بروكسيل، واعتقلت ماركس وطردته من بلجيكا. وتوجه ماركس إلى باريس حيث كانت الدعوة قد وجهت إليه للقدوم إليها. وقد بعث واحد من أعضاء الحكومة المؤقتة، فلوكون، وهو مدير تحرير صحيفة كان انجلز يتعاون معها، برسالة فورية إلى ماركس يعلن فيها أن جميع قرارات الحكومة السابقة قد باتت لاغية المفعول على مجمل الأرض الفرنسية الحرة.

وبادرت اللجنة الإقليمية البروكسيلية، التي كانت لجنة لندن قد نقلت إليها كامل صلاحيتها غب انفجار الثورة في البر الأوربي، إلى نقل هذه الصلاحيات بدورها إلى ماركس. وقد برزت في أوساط العمال الألمان، الذين تجمعوا يومئذ بأعداد كبيرة في باريس، خلافات وحدثت انشقاقات وتنظمت مجموعات متابينة. وقد انتسبت إلى واحدة من تلك المجموعات ابن بلدنا باكونين الذي وضع، مع الشاعر الألماني هرفيغ، مشروع تشكيل تنظيم مسلح واقتحام ألمانيا.

بذل ماركس ما بوسعه لصرفهم عن خطتهم، واقترح عليهم التوجه فرادى إلى ألمانيا والمشاركة في الأحداث الثورية فيها. وأصر باكونين وهرفيغ على مشروعهما. ونظم هرفيغ فرقة ثورية، ونصب نفسه قائدا عليها، وتوجه نحو الحدود الألمانية حيث دحر. وأفلح ماركس ورفاق آخرون في العبور إلى ألمانيا حيث أقاموا في أماكن شتى. واستقر المطاف بماركس وانجلز في الراينلاند.

كان على ماركس وانجلز أن يأخذا في اعتبارهما أن الفرع الألماني من رابطة الشيوعيين يفتقر إلى أي تنظيم. ولم يكن له إلا مناصرون قلائل. فماذا كان على ماركس وانجلز ورفاقهما الأقربين أن يفعلوا؟ لقد حاول انجلز، بعد تصرم زهاء أربعين عاما، أن يشرح التكتيك الذي سارا عليه هو وماركس في عام 1848 في ألمانيا. فردا على سؤال وجهه إليه رفاق صغار السن، أعطى جوابا واضحا. سئل لماذا آثر مع ماركس البقاء في الراينلاند، في كولن، على الذهاب إلى برلين. فقال: وقع اختيارنا على الراينلاند لأنه كان الإقليم الأكثر تطورا من الناحية الصناعية، ولأن قانون نابليون، إرث الثورة الفرنسية، كان لا يزال ساري المفعول فيه، ولأنه كان بوسعنا بالتالي الاعتماد على هامش أكبر من حرية العمل والتحريض. وفضلا عن ذلك، كان الراينلاند يضم بروليتريا كثيرة التعداد. صحيح أن كولن لم تكن المدينة الأكثر تطورا من وجهة النظر الصناعية، لكنها كانت مقر السلطة الإدارية ومركز الراينلاند. كذلك كانت كولن، بتعداد سكانها، من أهم مدن الراينلاند، مع أن عدد قاطنيها ما كان يتجاوز يومئذ 8000 نسمة. وكان سكانها من البرليتاريين كثيري التعداد، وإن تكن نسبة العمال المستخدمين في الصناعة الكبيرة ضئيلة. وكان المعامل الرئيسية تتمثل يومئذ بالمصافي. فقد كانت كولن مشهورة عصرئذ بإنتاج ماء الكولونيا، لكن لم يكن فيها وجود لصناعة آلية كبيرة. وكان تطور الصناعة النسيجية فيها أوهى شأنا بكثير من تطورها في ايبرفيلد وبارمن. وعلى كل حال، كان لماركس وانجلز أسباب وجيهة لاختيار كولن مكانا لإقامتها. فقد كانا يرغبان في التأثير على ألمانيا كلها، وفي تأسيس صحيفة كبيرة تكون منبرا للبلاد قاطبة، وكانت كولن في نظرهما أنسب الأماكن لذلك. وبالفعل، كانت أول جريدة سياسية كبيرة للبرجوازية الألمانية قد طبعت في كولن في عام 1842. وفي وقت وصولهما كانت الاستعدادات لإصدار جريدة قد قطعت شوطا بعيدا، بحيث أفلحا في وضع اليد عليها وفرا.

لكنت تلك الجريدة كانت جريدة الديموقراطية. هاكم كيف حاول انجلز أن يفسر لماذا اختارا تسميتها بـ«جريدة الديموقراطية». يقول أنه لم يكن ثمة وجود يومئذ لأي تنظيم بروليتاري وأنه لم يكن من سبيل للاختيار إلا بين طريقين: إما الشروع من الأيام الأولى بتنظيم حزب شيوعي، وإما استخدام المنظمات الديموقراطية القائمة وتجميعها في تنظيم واحد والقيام في إطار هذا التنظيم بالدعاية الضرورية واجتذاب مختلف الجمعيات العمالية إليه. وقد اختار ماركس وانجلز الطريق الثاني: فقد عزفا عن تشكيل منظمات بروليتارية خاصة في الراينلاند ودخلا إلى الاتحاد الديموقراطي الذي كان قائما في كولن. وعلى هذا النحو وجدا نفسيهما من البداية في وضع مغلوط إلى حد ما إزاء اتحاد كولن العمالي الذي كان غوتشالك وفيليش قد أسساه بعد 3 آذار مباشرة.

كان غوتشالك، كما أخبرتكم، طبيبا، وواسع الشعبية في أوساط الطبقة الأشد إملاقا في كولن. لم يكن، بنظرياته، شيوعيا. وكان، قبل تأسيس رابطة الشيوعيين، قريبا في أفكاره من فيتلنغ وأنصاره. كان ثوريا جيدا، لكنه كان يتأثر بسهولة بالتيارات المختلفة. كان بشخصه رجلا لا يؤخذ عليه مأخذ، لم يكن لديه برنامج راسخ، لكنه كان يدرك جيدا ما كنه الديموقراطية لأنه صرح من أول مداخلة له في المجلس البلدي: «إنني لا أتكلم باسم الشعب، لأن جميع هؤلاء المستشارين البلديين ينتمون أيضا إلى الشعب، كلا، إنما أخاطبكم باسم الطبقة العاملة فحسب». كان يميز إذن الطبقة العاملة، الشغيلة، عن الأمة بوجه عام. وكان يحبذ الإجراءات الثورية، لكنه كان يطالب في الوقت نفسه، وهو الجمهوري، باتحاد بين الجمهوريات الألمانية. وقد كانت هذه، كما سنرى، واحدة من النقاط الأساسية لخلافه مع ماركس. وسرعان ما ضمت الجمعية التي أسسها، اتحاد كولن العمالي، جميع العناصر البروليترية في المدينة تقريبا. وقد بلغ عدد هؤلاء 7000 عضو، وهذا رقم كبير بالنسبة إلى مدينة من 80000 نسمة.

وسرعان ما نشب نزاع بين هذه الجمعية العمالية وبين التنظيم الذي كان ماركس وانجلز ينتسبان إليه. وقد كانت تضم أيضا عناصر لا تشاطر غوتشلاك وجهات نظره. وكان مول، الذي أرسلته كما تذكرون اللجنة الشيوعية اللندنية إلى لجنة بروكسيل للمداولة في أمر تنظيم المؤتمر، واحدا من الأعضاء الرئيسيين في الاتحاد العمالي، وكان بالطبع على صلة وثيقة بماركس وانجلز. وكان ينتسب إلى ذلك الاتحاد أيضا شابر الذي يساهم في الحركة العمالية منذ عام 1830.

وعلى هذا النحو، لم يلبث أن تنظَّم جناحان داخل الاتحاد العمالي الذي كانت تنشط في مواجهته الجمعية الديموقراطية التي ينتسب إليها كل من ماركس وانجلز.

تلك كانت نتيجة الخطة التي عرضها انجلز، بعد انقضاء حقبة مديدة، في مقاله عن الصحيفة الراينية الجديدة. كان ماركس وانجلز يأملان أن تصير جريدتهما، التي شرعت بالصدور في كولن في الأول من حزيران 1848، مركزا للالتقاء والتجمع يضم، في مجرى الكفاح الثوري، جميع التنظيمات الشيوعية المقبلة. ولا يجوز لأحد أن يتصور أن ماركس وانجلز دخلا إلى جريدة الديموقراطية تلك بصفتهما ديموقراطيين، وإنما دخلا إليها بصفتهما شيوعيين يصنفان نفسيهما إلى أقصى يسار الديموقراطية. وما توانا عن توجيه أعنف النقد لا إلى أخطاء الحزب الليبرالي الألماني فحسب، بل أيضا إلى أخطاء الديموقراطية، بحيث أنهما خسرا، من الأشهر الأولى، جميع المساهمين في جريدتهما. وقد انتقد ماركس الديموقراطية بقسوة، في أول مقال صدَّره في الصحيفة الراينية الجديدة. وحين ورد نبأ سحق البروليتاريا الباريسية في أيام حزيران، والمجزرة التي تسبب فيها كافينياك بمساندة الأحزاب البرجوازية كافة والتي قضى فيها عدة آلاف من البروليتاريين الباريسيين، نشرت الصحيفة الراينية الجديدة، جريدة الديموقراطية، مقالا مشبوب العاطفة نددت فيه بالجلادين البرجوازيين وبمشايعيهم من الديموقراطيين. وهاكم مقطعا قصيرا من ذلك المقال:

«لقد سُحق العمال الباريسيون من قبل عدو متفوق بالقوة، لكنهم لم يبيدوا. لقد دحروا، لكن أعداءهم هزموا. لقد بدد الانتصار المؤقت للقوة الوحشية جميع أوهام ثورة شباط، أظهر للعيان انحلال كل الحزب الجمهوري القديم وانقسام الأمة الفرنسية إلى قسمين: أمة المالكين وأمة العمال. ومن الآن فصاعدا لم يبق للجمهورية المثلثة الألوان سوى لون واحد، لون المهزومين، لون الدم. لقد أصبحت الجمهورية الحمراء.

«لقد كانت ثورة شباط ثورة عظيمة، ثورة التعاطف العام، إذن أن التناقضات التي برزت فيها فيما بعد كانت لا تزال في حالة الكمون، كما أن الصراع الاجتماعي الذي كان في أساسها لم يكن بعد إلا لفظيا. أما ثورة حزيران فقد كانت، على العكس، ثورة مثيرة للنفور، لأن الفعل حل محل القول، ولأن الجمهورية ذاتها كشفت رأس المسخ بنزعها عنه التاج الذي كان يحجبه.

«هل يجوز لنا، نحن الديموقراطيين، أن ننخدع بالهوة العميقة التي تفغر فاها أمام أعيننا، وأن نحسب أن النضال في سبيل أشكال الدولة وهمي لا يفضي إلى نتيجة؟

«إن النفوس الضعيفة، الرعديدة، هي وحدها التي يمكن أن تطرح ذلك السؤال. إنه لمن واجبنا الانتصار بالنضال في الصراعات التي تنشأ عن شروط المجتمع البرجوازي بالذات، والتي لا سبيل إلى تسويتها بالتوهمات الخيالية. فأفضل شكل للدولة هو الشكل الذي لا تستتر فيه التطاحنات الاجتماعية، ولا تضغط بالقوة، أي بصورة مصطنعة وسطحية. إن أفضل شكل للدولة هو الشكل الذي تتصادم فيه تلك التطاحنات بحرية في مجرى الصراع، وتجد بالتالي عن هذا السبيل حلها.

«لكن قد يسألنا سائل: ألن نذرف دمعة واحدة، ألن نزفر زفرة واحدة، ألن ننبس ببنت شفة من أجل ضحايا الحنق الشعبي، من أجل الحرس القومي، والدرك، والحرس الجمهوري، والقوات المقاتلة؟

«ستهتم الدولة بأراملهم وأيتامهم، وسترفعهم إلى الأوج مراسيم، وستقام لهم جنازات عظيمة، وستطوبهم الصحافة الرسمية من الخالدين، ومن الرشق إلى الغرب ستمجد الرجعية الأوربية أسماءهم.

«لكن عامة الشعب، الذين عضهم الجوع بنابه، وغشتهم الصحافة، وهجرهم الأطباء، ونعتهم المواطنون «الشرفاء» باللصوص ومضرمي الحرائق والأشقياء، ونساؤهم وأولادهم الذين قضي عليهم بالبؤس الأسود، وممثلوهم الناجون من المذبحة والمنفيون إلى ما وراء البحار… إنه لامتياز للصحافة الديموقراطية وحق لها أن تضفر حول جباههم القاتمة أكليل الغار».

لقد كتب هذا المقال في 28 حزيران 1848. ومن غير الممكن أن يكون قد كتب بريشة ديموقراطي. إن شيوعيا، ولا أحد غير الشيوعي، يمكن أن يكون مؤلفه، وما كان لماركس وانجلز أن يخدعها أحدا بتكتيكهما. فتوقفت صحيفتهما عن تلقي أي عون مالي من البرجوازية الديموقراطية، وصارت حقا وفعلا جريدة عمال كولن، جريدة العمال الألمان.

في أثناء ذلك، كان الأعضاء الآخرون في رابطة الشيوعيين، المشتتون في جميع أنحاء ألمانيا، يوالون عملهم. ويخيل إلي أنه يتوجب عليّ أن اخص بالذكر واحدا منهم: ايتيين بورن، عامل الطباعة. يصدر انجلز عليه حكما في غير صالحه في مقدمة لكراسة لماركس. فقد اختار بورن تكتيكا آخر. فمنذ وصوله إلى ألمانيا استقر في برلين، المركز العمالي الهام، وجعل هدفه تأسيس تنظيم عمالي كبير. وبمساعدة بعض رفاق له، أسس صحيفة صغيرة الإخاء العمالي، وقام بتحريض منظم بين مختلف فئات العمال. ولم يكتف، كما فعل غوتشلاك وفيليش في كولن، بتنظيم جمعية محض سياسية. وإنما شرع بتنظيم جمعيات شتى بغية الدفاع عن المصالح الاقتصادية للعمال، وانصرف بكل طاقته إلى العمل والنشاط، فإذا بتنظيمه يمتد إلى جملة من المدن المجاورة وإلى مناطق أخرى من ألمانيا. لكن هذا التنظيم كان يشكو من ثغرة. فقد كان عماليا صرفا، وكان يلح، شأن «الاقتصادوية» الروسية قيما بعد، إلحاحا مجاوز الحد على المهام الاقتصادية الصرف للطبقة العاملة. وهكذا، وفيما كان بعض أعضاء رابطة الشيوعيين من أمثال بورن، وهو رجل موهوب، ينشئون تلك التنظيمات العمالية الصرف، كان غيرهم، ومن ضمنهم ماركس، يبذلون كل ما بمستطاعهم، في جنوب ألمانيا، لتحويل الحزب الديموقراطي بحيث تكون الطبقة العاملة نواته وبحيث يكون على أقصى حد من الديموقراطية. وفي هذا الاتجاه كان ماركس يوالي عمله. وكانت الصحيفة الراينية الجديدة تعالج المسائل الهامة قاطبة، وهي تبقى إلى اليوم نموذجا للجريدة الثورية. وما من جريدة روسية أو أوربية وصلت إلى مستوى الصحيفة الراينية الجديدة. وعلى الرغم من مضي ما يناهز خمسة وسبعين عاما على كتابة مقالاتها، فإن هذه المقالات لم تفقد شيئا من نضارتها، من حميتها الثورية، ومن نفاذ تحليلها للأحداث. وعند قراءتها، وعلى الأخص مقالات ماركس منها، يخيل للمرء أنه يسمع تاريخ الثورة الألمانية والثورة الفرنسية يسرد نفسه من تلقاء نفسه، وذلك لما في أسلوبها من حيوية، ومن مضمونها من عمق.

ماذا كانت النقطة المركزية في السياسية الداخلية والخارجية للصحيفة الراينية الجديدة؟ قبل الانتقال إلى هذا السؤال، بودي أن ألفت انتبهاكم إلى أن ماركس وانجلز ما كانت لهما من تجربة بالثورة غير تجربة الثورة الفرنسية الكبرى. فقد درس ماركس تاريخها بعناية، وبذل ما بمستطاعه كي يستخلص منها المبادئ التكتيكية الواجب اتبعاها في زمن الثورة المقبلة التي تنبأ بها، بخلاف برودون، بسداد وصواب. والحال، ماذا تعلمنا تجربة الثورة الفرنسية؟ لقد اندلعت تلك الثورة في 1789. وقد دامت عقدا كاملا من الزمن، ومن 1789 إلى 1799، أي إلى عام قيام نابليون بانقلابه. وكانت تجربة الثورة الإنكليزية في القرن السابع عشر تشير أيضا إلى أن الثورة المقبلة ستكون بدورها طويلة الأمد على الأرجح. كانت الثورة قد اندلعت شرارتها الأولى وسط الفرح والحماسة العامة، وكانت البرجوازية قد ترأست الشعب الرازح تحن نير الاضطهاد، وأطاحت بالحكم المطلق، وإنما بعد انتصارها فحسب تطور صراعها، وفي إبان هذا الصراع، هذه الثورة الأكثر جذرية، انتقلت السلطة أكثر فأكثر إلى الأحزاب المتطرفة. وعلى مدى ثلاث سنين دارت رحى ذلك الصراع حتى استولى اليعاقبة في خاتمة المطاف على مقاليد السلطة. وقد خيل لماركس، الذي درس بعناية تنظيم حزب اليعاقبة السياسي، أنه إنما أثناء التطور الطويل الأمد للثورة يتم التوصل إلى تنظيم قوة تكون تدريجيا في إبان العمل والنشاط.

هذه المقدمة النظرية هي التي تفسر خطأه. وقد تمسك بذلك الرأي ردحا طويلا من الزمن، ولم يقلع عنه إلا بعد تعاقب أحداث عديدة. وقد كانت الهزيمة الحزيرانية للبروليتاريا الباريسية أول ضربة تسدد إلى الثورة في الغرب. وقد أتاحت فورا للرجعية أن ترفع رأسها في بروسيا والنمسا. والحال أنه كانت تقف خلف بروسيا والنمسا روسيا وقيصرها نيقولا الأول الذي عرض، منذ البداية، مساعدته على ملك بروسيا. وفي بادئ الأمر ردت بروسيا عرضه فيما يتعلق بالقوة المسلحة، لكنها قبلت المال. وكان نيقولا الأول يملك يومئذ أعظم احتياطي للذهب في أوربا. ووضع المال تحت تصرف الحكومة البروسية. وعرض نيقولا الأول كتائب روسية على الحكومة النمساوية التي كانت هنغاريا قد شهرت راية العصيان ضدها. وتم قبول الاقتراح.

بالاستناد مجدد إلى تجربة الثورة الفرنسية، قالت الصحيفة الراينية الجديدة بالتكتيك التالي. إن الحزب ضد روسيا هي وسيلة الخلاص الوحيدة لثورة أوربا الغربية التي آذاها اندحار البروليتاريا الباريسية. ويظهر تاريخ الثورة الفرنسية للعيان أن هجوم الائتلاف الرجعي على فرنسا قد أعطى الحركة الثورية دفعا جديدا. فالأحزاب المعتدلة وجدت نفسها وقد نحيت جانبا. وتولت قيادة الحركة الأحزاب التي عرفت كيف ترد بأصلب عزم العدوان الخارجي. وقد أدى هجوم الائتلاف على فرنسا إلى إعلان قيام الجمهورية في 10 آب 1792. وكان ماركس وانجلز يأملان أن تتمخض حرب الرجعية على الثورة الجديدة عن النتائج عينها. لهذا كانت الصحيفة الراينية الجديدة تنتقد روسيا بعنف، فتصورها قوة تقف دائما على أهبة الاستعداد لمساندة الرجعية النمساوية والألمانية. وكان كل مقال يبين أن الحرب ضد روسيا هي الوسيلة الوحيدة لانقاد الثورة. وكانت الصحيفة تسعى جهدها إلى تهيئة الديموقراطية لتلك الحرب بوصفها المخرج المعقول الوحيد. وكان ماركس وانجلز، أكرر ذلك، مثابرين بكل ما أوتيا من جهد ليثبتا أن الحرب ضد روسيا ستعطي الثورة دفعا جديدا، وستعزز الصبوات الثورية لدى الشعب الألماني. لهذا كانا يدافعان في جريدتهما عن كل حركة معارضة موجهة ضد النظام القائم. فكانا المدافعين الأكثر حماسة عن الثورة المجرية، وأيدا البولونيين الذين كانوا قد قاموا قبل مدة وجيزة بمحاولة تمرد جديد. وكانا يطالبان بإحياء بولونيا المستقلة، ويطالبان بأن تعيد ألمانيا والنمسا إلى بولونيا جميع الأقاليم التي انتزعتاها منها، وبأن تحذو روسيا حذوهما. ولما كانا يحبذان اتحاد ألمانيا برمتها في جمهورية واحدة، فقد طالبا الدانمرك بإعادة بعض المناطق الألمانية، خلا الأجزاء التي يغلب عليها العنصر الدانمركي من تلك المناطق. وبكلمة واحدة، لبثا وفيين في كل مكان للأطروحة الأساسية في «البيان الشيوعي»، ومحضا تأييدهما لكل حركة ثورية تعارض النظام القائم. بيد أننا لا نستطيع أن نكتم عن أنفسنا (وستلاحظون ذلك بأنفسكم حين ستتاح لكم، بعد بضعة أشهر، إمكانية قراءة المقالات التي نشرها ماركس وانجلز في الصحيفة الراينية الجديدة بالروسية) أن الجانب السياسي هو الغالب في تلك المقالات الباهرة. ففيها يوجه النقد بصورة متواصلة إلى الأفعال السياسية للبرجوازية وللبيروقراطية. وتكرس الصحيفة الراينية الجديدة مكانا قليلا نسبيا للمسالة العمالية. ومن المفيد، من هذه الزاوية، أن نقارن بين جريدتي ماركس وبورن. فجريدة هذا الأخير تشبه صحيفة حرفية تعاونية. وأكبر اهتمامها توليه للمسألة العمالية. وليس كذلك حال الصحيفة الراينية الجديدة. فهي لا تكاد تتعرض لهذه المسالة. إنها تنتقد بعنف بيان الحقوق الأساسية للشعب الألماني. وتنتقد كل التشريع المتشرب بروح النزعة الليبرالية القومية. وتذود بقوة عن حياض الفلاحين. وتبرهن للبرجوازية أن عليها أن تطالب بتحرير الفلاحين. لكنها قليلة للغاية المقالات المكرسة لمطالب الطبقة العاملة حتى نهاية 1848. ولا نقع على أثر لهذه المطالب في أي موضع من الصحيفة الراينية الجديدة التي كانت غارقة بتمامها تقريبا في مهمتها السياسية الأساسية، أي في شحذ الأهواء السياسية وتأجيجها والدعوة إلى تكوين قوى ثورية ديموقراطية قادرة على تحرير ألمانيا دفعة واحدة من جميع مخلفات العهد الإقطاعي.

لكن في أواخر 1848 تغير الوضع. فالرجعية، التي كانت قد بدأت تعزز مواقعها بعد هزيمة البروليتاريا الباريسية في حزيران، شمخت بأنفها أكثر في تشرين الأول 1848. وساهم سحق البروليتاريا المجرية بمساعدة الروس في دحر الحركة في برلين. واستعادت الحكومة البروسية رباطة جأشها وشجاعتها: ففي كانون الأول 1848 حلت الجمعية الوطنية وفرضت على البلاد دستورا تولت وضعه بنفسها. والحال أن البرجوازية البروسية، بدلا من أن تقابل في ذلك الحين السلطة الملكية بمقاومة صلبة، بذلت قصارى جهدها لتحقيق الاتفاق بين هذه السلطة وبين الشعب.

أما ماركس فكان يبرهن، على العكس، أن السلطة الملكية قد كابدت من هزيمة في آذار 1848 وأنه لا مجال لاتفاق معها. وإنما يتوجب على الشعب أن يضع لنفسه دستوره من دون أن يقيم وزنا للسلطة الملكية، وأن يعلن ألمانيا جمهورية واحدة وغير قابلة للقسمة. لكن الجمعية الوطنية، التي كانت الغلبة فيها للبرجوازية الليبرالية الديموقراطية، كانت تتوجس خيفة من قطيعة نهائية بينها وبين الحكم الملكي. ولهذا واصلت انتهاج سياستها التوفيقية إلى أن جرى حلها.

وأمسى واضحا عندئذ لماركس أنه من المستحيل الاعتماد حتى على القسم الأكثر راديكالية من البرجوازية الألمانية. فالشطر الديموقراطي من البرجوازية، الذي كان من الممكن عقد الآمال على قدرته على انتزاع حريات سياسية تفسح في المجال أمام تطور الطبقة العاملة، أثبت عجزه عن إنجاز تلك المهمة. وإليكم وصف ماركس لتلك البرجوازية في كانون الأول 1848 بعد التجربة المحزنة لجمعيتي برلين وفرانكفورت:

«لئن تباهت ثورتا 1648 و1789 بأنهما قادتا عملا إبداعيا، فإن برلينيي 1848 قد راهنوا بشرفهم على أن يكونوا من آبدات التاريخ. كان نورهم أشبه بنور النجوم الواصل إلى سكان الأرض بعد عشرة آلاف سنة من انطفاء الكوكب الذي صدر عنه. ولقد كانت الثورة البروسية في آذار صورة مصغرة لكوكب من ذلك النوع بالنسبة إلى أوربا. وكان نورها نور جثة اجتماعية مر عهد طويل على تحللها.

«لقد تطورت البرجوازية الألمانية برخاوة وخوف وبطء بالغ إلى حد أنها رأت نفسها، لحظة انتصابها ضد القطاع والحكم المطلق، تقف موقف العداء من البروليتاريا ومن جميع شرائح السكان المدنيين الذين تتفق مصالحهم وأفكارهم مع مصالح البروليتاريا وأفكارها. لقد رأت أنها تواجه عدوا لا في طبقة وراءها فحسب، وإنما في أوربا كلها أمامها. وبعكس البرجوازية الفرنسية في 1789، لم تكن هي الطبقة التي تذود عن المجتمع الحديث قاطبة ضد ممثلي المجتمع القديم والملَكية والنبالة. لقد انحطت إلى مستوى فئة اجتماعية معارضة للملَكية والشعب معا، مترددة إزاء كل خصم من خصومها، إذ أنها كانت تجدهم على الدوام في مرمى نظرها إما أمامها وإما وراءها، ومن البداية كانت تميل إلى خيانة الشعب وإلى عقد تسوية مع الممثل المتوج للمجتمع القديم، لأنها تنتمي هي نفسها إلى ذلك المجتمع القديم، فهي لا تمثل مصالح المجتمع الجديد ضد القديم، وإنما تمثل مصالح متجددة في داخل مجتمع شائخ، ولئن أمسكت بدفة الثورة فليس لأن الشعب يقف وراءها، وإنما لأن الشعب كان يدفع بها أمامه، وقفت على الرأس لا لأنها تمثل مبادرة عصر اجتماعي جديد، فهي شريحة من الدولة القديمة، شريحة لم تشق لنفسها الطريق، لكنها دفعت بقوة الانقلاب إلى سطح الدولة الجديدة، لا ثقة لها في نفسها ولا إيمان لها بالشعب، تدمدم ضد الكبار، ترتعد أمام الصغار، أنانية تجاه هؤلاء وأولئك وواعية لأنانيتها، ثورية قياسا إلى المحافظين ومحافظة قياسا إلى الثوريين، لا ثقة لها في شعاراتها بالذات، عندها جمل بدلا من أفكار، مذعورة من العاصفة العالمية ومستغلة لهذه العاصفة، لا حول لها ولا قوة وتلجأ إلى الانتحال في جميع الاتجاهات، لا تدلل على ابتكار إلا بدناوتها، لا ثقة لها في ذاتها ولا إيمان لها بالشعب، بلا دعوة تاريخية عالمية، عجوز مقعد، ملعون من الجميع ويرى نفسه في شيخوخته مكرها على توجيه الصبوات الفتوية لشعب قوي وعلى تنحيتها جانبا، عجوز أعمى، أصم، أدرد [40]: تلك هي البرجوازية البروسية كما وجدت نفسها، بعد ثورة آذار، عندما تسلمت دفة قيادة الدولة».

هذا وصف سديد للغاية لبرجوازية 1848. وهو ينطبق، كما ترون، على البرجوازية الروسية حرفيا.

لقد رأى ماركس البرجوازية وهي تعمل. والآمال التي كان علقها في البيان، وإن بتحفظ كبير، على البرجوازية التقدمية لم تتحقق. وعليه، وابتداء من خريف 1848، عدل ماركس وانجلز تكتيكهما في كولن بالذات وفي الصحيفة الراينية الجديدة. فقد نقل ماركس مركز ثقل عمله إلى الأوساط البروليتارية، وهذا من دون أن يمتنع عن تأييد الديموقراطية البرجوازية، ومن دون أن يبت صلته عضويا بالحزب الديموقراطي. وبالتعاون مع مول وشابر، عزز الدعاية في جمعية كولن العمالية التي كان لها ممثلها أيضا في اللجنة الإقليمية للجمعيات الديموقراطية. وبعد اعتقال غوتشالك، انتخب مول رئيسا للجمعية العمالية، مما يظهر للعيان تعزز مواقع الشيوعيين. وآل التيار الاتحادي، الذي كان يتزعمه غوتشالك، رويدا رويدا إلى أقلية. وحين اضطر مول إلى الهرب بصورة مؤقتة من كولن، انتخب ماركس مكانه رغما عن رفضه المتكرر. وفي شباط، في موعد انتخابات البرلمان الجديد، وقعت خلافات في وجهات النظر. فقد ألح ماركس ومجموعته على أن يصوت العمال للديموقراطيين، حيثما يعجزون عن إنجاح مرشحيهم، وهذا ما احتجت عليه الأقلية.

لكن الخلافات في وجهات النظر، في آذار ونيسان، بين العمال والديموقراطيين، المتحدين في اللجنة الإقليمية للجمعيات الديموقراطية، أخذت حدة بالغة لم يعد معها من الانشقاق مفر. وخرج ماركس ورفاقه من اللجنة. وسحبت الجمعية العمالية ممثلها وسعت إلى الارتباط بالجمعيات العمالية التي نظمها بورن في شرق ألمانيا. ثم أعيد تنظيمها وحولت إلى نادٍ مركزي له تسعة فروع أو نواد عمالية. وفي آخر نيسان، نشر ماركس وشابر نداء دعوا فيه جميع الجمعيات العمالية في الراينلاند ووستفاليا إلى مؤتمر إقليمي كيما تنظم نفسها وتنتخب نوابا إلى المؤتمر العمالي العام الذي يفترض فيه أن ينعقد في حزيران في لايبزغ.

لكن فيما انصرف ماركس ورفاقه إلى تنظيم حزب الطبقة العاملة، سددت ضربة جديدة إلى الثورة. فقد قررت الحكومة البروسية، التي كانت أقدمت على حل الجمعية الوطنية البروسية، أن تتلخص أيضا من الجمعية الوطنية الألمانية. ويومئذ بدا، في جنوب ألمانيا، ما سمي بالنضال في سبيل دستور الإمبراطورية.

كان على ماركس في كولن أن يلزم جانب الحذر الشديد بسبب وضعه. صحيح أنه لم يكن مكرها على العمل سرا، لكن كان من الممكن طرده من كولن بمحض أمر حكومي. وبالفعل، كان ماركس قد حزم أمره، تحت ضغط الملاحقات المتواصلة من قبل الحكومة البروسية، وبعد إبعاده عن باريس بناء على طلب هذه الأخيرة، وتحسبا من إبعاده عن بلجيكا أيضا، على أن يتخلى عن جنسيته البروسية، ولكن من جون أن يتجنس بجنسية أخرى. وعليه، حين عاد أدراجه إلى كولن، اعترفت به السلطات المحلية مواطنا في الراينلاند، لكنها طلبت موافقة سلطات برلين البروسية التي قررت أن ماركس خسر الحقوق المتربة على صفة المواطنية البروسية. لهذا اضطر ماركس، في الوقت الذي كان يبذل فيه مساعي عدة كي يستعيد حقوقه كمواطن بروسي، إلى تجنب المداخلات العامة في النصف الثاني من عام 1848. فحين كان المد الثوري يرتفع، والوضع يتحسن، كان يقوم بمداخلاته علنا، لكن ما أن كانت كفة الرجعية ترجح وتتصاعد موجة القمع في كولن، حتى كان يتوارى عن الأنظار، ويقصر عمله على الأدب، أي على توجيه الصحيفة الراينية الجديدة. لهذا لم يقبل إلا مكرها برئاسة جمعية كولن العمالية.

ترتبت على تعديل التكتيك تغيرات في الصحيفة الراينية الجديدة. وإنما بعد ذلك التعديل ظهرت المقالات الأولى عن العمل المأجور والرأسمال. وقد قدم ماركس لمقالاته بمدخل طويل شرح فيه لماذا لم تتطرق الصحيفة الراينية الجديدة بعد إلى مسالة تناحر العمل والرأسمال. وينطوي ذلك المدخل على فائدة كبرى لأنه يشير إلى تغيير في التكتيك، لكن هذا التغير، أكرر القول، جاء بعد فوات الأوان. فقد حصل في شباط، وفي أيار كانت الثورة الألمانية قد سحقت بصورة نهائية. وأرسلت الحكومة البروسية قواتها إلى جنوب شرقي ألمانيا. وكانت الصحيفة الراينية الجديدة أولى الضحايا. ففي 19 أيار صدر الأمر بإغلاقها. وبين يديّ العدد الأخير من تلك الصحيفة، العدد 301، ذلك العدد الأحمر المشهور الذي يبدأ بقصيدة شعر لفريليغراث، يعقبها بيان جديد يحذر فيه ماركس العمال ويطالبهم بألا ينساقوا وراء الاستفزاز. وغادر ماركس بعد ذلك الراينلاند. واضطر، بصفته أجنبيا، إلى مغادرة ألمانيا، أما سائر المحررين فقد تبعثروا شتاتا وأقاموا في أماكن مختلف. وتوجه انجلز ومول وفيليش نحو متمردي الجنوب.

بعد بضعة أسابيع من مقاومة بطولية، لكن رديئة التنظيم، للقوات البروسية، اضطر المتمردون إلى الالتجاء إلى سويسرا. وانتقل الأعضاء السابقون في هيئة تحرير الصحيفة الراينية الجديدة وجمعية كولن العمالية بسكناهم إلى باريس، لكنهم لوحقوا بعد مظاهرة 13 حزيران 1849 المجهضة، واضطروا إلى مغادرة فرنسا. وفي مطلع 1850 كان جميع أفراد الرعيل الأول من رابطة الشيوعيين تقريبا قد اجتمعوا من جديد في لندن. وكان مول قد لقي مصرعه أثناء التمرد في جنوب ألمانيا. وقدم كل من ماركس وانجلز وشابر وفيليش ووولف إلى لندن.

في بادئ الأمر لم يقطع ماركس وانجلز، كما نتبين من مقالاتهما، حبل الرجاء: فقد كانا يحسبان أن الحركة أصابها توقف عارض ولا مفر من أن تعقبه اندفاعة ثورية جديدة. وحتى لا تفاجئهما الأحداث على حين غرة، سعيا إلى تعزيز تنظيمهما وإلى ربطه بألمانيا بأوثق الروابط الممكنة. وأعيد تنظيم رابطة الشيوعيين القديمة: فضمت الأعضاء القدامى وعناصر جديدة جرى تجنيدها من سيليزيا وفروكلاف والراينلاند.

بيد أنه لم تتصرم أشهر قليلة حتى برزت خلافات في وجهات النظر في «الرابطة» بين الشيوعيين اليساريين والشيوعيين اليمينيين. وسوف أعرض عليكم موضوع الخلاف.

في مطلع 1850 كان ماركس وانجلز يؤمنان بأنه لن يطول بهما انتظار انطلاقة جديدة للثورة. وفي ذلك الزمن وجهت رابطة الشيوعيين نشرتيها المشهورتين اللتين كتبهما ماركس بصورة رئيسية. ولينين يحفظهما عن ظهر قلب، إذا جاز القول ويستشهد بهما باستمرار.

حتى نفهم تينك النشرتين حقا الفهم، يجب أن نتذكر الأخطاء التي ارتكبها ماركس وانجلز أثناء ثورة 1848. تظهر النشرتان للعيان أنه من الواجب توجيه الانتقاد الصارم لا إلى الليبرالية البرجوزاية فحسب، بل أيضا إلى الديموقراطية. ومن الواجب تركيز الجهود كافة لمعارضة التنظيم الديموقراطي بتنظيم عمالي، ومن الواجب في المقام الأول إنشاء حزب عمالي. ولا يجوز التوقف عن ضرب ظهور الديموقراطيين بالسياط. فكل مطلب من مطالبهم ينبغي الرد عليه بمطلب أكثر جذرية. يطالب الديموقراطيون بيوم عمل للعمال من تسع ساعات، فنطالب بيوم عمل من ثماني ساعات. يطالبون بمصادرة الملكية العقارية الكبيرة مع تعويض، فنطالب بمصادرتها بلا قيد ولا شرط. يتوجب علينا، بجميع الوسائل، أن ندفع بالثورة إلى الأمام، أن نجعلها دائمة، أن نطرحها باستمرار على جدول الأعمال. وليس لنا أن ننام على أمجادنا، وأن نكتفي بالانتصارات التي يتم انتزاعها. فكل مكسب يجب أن يكون مرقاة إلى مكسب تالٍ. والإعلان عن انتهاء الثورة يعني خيانتها. ومن الواجب العمل على نحو يتقوض معه النظام الاجتماعي والسياسي من جوانبه كافة، ويتفتت شيئا فشيئا، وذلك ما دمنا لما نطهره بعد من جميع مخلفات التطاحن الطبقي القديم.

بصدد تقييم «الموقف الراهن» بدأت الخلافات. فماركس، الوفي لمنهجه، كان ينطلق، بعكس خصومه الذين يقودهم شابر وفيليش، من واقع أن كل ثورة سياسية هي نتيجة بعض الشروط الاقتصادية، نتيجة ثورة اقتصادية معينة. فثورة 1848 قد سبقتها أزمة 1844 التي طالت أوربا بأسرها تقريبها، عدا أمصار الشرق النائية. والحال أن ماركس، عند تحليله في لندن الموقف الاقتصادي الجديد ووضع السوق العالمية، اقتنع بأن الموقف ليس موائما لانفجار ثوري، وأن غياب ذلك النهوض الثوري الذي كان ينتظره مع رفاق آخرين لا يكمن تفسيره الأوحد في انعدام المبادرة ونقص العزم والاقتدار لدى الثوريين. وفي نهاية 1850 قاده التحليل المفصل للموقف الآني إلى الاستنتاج بأن كل محاولة لاعتناق الثورة والتعجيل بها وتنظيم انتفاضة ثورية ستنتهي، بحكم الازدهار الاقتصادي السائد يومئذ، إلى هزيمة محتمة بقدر ما هي لامجدية. فقد كان الرأسمال الأوربي يومئذ في شروط تطور مناسبة للغاية. وكان قد تم اكتشاف مناجم ذهب فائقة الغنى في كاليفورنيا واستراليا حيث كان العمال يتدفقون بأعداد كبيرة. وعلت في 1850 موجة الهجرة الأوربية التي كانت قد بدأت في النصف الثاني من عام 1848.

إن تحليل الشروط الاقتصادية هو الذي افهم ماركس إذن أن الثورة في تراجع وتقهقر، وأنه لا بد من انتظار أزمة اقتصادية جديدة تخلق شروطا مناسبة لتجديد الحركة الثورية. لكن أعضاء رابطة الشيوعيين ما كانوا جميعهم يشاطرون ماركس وجهة نظره تلك. وكان أكثر من يماري فيها العناصر التي لم يكن لديها ثقافة ماركس وعلمه الاقتصادي، والتي كانت تعزو أهمية مسرفة إلى المبادهة الثورية لبعض الشخصيات القوية الشكيمة. وتضافر فيليش، الذي كان قد أشعل مع غوتشالك في 3 آذار شرارة الثورة في كولن ولعب دورا كبيرا في انتفاضة جنوب ألمانيا، تضافر مع شابر وعدد من أعضاء رابطة الشيوعيين المنتسبين إلى اتحاد كولن العمالي والمحازبين القدامى لفيتلنغ، ودعوا إلى تنظيم انتفاضة. وكان يكفي في رأيهم توفير الكمية اللازمة من المال وحشد بعض الرجال من أهل العزم والتصميم حتى يشتعل فتيل انتفاضة في ألمانيا. وصبوا جهودهم يومئذ على تدبر المال. وحاولوا الحصول على قرض من أمريكا لإضرام نار الثورة في ألمانيا. ورفض ماركس وانجلز وبعض من رفاقهما الأقربين في تلك الحملة. وفي نهاية الأمر وقع انشقاق، فانقسمت رابطة الشيوعيين إلى قسمين: جماعة ماركس وانجلز وجماعة فيليش وشابر.

في تلك الفترة، مني الفرع الألماني من «رابطة الشيوعيين» بفشل. وكان ماركس وانجلز قد حاولا منذ 1850، وفي أثناء إعادة تنظيم رابطة الشيوعيين في لندن، أن يعيدا تنظيم تلك الرابطة في ألمانيا وأن يعززاها ويقوياها. وقد جرى إرسال عدد من العملاء إلى ذلك القطر ليتبادلوا الرأي مع الشيوعيين الألمان. وتم اعتقال واحد منهم. ووجدت معه أوراق سمحت للأمن العام البروسي، بقيادة ستايبر المشهور، بأن يكتشف رفاقه. وأوقف عدد كبير من الشيوعيين. وحتى تظهر الحكومة البروسية للبرجوازية البروسية أنه ليس لها أن تتباكى وتتحسر على الحريات القليلة التي كانت قد جردت منها في عام 1850، عقدت العزم على تنظيم محاكمة كبرى للشيوعيين في كولن. وحكم على العديد من الشيوعيين، وبينهم لسنر وبيكر، بعقوبات سجن طويلة الأمد. وأماطت المحاكمة اللثام عن مشاركة عدد من الجواسيس في المشروع، وأتاحت الفرصة لاكتشاف ما لجأ إليه ستايبر وعملاؤه من تزوير لمحاضر ضبط الجلسات وشتى ضروب شهادات الزور. وبناء على قرار مجموعة الشيوعيين الذين بقوا مع ماركس، كتب هذا الأخير حول موضوع محاكمات رابطة الشيوعيين كراسة فضح فيها شتى أحابيل الشرطة البروسية ومكائدها. لكن المحكومين لم يجنوا كبير فائدة من ذلك. ولما انتهت المحاكمة خلص ماركس وانجلز ورفاقهما إلى الاستنتاج بأن رابطة الشيوعيين عاجزة، نظرا إلى الوضع وإلى انقطاع كل صلة بألمانيا، عن إتيان أي عمل كان، وأنه لا مناص من انتظار زمن أنسب، وفي نهاية 1852 أعلنوا رسميا حل تلك الرابطة. أما القسم الآخر من رابطة الشيوعيين، أعني مجموعة شابر وفيليش، فقد بقي على قيد الحياة الخاملة عاما آخر من الزمن. ورحل بعض من أعضائه إلى أمريكا. وبقي شابر في لندن. وبعد بضع سنوات فهم أنه اقترف غلطة في 1852، وتصالح مع ماركس وانجلز. وسأعرض عليكم في المرة القادمة ما فعله ماركس وانجلز أثناء الفترة التي حرما فيها من إمكانية العمل الثوري المباشر.

المحاضرة السادسة [الردة من عام 1852 إلى 1862 -«تريبيون» النيويوركية – حرب القرم – آراء ماركس وانجلز – المسألة الإيطالية – مناقشة ماركس وانجلز مع لاسال – المناظرة مع فوغت – موقف ماركس من لاسال]

قلت لكم في المرة السابقة أن تصفية رابطة الشيوعيين في 1852 أدت بماركس وانجلز إلى وقف كل نشاط سياسي مباشر طوال سنوات عديدة. وسأحاول الآن أن أسلط الضوء على الحقبة المنصرمة من عام 1852 إلى حين تأسيس الأممية الأولى، وأن أشرح لكم لماذا لم يكن أمام ماركس وانجلز من خيار، أثناء تلك الحقبة، غير الامتناع عن العمل والنشاط.

إن الردة، التي بدأت في 1849، والت تعزيز مواقعها. وأدركت أوجها في عام 1854. فقد ألغيت الحريات السياسية قاطبة. وحُظرت الاتحادات العمالية جميعا. وكانت حرية الصحافة قد ألغيت في النصف الثاني من عام 1849. وحافظت بروسيا على مجلس للنواب، لكنه كان مجلسا مغرقا في رجعيته.

كان على ماركس وانجلز آنئذ أن يتدبرا حلا لمسألة شائكة للغاية هي مسألة حياتهما المادية، كان واجبا عليهما أن يتدبرا خبزهما اليومي، لأن العبقري النابغة بحاجة، نظير أي إنسان آخر، إلى أن يأكل. ومن الصعب أن نتصور كم كان وضعهما يومئذ عسيرا. كان انجلز، ابن صناعي غني صاحب معامل في ألمانيا وإنكلترا، قد اختلف اختلافا عنيفا مع والده، وما كان يريد أن يذهب ليتذلل إليه. وقد سعى هو وماركس إلى تدبر عمل فكري ما، لكن الأبواب في ألمانيا كانت مسدودة في وجهيهما. وما كان متاحا لهما، في أمريكا، أن يعملا إلا في جرائد عمالية، لكن التعاون مع أشباه تلك الجرائد ما كان يدر شيئا.

عندئذ كتب ماركس لحساب مجلة أمريكية أثره التاريخي الأكثر نبوغا: 18 برومير لويس بونابرت. إنه تاريخ ثورة شباط. وفيه يبيِّن ماركس كيف حدد صراع الطبقات مصير تلك الثورة، وكيف خانت شتى أحزاب البرجوازية، بما فيها طرفها الأكثر ديموقراطية، عن طواعية واغتباط، أو بدون إرادتها وهي تذرف العبرات، كيف خانت جميعها البروليتاريا وأباحتها للجنرالات والجلادين، وكيف تهيأت تدريجيا الشروط التي أتاحت لرجل عادم الأهلية مثل نابليون الثالث أن يستولي على السلطة.

كان وضع ماركس المادي قد زاد سوءا على سوء. وأثناء السنوات الأولى من إقامته في لندن، فقد اثنين من أولاده، ابنا وبنتا. وحين قضت هذه الأخيرة نحبها، ما كان عنده مال حتى لدفنها.
وقرر انجلز عندئذ مكرها أن يعود إلى «مهنته الخسيسة»، كما كان يسمي التجارة، وأن يقبل بوظيفة مستخدم في الفرع الإنكليزي من معمل والده. فقصد مانشستر. وفي البدء، لم يكن إلا مستخدما بسيطا. وكان عليه أن يكسب ثقة والده وثقة إدارة الفرع، وأن يظهر أنه يعرف كيف يكون تاجرا جيدا.

لبث ماركس في لندن. ولم يكن قد بقي من رابطة الشيوعيين سوى عدد صغير من العمال المتجمعين حول جمعية التثقيف الشيوعي والمتعيشين من مزاولة مهنهم كخياطين وعمال طباعة. وفي أواخر 1851 اتيحت لماركس، على نحو لامتوقع، إمكانية العمل في صحيفة أمريكية، تريبيون النيويوركية التي كانت عهدئذ واحدة من أوسع الصحف نفوذا. وقد سأله واحد من محرريها أن يكتب سلسلة من المقالات عن ألمانيا. وكان ذلك المحرر، ويدعى تشارلز دانا، قد قدم إلى ألمانيا أثناء ثورة 1848 وتعرف فيها إلى ماركس. وكان قد أقام في كولن وعرف مواهب ماركس الصحفية. ولما كانت هجرة الألمان إلى أمريكا قد تزايدت نسبتها كثيرا فإبان الثورة، فقد ارتأى أنه من الضروري توسيع الباب المخصص لشؤون أوربا الغربية برسم تلك الفئة من القراء. وقد سبب عرض التعاون الذي عرضه على ماركس حرجا كثيرا لهذا الأخير، إذ كان يومئذ عاجزا عن الكتابة بالإنكليزية. وقصد ماركس انجلز، وقام عندئذ بينهما تعاون غربي للغاية. كما ذكرت لكم، كان ماركس قد كتب بمفرده تقريبا البيان الشيوعي، بيد أن «البيان» مهر بإمضاء ماركس وانجلز، بالرغم من أن هذا الأخير لم يشارك في إنشائه أكثر مما شارك في إنشاء الأسرة المقدسة. على أن انجلز قام عهدئذ بعمل كبير. وقد نسبت مقالاته، التي جمعت فيما بعد في مجلد واحد بعنوان الثورة والثورة المضادة في ألمانيا، إلى ماركس. لكننا نعرف اليوم، من مراسلات ماركس مع انجلز، أنها من وضع هذا الأخير. بيد أنه ينبغي لنا أن نحذر المغالاة. فهي في الواقع من تأليف ماركس وانجلز المشترك، لكن انجلز هو الذي حررها اعتمادا على إرشادات عدة من ماركس، وكذلك على مختلف المقالات التي نشرها هو وصديقه في الصحيفة الراينية الجديدة. وعلى ذلك بدأ تعاون ماركس مع تريبيون النيويوركية. وبعد زهاء عام من الزمن كان ماركس قد استوعب الإنكليزية إلى حد مكنه من الشروع مقالاته مباشرة بتلك اللغة.

في عام 1853 إذن، بات في متناول ماركس منبر للتعبير عن آرائه. ومن سوء الحظ أن ذلك المنبر لم يكن في أوربا، وإنما في أمريكا. وكان قراء الصحيفة يبحثون فيه عن جواب لأسئلتهم. وكانت أمريكا تولي يومئذ اهتماما كبيرا لأحداث أوربا الغربية، ولكن فقط بقدر ما تؤثر على أحداث أمريكا. كانت المسالة الجوهرية بالنسبة إلى الولايات المتحدة يومئذ هي مسألة تحرير الزنوج وإلغاء الرق. وكان لا يزال بين ولايات الشمال وولايات الجنوب مسألة أخرى مختلف عليها، هي مسألة حرية التجارة.

في مسألة الرق، كانت تريبيون النيويوركية التي يكتب فيها ماركس تقف إلى أقصى اليسار. وكانت تؤيد إلغاء الرق. أما في مسألة حرية التجارة، فكانت تأخذ بوجهة نظر أنصار مذهب الحماية. وبديهي أن ماركس كان متفقا معها بصدد النقطة الأولى، لكن ليس بصدد النقطة الثانية. ومن حسن الحظ أن أوربا كانت تقدم مواد كافية لمواضيع أخرى.

في ربيع 1853 تسارعت الأحداث في أوربا، لكن ما ينبغي أن نلاحظه أن ذلك التسارع لم يكن بنتيجة ضغط الجماهير الشعبية. كانت عدة دول كبرى، من أمثال روسيا وفرنسا وإنكلترا، وجميعها معنية على قدر سواء باستتباب النظام، قد طفقت على حين بغتة تتخاصم. وتلك هي السمة المميزة للطبقات السائدة والأمم السائدة: فما أن تنعتق من خوف الحركة الثورية حتى تنشب الخلافات فيما بينها. وهكذا انفجر من جديد التنافس الذي كان قائما بين إنكلترا وفرنسا وروسيا قبل ثورة 1848، والذي كان قد أخلى مكانه، انحناء أمام الضرورة، لتحالف مناهض للثورة. فقد بدأ وكأن روسيا، التي ساهمت في استتباب «النظام» في أوربا الغربية، تطالب بمكافأة على تلك الخدمة. وقد ارتأت أنه آن الأوان لتنشب مخالبها في شبه جزيرة البلقان، ولتجرد تركيا من قسم من أملاكها. وتدعمت مواقع حزب الحرب في بلاد نيقولا الأول. وكان معقد رجائه أن فرنسا لن تكون في حالة تؤهلها لإبداء مقاومة ما، وان إنكلترا بحكومتها المحافظة لن تنقض الاتفاق الودي القائم بينها وبين روسيا. ونشب في بادئ الأمر خلاف حول مفاتيح قبر السيد المسيح، وفي الواقع حول السيطرة على مضائق الدردنيل.

تصرمت بضعة شهور. وتفاقم الموقف إلى درجة رأت معها فرنسا وإنكلترا نفسيهما مضطرتين إلى إعلان الحرب على روسيا، بالرغم من رغبتهما في تجنب مواجهة مسلحة تدركان أنها لن تجدي فتيلا. وطرحت حرب القرم المسألة الشرقية بكل وساعتها. وأتيحت عندئذ لماركس وانجلز، وأن في أمريكا وليس في أوربا، إمكانية العمل في المادة المهمة التي تقدمها لهما أحداث الساعة. وتجدر الإشارة على اغتباطهما كليهما بتلك الحرب. وبالفعل، كانت الدول الرئيسية الثلاث في أوربا وحصن الثورة المضادة فيها في سبيلها إلى التقاتل والتمازق، والحال أنه عندما يتصارع اللصوص فيما بينهم فلن يكون الكاسب إلا الشرفاء من الناس. ومن هذا المنظور كان ماركس وانجلز يريان إلى تلك الحرب. وكان عليهما بعد ذلك أن يحددا الموقف الواجب اتخاذه من كل بلد من البلدان المتحاربة على حدة.

أرى ضرورة للتوقف عند هذه النقطة، لأننا رجعنا على الدوام في مسائل التكتيك تجاه الأطراف المتحاربة، تلك المسائل التي لعبت دورا بالغ الأهمية أثناء ثورتينا الاثنتين، وبخاصة أثناء الأخيرة منهما، إلى التكتيك الذي انتهجه ماركس وانجلز في 1853. ولقد كان يسود الاعتقاد في أوساطنا بشكل عام أن ماركس وانجلز انحازا فورا في حرب القرم إلى جانب تركيا ضد روسيا. وبالفعل، كان ماركس وانجلز يعزوان أهمية ضخمة إلى القيصرية الروسية، عماد الرجعية الأوربية، يعزوان أهمية كبرى إلى الحرب ضد روسيا لأنهما كانا يريان في حرب كتلك عاملا قمينا بتطوير الطاقة الثورية في ألمانيا بالذات. لهذا كان من المحتم أن يصفقا لحرب ضد روسيا. وفي المقالات التي كتباها معا متقاسمين العمل (تولى انجلز كتابة المقالات العسكرية بوجه خاص، وماركس المقالات الدبلوماسية والاقتصادية)، نالت روسيا نصيبا موفورا من نقد عديم الشفقة.

هل يترتب على ذلك أن ماركس وانجلز أخذا بناصر المدنية والأنوار والتقدم ضد روسيا، وأنهما ثارا على هذه الأخيرة كي يصطفا إلى جانب الإنكليز والفرنسيين المستنيرين والمتمدنين؟ خطأ فادح أن نتصور ذلك. فالصديقان انتقدا في مقالاتهما فرنسا وإنكلترا بقدر ما انتقدا روسيا. وفضحا بلا شفقة جميع محاولات نابليون وبالمرستون لتصوير تلك الحرب وكأنها حرب المدنية والتقدم ضد الهمجية الآسيوية. أما فيما يتعلق بتركيا، التي لم تكن إلا ذريعة تلك الحرب، فمن الخطأ الاعتقاد، كما يفعل غالبية الناس، أن ماركس كان من أنصار تركيا. فلا ماركس ولا انجلز نسيا أن تركيا بلد أشد همجية وأكثر آسيوية حتى من روسيا. والحق أن انتقاداتها لم توفر أحدا من المتحاربين. وفي نظرهما لم يكن هناك سوى معيار واحد. فقد كانا يقلبان النظر في كل حدث بدالَّة تأثيره على تسارع الثورة وعلى اشتداد ساعد الاندفاعة الثورية. ومن جهة النظر هذه انتقدا مسلك إنكلترا وفرنسا اللتين خاضتا غمار الحرب على كره منهما كما سبق أن ذكرت لكم، إذ غصبهما عليها عناد نيقولا الأول الذي أشاح بلا أخذ ولا رد عن كل تسوية. وقد كان لتخوف الطبقات الحاكمة ما يبرره، فالحرب طال أمدها مما كان متوقعا. فقد بدأت في عام 1853 ولم تنته إلا في 1856 بعقد صلح باريس. وقد أثارت في إنكلترا وفرنسا غليانا شديدا بين الجماهير العمالية والفلاحية. وأرغمت نابليون والحكام الإنكليز على بذل جملة من الوعود والتنازلات. وانتهت الحرب بانتصار فرنسا وإنكلترا وتركيا. أما بالنسبة إلى روسيا فكانت بمثابة حافز على تحقيق «الإصلاحات الكبرى». فقد أظهرت للعيان مدى عدم أهلية بلد يسوده نظام القنانة لمقارعة بلدان رأسمالية. وصار من الواجب أن تطرح مسألة تحرير الفلاحين على جدول الأعمال.

لكن كانت لا تزال هناك حاجة إلى صدمة كي تخرج أوربا الهاجعة بعد الانفجار الثوري في 1848-1849 من سباتها خروجا نهائيا. فحين انفصل ماركس وانجلز عن جماعة فيليش وشابر، كانا قد أعلنا أن ثورة جديدة لا يمكن أن تكون إلا نتيجة انقلاب اقتصادي جديد عنيف، وأنه كما كانت ثورة 1848 نتيجة أزمة 1847 فلا مناص من أن تكون الثورة الجدية حصيلة أزمة اقتصادية جديدة. وكان الازدهار الاقتصادي، الذي بدأ في 1849، قد تقدم بقوة فائقة في السنوات التاليات حتى أن حرب القرم نفسها عجزت عن تسديد ضربة محسوسة إليه.

بل كانت الظواهر تشير إلى أن الازدهار سيدوم إلى ما لانهاية. وهذا مع أن ماركس وانجلز كانا راسخي اليقين في عام 1851 بأن الأزمة التالية ستقع في 1853 على أبعد تقدير. وكانت أبحاثهما القديمة (وبخاصة أبحاث انجلز) قد أدخلت في ذهنيهما أن الأزمات، تلك الطفرات، تلك الانقطاعات الدورية في تطور الإنتاج الرأسمالي، تتكرر كل 5-7 سنوات. وعلى أساس هذا الحساب كان من المفروض بالأزمة التالية لأزمة 1847 أن تحدث في 1843. لكن ماركس وانجلز أخطآ. فمرحلة التطور المتواصل للإنتاج الرأسمالي، مقرونة بذبذبات صعود وهبوط غير ذات شأن، دامت حتى 1857. وفي ذلك العام فقط انفجرت الأزمة. لكنها كانت أزمة ذات أبعاد منقطعة النظير قوة واتساعا.

استقبل ماركس بحماسة تلك الأزمة، بالرغم من أنه ترتبت عليها عواقب مزعجة للغاية بالنسبة إليه. لم يكن كسبه من تعاونه مع تريبيون النيويوركية مرتفعا. فقد كان يتقاضى في البداية عن كل مقال ما يعادل عشرة روبلات ذهبية، وهي تعرفة رفعت فيما بعد إلى 15 روبلا. بيد أن هذا الكسب كان يسمح له بأن يعيش، ولو عشية الكفاف، في السنوات الأولى من حياته كمهاجر إلى لندن، وهذا بمساعدة انجلز الذي كان يتولى العبء الأكبر من العمل لحساب الصحف الأمريكية. فضلا عن ذلك، كان ماركس يعمل بمثابرة في مؤلفه الاقتصادي الكبير ويجد الوقت أيضا للكتابة مجانا للصحيفة الميثاقية المركزية، الصحيفة الشعبية.

بعد أزمة 1857 تردى الوضع من جديد. فقد كانت الولايات المتحدة من أكثر الدول تأثرا بالأزمة، واضطرت تريبيون النيويوركية إلى ضغط نفقاتها، وفعلت ذلك على حساب مراسليها الأجانب. وغرق ماركس من جديد في الديون، واضطر إلى البحث عن أي عمل ظرفي. ولبث على هذا الوضع المحرج حتى عام 1859. ثم عاد إلى التعاون مع تريبيون النيويوركية التي لم يتركها نهائيا إلا عام 1862.

لكن لئن عانى ماركس في حياته الشخصية من مضايقات كثيرة، فإنه أحس ابتداء من عام 1857 بالسعادة كثوري. وكما توقع، كانت الأزمة الجديدة العلة الرئيسية لسلسة من حركات ثورية في عدد كبير من الأقطار. ففي أمريكا انطرحت مسألة إلغاء الرق بصورة ملحة، وفي روسيا بات إلغاء القنانة مطروحا على جدول الأعمال، واضطرت إنكلترا البرجوازية إلى تعبئة قواها كافة لمواجهة انتفاضة واسعة النطاق في الهند الشرقية، كذلك أمست أوربا الغربية في حالة غليان.

كانت ثورة 1848 قد تركت جملة من المسائل بلا حل. فإيطاليا بقيت مقسمة. وكانت أقاليمها الشمالية تقع تحت سلطان النمسا. وكانت المجر قد سحقت بمساعدة القوات الروسية، وربطت من جديد بالنمسا. وكانت ألمانيا، كما في السابق، حشدا من إمارات ودول شديدة التفاوت فيما بينها، وكانت تتقدمها جميعا بروسيا والنمسا الطامحة كل واحدة منها إلى فرض هيمنتها على الاتحاد الكونفدرالي الألماني.

منذ عام 1858 برزت في جميع دول أوربا الغربية حركة معارضة ثورية طرحت على جدول الأعمال من جديد المسائل القديمة المعلقة. ففي ألمانيا اشتد ساعد التيار المؤيد للتوحيد. واحتدم الصراع بين الحزب الوحدوي الجرماني الطامح إلى وحدة ألمانيا قاطبة وبين الحزب الألماني المعتدل الذي يبوئ بروسيا مكانة الزعامة ويرى أنه يتوجب على جميع الدول الألمانية باستثناء النمسا، أن تتحد حولها.

في إيطاليا أيضا تيقظت الصبوات القومية. أما في فرنسا، حيث أدت أزمة 1857 إلى انهيار مشاريع عديدة وجرت أوخم عواقبها على الصناعة النسيجية، فقد نمت وتطورت المعارضة البرجوازية الصغيرة وبدر عن المنظمات الثورية السرية، وبخاصة الجماعات البلانكية، نشاط جديد. ودبت الحياة ثانية في أوصال الحركة العمالية، وبخاصة في مجال البناء والنجارة، بعد أن كانت خمدت تماما عقب هزيمة حزيران. وفي روسيا أخيرا حصلت سلسلة من افلاسات البيوتات التجارية، وطرقت الحكومة رويدا رويدا باب الإصلاحات الليبرالية.

سعت الحكومات الأوربية، وفي المقام الأول الحكومة الفرنسية، إلى تحويل انتباه الشعب نحو السياسة الخارجية تملصا من المصاعب الداخلية. واضطر نابليون، الذي ذكرته محاولة اغتياله على يد الثوري الإيطالي أورسيني في كانون الثاني 1858 أن شرطته ليست كلية القدرة والقوة، اضطر أن يقيم اعتبارا للغليان المتعاظم. والتفافا منه حول تذمر الجماهير العمالية، رفع شعار تحرير إيطاليا من النير النمساوي. وفي تلك السنة نفسها عقد اتفاقا سريا مع كافور، وزير ملك سردينيا. فكما كانت بروسيا هي الدولة الأقوى بين دول ألمانيا المقسمة، كذلك كانت مملكة سردينيا هي الأقوى في إيطاليا، وقد غدت المحور الذي توحدت حوله البلاد قاطبة.

كانت الصحافة الرسمية تنادي علنا وجهارا بضرورة توحيد إيطاليا، لكن الاتفاق الذي كان نابليون وعد بموجبه سردينيا بمساعدته كان له في الواقع مرمى مغاير تماما. فلم يكن بيت القصيد توحيد إيطاليا، وإنما توسيع ممتلكات سردينيا التي وعدت بمقاطعتي لومبارديا وفينيسيا. ومقابل ذلك يتلقى نابليون، فضلا عن الوعد بعدم المساس بممتلكات البابا، مقاطعتي نيس والسافوا. والواقع أن نابليون، الذي كان يتخبط بين المعارضة اليسارية والحزب الاكليريكي، ما كانت له رغبة في خصام البابا، ولهذا كان ضد التوحيد الحقيقي لإيطاليا. ومن جهة أخرى كان يؤمِّل، عن طريق وضع اليد على إقليمين جديدين، أن ينال رضى الوطنيين الفرنسيين.

على هذا النحو برزت إلى حيز الوجود مسألة سياسية هي من أهم المسائل إطلاقا، مسألة كانت تهتز لها أوربا قاطبة، وينفعل لها بخاصة الثوريون في شتى الأقطار. فما الموقف الذي كان يتوجب على الثوريين والاشتراكيين اتخاذه؟ هل ينبغي عليهم أن يصطفوا إلى جانب نابليون الذي كان يلعب تقريبا دور الثوري بإطلاقه شعار حق إيطاليا في تقرير مصيرها بنفسها، أم إلى جانب النمسا التي كانت تمثل الاستبداد وتضطهد إيطاليا والمجر، إنها، كما نرى، مسألة بالغة الأهمية وتستدعي تكتيكا محددا، وتعيد إلى أذهاننا الوضع في 1914. لهذا سأعرض عليكم تكتيك ماركس وانجلز وموقفهما، وكذلك تكتيك لاسال وموقفه.

لم أجد حتى الآن داعيا للكلام عن لاسال، مع أنه كان واحدا من أوائل أتباع ماركس وشارك في أحداث 1848. لن أتوقف عند سيرة حياته، لأن ذلك يشط بنا عن موضوعنا. فبعد فترة اعتقال قصيرة مكث لاسال في ألمانيا حيث صرف اهتمامه إلى أبحاث علمية، وثابر على اتصاله بماركس وانجلز. وتسببت المسألة الإيطالية في مجادلة بالغة الأهمية بينه وبين ماركس وانجلز، لأن الخلاف إنما كان، والحق يقال، خلافا بين طرفين في حزب واحد. فإلامَ يرتد الاختلاف في وجهات النظر بينهم؟ هذا ما سنراه الآن.

كان نابليون الثالث ومحازبوه يعرفون حق المعرفة كيف يتلاعبون بالرأي العم. فكما في أثناء حرب القرم، أغرقت فرنسا في 1858-1859 في بحر من الكراسات والأهاجي التي ترمي، بجميع الوسائل الممكنة وبكل الأساليب الممكن تخيلها، إلى إثبات ليبرالية نابليون وعدالة قضية إيطاليا. وقد شارك في تلك الحملة عدد غفير من الصحفيين المتطوعين أو المرشوين من قبل الحكومة. وكان الصحفيون المتطوعون يمثلهم بصورة رئيسية المهاجرون المجريون والبولونيون. فكما كان هؤلاء المهاجرون قد رأوا في حرب القرم قبل بضع سنوات حربا للتقدم والمدنية على الاستبداد الآسيوي، وجندوا لحساب نابليون وبالمرستون فقرا من المتطوعين، كذلك راحوا يتهافتون الآن على إثبات أن نابليون يقاتل في سبيل التقدم وحق الشعوب في تقرير مصائرها بنفسها وعلى وجوب قيام الجميع لنجدته وتقديم العون له. وانخرط أولئك المهاجرون، الذين ما كان بعضهم يتأبى عن مال نابليون، في سلك الجيش الإيطالي-الفرنسي.

بيد أن النمسا لم تمكث هي الأخرى مكتوفة اليدين. فقد كانت تمول صحفيين لا هم لهم غير أن يثبتوا أنها تذود في تلك الحرب عن مصالح ألمانيا قاطبة، وأنه إذا انتصر نابليون على النمسا فسيستولى أيضا على الراين، وأن الأمر بالتالي ليس أمر إيطاليا وإنما أمر ألمانيا، وأن النمسا بإبقائها إيطاليا الشمالية تحت سلطانها تذود في الواقع عن حياض ألمانيا. وكانوا يقولون: لحماية الراين لا مناص من السيطرة على البو (نهر في لومبارديا).

هذا ما كانه التياران الرئيسيان في الصحافة الأوربية عهدئذ. وفي ألمانيا بالذات، كانت المسالة تزداد تعقيدا بحكم الخلاف الناشب بين الحزب الجرماني الوحدوي والحزب الألماني المعتدل. وطبيعي أن الجرمانيين الوحدويين، الذين كانوا يريدون اتحاد ألمانيا جمعاء بما فيها النمسا، كانوا يقفون بجانب هذه الأخيرة. أما المعتدلون، الذين كانوا يرنون بأبصارهم إلى بروسيا، فكانوا يعلنون على العكس أنه ينبغي أن تترك النمسا تتدبر شأنها بمفردها. صحيح أنه كان بين ذينك النقيضين فروق وتلاوين شتى، لكن ذلك ما كان يغير اللوحة العامة.

ما الموقف الذي تبناه في هذه المسألة ماركس وانجلز من جهة، ولاسال من الجهة الأخرى؟ كان ثلاثتهم يقفون على أرضية البيان الشيوعي، وكان ثلاثتهم قد كافحوا أثناء ثورة 1848 في سبيل تكوين جمهورية ألمانية تضم المناطق الألمانية من النمسا. وعليه، ما كان يبدو أنه من الممكن أن ينشب بينهم أي خلاف في وجهات النظر. أما في الواقع فقد كانت اختلافاتهم لا تقل عمقا عن تلك التي قسمت، في بداية الحرب الإمبريالية، صفوف الاشتراكيين-الديموقراطيين الذين كانوا متحدين حول الراية الماركسية.

أظهر ماركس وانجلز في مقالاتهما وكراساتهما أن ألمانيا لا تحتاج إلى إيطاليا الشمالية للدفاع عن الراين، وأنها تستطيع، أكثر من ذلك، أن تقبل بلا خطر بأن تعيد النمسا إلى إيطاليا الموحدة جميع أقاليمها الإيطالية، وأعلنا أن كل محاولة للأخذ بناصر النمسا بحجة الذود عن صالح ألمانيا أن هي ألا تواطؤ مع الاستبداد النمساوي.

لكن ماركس وانجلز انتقدا من جانب آخر –وهذه واحدة من السمات المميزة لموقفهما- نابليون بمثل العنف الذي انتقدا به الرجعية النمساوية والبروسية. كان خطر انتصار كامل لنابليون يبدو لهما أوهى شأنا من خطر انتصار تنتزعه النمسا. وقد أبان انجلز أن نابليون سيهاجم ولا بد ألمانيا بعد انتصاره على النمسا، ولهذا قال بالأطروحة التالية: على إيطاليا وألمانيا أن تحققا اتحادهما بقواهما الذاتية. وبناء عليه، لا يجوز للثوريين أن يأخذوا لا بناصر نابليون ولا بناصر النمسا في المسألة الإيطالية. والشيء الوحيد الذي يجب أن يضعوه نصب أعينهم هو صالح الثورة البروليتارية. ولا يجوز لهم أن ينسوا أن ثمة عاملا آخر له ما له من الأهمية. وقد نوه انجلز بسداد بأن نابليون ما كان ليجرؤ على إعلان الحرب على النمسا لو لم يطمئن إلى موافقة روسيا الضمنية، ولو لم يتيقن من أن هذه الأخيرة لن تهب لمساعدة النمسا. وكان يقدر أنه من المحتمل للغاية أن يكون هناك وجود لاتفاق ما بهذا الخصوص بين فرنسا وروسيا. ففي إبان حرب القرم ردت النمسا، كما كان يعلن أبناء جلدتنا، بجحود منكر على جميل روسيا التي كانت قد ساعدتها، بتفانٍ وتجرد منقطعي النظير على ما يقولون، على سحق الثورة المجرية. وما كان لروسيا، كما تدل الظواهر، إلا أن تغتبط بمشاهدة النمسا وهي تنال عقابها على يد نابليون. وإذا كان هناك فعلا اتفاق بين فرنسا وروسيا، وإذا هبت هذه الأخيرة لمعونة فرنسا، فعلى ألمانيا جمعاء في هذه الحال أن تهب لنجدة النمسا، لكن ألمانيا هذه ستكون ألمانية ثورية. وعندئذ يتحقق الوضع الذي كان ماركس وانجلز يعقدان عليه الرجاء في أيام ثورة 1848.

إنها ستكون حرب الثورة ضد الرجعية، حربا تحل فيها بالتعاقب محل جميع الأحزاب البرجوازية التي ستعجز عن اكتساب تأييد الطبقات الدنيا أحزاب أكثر فأكثر جذرية، وتمهد السبيل بالتالي لانتصار الحزب الأكثر تطرفا، الأكثر ثورية، حزب البروليتاريا.

تلك هي وجهة نظر ماركس وانجلز. ومغايرة لها كانت وجهة نظر لاسال. واختلاف آرائهم يجد بعض تفسيره في تباين الشروط الموضوعية التي كانوا يحيون في ظلها. فلاسال، الذي كان يعيش في بروسيا، كان مرتبطا ومشدودا بعرى وثيقة إلى الوسط البروسي. أما ماركس وانجلز فكانا يقطنان إنكلترا، فكانا، لتحررهما من التأثير المباشر للوسط الألماني، يحاكمان الأحداث الأوربية من منظور مصالح الثورة الأممية، وليس فقط من منظور المصالح الألمانية أو البروسية.

كان أخطر أعداء ألمانيا في نظر لاسال عدوها الداخلي، النمسا. فهذه الأخيرة كانت أدهى خطرا من فرنسا الليبرالية أو روسيا التي كانت قد طفقت تسير على طريق الإصلاحات. وكانت هي العلة الرئيسية للردة القاسية التي أثقلت بوطأتها على ألمانيا. أما نابليون فإنه، وإن يكن غاصبا تسنم سدة السلطة عن طريق انقلاب، ممثل الليبرالية والتقدم والمدنية. لهذا كانت مهمة الديموقراطية البروسية في الحرب التي كانت تدور رحاها أن تترك النمسا لمصيرها وأن تتمنى اندحارها.

حين نقرأ كراسات لاسال الذي يكيل المديح لنابليون وروسيا ويحابي الحكومة البروسية، ينبغي حتى نفهم موقفه أن نتذكر أنه كان يجهد للتكلم بصفة ديموقراطي بروسي يسعى إلى البرهان للطبقات السائدة، أي لليونكر [40]، إنه لا يناسبها أن تهب لمعاونة النمسا. لكن لاسال كان يعبر في دوره ذاك عن أفكار تتناقض جوهري التناقض مع أفكار ماركس وانجلز. وقد برز منذ ذلك الحين بين أولئك الرجال خلاف أخذ فيما بعد شكلا أكثر حدة. ومنذ ذلك الحين أيضا أنجز لاسال وراء رغبته في الحصول فورا على نجاح ملموس وتطلعه إلى أن يكون «سياسيا واقعيا» لا متمذهبا، فأباح لنفسه حججا تلزمه بالوقوف إلى جانب الحزب الحاكم وتقوده إلى أن يحيط بهالة مناسبة أولئك الذين يسعى إلى إقناعهم بألا يهبوا لمعاونة النمسا. وقد كان من الممكن عند الاقتضاء اعتبار الشتائم الموجهة إلى النمسا والموقف المتساهل حيال الحكومتين البروسية والروسية مجرد تعبير عن آراء صحفي لا ينطق باسم الحزب ذاته. لكن التكتيك الذي دعا إلى انتهاجه في النضال العملي المباشر للحزب كان، كما أثبت ذلك نشاط لاسال فيما بعد، محشوا بالأغلاط والأخطاء.

انتهت الحرب بين فرنسا والنمسا بغير النهاية التي كان يتوقعها الطرفان المتعاديان. ففي البدء سجلت النمسا انتصارات إذ كانت لا تواجه سوى الطليان وحدهم، بيد أنها هزمت فيما بعد أمام القوات الإيطالية والفرنسية المتحالفة. لكن ما أن شرعت الحرب تتحول إلى حرب شعبية، وما إن أدرك نابليون أن إيطاليا جمعاء ستحقق وحدتها الثورية، وأن الدول التابعة لسلطان الحبر الأعظم ستضم إلى باقي إيطاليا، حتى تراجع القهقري وأسرع يستغل تحكيم روسيا لكي ينهي الحرب. واضطرت سردينيا إلى الاكتفاء بلومبارديا، أما فينيسيا فبقيت بين يدي النمسا. ووضع نابليون يده، تعويضا عن خسائره بالرجال والمال، على مقاطعة السافوا بكاملها، وطن ملوك ساردينيا، وحتى يبين بحسب ظاهر الحق للثوري الإيطالي الشهير غاريبالدي أن عليه في المستقبل أن يرتاب في وعود الملوك ضم مسقط رأس غاريبالدي بالذات، مدينة نيس مع الأراضي المحيطة بها. على هذا النحو ذاد نابليون عن حقوق إيطاليا وسط تهليل الليبراليين الأغبياء والثوريين المخدوعين به وتصفيقهم، ولم يجد لاسال نفسه مناصا من الاقتناع بأن نابليون ليس أقل شرا من النمساويين. وبقيت إيطاليا مقسمة كما في السابق. وسردينيا هي وحدها التي زادت ممتلكاتها الواسعة اتساعا. لكن حدثت عندئذ ظاهرة «غريبة ولامفهومة»، كما يقول دوبروليوبوف، لامفهومة بالنسبة على أولئك الذين يؤمنون بأن مصير الشعب يتقرر على الطاولة التي يجلس إليها الدبلوماسيون. فقد أثارت الخيبة والنقمة اللتان نجمتا عن سياسة نابليون في إيطاليا حركة ثورية واسعة. وقاد تلك الحركة غاريبالدي، الثوري السخي الكريم، لكن السياسي الرديء للغاية، وفي عام 1861 كانت إيطاليا بكاملها، خلا فينيسيا، قد اتحدت تحت صولجان ملك سردينيا. وتولى بعدئذ مغامرون برجوازيون وجاحدون للغاريبالدية التحقيق النهائي لوحد إيطاليا.

أرغمت الحرب الفرنسية-النمساوية ماركس على الخوض مرة أخرى في مناظرة. فكما قلت لكم، كانت الديموقراطية الألمانية برمتها قد أخذت موقفا محددا في النزاع بين نابليون والنمسا. وكان أبرز الديموقراطيين الألمان وأوسعهم نفوذا هو كارل فوغت، الثوري القديم، الذي كان اضطر في عام 1849 إلى الهجرة إلى سويسرا. لم يكن فوغت رجلا سياسيا فحسب، بل كان أيضا عالما ذائع الشهرة في جميع أرجاء أوربا. كان واحدا من الممثلين الرئيسيين للمادية الطبيعية التي غالبا ما يخلط العلماء البرجوازيون بينها وبين مادية ماركس وانجلز. وكان واسع الشعبية في روسيا في حوالي العام 1860، وكان له تأثير مرموق على التطور الفلسفي للعديد من المفكرين الروس. كان الصديق الحميم لهرزن الذي وصفه بأنه أشرف الرجال وأصدقهم وأكثرهم استقامة.

وبالفعل كان فوغت يحظى بنفوذ هائل لا بين الديموقراطيين الألمان فحسب، بل أيضا في أوساط المهاجرين الثوريين الأمميين، وعلى الأخص في الجاليات البولونية والإيطالية والمجرية. وكان بيته في جنيف مقرا سياسيا حقيقا. وكان من الأهمية بمكان بالنسبة إلى نابليون أن يكسب لقضيته تأييد ذلك العالم الشهير الذي كان في الوقت نفسه زعيم الديموقراطيين الألمان. وبفضل زهو الأستاذ السابق وخيلائه، أصاب نابليون نجاحا سهلا في غرضه. وكان فوغته على صلة وثيقة بشقيق نابليون، المعروف باسم الأمير بلون-بلون، الذي كان يتظاهر بالليبرالية وينصب نفسه حاميا للعلم. ومنه تلقى فوغت المال كي يوزعه على ممثلي مختلف جاليات المهاجرين.

حين تدخل فوغت بعزم وقوة لصالح نابليون وإيطاليا، أحدثت فعلته في أوساط المهاجرين الثوريين أثرا قويا شبيها بذاك الذي أحدثه فيما بعد تدخل بليخانوف لصالح الحلفاء. وكما يحدث دوما في مثل هذه الحال، كان يوجد بين المهاجرين المرتبطين بوثيق العرى بماركس وانجلز رجال لهم اتصال بالأوساط المهجرية الجمهورية. وصرح واحد من ممثلي هذه الأوساط، كارل بليند، على مسمع من بعض الشيوعيين أن فوغت تلقى مالا من نابليون. ونشر هذا الاتهام في صحيفة تصدر في لندن. وحين نقل فلهلم ليبكنخت، مراسل صحيفة اوسبورغ، نبأ تلك الشائعة إلى صحيفته التي بادرت إلى نشره، ادعى فوغت أنه وقع ضحية افتراء ورفع القضية إلى المحاكم وكسب الدعوى، لعجز الخصم عن تقديم أي دليل.

ونشر فوغت عندئذ، تحيط به هالة الظفر، كراسة خاصة عن تلك الدعوى، واقتناعا منه بأن ليبكنخت لا يأتي أمرا ولا يكتب سطرا واحدا بدون توجيهات من ماركس، سدد ضرباته جميعا ضد هذا الأخير. وعلى أساس معطيات ثابتة، كما زعم، اتهم ذلك الرجل «الشريف» ماركس بالوقوف على رأس عصابة من المصادرين ومزيفي النقود الذين لا يتراجعون أمام أي شيء ولا يردعهم رادع. ووجه أقذع الافتراءات ضد الشيوعيين. واتهم فوغت، المعروف بحبه لرغد العيش، اتهم ماركس بأنه يحيا حياة ترف على حساب العمال.

أثارت كراسة فوغت، بفضل اسم مؤلفها وشهرة من تهاجمه (كان ماركس قد نشر الطبعة الأولى من نقد الاقتصاد السياسي)، ضجة كبيرة، ولاقت كما هو متوقع ترحيبا عظيما من قبل الصحافة. واغتبط جميع الصحفيين البرجوازيين، وبخاصة جاحدوا الاشتراكية الذين عرفوا ماركس معرفة شخصية، واهتبلوا الفرصة، وصبوا دفقا من الشتائم على خصمهم.

كان ماركس يقدر شخصيا أنه يحق للصحافة أن تهاجم وتشتم كل رجل سياسة. فمن امتياز كل من يتعاطى النشاط العام، من ساسة وبرلمانيين وممثلين وسواهم، كما كتب يقول، أن يكال لهم المديح أو الاستهجان. وإذا رموك بحجارة أو بطاطا فاسدة، فما عليك إلا أن تذود عن حياضك وترد بالمثل. وما كان ماركس يرد على الإهانات الشخصية التي كان سيلها ينهال عليه بصورة متواصلة. لكن حين كانت مصالح الحزب، مصالح القضية، هي التي تتعرض للخطر، كان يرد، وكان رده يأتي في هذه الحال عنيفا شرسا.

حين ظهرت أهجية فوغت، تساءل المتسائلون عما إذا كان من المناسب الرد عليها. وارتأى لاسال وبعض من أصدقائه وجوب التزام الصمت، لا تصديقا منهم لأي كلمة كتبها فوغت، وإنما لأنهم كانوا يرون بأم أعينهم هالة الحظوة الكبيرة التي أحاطت بفوغت بنتيجة الدعوى التي كسبها. وكان رأيهم أن ليبكنخت طعن عن طيش وعدم روية الديموقراطي الكبير في الصميم، فسقط هذا الأخير بدوره، وهو يحامي عن شرفه، في شرك التطرف والمغالاة. وأي دعوى جديدة ستكون في هذه الحال بمثابة تأكيد لانتصاره، إذ لا وجود لأي دليل ضده. وعليه، فإن العقل والحكمة يقضيان بأن يترك الرأي العام يهدأ ويسكن.

ما كان لحجج مبتذلة كهذه أن تؤثر، بالتأكيد، على ماركس وأصدقائه. فمن الممكن أن تترك بلا رد التهجمات الموجهة ضد ماركس، ولكن ليس الافتراءات الموجهة ضد الحزب. بيد أن ماركس وأصدقاءه الأقربين كانوا في موقف حرج، على الرغم من يقينهم بأن فوغت مأجور، وذلك لأن بليند ومهاجرا آخر سحبا يومئذ كلامهما وظهر ف. ليبكنخت بمظهر المفتري الدنيء.

وفي آخر المطاف قر الرأي على وجوب الرد. ونظرا إلى فشل المحاولة التي بذلت لسوق فوغت أمام المحاكم بحكم تحيز القضاء البروسي، لم يكن هناك مفر من الرد بمنشور مكتوب. وأخذ ماركس على عاتقه تلك المهمة الصعبة. وهنا نتطرق إلى نقطة لا اتفق البتة بصددها مع المرحوم مهرينغ. فقد ذهب هذا الأخير إلى أنه كان في وسع ماركس أن يحرر نفسه بسهولة من الجهود والمتاعب التي لا يحصى لها عد وأن يتحاشى إضاعة وقت ثمين من دون أي نفع للقضية، لو أبى، لا أكثر، التدخل في الخصومة بين ليبكنخت وفوغت. لكن ذلك كان يعدل مطالبة ماركس بألا يكون ماركس.

تكمن علة خطأ مهرينغ في كونه لم يشارك قط في العمل السري ولم يتصل بعض الاتصال بالنضال الثوري المباشر إلا في السنوات الأخيرة من حياته. ولقد كان تقييمه لحادث فوغت تقييم رجل أدب. وقد قال: هل كان ثمة من داعٍ لإضاعة كل ذلك الوقت في مناظرة مع فوغت الذي ما كان يتمتع عهدئذ (أي في الوقت الذي كان فيه مهرينغ قد بدأ حياته الأدبية) بأي نفوذ سياسي؟ أضف إلى ذلك أن الظروف كانت تقضي بطبع الكتاب الموجه ضد فوغت في الخارج، فما وصلت منه إلى ألمانيا إلا كمية زهيدة من النسخ.

بيد أن كمية النسخ ليست الجانب الأهم في القضية. ولو أخذنا بهذا الاعتبار لتوجب أن نقول أنه لم يكن من المجدي أن يطبع بليخانوف مؤلفه خلافاتنا في وجهات النظر الذي لم تصل منه إلى روسيا في الأعوام الأولى سوى حوالي عشر نسخ على أبعد تقدير.

لقد ترك مهرينغ النقاش الأساسي الذي كان يدور في أوساط المهاجرين يمر من دون أن يراه. فلم يلحظ أن ذلك الحادث، الشخصي زعما، يخفي وراءه خلافات تكتيكية عميقة نشبت بين الحزب البروليتاري وبين سائر الأحزاب البرجوازية الأخرى، وأن تقلبات خطرة ظهرت، كما يبين ذلك مثال لاسال، في صفوف الحزب البروليتاري نفسه. كذلك لم يلحظ أن الكراسة الموجهة ضد فوغت انتقدت أيضا جميع حجج لاسال وأصدقائه.

إن الكتاب مقتضب: فهو يتألف من خمس عشرة ملزمة فقط. وهو من وجهة النظر الأدبية خير ما كتبه ماركس إطلاقا في أدب المناظرات. وليس في الأدب العالمي كله نظير لذلك المؤلَّف. وثمة أهجية مشهورة لباسكال ضد اليسوعيين. ولدينا في القرن الثامن عشر أهاجي ليسنغ ضد خصومه في الأدب، لكن تلك الأهاجي، شأن سائر الأهاجي التي نعرفها، لا تنشد غير هدف أدبي.

في السيد فوغت لم يأخذ ماركس على عاتقه مهمة التقويض السياسي والمعنوي لعالِم ورجل سياسي توقره البرجوازية قاطبة فحسب. والحق أنه وفى بتلك المهمة على نحو ساطع وباهر. ما كان يملك ضد فوغت سوى وثائق مطبوعة. أما الشهود الرئيسيون فقد تواروا أو سحبوا كلامهم. لهذا يتناول ماركس جميع مؤلفات فوغت السياسية ويبرهن على أن ذلك الرجل بونابرتي النزعة، وأنه لا يفعل سوى الترداد الحرفي لجميع الحجج المتواترة في المؤلفات السياسية لعملاء نابليون، ويخلص إلى الاستنتاج بأن فوغت ببغاء ذليل يردد بغباء جميع حجج البونابرتيين، أو عميل مأجور مثله مثل سائر الصحفيين البونابرتيين.

بيد أن ماركس لا يكتفي بالتنديد بفوغت سياسيا. فما أهجيته بمحض أهجية قدح وذم. إنما يستخدم ماركس ضد فوغت سلاحا يتقن كل الإتقان استعماله: سلاح التهكم والسخرية. فكلما تقدم القارئ في مطالعة الكتاب، ارتسمت أمام ناظريه الشخصية الهزلية لفوغت الذي يتحول من عالم كبير ورجل سياسي عظيم على فالستاف (بطل شكسبير) متبجح، مهذار، تحلو له أطايب الحياة على حساب الآخرين. وليس ثمة اثر أدبي كلاسيكي في أقطار العالم قاطبة لم يدل فيه ماركس بدلوه لكي يغترف منه قطعا يساهم، على ما يبدو، في إضافة قسمة جديدة إلى قسمات وجه فالستاف الحديث ذاك.

لكن فوغت كان يحظى بتأييد القسم النافذ من الديموقراطية البرجوازية الألمانية. لهذا يزيح ماركس النقاب عن الخسة السياسية لتلك الديموقراطية ويوجه في دربه ضربات إلى الاشتراكيين الذين لا يستطيعون أن يدفعوا عن أنفسهم شعورا بالاحترام تجاه «الطبقات المستنيرة».

إن محاولة فوغت الافتراء على القسم الأكثر جذرية وفي الوقت نفسه الأكثر عوزا وإملاقا من المهاجرين الثوريين تتيح لماركس المناسبة لرسم صورة الأحزاب البرجوازية المتربعة على سدة السلطة أو العاملة في صفوف المعارضة، وعلى الأخص لتسليط الضوء على قابلية الصحافة البرجوازية للارتشاء والشراء بالمال، تلك الصحافة التي أضحت مؤسسة رأسمالية تجني الربح من بيع الكلمات، مثلها مثل مؤسسات أخرى متخصصة في بيع الزبل.

لقد كان الأشخاص المطلعون عميق الإطلاع على الحقبة الممتدة من 1849 على 1859 يؤكدون، حتى حين كان ماركس ما يزال على قيد الحياة، أنه ليس من كتاب ككتابه عن فوغت يقدم ذلك القدر الهائل من المعلومات عن طبيعة الأحزاب في ذلك الزمن. صحيح أن القارئ المعاصر بحاجة إلى شرح وتعليق ليفهم تفاصيله كافة، لكن سهل عليه أن يدرك الأهمية السياسية لتلك الأهجية.

لقد اضطر لاسال نفسه إلى الإقرار، لدى ظهور الكتاب، بأن ماركس كتب أثرا عظيما، وأن مخاوفه لم يكن لها من مبرر، وأن فوغت قد انتهى أمره إلى الأبد كرجل سياسي. تصوروا، على سبيل المثال، الدوي الذي سيخلفه أثر أدبي في عشية ثورة 1905 الروسية يحول ميليوكوف، الذي كان هو الآخر عالما مبرزا وزعيما لحزب الكاديت، إلى شخصية مضحكة، إلى سياسي إمعة.

والحال أنه كان من الأهمية بمكان في حوالي العام 1860، أي في الزمن الذي كانت قد بدأت فيه حركة جديدة في أوساط البرجوازية الصغيرة والطبقة العاملة والذي كان فيه كل حزب يسعى إلى كسب تأييد طبقة فقراء المدن، أن يتبين الجميع أن ممثلي الديموقراطية البروليتارية لا يتساوون فكريا مع أبرز ممثلي الديموقراطية البرجوازية وأكثرهم شعبية فحسب، بل يبزونهم ويتفقون عليهم بلا جدال. ولقد كانت الضربة المسددة إلى فوغت ضربة قاضية لحظوة واحد من أشهر قادة الديموقراطية البرجوازية. وما كان للاسال ألا أن يكون ممتنا لماركس الذي سهل عليه الصراع ضد التقدميين [41] من أجل بسط النفوذ على العمال الألمان.

في هذا كانت تكمن الأهمية السياسية لكتاب ماركس ذاك. وقد غابت هذه الأهمية عن انتباه مهرينغ تماما. فهذا الأخير يواصل في السيرة التي وضعها عن حياة ماركس، وإن بقدر أقل من الجزم عما كان يفعل قبل 1914، تقييم تلك الفترة من وجهة النظر الأدبية الخالصة، وهو اليوم يخفف قليلا من شدة الحكم الصادر عنه ويعلن أن ذلك الكتاب «كان عقبة أكثر منه عونا بالنسبة إلى عمل حياته الكبير». صحيح أن ماركس لو كان مجرد رجل أدب وعلم لكان أجدى له ألا يشغل وقته إلا في كتابات من أشباه 18 برومير والرأسمال. وعلى أساس هذا الاعتبار أيضا، يسعنا القول أنه كان أجدى لبليخانوف، بدلا من التجادل على مدى ثلاثمئة صفحة مع شخص تافه مثل المرتد المقبل تيخوميروف، لو استغل وقته في تقديم عرض شعبي عن الرأسمال أو كتابة وجيز في الماركسية.

لنرَ الآن إلى الموقف الذي وقفه ماركس وانجلز من نشاط لاسال التحريضي. لقد بدأ لاسال نشاطه التحريضي، كما تعلمون، في عام 1862، حين انقسمت الديموقراطية البرجوازية البروسية بصدد مسألة التكتيك الواجب انتهاجه في النضال ضد الحكومة. ففي 1858 كان ملك بروسيا السابق، الذي طبقت شهرة «مآثره» الآفاق أثناء ثورة 1848، قد جن بصورة نهائية. وفي بادئ الأمر عُين وصي على العرش، ثم تسنم العرش الأمير غليوم الذي كان قد أمر بإعدام الديموقراطيين في 1849-1850. وفي الآونة الأولى تنكر في زي الليبرالية، لكن سرعان ما نشب نزاع بينه وبين مجلس النواب حول مسألة تنظيم الجيش. فقد رغبت الحكومة في تعزيز القوات العسكرية وطلبت فرض ضرائب جديدة، لكن البرجوازية الليبرالية طالبت بضمانات وبرقابة. وأثار ذلك النزاع مناقشات حول التكتيك. فلاسال، الذي كان يوالي اتصالاته الوثيقة بالأوساط الديموقراطية والتقدمية البرجوازية، طالب بتكتيك أشد حزما. ولما كانت تركيبة كل نظام هي محض تعبير عن العلاقة الفعلية للقوى في مجتمع معطى، فقد كان من الضروري إطلاق قوة اجتماعية جديدة ضد الحكومة التي كان يقف على رأسها آنئذ بسمارك، الرجعي الذكي والحازم.

في تقرير خاص كتب برسم العمال، أبان لاسال ما تلك القوة الاجتماعية الجديدة. وذلك التقرير، المكرس لعرض «ارتباط العصر الحاضر بفكرة الطبقة العاملة»، معروف بعامة باسم برنامج العمال. ولقد كان بالإجمال عرضا للأفكار الأساسية المتضمنة في البيان الشيوعي، بعد تخفيف حدتها وتكييفها مع شروط الشرعية. بيد أنه كان في الوقت نفسه أول بيان علني، منذ هزيمة 1848، عن ضرورة تجميع الطبقة العاملة في تنظيم سياسي مستقل، منفصل بلا لبس عن جميع الأحزاب البرجوازية، بما فيها أكثرها ديموقراطية.

كانت مداخلة لاسال تلك تتفق مع الحركة العمالية المستقلة التي كانت تنمو وتتطور بقوة خاصة في مقاطعة الساكس حيث كان يدور الصراع في أوساط العمال بين الديموقراطيين وبين بعض ممثلي «الرعيل الأول» من حركة 1848 العمالية. وكان مطروحا على بساط البحث يومئذ مشروع دعوة مؤتمر للعمال الألمان قاطبة. وقد نظمت لهذا الغرض لجنة خاصة في لايبزغ. ولما دعي لاسال إلى إبداء رأيه بصدد أهداف الحركة العمالية ومهامها، عرض برنامجه في رسالة مفتوحة موجهة إلى لجنة لايبزغ.

بعد أن ينتقد لاسال بعنف برنامج حزب التقدميين البرجوازيين والوسائل التي يقترحها هذا الحزب لمداواة بؤس العمال، يؤكد على ضرورة تنظيم حزب مستقل للطبقة العاملة. والمطلب السياسي الرئيسي الذي ينبغي حشد القوى كافة وتركيزها من أجل الفوز به هو حق الانتخاب العام. أما عن البرنامج الاقتصادي فإن لاسال، بالاستناد إلى «قانون الأجور الحديدي» [42]، يبين أنه يستحيل رفع الأجور إلى ما فوق حد أدنى معين. لهذا يوصي بتنظيم شركات إنتاجية بمساعدة اعتمادات ممنوحة من الدولة.

بديهي أن ما كان لماركس أن يوافق على خطة كتلك. وقد سعى لاسال، بلا جدوى، إلى اكتساب تأييده لبرنامجه. وقد قامت بينهما أسباب أخرى للخلاف، لم تتجل تماما إلا بعد بضعة أشهر حين تحمس لاسال، الراغب في الحصول فورا على نجاح عملي ملموس، لـ«السياسية الواقعية» ولم يحجم، في معرض صراعه ضد الحزب التقدمي، عن الشطط والمغالاة إلى حد مغازلة الحكومة والتلف إليها.

على كل حال، لا مجال للشك –وماركس نفسه يقر بذلك- في أن لاسال هو الذي رفع من جديد، بعد حقبة الردة الرجعية الطويلة الممتدة من 1849 إلى 1862، الراية العمالية في ألمانيان وفي أنه كان أول منظم للحزب العمالي الألماني. ذلك هو فضل لاسال الذي لا مرية فيه.

لكن النشاط المكثف، وأن القصير الأمد (أقل من عامين)، الذي قام به لاسال في ميدان التنظيم والسياسة كان ينطوي على عيوب جوهرية كان لا بد أن تؤدي –متجاوزة في ذلك برنامج لاسال الناقص- إلى ابتعاد ماركس وانجلز عن هذا الأخير.

لقد كان من الواضح، بادئ ذي بدء، أن لاسال، بدلا من التوكيد على ارتباط «الاتحاد العمالي العام الألماني» الذي أسسه بالحركة الشيوعية القديمة، يحرص على نفي هذه الصلة نفيا جازما. وفي الوقت الذي اقتبس فيه أفكاره الأساسية كافة من البيان الشيوعي، كان يحاذر بعناية الإشارة إليه كمرجع. وهو لم يستشهد بماركس إلا في واحد من آخر مؤلفاته، ولم يستشهد به كشيوعي أو كثوري وإنما كاقتصادي.

كان لاسال يفسر مسلكه باعتبارات تكتيكية. فما كان يريد أن يثير فزع الجماهير التي لم يكتمل وعيها بعد والتي يتوجب تحريرها من الوصاية الفكرية للتقدميين الذين يلوحون باستمرار بشبح الشيوعية المخيف.

كان لاسال مغرورا ومعجبا بذاته إلى حد بعيد، وكان يهوى الأبهة والفخفخة والقرقعة والشهرة التي تترك أثرا عميقا في الجماهير غير المكتملة التطور وتثير نفور العمال الواعين واشمئزازهم. كان يحلو له أن يتصوره الناس خالق الحركة العمالية الألمانية. لكن هذا بالتحديد ما كان يبعد عنه لا ماركس وانجلز فحسب، بل جميع مخضرمي الحركة الثورية القديمة. ولم ينضم إليه من هؤلاء جميعا سوى أنصار فيتلنغ القدامى وخصوم ماركس. ولقد احتاج الأمر إلى سنوات عدة كي يفهم العمال الألمان أن حركتهم لم تبدأ مع لاسال فقط. وما لا يفهمه مهرينغ هو أن ماركس وأصدقاؤه كانوا يحتجون على تلك الرغبة في تصفية كل ارتباط بالحركة الثورية والسرية القديمة. وهذه الرغبة في عدم التورط بصلة بالحزب اللاشرعي القديم تجد تفسيرها في اندفاع لاسال المسرف نحو «السياسة الواقعية».

لنرَ الآن إلى نقطة الخلاف الثانية: مسألة الانتخاب العام. فهذا المطلب كان سبق للميثاقيين أن طرحوه. وقد نادى به أيضا كل من ماركس وانجلز. لكن ما كان يسعهما الإقرار بالأهمية المسرفة التي يعزوها إليه لاسال والموافقة على الاطروحات التي كان يقول بها. فقد كان الانتخاب العام في نظر لاسال بمثابة وسيلة عجائبية تكفي، من دون أي تغيير آخر في النظام السياسي والاقتصادي، لتسليم زمام السلطة فورا إلى الطبقة العاملة. كان لاسال يؤكد بسذاجة في كراساته أن العمال سيحصلون في البرلمان على ما يقارب 90 بالمئة من المقاعد فور الفوز بحق الانتخاب العام. كذلك كان النارودنيون الروس يعتقدون أن الفلاحين، المشكلين للغالبية الساحقة من السكان، سيحصلون في الجمعية التأسيسية التي تستدعى للانعقاد بعد سلسلة من العمليات الإرهابية الناجحة على الغالبية الساحقة أيضا. وما كان لاسال يدرك أنه لا بد أن تتوفر جملة شروط أخرى وبالغة الأهمية حتى ينقلب الانتخاب العام من وسيلة خداع للجماهير الشعبية إلى أداة تربيتها الطبقية.

لم يكن أقل عمقا من ذلك الخلاف بصدد الروابط الإنتاجية. فهذه الروابط لم تكن بعد في نظر ماركس وانجلز عهدئذ سوى وسيلة ثانوية ذات أهمية محدودة للغاية، تفيد بوجه خاص في بيان أن المقاول أو الرأسمالي ليس عاملا ضروريا مطلق الضرورة من عوامل الإنتاج. أما التصور بأن الروابط الإنتاجية هي الوسيلة لوضع اليد تدريجيا على وسائل الإنتاج الاجتماعية ففيه تناسٍ لضرورة الاستيلاء أولا على السلطة السياسية حتى يتم فيما بعد تحقيق سلسلة من الإجراءات المناسبة، كما ورد في البيان الشيوعي.

كذلك كان تصور ماركس وانجلز مغايرا تماما لتصور لاسال عن دور النقابات. فقد كان لاسال، المغالي في الأهمية الفائقة للروابط الإنتاجية، يرتئي أن تنظيم النقابات مجهود ضائع ولا مجدٍ بالمرة، وكان يتبنى من هذا المنظور آراء الطوباويين القدامى التي سبق لماركس أن أخضعها لنقد نهائي في بؤس الفلسفة.

ولم تكن الخلافة بصدد مسألة التكتيك أقل عمقا، هذا إن لم تكن أكثر أهمية. ولسنا نملك أي مسوغ لاتهام ماركس، كما يفعل مهرينغ، بأنه غالى في أهمية التقدميين وعلق آملا أكبر مما ينبغي على البرجوازية. لقد سبق لي، في محاضرتي الأخيرة، أن تلوت عليكم وصف ماركس للبرجوازية البروسية بدالَّة تجربة ثورة 1848. ولقد رأينا عنف النقد الذي وجهه إلى الديموقراطية البرجوازية في مناظرته مع فوغت. وعليه، لا يستطيع أحد أن يقول أن ماركس، المفترق عن وطنه، كان ما يزال يؤمن بالطابع التقدمي للبرجوازية البروسية، بينما كانت أوهام لاسال عن هذه الأخيرة، وهو الأعرف بها منه، قد تبددت وانقشعت. إنما كان الخلاف يكمن في التكتيك الواجب انتهاجه حيال تلك البرجوازية. فكما كانت الحال في إبان الحرب بين الدول الرأسمالية، كان من الواجب في الصراع بين البرجوازية التقدمية وبسمارك اكتشاف أو إنشاء تكتيك لا يحول الاشتراكية إلى خادم لطرف أو آخر من الأطراف المتحاربة. وكانت هناك حاجة إلى حزم خاص وحذر بالغ. والحال أن لاسال كان ينسى، في مجرى صراعه مع التقدميين البروسيين، أنه ما تزال هناك إقطاعية بروسية، طبقة مغلقة من اليونكر، لا تقل عن البرجوازية عداء للعمال. كان يهاجم التقدميين ويندد بهم عن حق، لكنه كان يعرف كيف لا يتعدى الحدود الضرورية، كما أنه كان لا يفعل شيئا غير الإساءة إلى قضيته بكيله الثناء والمديح للسلطات. بل ما كان لاسال يتحرج من اللجوء إلى تسويات غير مقبولة ولا جائزة. من ذلك أن عمالا اعتقلوا في واحدة من المدن، فأوصاهم برفع طلب عفو إلى بسمارك الذي لن يتوانى، كما قال، عن إصدار الأمر بإطلاق سراحهم نكاية بالليبراليين. بيد أن العمال أبوا الأخذ بنصيحة لاسال. ولو رجعنا إلى خطابات هذا الأخير، وبخاصة خطاباته في النصف الأول من عام 1864، لوجدناها تحتوي على الكثير من أشباه تلك العثرات. لن أتكلم عن المفاوضات التي أجراها لاسال مع بسمارك من غير علم التنظيم العمالي، مجازفا على هذا النحو بإنزال ضرر فادح لا بسمعته السياسية فحسب، وإنما أيضا بالقضية التي يخدمها. وإذا أردنا أن نأخذ مثالا من الحياة الروسية، نقول أنه كان في المستطاع توجيه نقد عديم الشفقة إلى ميليكوف، لكن مغازلة ستوليبين وغوريمويكين وأضرابهما ما كانت لتكون إلا غلطة لا تغتفر، أو بالأحرى جريمة.

تلك هي الاختلافات التي منعت ماركس وانجلز من دعم نشاط لاسال التحريضي بهالة اسمهما. لكن ما تجدر ملاحظته أن ماركس وانجلز، في الوقت الذي امتنعا فيه عن تأييد لاسال. رفضا أيضا التدخل علنا ضده، وضغطا بهذا الاتجاه على رفاقهما العاملين في ألمانيا من أشباه ليبكنخت على سبيل المثال. بيد أن لاسال، الذي كان يقدر عاليا حيادهما، كان ينزلق أكثر فأكثر على المنحدر الخطر. وقد راح ليبكنخت والرفاق الآخرون في برلين والأقاليم الراينية يحثون ماركس على التدخل ضد تكتيك لاسال الخاطئ. وأرجح الظن أن الأمر كان سينتهي إلى قطيعة سافرة لو لم يلق لاسال حتفه في 30 آب 1863. والحال أنه بعد أربعة أسابيع من وفاته، في 28 أيلول 1864، تأسست الأممية الأولى التي أتاحت لماركس إمكانية العودة إلى العمل الثوري المباشر، على النطاق الأممي هذه المرة. ونظرا إلى الأهمية الكبيرة لتاريخ الأممية الأولى والدور البارز الذي لعبه فيها ماركس، أراني مضطرا إلى تخصيص محاضرتين لها.

المحاضرة السابعة [أزمة 1857-1858 – نمو الحركة العمالية في إنكلترا وفرنسا وألمانيا –معرض 1862 الكوني في لندن – الحرب الأهلية في أمريكا – أزمة الصناعة القطنية – الانتفاضة البولونية – تأسيس الأممية الأولى – دور ماركس -«الخطاب الافتتاحي»].

كما ذكرتم لكم، احتاجت الحركة الثورية، الحركة العمالية، إلى زهاء عشر سنوات حتى تقيل نفسها من عثرتها في 1848-1849. وقد ارتبط هذا النهوض بأزمة 1857-1858 التي أخذت طابعا عالميا وضربت بقوة حتى روسيا. ولقد أوضحت لكم كيف أن أوربا، التي كانت قد حافظت حتى ذلك الحين على طمأنينة الخارجية، قد وجدت نفسها مضطرة، في شخص الطبقات الحاكمة، إلى الشروع على طريقتها الخاصة بحل المسائل التي طرحتها على جدول الأعمال ثورة 1848 والتي بقيت معلقة. لقد كانت هناك حاجة، في المقام الأول، إلى الاهتمام بالمسألة القومية، مسألة توحيد ألمانيا. وكانت الحركة الثورية في 1848-1849 قد انحدّت بأوربا الغربية، ولم تشمل إنكلترا بتمامها، وعلى كل حال لم يكن لها انعكاس قوي على ذلك القطر، كما لم تمس أوسع أمصار أوربا، أعني روسيا، ولا الولايات المتحدة كذلك. وفي حوالي العام 1856، انجرت روسيا والولايات المتحدة إلى الدوامة. ففي روسيا انطرحت على جدول الأعمال مسألة إلغاء القنانة. فكان يومئذ عصر «الإصلاحات الكبرى»، العصر الذي رأت فيه النور حركة ثورية ما لبثت أن أدت، بعد 1860، إلى تشكيل جمعيات سرية، كانت أشهرها أولاها زمليا إي فوليا [40]. وفي الولايات المتحدة انطرحت مسألة إلغاء الرق. وقد أظهرت هذه المسألة، حتى أكثر من المسألة الروسية، إلى حد صار العالم عالميا، بعد أن كان يقتصر فيما غبر على شطر من أوربا. وقد أتضح أن مسألة إلغاء الرق، التي ما كانت تعني في الظاهر غير الولايات المتحدة، مسألة بالغة الأهمية بالنسبة إلى أوربا ذاتها، بحيث وجد ماركس مسوغا للتصريح، في مقدمة المجلد الأول من «الرأسمال»، بأن الحرب في سبيل إلغاء الرق في أمريكا قد أعطت الإشارة لنهوض حركة عمالية جديدة في أوربا الغربية. وقد ألمحت في المرة السابقة إلى الأحداث السياسية الرئيسية التي تمخضت عنها تلك القلقلة الاقتصادية الجامحة. واليوم سأتوقف عند الحركة العمالية.

سأبدو بأول أقطار الحركة العمالية، إنكلترا. ففي عام 1863 لم يكن قد بقي أثر في إنكلترا من الحركة الميثاقية الثورية القديمة. بل يؤكد بعض المؤرخين أن الميثاقية قضت نحبها منذ التجربة المشهورة للمظاهرة المجهضة عام 1848. وفي الواقع، عرفت الميثاقية فترة ازدهار أخرى في زمن حرب القرم. فقد استطاعت، بقيادة ارنست جونز، الخطيب المفوه والصحافي الألمعي الذي أسس بمساعدة ماركس وأصدقائه أحسن صحيفة اشتراكية في ذلك العهد، أن تستغل أثناء حرب القرم تذمر الجماهير الشعبية، ذلك التذمر الذي تصاعد مده حين أتضح للعيان أن تلك الحرب قد طال أمدها بخلاف ما كان متوقعا. وقد مرت شهور كانت فيها الصحيفة الشعبية، اللسان المركزي للميثاقيين، من أوسع الصحف نفوذا. وكانت مقالات ماركس الرائعة ضد غلادستون، وعلى الأخص ضد بالمرستون، تجذب فائق الانتباه. لكنها كانت محض طفرة مؤقتة. فما أن وضعت الحرب أوزارها حتى فقد الميثاقيون صحيفتهم. ولا ترجع العلة الوحيدة في ذلك إلى الخلافات التي نشبت بين جونر وخصومه. وإنما كانت هناك أسباب أهم.

يكمن السبب الأول في النهضة المعجزة للصناعة الإنكليزية منذ نهاية سنة 1849. صحيح أن بعض الفروع عرفت أزمات عابرة، بيد أن الصناعة كانت في مجملها في أوج الازدهار. وقد اختفى كل أثر للبطالة. فلم يسبق قط للصناعة الإنكليزية، منذ نحو من مئة سنة، أن احتاجت تلك الحاجة الشديدة إلى اليد العاملة. ويكمن السبب الثاني في تيار الهجرة الجارف الذي حمل من 1851 إلى 1855 العمال الإنكليز إلى الولايات المتحدة حيث اكتشفت مناجم ذهب ثرة. ففي غضون سنوات قلائل هاجر مليونان من العمال من إنكلترا بصورة نهائية، وكان هؤلاء العمال، كما يحدث على الدوام في أشباه هذه الحالات، يمثلون أقوى العناصر وأصلبها وأعظمها طاقة. على هذا النحو خسرت الحركة العمالية، ومعها الحركة الميثاقية، القسم الأعظم من قواها. وينبغي بعد أن نضيف إلى ذينك السببين الجوهرين جملة أسباب أخرى ثانوية.

طردا مع الضعف المتعاظم الطارئ على التنظيم الميثاقي، كان يتراخى الرباط الذي كان يربط بين شتى أشكال الحركة. فبين 1840 و1850 كانت الحركة الميثاقية قد اصطدمت بالحركة المهنية. لكن الأشكال الأخرى للحركة العمالية كانت تنزع هي أيضا إلى أن تتخصص وتنفصل عن الجذع الأصيلة. وهذه واحدة من خصائص الحركة العمالية الإنكليزية عصرئذ. فغالبا ما يرينا تاريخها تنظيمات خاصة شتى، تشرع على حين بغتة بالنمو والتطور، فتصل سريعا في بعض الأحيان إلى ضم عدة مئات من آلاف الأعضاء. وقد جعلت واحدة من تلك المنظمات هدفها النضال ضد الإدمان على الكحول. على سبيل المثال. كان التنظيم الميثاقي يتبع خط الحد الأدنى من المقاومة. فقد كان حاول في الماضي أن يكافح الإدمان على الكحول في صفوف أعضائه. وها هوذا الآن يضع نصب عينيه هدفا خاصا، وهو أن يؤسس في جميع أرجاء إنكلترا جمعيات لمكافحة تعاطي الكحول، وعلى هذا النحو حول انتباه عدد كبير من العناصر عن الحركة العمالية العامة وأبعدهم عنها. وقد وجدت أيضا حركة أخرى، الحركة التعاونية بقيادة الاشتراكيين المسيحيين. وقد سبق أن رأيناها كهنة في صفوف الحركة الميثاقية. وقد ذكرت لكم في أحد الأحاديث اسم ثوري، هو الراعي ستيفنس. كان واحدا من أكثر الخطباء شعبية في حوالي العام 1845. وفي زمن لاحق ما ميلا كثيرا نحو اليمين. وقد جمع حوله مجموعة من محبي الخير والإحسان الذين قصدوا الأوساط العمالية ليعظوها بالمسيحية العملية، وليؤكدوا الإفلاس السياسي للحركة الميثاقية، وليقدموا تنظيم جمعيات تعاونية على كل شيء آخر. ولما كانت هذه الحركة لا تهدد الطبقات الحاكمة بأي خطر، فقد لقيت عونا ومساعدة حتى من قبل أعضاء الحزب الحاكم. وقد انضم إليها بعض ممثلي المثقفين المتعاطفين مع آلام الطبقة العاملة وأوجاعها. وعلى هذا المنوال، انفصل عن الحركة العمالية فرع جديد ينشد هدفا خاصا.

لن أعدد جميع الأشكال الخاصة للحركة العمالية، ولن أتوقف إلا عند الحركة المهنية. صحيح أن هذه الحركة لم تلاق، في السنوات التالية لعام 1850، شروط موائمة كتلك التي لاقتها الحركة التعاونية أو حركة مكافحة الإدمان على الكحول. بيد أنها اصطدمت بمقاومة أوهى من تلك التي اصطدمت بها الحركة الميثاقية القديمة. ففي 1851 تأسس في إنكلترا أول اتحاد قومي متين لعمال البناء الميكانيكي. وتولى قيادته عاملان عزومان ونشيطان، افلحا في التغلب على الروح الحرفية الصرف للحركة المهنية الإنكليزية، وعلى الميل إلى تنظيم اتحادات محلية لمقاطعة أو مقاطعتين فقط. ولا ينبغي أن ننسى أن الشروط الخاصة للصناعة الإنكليزية كانت تعيق إلى حد لا يستهان به تنظيم الاتحادات الشاملة النطاق. من ذلك أن الصناعة النسيجية متركزة برمتها تقريبا في مقاطعتين، مثلما هي متركزة في روسيا في محافظتي موسكو وإيفانوفو –فوزنسنسك وان تكن مساحة كل واحدة منهما تزيد بكثير عن مساحة المقاطعة الإنكليزية. بيد أن العيب الجوهري في النقابات الإنكليزية ما كان يكمن في ضيق نطاق نشاطها الجغرافي، وإنما في ضيقها الحرفي. فقد كانت كل مهنة في حدود الصناعة الواحدة تنظم نفسها في اتحاد خاص. لهذا لم تكن الحركة المهنية مؤهلة، وإن شرعت بالتطور الحثيث بعد 1850، لخلق أشكال تنظيمية تفسح في المجال للنضال على نطاق واسع ضد أرباب العمل. فما دامت الصناعة في ازدهار، كان يسهل على غالبية العمال الحصول على علاوات في الأجور. بل أكثر من ذلك: فقد كان أرباب العمل المتزاحمون فيما بينهم يسعون، عن طريق رفع الأجور وتحسين شروط العمل، إلى اجتذاب العمال الذين كان عددهم دون المطلوب لسد حاجات الفروع الصناعية الجديدة التي كان يتوالى ظهورها. وفي إبان تلك السنوات سعت الرأسمالية إلى اجتذاب عمال البر الأوربي، من ألمان وفرنسيين وبلجيكيين، إلى إنكلترا.

بيد أن الحركة المهنية بقيت في تلك الشروط، على الرغم من تطورها التدرجي، في مستوى متدنٍ للغاية. فشتى الاتحادات التي كانت تتشكل في فروع صناعة واحدة كانت تبقى على انقسامها لا على نطاق القطر فحسب، بل كذلك في حدود المدينة الواحدة. ولم تكن حتى المجالس المحلية قد ظهرت بعد إلى حيز الوجود.

أدخلت أزمة 1857-1858 تغيرات ملموسة على الوضع. وكما سبق أن ذكرت لكم، كانت أحسن النقابات تنظيما نقابة عمال البناء الميكانيكي المؤلفة من خيرة العمال اختصاصا. وما كانت تلك الصناعة، مثلها مثل الصناعة النسيجية، تعمل لحساب السوق الداخلية وحدها. فبدءا من 1850 امتازت هاتان الصناعتان على غيرهما من الصناعات، وفازتا بوضع احتكاري في السوق العالمية. أما العمال المختصون والعاملون فيهما، فقد حصلوا بيسر على تنازلات من قبل أرباب العمل الذين كانوا يجنون طائل الأرباح. وعلى هذا النحو، بدأ يتوطد «السلم المدني» بين أرباب العمل والعمال. ومر أثر الأزمة، على الرغم من حدتها، مرورا سريعا. واتسعت أكثر فأكثر المسافة بين العمال المختصين والعمال غير المختصين، وساهمت في إضعاف الحركة الاضرابية في تلك الفروع من الصناعة.

لكن ما كان جميع العمال يتمتعون بمثل ذلك القدر من الطمأنينة. فقد كان للأزمة انعكاس بالغ الشدة على عمال البناء الإسكاني الذين تزعموا منذ ذلك الحين نضال الطبقة العاملة الإنكليزية، مثلما كان تزعمه من قبل عمال النسيج في عام 1840 وعمال البناء الميكانيكي في عام 1850.

لقد أدى تطور الرأسمالية إلى زيادة خارقة للمألوف في تعداد سكان أوربا، ومن ثم إلى تعاظم الحاجة إلى المساكن. ومن هنا كان ازدهار صناعة البناء الإسكاني. ففي 1840 كانت إنكلترا قد اندفعت اندفاعا محموما في مد السكك الحديدية، وفي 1850 مرت بما يشبه حمى البناء الإسكاني، وارتفعت المنازل الجديدة بالآلاف. وصارت بضاعة، مثلها مثل القطن أو الصوف. وكانت صناعة البناء الإسكاني، بتنظيمها التقني، ما تزال في الطور المعملي، لكنها كانت قد سقطت منذ ذلك الحين بين أيدي الرأسماليين الكبار.

كان مقاول البناء يكتري أرضا ويشيد عليها مئات المنازل التي كان يؤجرها أو يبيعها. والمنازل الإنكليزية لا تشبه المنازل الروسية، فهي عادة عبارة عن منازل صغيرة من القرمدي مشيدة على نسق واحد، وقد لا تزيد أحيانا عن شقتين أو ثلاث شقق لا تتجاوز مساحتها الإجمالية مساحة شقة من أربع أو خمس غرف في موسكو، لكن بدلا من أن تكون الغرف متجاوزة نراها متناضدة بعضها فوق بعض. وهذا ما جعل بعض اقتصاديي البر الأوربي يروون الأساطير عن العمال الإنكليز الذين يشغلون، على حد زعم أولئك الاقتصاديين، بيوتا بكاملها. وفي الواقع، تغص المنازل الإنكليزية بقاطنيها، كما لو أنها ملجأ ليلي.

جذب تطور صناعة البناء الإسكاني إلى المدن عددا كبيرا من عمال الريف. وهذه الصناعة، كما تعلمون، بالغة التعقيد. وهي تحتاج إلى مختلف ضروب العمال. فهي تستخدم عمال احتطاب ونجارين وجصاصين وبنائين ونجادين، وبكلمة واحدة، جميع العمال الذين لا يشاركون في البناء فحسب، بل أيضا في تأثيث المنزل وزخرفته. ويرتبط تطور البناء الإسكاني وثيق الارتباط بتطور صناعة المفروشات والسجاد والصناعة الفنية. وقد أدت أيضا الزيادة الكبيرة في تعداد سكان المدن إلى تطور الصناعة الكبيرة في مضمار الأحذية والملابس.

والحال أن أزمة 1857-1858 كان لها انعكاس بالغ الشدة على تلك الفروع الجديدة من الإنتاج الرأسمالي. فقد حرمت من العمل أعدادا لا تقع تحت الحصر من العمال، وخلقت جيشا من العاطلين راح يزاحم العمال الآخرين. وقرر المقاولون وأرباب العمل انتهاز السانحة للضغط على عمالهم، ولتخفيض أجورهم، ولزيادة مدة يوم العمل. وعلى دهشة عظيمة منهم، رد العمال في 1859 بإضراب جماهيري. كان واحدا من أعظم إضرابات لندن. بل أكثر من ذلك، فقد حظي إضراب عمال البناء الإسكاني بتأييد عمال الفروع الجديدة من الصناعة. واسترعى انتباه أوربا بقدر ما استرعته الأحداث السياسية الكبرى عصرئذ. وحتى في الصحف والمجلات الموسكوفية وجدت مراسلات عن ذلك الإضراب تزيد طولا وحجما عن تلك التي نقرؤها أحيانا في الصحف السوفياتية عن بعض الإضرابات في أوربا الغربية. وقد تولد عن ذلك الإضراب عدد جم من الهيئات والمهرجانات الخطابية. وكثيرا ما كان يتردد في عداد الخطباء اسم كريمر. ففي مهرجان هايد بارك الخطابي أعلن أن إضراب عمال البناء هو أول مناوشة بين اقتصاد العمل واقتصاد الرأسمال. وقام عمال آخرون، من أمثال أوجر، بنشاط تحريضي مكثف. وصدرت بيانات. ولنشر بالمناسبة إلى أن المحادثة المشهورة بين العامل والرأسمالي، وهي واحدة مع ألمع صفحات الرأسمال، تكاد أن تكون في بعض مواضعها نسخة طبق الأصل عن البيان الذي أصدره العمال أثناء إضراب 1858-1859.

إن ذلك الإضراب، الذي انتهى بعد ردح من الزمن بتسوية، أدى إلى تنظيم أول مجلس للاتحادات المهنية في لندن. وكان القادة الرئيسيون الثلاثة لذلك المجلس أوجر وكريمر وهويل، وثلاثتهم من العمال الذين صاروا فيما بعد أعضاء في المجلس العام الأول للأممية الأولى. ومنذ عام 1861 كان ذلك المجلس قد أضحى من أوسع المنظمات نفوذا. وقد تحول أيضا، شأن مجالسنا السوفياتية الأولى، إلى منظمة سياسية. وقد سعى جهده للاستجابة والرد على جميع الأحداث التي تهم العمال. وعلى غرار ذلك المجلس، قامت مجالس أخرى في أنحاء مختلفة من إنكلترا واسكوتلندا، بحيث باتت إنكلترا مجهزة من جديد في عام 1862 بتنظيمات عمالية طبقية. وكانت المراكز السياسية والاقتصادية لتلك التنظيمات مجالس الاتحادات المهنية (التريديونيونات).

لنرَ الآن إلى فرنسا. فقد عاثت الأزمة في هذا القطر فسادا ضاهى ما عاثته في انكلترا. وكان لها انعكاس شديد على الصناعة النسيجية، وكذلك على كل صناعة الكماليات. وكما قلت لكم، كانت الحرب التي شرع بها نابليون في 1859 وسيلة لتحويل اتجاه تذمر العمال. وفي مستهل 1860 ضربت الأزمة بوجه خاص الصناعة الفنية الباريسية. لكن باريس كانت أيضا مدينة مكتظة بالسكان، وقد شهدت تطورا حثيثا بدءا من 1850، وازدهرت فيها صناعة البناء. وكان واحدا من أهم إصلاحات نابليون الثالث إعادة تعمير مجموعة بكاملها من الأحياء الباريسية، وإزالة الأزقة القديمة الضيقة وتحويلها إلى شوارع عريضة وجادات فسيحة يتعذر نصب المتاريس فيها. وعلى مدى سنوات عديدة اهتم عمدة باريس هوسمان بإعادة تعمير المدينة على نحو منهجي منظم. وهكذا اجتمع في باريس، مثلما في لندن، عدد غفير من عمال البناء. وهؤلاء العمال، ابتداء من المياومين إلى المهرة والرفيعي الاختصاص منهم، هم الذين قدموا الكوادر الرئيسية للحركة العمالية الجماهيرية الجديدة التي تطورت بدءا من 1860. وحين ستطلعون على تفاصيل تاريخ الأممية الأولى في فرنسا، فستلاحظون أن غالبية أعضائها، والبارزين منهم، كانوا من العمال المهرة في صناعة البناء والصناعة الفنية.

بنهوض الحركة العمالية بعد 1860 عادت إلى الظهور المجموعات الاشتراكية القديمة التي ينبغي أن نخص بالذكر منها في المقام الأول مجموعة البرودونيين. في ذلك العهد كان برودون نفسه ما يزال على قيد الحياة. كان، بعد اعتقاله وحبسه لفترة من الزمن، قد هاجر إلى بلجيكا، ومارس مباشرة أو عن طريق أتباعه، بعض التأثير على الحركة العمالية. بيد أن المذهب الذي كان يدعو إليه بعد 1860 كان يختلف بعض الشيء عن المذهب الذي عرضه أثناء مناظرته الآنفة الذكر مع ماركس.

كان مذهبه عهدئذ عبارة عن نظرية مسالمة تماما، متكيفة مع الحركة العمالية الشرعية. وكان البرودونيون قد جعلوا هدفهم تحسين وضع العمال، وكانت الوسائل التي يقترحونها لهذا الغرض متلائمة مع شروط حياة الحرفيين في المقام الأول. وكان في طليعة تلك الوسائل الاعتماد الرخيص، بل المجاني إذا أمكن. وقد أوصوا، لهذا الغرض، بتنظيم جمعيات تسليف يتضافر أعضاؤها ويتعاونون على خدمة بعضهم بعضا بالتعاضد. ومن هنا جاء اسم التعاضدية. جمعيات تضافر ومعونة متبادلة، عزوف عن الإضرابات، شرعية الجمعيات العمالية، اعتماد مجاني، عزوف عن النضال السياسي المباشر، تحسين الأوضاع عن طريق النضال الاقتصادي وحده الذي لا يجوز بالأصل توجيهه ضد أسس النظام الرأسمالي: تلك هي عصارة برنامج التعاضديين الذين كانوا، من بعض الجوانب، أكثر اعتدالا من معلمهم.

بالتوازي مع تلك المجموعة، كانت توجد مجموعة أخرى أكثر انحرافا إلى اليمين، بقيادة الصحفي آرمان ليفي الذي كان على صلة وثيقة فيما سبق بالمهاجرين البولونيين ومؤدب أولاد الشاعر البولوني ميكييفتش. وقد كانت له اتصالات وثيقة أيضا بالأمير بلون-بلون الذي سبق لنا أن عرفناه حاميا للسيد فوغت.

أما المجموعة الثالثة –وقد كنت اقل تعدادا ومؤلفة من ثوريين فقط- فهي مجموعة البلانكيين الذين استأنفوا دعايتهم في أوساط العمال والمثقفين والطلبة والأدباء. وكان ينتمي إلى تلك المجموعة، في من ينتمي إليها، بول لافارغ وشارل لونغيه اللذان صاهرا فيما بعد ماركس.

كان كليمنصو أيضا يتردد على تلك الأوساط. وكان جميع أولئك الشبان والعمال واقعيين تحت تأثير بلانكي الذي كان، على الرغم من قبوعه في السجن، على صلات مستديمة بالخارج، والذي ما كانت مقابلات أصدقائه بالممنوعة عنه. وكان البلانكيون ألد أعداء الإمبراطورية النابوليونية وكانوا يتعاطون النشاط السري.

هكذا كانت حالة الحركة العمالية في إنكلترا وفرنسا في عام 1862، يوم توالت سلسلة من الأحداث التي تمخضت عن تقارب أوثق بين العمال الفرنسيين والإنكليز. وسنحت فرصة ذلك التقارب بافتتاح معرض لندن الكوني. فقد جاء ذلك المعرض تتويجا لطور جديد في الإنتاج الرأسمالي والصناعة الكبيرة تحول معه كل قطر مفرد إلى جزء من الاقتصاد العالمي. وكان أول معرض قد نظم عقب ثورة شباط في لندن في عام 1852، كما نظم المعرض الثاني في باريس في عام 1855، ثم أقيم الثالث من جديد في لندن.

أتاح ذلك المعرض الفرصة في باريس للقيام بحملة تحريض بين العمال. وتوجهت مجموعة آرمان ليفي إلى رئيس اللجنة المكلفة بتنظيم الجناح الفرنسي في معرض لندن. وكان ذلك الرئيس هو الأمير بلون-بلون، وقد أمر بتخصيص معونة مالية لإرسال وفد عمالي إلى معرض لندن.

أثار هذا الكرم مناقشات محمومة في جميع المشاغل والورشات الباريسية. وبيدهي أن البلانكيين عارضوا بحزم قبول الصدقة الحكومية. لكن مجموعة أخرى، كان الغلبة فيها للتعاضديين، أخذت برأي مخالف. فقد ارتأت أنه من الواجب انتهاز تلك السانحة الشرعية. وقالت أن المال مقدم لإرسال مندوبين عماليين. وعليه، تنبغي المطالبة بأن ينتخب الوفد من قبل الورشات والمشاغل، لا أن يسمى من قبل السلطات. وستكون تلك الانتخابات فرصة ممتازة للدعاية، وسيسعى العمال إلى إنجاح مرشحيهم.

توصلت تلك المجموعة، بقيادة عاملين هما تولان وبيراشون، إلى ترجيح كفة وجهة نظرها. ووافقت السلطات على إجراء انتخابات في الورشات والمشاغل، وتم انتخاب مرشحي المجموعة الثانية برمتهم تقريبا. وقاطع البلانكيون الانتخابات. أما مجموعة ليفي فلم يفز لها أي مرشح. على هذا النحو جرى تنظيم وفد باريس العمالي. ومن ألمانيا أيضا أرسل إلى لندن وفد كان على صلة بمجموعة العمال التي أخذت على عاتقها تنظيم المؤتمر العمالي وقصدت لهذا الغرض لاسال.

على هذا النحو أتاح معرض لندن الكوني الفرصة للقاء العمال الفرنسيين والإنكليز والألمان. وقد اجتمع أولئك العمال بالفعل، وإلى ذلك الاجتماع يرجع بعض المؤرخين تاريخ تأسيس الأممية. لقد سبق لي أن زكيت لكم كتاب ستكلوف عن تاريخ الأممية. فلنرَ ما يقوله عن ذلك اللقاء:

«قدم معرض 1862 الكوني الذريعة للعمال الإنكليز ولرفاقهم من البر الأوربي ليتقاربوا ويتفاهموا. ففي لندن…، في 5 آب 1862، كان الاستقبال الحفي لسبعين مندوبا عن العمال الفرنسيين من قبل رفاقهم الإنكليز. وفي الخطب التي ألقيت في تلك المناسبة، جرى التوكيد على ضرورة إقامة اتصال أممي بين البروليتارين الذين يشتركون كبشر ومواطنين وشغيلة في مصالح واحدة وصبوات واحدة».

ما هذه، ويا للأسف، إلا خرافة. وفي الواقع كان لذلك الاجتماع، كما برهنت على ذلك منذ زمن بعيد، طابع مغاير تماما. فقد انعقد بمشاركة ممثلي البرجوازية والطبقات الحاكمة ومباركتهم. والخطب التي ألقيت فيه لم تجرح أي رب عمل ولم تقلق بال أي شرطي، لأن الرأسماليين الإنكليز، الذين كانوا أثناء إضراب عمال البناء زعماء المقاولين، شاركوا في الاجتماع. ومما له دلالته بهذا الصدد أن التريديونيونيين الإنكليز أبوا المشاركة في ذلك المهرجان الخطابي. ذلك هو السبب الذي يمنعنا من اعتبار ذلك الاجتماع بداية الأممية.

الشيء الصحيح الوحيد أنه ما دام قد قدم إلى لندن عمال من فرنسا وألمانيا، فلا بد أنهم التقوا فيها العمال الفرنسيين والألمان المهاجرين بعد 1848. والحال أن المكان الذي كان يلتقي فيه عمال مختلف القوميات بعد 1850 كان جمعية التثقيف العمالي التي أسسها في 1840 شابر ورفاقه. وكان مطعم تلك الجمعية ومقهاها يقعان في الحي الذي كان يقيم فيه يومئذ الأجانب. وقد لبث ذلك الحي مركز تجمع الأجانب إلى زمن الحرب الإمبريالية التي كان من أول ضحاياها الجمعية العمالية الألمانية التي بات لها من العمر 74 عاما. وهذا ما أمكن لي أن ألحظه شخصيا عند إقامتي في لندن يوم قدمت إليها في 1909 و1910 للعمل في المتحف البريطاني. ولم يكن هناك يومئذ مكان آخر واحد يمكن فيه التقاء مثل ذلك العدد الكبير من العمال الأجانب. وقد بادرت الحكومة الإنكليزية إلى إغلاق النادي الألماني غب إعلان الحرب.

ومن المؤكد أن بعض أعضاء الوفد الفرنسي تعرفوا إلى المهاجرين الفرنسيين القدامى، مثلما تجدد التعارف بين عمال لايبزغ الألمان وبين رفاقهم القدامى. لكن مثل تلك الاتصالات كانت بالطبع عارضة، وما كانت أهلا لأن تؤدي لا إلى تأسيس الأممية ولا إلى تنظيم اجتماع 5 آب الذي يعزو إليه ستكلوف، مقتفيا بذلك مؤرخين آخرين، أهمية فائقة.

على أنه وقع وقتئذ حدثان بالغا الأهمية. كان الأول الحرب الأهلية في الولايات المتحدة. فقد كانت مسألة إلغاء الرق قد طرحت منذ بعض الوقت على جدول الأعمال، كما سبق لي القول. وقد اكتسبت تلك المسألة حدة بالغة وفجرت صراعا شديد العنف بين ولايات الجنوب وولايات الشمال قررت معه الولايات الأولى، كي تبقي على الرق، الانفصال عن الاتحاد وتأسيس جمهورية مستقلة. وعلى الاثر اندلعت حرب تمخضت عن نتائج لامتوقعة ومزعجة للغاية بالنسبة إلى العالم الرأسمالي قاطبة. ففي ذلك العهد كانت الولايات الجنوبية تحتكر بمفردها تقريبا إنتاج القطن وتمون الصناعة القطنية في العالم قاطبة. وما كانت مصر تنتج وقتئذ غير كمية ضئيلة للغاية من القطن، وما كانت الهند الشرقية وتركستان تقدمان شيئا للسوق الأوربية. وعلى هذا النحو وجدت أوربا نفسها محرومة على حين غرة من القطن. وفيما تمكنت الصناعة في مجملها من معاودة النهوض من أزمة 1857-1858، حلت بالصناعة القطنية أزمة لا سابق لها أصابت لا إنكلترا فحسب، بل أيضا فرنسا وألمانيا، وحتى روسيا حيث تعرض معمل بروخوروف لخسائر فادحة. وأدى نقص القطن إلى ارتفاع كبير في أسعار سائر المواد الأولية المستخدمة في الصناعة النسيجية. صحيح أن الرأسماليين الكبار عانوا أقل مما عانى غيرهم، لكن الصغار والمتوسطين سارعوا إلى إغلاق مشاريعهم. وهكذا قضي بالجوع على مئات الألوف من العمال الأوربيين.

اقتصر دور الحكومات على صدقات تافهة. وشرع العمال الإنكليز، الذين كانوا قبيل ذلك بقليل قد ضربوا المثل في التضامن أثناء إضراب عمال البناء، بتنظيم أعمال المساعفة والنجدة. وتولى المبادرة إلى ذلك المجلس اللندني للتريديونيونات. وتألفت لذلك الغرض لجنة خاصة. وكذلك في فرنسا، حيث تولى قيادة تلك اللجنة ممثلو المجموعة التي كانت قد نظمت انتخاب الوفد العمالي إلى معرض لندن. وجرت اتصالات بين اللجنتين. وبذلك قام لدى العمال الإنكليز والفرنسيين برهان جديد على الارتباط الوثيق في المصالح بين عمال مختلف الأقطار. وهكذا تكون الحرب الأهلية في الولايات المتحدة قد أحدثت انقلابا عميقا في حياة أوربا الاقتصادية، وضربت على السواء العمال الإنكليز والفرنسيين والألمان، وحتى العمال الروس في محافظتي موسكو وفلاديمير. لهذا كتب ماركس، في مقدمة المجلد الأول من الرأسمال، أن حرب الانفصال في القرن التاسع عشر قرعت ناقوس الخطر للطبقة العاملة، تماما كما كانت حرب استقلال الولايات المتحدة ضد إنكلترا قد قرعت ناقوس الخطر للبرجوازية الفرنسية قبل الثورة.

وقد وقع عصرئذ حدث آخر كان له أثره أيضا على عمال مختلف الأقطار. فقد ألغيت القنانة في روسيا. ودعت الحاجة إلى تحقيق سلسلة من الإصلاحات في سائر فروع الإدارة والحياة الاقتصادية. وفي الوقت نفسه كانت الحركة الثورية تتعزز وتطرح مطالب أكثر جذرية. وأخذت مناطق الحدود، بما فيها بولونيا، تضطرب. واغتنمت الحكومة القيصرية السانحة لتضع حدا دفعة واحدة للعصيان الخارجي والداخلي. فقد حرضت بولونيا على شهر راية التمرد، وشحذت في الوقت نفسه النزعة الوطنية الروسية-الكبرى بمساعدة كاتكوف وغيره من الكتاب المرتشين. وكلف مورافييف وزبانيته بقمع الانتفاضة البولونية.

لاقت الانتفاضة البولونية في أوربا الغربية، حيث كانت القيصرية الروسية موضع كراهية عامة، تعاطفا حماسيا. وأباحت حكومات شتى، ومنها الحكومتان الفرنسية والإنكليزية، حرية العمل كاملة للمدافعين عن الانتفاضة البولونية، محاولة بذلك أن تعطي متنفسا للتذمر الذي كانت نذره تتراكم في أوساط العمل. ونظمت في فرنسا سلسلة من الاجتماعات، ونظمت كذلك لجنة كان على رأسها تولان وبيراشون. وفي إنكلترا تولى قيادة الحركة المناصرة للبولونيين كريمر وأوجر عن العمال والأستاذ بيسلي عن المثقفين الراديكاليين.

في نيسان 1863 أقيم في لندن مهرجان خطابي ضخم برئاسة الأستاذ بيسلي وألقى فيه كريمر خطابا للدفاع عن البولونيين. واتخذ الاجتماع قرارا بدعوة العمال الفرنسيين والإنكليز إلى ممارسة الضغط على حكومتيهما لحملهما على التدخل لصالح بولونيا. وتقرر أيضا تنظيم مهرجان خطابي أممي. وأقيم ذلك المهرجان في لندن برئاسة بيسلي نفسه، في 22 تموز 1863. وتحدث فيه أوجر وكريمر باسم العمال الإنكليز، وتولان باسم العمال الفرنسيين. وقد أكد الجميع على ضرورة إحياء بولونيا المستقلة. كان ذلك هو الموضوع الوحيد لخطاباتهم. لكن عقد في اليوم التالي اجتماع لا يأتي بذكره عادة مؤرخو الأممية. وقد جرى تنظيمه بمبادرة من المجلس اللندني للتريديونيونات، لكن بدون مشاركة العناصر البرجوازية هذه المرة. وقد أكد فيه أوجر على ضرورة ارتباط أوثق بين العمال الإنكليز وعمال البر الأوربي. وطرحت المسألة طرحا عمليا. وقد سبق أن ذكرت لكم أن العمال الإنكليز كانوا يلقون مزاحمة شديدة من قبل العمال الفرنسيين والبلجيكيين، ولاسيما العمال الألمان. وفي ذلك الزمن كانت الخبازة، التي كان كبار المقاولين قد وضعوا اليد عليها، تعتمد بصورة رئيسية على العمال الألمان. وكان العديد من الفرنسيين يعملون في البناء والأثاث والصناعة الفنية. لهذا كان التريديونيون الإنكليز يغتنمون كل سانحة للتأثير على العمال الأجانب القادمين إلى إنكلترا. والحال أن أسهل وسيلة للوصول إلى ذلك كانت قيام تنظيم يجمع بين العمال من شتى القوميات.

وتقرر أن يوجه العمال الإنكليز خطابا إلى العمال الفرنسيين. ومضى ما يقارب أشهرا ثلاثة قبل أن يرفع ذلك الخطاب إلى التريديونيونيين في لندن ليحظى بمصادقتهم. وقد تولى كتابته بصورة رئيسية أوجر الذي استوحى إلى حد ما، في أرجح الظن، خطاب التعاطف الذي كان توماس هارون قد وجهه في نهاية القرن الثامن عشر إلى الثوريين الفرنسيين.

في تلك الحقبة كانت الانتفاضة البولونية قد قمعت بوحشية منقطعة النظير على يد الحكومة القيصرية. ولا يكاد الخطاب يأتي بذكر ذلك. وحتى أعطيكم فكرة عن طابعه، سأتلو عليكم منه المقطع التالي:
«إن إخاء الشعوب ضروري للغاية لصالح العمال. ففي كل مرة نحاول فيها تحسين وضعنا عن طريق تقليص مدة يوم العمل أو زيادة الأجور، يتوعدنا الرأسماليون باستخدام عمال فرنسيين وبلجيكيين وألمان مستعدين لأداء عملنا مقابل سعر أدنى ارتفاعا. ومن سوء الحظ أن هذا التهديد يوضع موضع تنفيذ في أحيان كثيرة. ومن المؤكد أن الخطأ لا يقع على عاتق رفاق البر الأوربي، وإنما فقط على عدم وجود صلة منظمة بين الأجراء من شتى الأقطار. إلا أننا نأمل أن يزول هذا الوضع عما قريب، لأن جهودنا للوصول إلى وضع العمال المتدنية أجورهم على نفس مستوى الذين يتقاضون أجورا مرتفعة ستمنع عما قريب المقاولين من استخدام بعضنا ضد بعض لخفض مستوى حياتنا، طبقا لروحهم التجارية».

لم يترجم الخطاب إلى الفرنسية من قبل الأستاذ بيسلي ويرسل إلى باريس إلا في تشرين الثاني 1863. وجرى تداوله في باريس كمادة تحريضية في الورشات والمشاغل. بيد أن رد العمال الفرنسيين تأخر طويلا. فقد كانت الاستعدادات قائمة على قدم وساق عهدئذ في باريس للانتخابات التكميلية للهيئة التشريعية التي كان من المفترض أن تجري في آذار 1864. وفي تلك المناسبة طرحت مجموعة من العمال، ومنهم تولان وبيراشون، سؤالا بالغ الأهمية: هل ينبغي أن يكون للعمال مرشحوهم الخاصون بهم أم عليهم الاكتفاء بتأييد المرشحين الراديكاليين؟ وبعبارة أخرى، هل ينبغي الانفصال بوضوح وجلاء عن المعارضة البرجوازية والتدخل على أساس برنامج خاص أم يتوجب السير في ركاب الأحزاب البرجوازية؟ وقد نوقشت تلك المسألة نقاشا واسعا في ختام 1863 ومطلع 1864. وقرّ القرار على التدخل على حدة وترشيح تولان. كما تقرر في الوقت نفسه تعليل ذلك الانشقاق عن الديموقراطية البرجوازية في وثيقة برنامجية خاصة حملت، طبقا لعدد موقعيها، اسم بيان الستين.

إن ذلك البيان مترع بروح البرودونية في قسمه النظري، في نقده للنظام البرجوازي. لكنه ينأى بوضوح وجلاء في الوقت نفسه عن البرنامج السياسي للمعلم، ويدعو إلى تشكيل تنظيم سياسي خاص للعمال، ويطالب بترشيح عمال إلى البرلمان كيما يتمكنوا من الذود عن مصالح البروليتاريا.

أيد برودون بحرارة بيان الستين وكتب في هذا الموضوع كتابا هو من خير مؤلفاته. وقد انكب على العمل فيه في الأشهر الأخيرة من حياته، لكنه قضى نحبه قبل صدوره. وعنوان ذلك الكتاب عن الطاقات السياسية للطبقة العاملة. وقد أقر فيه برودون للعمال بالحق في أن يكون لهم تنظيم طبقي مستقل. وأيد البرنامج الجديد للعمال الباريسيين الذي رأى فيه خير دليل على الطاقات السياسية الهائلة التي تنطوي عليها الطبقة العاملة. ولئن تمسك بوجهة نظره القديمة عن الاضرابات وجمعيات التضافر والمساعدة المتبادلة، فإن كتابه يعيد إلى الأذهان، بما ينبض به من روح احتجاج على المجتمع البرجوازي ومن نزوع بروليتاري، مؤلفه الأول عن الملكية. وقد غدت هذه المنافحة عن الطبقة العاملة واحدا من الكتب المأثورة لدى العمال الفرنسيين. وحين يدور الكلام عن تأثير البرودونية في عهد الأممية الأولى، لا يجوز أن نسهو عن أن المقصود بها البرودونية كما تكونت بعد نشر بيان الستين. فتحت ذلك الشكل، مارست البرودونية تأثيرا كبيرا على وجهات نظر المثقفين الثوريين الروس. وقد ترجم كتاب برودون، الصادر بعد وفاته، إلى الروسية على يد واحد من كتَّابنا، ن. ميخائيلوفسكي، الذي أصاب منه علما كثيرا.

تصرم زهاء عام من الزمن قبل أن يضع العمال الباريسيون خطابا جوابيا. وقد تم انتخاب وفد خاص لنقله إلى لندن. واستقبالا لهذا الوفد نظم اجتماع حاشد في 28 أيلول 1864 في قاعة سان مارتان، في قلب المدينة. وقد ترأس الحفل بيسلي. وكانت القاعة مكتظة. وفي البدء تلا أوجر خطاب العمال الإنكليز. ثم تلا تولان خطاب الفرنسيين. وهاكم هذا المقطع منه:

«التقدم الكوني، تقسيم العمل، حرية التجارة: تلك هي العوامل الثلاثة التي ينبغي أن تستأثر بانتباهنا، لأنها قمينة بتحويل حياة المجتمع الاقتصادية تحويلا جذريا. لقد شكل الرأسماليون، بقسر من قوة الأشياء وحاجات الزمان، اتحادات مالية وصناعية قوية. وإذا لم نتخذ تدابير دفاعية، فسنسحق سحقا لا رحمة فيه ولا شفقة. إن علينا، نحن عمال الأقطار قاطبة، أن نتحد وأن نقيم سدا منيعا في وجه الوضع القائم الذي يهدد بقسم البشرية إلى سواد من جياع الناس والساخطين من جهة، وإلى أوليغارشية من ملوك المال والأحبار المليئي البطون. ألا فلنساعد بعضنا بعضا حتى ندرك هدفنا».

بل أن العمال الفرنسيين حملوا معهم مشروع تنظيم. وبموجبه تشكل في لندن لجنة خاصة مؤلفة من ممثلي جميع الأقطار، كما تشكل في جميع المدن الكبرى في أربا لجان فرعية على اتصال بتلك اللجنة المركزية وترفع إليها هذه المسالة أو تلك للفحص والدرس. وعلى الهيئة المركزية أن تحكم في حصيلة النقاش. ولتحديد شكل التنظيم بصورة نهائية، يجب أن يدعى مؤتمر أممي للانعقاد في بلجيكا.

لكنكم ستسألونني ولا بد: ما كان دور ماركس؟ لم يكن لماركس أي دور في ذلك كله. لقد رويت لكم بالتفصيل قصة التحضير ليوم 28 أيلول 1864، ذلك اليوم الذي نرجع إليه تاريخ الأممية، حتى تعرفوا أن كل ما تم فعله في ذلك الاجتماع، من البداية إلى النهاية، كان من صنع العمال أنفسهم. وحتى الآن ما أمكنني أن اذكر اسم ماركس مرة واحدة. بيد أنه كان، في ذلك اليوم المشهود، حاضرا الاجتماع بصفة مدعو. كيف أمكن له أن يشارك فيه؟ الجواب على هذا السؤال نجده في مذكرة صغيرة وجدتها بالمصادفة بين شتى أوراق ماركس:
إلى السيد ماركس،

سيدي، إن لجنة تنظيم المهرجان ترجوك أن تتكرم بحضوره. وبإبرازك هذه المذكرة، تستطيع أن تدخل إلى القاعة التي ستجتمع فيها اللجنة في الساعة 7 و30 دقيقة.
المخلص لك
كريمر.

حين عثرت على هذه الرسالة، تساءلت بيني وبين نفسي عما يمكن أن يكون قد دفع بكريمر إلى دعوة ماركس. ولماذا لم ترسل تلك الدعوة إلى العديد من المهاجرين الآخرين المقيمين وقتئذ في لندن والذين كانوا على أوثق الصلات بالفرنسيين أو الإنكليز؟ ولماذا انتخب ماركس في لجنة الجمعية الأممية المقبلة؟

يمكننا أن نفرض فروضا عدة بصدد هذا الموضوع. وأقرب الفروض إلى الواقع هو التالي. لقد سبقت لي الإشارة إلى الدور الذي لعبته الجمعية العمالية الألمانية التي كان مقرها في لندن نقطة تجمع للعمال من مختلف القوميات. وقد اكتسبت تلك الجمعية المزيد من الأهمية حين أدرك العمال الإنكليز أنفسهم ضرورة توثيق الروابط بالألمان لإضعاف أثر العواقب الوخيمة للتزاحم بين العمال الذين كان المقاولون يجتذبونهم إلى لندن عن طريق وكلاء شتى. ومن هنا قامت علاقات شخصية وثيقة مع أعضاء رابطة الشيوعيين القديمة: إيكاريوس، لسنر، بفندر. وكان الأولان خياطين، والثالث جصاصا-رساما يعمل في البناء وكانوا جميعهم يشاركون بنشاط في الحركة المهنية اللندنية ويعرفون عميق المعرفة منظمي المجلس اللندني للتريديونيونات وقادتها. وأرجح الظن أن كريمر وأوجر تعرفا بوساطتهم إلى ماركس الذي كان قد جدد بدوره، في زمن قضية فوغت، علاقاته بالجمعية العمالية الألمانية.

إذن فالدور الحقيقي لماركس، الذي لم يكن مؤسس الأممية الأولى وإن أصبح بسرعة عقلها المدبر الرئيسي، لم يبدأ إلا بعد تأسيس تلك الأممية. وكما رأيتم، لم تتلق اللجنة المنتخبة في اجتماع 26 أيلول أي تعليمات أو أي توجيهات. ولم يكن بين يديها لا برنامج، ولا نظام داخلي، ولم يكن لها حتى اسم. وقد كان في لندن أصلا جمعية أممية هي «الرابطة العامة» التي استضافت اللجنة. وفي محضر ضبط الجلسة الأولى لتلك اللجنة تمثل أسماء ممثلي تلك الرابطة، وكانوا كلهم من البرجوازيين الطيبين. ولم يقترحوا البتة على اللجنة الجديدة تأسيس جمعية جديدة. كان بعضهم يتحدث عن تنظيم جمعية أممية جديدة مشرعة الأبواب لا أمام العمال وحدهم، وإنما أيضا أمام جميع أولئك الذين يرغبون في اتحاد أممي وينشدون تحسين الوضع السياسي والاقتصادي للجماهير الكادحة. وإنما بناء على إلحاح اثنين من العمال، إيكاريوس وفيتلوك –وهذا الأخير ميثاقي سابق- تقرر أن يطلق على الجمعية الجديدة اسم الرابطة الأممية للشغيلة. وقد حظي هذا الاقتراح بتأييد الإنكليز الذين كان في عدادهم ميثاقيون كثر من أعضاء الجمعية العمالية القديمة، مهد الحزب الميثاقي.

إن التسمية التي أطلقت على الجمعية الأممية الجديدة حددت للحال طابعها. فقد أقصت عنها للحال البرجوازيين الطيبين المقيمين في مقر الرابطة العامة. ودعيت اللجنة إلى البحث عن مقر جديد. وحالفها التوفيق في العثور على غرفة صغيرة غير بعيد عن الجمعية العمالية الألمانية، في الحي الذي كان يقطنه المهاجرون والعمال الأجانب.

ما أن عمدت الجمعية بذلك الاسم، حتى شرعت تضع البرنامج وتحرر مواد النظام الداخلي. ولكي نفهم ما جرى في فترة لاحقة، ينبغي أن نتخيل جلسة للجنة بتروغراد أو موسكو التنفيذية يدور فيها صراع بين عدة أجنحة أو أحزاب. إن خير وسيلة لتمرير أي فئة لقرارها هي تأمين الغالبية لها. هذا ما يعرفه كل عضو في لجنة حي من الأحياء، وهذا ما كان يعرفه أيضا أعضاء لجنة الأممية. فحين كانوا يذهبون إلى الجلسات كانوا يصطحبون معهم أكبر عدد ممكن من الأصدقاء. بيد أن سوء الطالع شاء أن تكون اللجنة مؤلفة من العناصر الأكثر اختلافا وتنافرا.

كان هناك، في المقام الأول، الإنكليز الذين كانوا هم أنفسهم منقسمين إلى عدة فئات: تريديونيونين، ميثاقيين قدامى، أوينيين سابقين. وكان هناك فرنسيون لا باع طويلة لهم في المسائل الاقتصادية، لكنهم كانوا يعتبرون اختصاصيين في الفن الثوري. وكان هناك أيضا إيطاليون، وكانوا ذوي نفوذ واسع وقتئذ لأنهم كانوا بقيادة رجل واسع الشعبية لدى الإنكليز هو الثوري العتيق ماتزيني، الجمهوري المتحمس، وفي الوقت نفسه المتدين. وكان هناك مهاجرون بولونيون يقدمون المسألة البولونية على كل مسألة عداها. وكان هناك أخيرا ألمان قلائل، وجميعهم من قدامى أعضاء رابطة الشيوعيين: ايكاريوس، لسنر، لوخنر، بفندر، وأخيرا ماركس.

طرحت مشاريع عدة. عرض الإيطاليون مشروعا صمم والمشروع الفرنسي وفق نموذج واحد تقريبا. وقد دافع ماركس، في اللجنة الفرعية التي كان يشارك في أعمالها، عن أطروحاته، وكلف في آخر المطاف بتقديم مشروعه إلى مكتب اللجنة. وفي الجلسة الرابعة –في الأول من تشرين الثاني 1864- تم بغالبية ساحقة إقرار مشروع ماركس، مع بعض التعديلات الشكلية العديمة الأهمية.

كيف حدث ذلك؟ يجب عليّ أن أقول، ولو جازفت بالنيل من قدر ماركس في أنظاركم، أن ذلك لم يتم بدون مساومة، بدون تساهل. وكما قال ماركس نفسه في رسالة له إلى انجلز، اضطر إلى «أن يدخل على النظام الداخلي والبرنامج بعض كلمات من أشباه «الحق»، «الأخلاق»، «العدالة»، لكنه أدرجها «على نحو لا يمكن أن ينجم عنها ضرر».

لكن ليس ذلك سر ماركس، وما على ذلك النحو أفلح في اجتماع شديد الاختلاط كذلك في أن يفوز بالتأييد شبه الاجماعي لأطروحاته. إنما يكمن سر نجاحه في الموهبة الخارقة (وهذا ما يقر به حتى عدوه باكونين) التي دلل عليها في تأليف الخطاب الافتتاحي للأممية. وكما يقر ماركس في الرسالة السالفة الذكر إلى انجلز، كان من الصعوبة بمكان عرض وجهات النظر الشيوعية في شكل يؤهلها لأن تكون مقبولة لدى الحركة العمالية عهدئذ. كان من المستحيل استخدام لغة البيان الشيوعي الجريئة والثورية. كان المطلوب العنف في المضمون، والاعتدال في الشكل. وقد قام ماركس بتلك المهمة خير قيام.

كتب ذلك الخطاب بعد سبعة عشر عاما من البيان الشيوعي. كان الخطاب والبيان إذن من وضع مؤلف واحد، لكن كان ثمة اختلاف عميق بين العهدين اللذين حررا فيهما وبين التنظيمين اللذين كتب لهما وباسمهما. كان البيان الشيوعي قد ألف باسم مجموعة صغيرة من الثوريين والشيوعيين برسم حركة عمالية كانت ما تزال يافعة. لكن منذ ذلك الحين كان الشيوعيون يؤكدون على أنهم لا يطرحون أي مبادئ خاصة بنية فرضها على الحركة العمالية، وعلى أنهم يسعون فقط إلى تسليط الضوء ضمن نطاق تلك الحركة على المصالح العامة للبروليتاريا في الأقطار جميعا، بصرف النظر عن القوميات.

أما في 1864 فقد نمت الحركة العمالية نموا محسوسا، واكتست بطابع طبقي، لكنها كانت لا تزال متخلفة تخلفا ملموسا أيضا، من منظور تطور الوعي الطبقي، عن الطليعة الثورية الضئيلة العدد لعام 1848. وما كانت هيئة الأركان الجديدة لتلك الحركة، التي باسمها كتب ماركس آنئذ، بأقل تخلفا عن تلك الطليعة. لذا كان ملزما بأن يكتب البيان الجديد آخذا في اعتباره مستوى تطور الحركة العمالية وقادتها، من دون أن يتخلى مع ذلك عن أي أطروحة أساسية من أطروحات البيان الشيوعي.

إنكم لتعرفون تكتيك الجبهة الواحدة الذي انتهجته الأممية الشيوعية. والحال أن ماركس أعطى، في بيانه الجديد، مثالا كلاسيكيا على تطبيق ذلك التكتيك. فقد صاغ فيه المطالب وأبرز جميع النقاط التي يمكن ويجب أن تتحد حولها الجماهير العمالية، والتي على أساسها يمكن لوعي العمال الطبقي أن يستمر في التطور. والمطالب الطبقية المباشرة للبروليتاريا التي صاغها ماركس كانت نتيجة منطقية للمطالب السابقة التي وردت في البيان الشيوعي.

ومن مختلف تلك الزوايا كان ماركس يتفوق تفوقا ساحقا على ماتزيني وعلى الثوريين الفرنسيين وعلى الاشتراكيين الإنكليز المواظبين في مقر الأممية. كان قد قام على مدى سبعة عشر عاما، من دون أن يعدل شيئا في مبادئه الأساسية، بعمل ضخم. إذ كان قد أنهى الرسم الأولي لمؤلفه العظيم وانكب على إنجاز المجلد الأول من الرأسمال. كان ماركس وقتئذ الرجل الوحيد في العالم الذي أحسن دراسة وضع الطبقة العاملة وفهم عميق الفهم أوالية المجتمع الرأسمالي. لم يكن في إنكلترا كلها رجل واحد كلف نفسه مثل مشقة دراسة جميع تقارير مفتشي المصانع وأعمال اللجان البرلمانية التي تصور وضع شتى فروع الصناعة ومختلف شرائح البروليتاريا المدينية والريفية. وكان ماركس ضليعا في هذه المسائل أكثر من العمال الأعضاء في اللجنة. كان في هذه اللجنة خبازون يعرفون حق المعرفة الوضع في حرفتهم، واسكافيون ذوو إطلاع على صناعة الأحذية، ونجارون وجصاصون ملمون بأوضاع عمال البناء، لكن لم يكن هناك غير ماركس يعرف عميق المعرفة وضع شتى شرائح الطبقة العاملة ويحسن ربطه بالقوانين العامة للإنتاج الرأسمالي.

تجلت موهبة ماركس كمحرض في تأليف ذلك البيان. فكما انطلق في البيان الشيوعي من الواقعة الأساسية في كل التطور التاريخي وكل الحركة السياسية، واقعة صراع الطبقات، كذلك فإنه يبدأ البيان الجديد لا بعبارات عامة، لا بمواضيع سامقة، وإنما بوقائع مميزة لوضع الطبقة العاملة:
«ثمة واقعة بالغة الأهمية: فمن 1848 إلى 1864 لم ينقص بؤس الطبقة العاملة، مع أن تلك الحقبة منقطعة النظير في التاريخ من حيث تطور الصناعة والتجارة».

وبالرجوع إلى خطاب غلادستون في مجلس العموم يبين ماركس أن تسعة أعشار الناس مرغمون على خوض غمار صراع شرس تأمينا للقمة عيشهم لا أكثر، على الرغم من أن التجارة في بريطانيا العظمى تضاعفت ثلاث مرات منذ 1843. وكان المجرمون والمعتقلون في المنفي يقتاتون خيرا مما تقتات به شرائح عدة من العمال.

وبالرجوع إلى وثائق اللجان البرلمانية يبين ماركس أن الغالبية الساحقة من الطبقة العاملة ناقصة التغذية، آيلة إلى الانحلال، فريسة للأمراض، بينما تكدس الطبقات المالكة المزيد فالمزيد من الثروات.

يستنتج ماركس أن أدواء الطبقة العاملة لا علاج لها، بخلاف مزاعم الاقتصاديين البرجوازيين، لا بتحسين الآلات، ولا بتطبيق العلم على الصناعة، ولا باكتشاف مستعمرات جديدة، ولا بالهجرة، ولا بخلق أسواق جديدة، ولا بحرية التجارة. ومن هنا يخلص إلى الاستنتاج، كما في «البيان الشيوعي»ن بأنه ما دام النظام الاجتماعي متمسكا بأسسه القديمة، فإن كل تطور جديد لقوة إنتاج العمل لن يؤدي إلا إلى توسيع الهوة التي تفصل الآن بين مختلف الطبقات وإلا إلى تأجيج نار التطاحن الدائرة رحاه بينها.

وبعد أن ينوه ماركس بالأسباب التي أسهمت في هزيمة الطبقة العاملة في 1848 وأوجدت فيها ذلك الخمول المميز للحقبة الممتدة من 1849 إلى 1859، يعرض المكاسب الزهيدة التي انتزعها العمال في تلك الحقبة.

هناك أولا قانون تحديد يوم العمل بعشر ساعات. يبين ماركس أن تخفيض يوم العمل، بخلاف مزاعم أذناب الرأسمال، لا يلحق الضرر بمردود العمل، بل على العكس يزيده. وناهيك عن ذلك، أكد القانون المذكور انتصار مبدأ تدخل الدولة في مضمار العلاقات الاقتصادية على المبدأ القديم القائل بحرية المزاحمة. ويخلص ماركس إلى التوكيد، كما في البيان الشيوعي، على حاجة الطبقة العاملة إلى إخضاع الإنتاج لرقابة المجتمع بكامله ولقيادته وتوجيهه، لأن مثل هذا الإنتاج الاجتماعي هو المبدأ الأساسي للاقتصاد السياسي للطبقة العاملة. وعليه، فإن قانون تحديد يوم العمل بعشر ساعات لم يكن مجرد نجاح عملي، بل كان أيضا دليلا على انتصار الاقتصاد السياسي للطبقة العاملة على الاقتصاد السياسي للبرجوازية.

ومن المكاسب الأخرى المعامل التعاونية التي تم تأسيسها بمبادرة من العمال. لكن ماركس، بخلاف لاسال، الذي كان يعتبر الجمعيات الإنتاجية نقطة انطلاق لتحويل المجتمع برمته، لا يبالغ في أهميتها العملية. بل على العكس، فهو لا يدعو إليها إلا لكي تتبين الجماهير العمالية أن الإنتاج الكبير الموجه وفق المناهج العلمية يمكن أن يتم ويتطور بدون طبقة الرأسماليين المستغلين لليد العاملة، وأن وسائل الإنتاج لا ينبغي أن تكون حكرا لأفراد بعينهم وأن تتحول إلى أداة عنف واسترقاق، وأن نظام الإجارة، كالقنانة، ليس أبديا، وغنما هو طور انتقالي، شكل أدنى للإنتاج لا مناص من أن يحل محله الإنتاج الاجتماعي. وبعد تثبيت ماركس لتلك الاستنتاجات الشيوعية يشير إلى أنه ما دامت تلك الجمعيات الإنتاجية مقصورة على حلقة ضيقة من العمال فلن تكون مؤهلة للتخفيف، ولو في أدنى الحدود، من وطأة وضع الطبقة العاملة.

إن الإنتاج التعاوني يجب أن يشمل البلاد قاطبة. وإذ يطرح ماركس على هذا النحو مهمة تحويل الإنتاج الرأسمالي إلى إنتاج اشتراكي، يلفت الانتباه للحال إلى أن ذلك التحويل سيلقي المعاكسة بكل وسيلة ممكنة من قبل الطبقات السائدة، وأن الملاك العقاريين والرأسماليين سيستغلون سلطانهم السياسي لحماية امتيازاتهم الاقتصادية. لهذا يكمن الواجب الأول للطبقة العاملة في الاستيلاء على مقاليد السلطة السياسية، وهذا ما يتطلب تنظيم أحزاب عمالية في كل مكان. ويتوفر للعمال عامل نجاح: كثرتهم، تعدادهم. لكن هذه الكثرة لا تكون قوية إلا متى كانت متلاحمة، مصمتة، متحدة، هاديها العلم. أما في حال انعدام التلاحم العميق والتضامن والتعاضد في النضال من أجل التحرر، وأما في حال غياب تنظيم قومي وأممي، فالهزيمة مكتوبة على العمال. ويضيف ماركس القول: على ضوء هذه الاعتبارات قرر العمال من أقطار شتى تأسيس الرابطة الأممية للشغيلة.

لقد استخلص ماركس كما نرى، بمهارة مدهشة، وفي شكل معتدل، من الوضع الفعلي للطبقة العاملة جميع الاستنتاجات الأساسية المتضمنة في البيان الشيوعي: التنظيم الطبقي للبروليتاريا، الإطاحة بسيطرة البرجوازية، استيلاء البروليتاريا على مقاليد السلطة السياسية، إلغاء العمل بالأجرة، تأميم جميع وسائل الإنتاج.

بيد أن ماركس –وعلى هذا ينهي الخطاب الافتتاحي- يبرز مهمة سياسية أخرى بالغة الأهمية ويقدمها على غيرها من المهام. فعلى الطبقة العاملة ألا تحد نفسها بالدائرة الضيقة للسياسة القومية. وإنما يتوجب عليها أن تتابع بانتباه جميع مسائل السياسة الخارجية. وإذا كان نجاح عملية تحرير الطبقة العاملة يرتهن بالتضامن الأخوي بين عمال جميع الأقطار، فإن الطبقة العاملة لا تستطيع إنجاز مهمتها إذا قامت الطبقات التي توجه السياسة الخارجية باستغلال الأحكام المسبقة والتعصب القومي كي تؤلب عمال شتى الأقطار على بعضهم بعضا، وكي تسفك في حروب النهب والسلب دم الشعب وتهدر ممتلكاته. وعليه، فقد آن الأوان كي يطلع العمال على جميع أسرار السياسة الدولية. عليهم أن يراقبوا دبلوماسية حكوماتهم، وأن يقاوموها عند الاقتضاء بجميع الوسائل، وأن يوحدوا صفوفهم ويرصوها في عملية احتجاج جماعي على المكائد والدسائس الإجرامية للحكومات. آن الأوان للتخلص من الوضع القائم الذي يباح فيه الخداع والنهب والسلب في العلاقات بين الشعوب، أي الذي تنتهك فيه جميع القواعد التي تعتبر إلزامية في العلاقات بين الأفراد.

لقد عرضت عليكم الأفكار الأساسية التي تضمنها ذلك البيان المرموق. وفي المرة القادمة سأتناول الدستور والأطروحات الأساسية الواردة فيه، لأنه بصدد هذا الموضوع نشب صراع ضارٍ بين ماركس وباكونين.

المحاضرة الثامنة [دستور الأممية الأولى – اجتماع لندن – مؤتمر جنيف – مذكرة ماركس التقريرية –المؤتمران الأمميان في لوزان وبروكسيل – باكونين وماركس – مؤتمر بال – الحرب الفرنسية البروسية – عامية باريس – الصراع بين ماركس وباكونين – مؤتمر لاهاي]

توقفت في المرة الماضية مليا عند تاريخ تأسيس الأممية وعند الخطاب الافتتاحي. وسأعرّفكم اليوم بدستور الأممية. فقد كتبه ماركس أيضا وهو يتألف من قسمين: قسم المبادئ وقسم التنظيم.

لقد رأيتم مدى براعة ماركس في تضمين الخطاب الافتتاحي المبادئ الأساسية للشيوعية. لكن كان من الأهم ومن الأصعب بكثير تضمينها في دستور الأممية. فالخطاب الافتتاحي ما كان ينشد غير هدف واحد: تفسير الدوافع التي حفزت العمال المجتمعين في 28 ايلول 1864 إلى تأسيس الأممية. لكنه لم يكن بعد إلا برنامجا، إلا مدخلا: لم يكن إلا إعلانا رسميا يزف للعالم قاطبة –كما يشير عنوانه- بشرى تأسيس اتحاد أممي جديد، رابطة الشغيلة.

أصاب ماركس قدرا مماثلا من التوفيق في أداء المهمة الثانية: صوغ المهام العامة للحركة العمالية في مختلف الأقطار. وسأتلو عليكم تلك الصياغة:
«نظرا إلى أن انعتاق الشغيلة يجب أن يكون من صنع الشغيلة أنفسهم، وأن جهود الشغيلة من أجل انعتاقهم لا ينبغي أن ترمي إلى تكوين امتيازات جديدة، وإنما إلى إقرار حقوق وواجبات متماثلة للجميع،
وإلى أن استرقاق الرأسمال للشغيل هو مصدر كل عبودية: سياسية ومعنوية ومادية،
وإلى أن انعتاق الشغيلة الاقتصادي هو، لذلك السبب، الهدف الكبير الذي يجب أن تكون كل حركة سياسية ملحقة به باعتبارها وسيلة،
وإلى أن جميع الجهود التي بذلت حتى الآن قد فشلت بنتيجة انعدام التضامن بين عمال شتى المهن في كل قطر، وعدم وجود اتحاد أخوي بين الشغيلة من مختلف الأمصار،
وإلى أن انعتاق الشغيلة ليس محض مشكلة محلية أو قومية، وأن هذه المشكلة تهم على العكس جميع الأمم المتمدينة، على اعتبار أن حلها مرتهن بالضرورة بمساهمتها النظرية والعملية،
وإلى أن الحركة، التي تتحقق بين عمال الأقطار الأوربية الأكثر تصنيعا والتي تتولد عنها آمال جديدة، توجه تحذيرا جليلا من عدم السقوط مجددا في الأخطاء القديمة، وتسدي النصح بالتنسيق بين جميع الجهود التي ما تزال مبعثرة،…».

إن القراءة المتأنية لهذه النقاط ستذكركم ولا بد ببعض أطروحات برنامج حزبنا التي لا تعدو أن تكون تكرارا حرفيا للأطروحات التي صاغها ماركس. والملاحظة نفسها تتأتى من مطالعة البرامج القديمة للأحزاب الإنكليزي والفرنسي والألماني. وتوجد في البرنامج الفرنسي وفي برنامج أرفوت بوجه خاص بعض نقاط تكرر حرفيا الأطروحات الافتتاحية في دستور الأممية الأولى.

صحيح أن أعضاء اللجنة المؤقتة للأممية ما كانوا يفسرون بعضا من تلك الأطروحات تفسيرا متماثلا. ومن ذلك أن الإنكليز والفرنسيين والألمان كانوا يقرون جميعهم بأن انعتاق الطبقة العاملة يجب أن يكون من صنع الشغيلة أنفسهم، لكن كان كل واحد منهم يفهم الأمر على طريقته. فقد كان التريديونيونيون والأحزاب الإنكليزية القديمة يرون في تلك الأطروحة احتجاجا على الوصاية المستديمة للطبقات المتوسطة، وتوكيدا لضرورة تنظيم عمالي مستقل. أما الفرنسيون، الذين كانوا وقتئذ منزعجين للغاية من المثقفين، فقد قدروا أن تلك الأطروحة تحذرهم من المثقفين الخونة، وأن في وسع العمال الاستغناء عن مساعدة هؤلاء الأخيرين. ولعل الألمان من أعضاء رابطة الشيوعيين القديمة هم وحدهم الذين كانوا يفهمون الاستنتاجات المترتبة على تلك الأطروحة. فلئن كانت الطبقة العاملة وحدها قادرة على تحرير نفسها، فإن كل ائتلاف مع البرجوازية وكل تفاهم مع الطبقة الرأسمالية يتناقضان تناقضا سافرا مع ذلك المبدأ. ولقد كان هناك تشديد على أن التحرر ليس تحررا لهذه الفئة أو تلك من فئات العمال، وإنما للطبقة العاملة، وأنه لا غنى بالتالي عن تنظيم طبقي للبروليتاريا. ومن الأطروحة التي تنص على أن احتكار الرأسمالية لوسائل الإنتاج هو العلة الأساسية للاسترقاق الاقتصادي يتضح أنه من الضروري إلغاء ذلك الاحتكار. ولقد كان هذا الاستنتاج يدعم ببيان ضرورة إلغاء كل سيطرة طبقية، الشيء الذي يستحيل بدون إلغاء انقسام المجتمع إلى طبقات.

لا يقول الدستور بصورة مباشرة، كما يفعل الخطاب الافتتاحي، أن البروليتاريا ملزمة، كي تدرك جميع الأهداف التي تضعها لنفسها، بالاستيلاء على مقاليد السلطة السياسية. وإنما يصوغ تلك الأطروحة صياغة مغايرة. إنه يقول فقط أن الانعتاق الاقتصادي للطبقة العاملة هو «الهدف الكبير الذي يجب أن تكون كل حركة سياسية ملحقة به باعتبارها وسيلة».

وبما أن هذه الأطروحة أثارت في زمن لاحق خلافات بالغة العنف في وجهات النظر في الأممية الأولى، فمن الضروري أن نتوقف عندها.

ماذا كانت تعني تلك الأطروحة؟ أن الهدف الكبير للحركة العمالية هو الانعتاق الاقتصادي للطبقة العاملة، ولا سبيل إلى إدراكه إلا بمصادرة وسائل الإنتاج وإلغاء كل سيطرة طبقية. لكن بأي صورة سيتم بلوغ هذا الهدف؟ هل ينبغي تحاشى النضال السياسي، كما كان يقترح الاشتراكيون والفوضويون الخلَّص؟

تجيب الأطروحة كما صاغها ماركس: كلا. فالنضال السياسي للطبقة العاملة لا يقل ضرورة عن النضال الاقتصادي. ومن الواجب أن يكون هناك تنظيم سياسي، ولا مناص من أن تتطور الحركة السياسية للطبقة العاملة، لكن ذلك النضال ليس غاية في ذاته كما لدى الديموقراطية البرجوازية ولدى المثقفين الراديكاليين الذين يعطون مكانة الصدارة لتغيير الأشكال السياسية وإقامة الجمهورية، ويرغبون في الوقت نفسه في صم آذانهم عن المهمة الأساسية. لهذا ينوه ماركس بأن الحركة السياسية ما هي، بالنسبة إلى الطبقة العاملة، سوى وسيلة لإدراك هدفها، ما هي إلا حركة ملحقة. ولكن لا بد من الإقرار بأن تلك الصيغة لم تكن واضحة وضوح صيغة البيان الشيوعي، أو حتى صيغة الخطاب الافتتاحي، حيث ورد القول أن الاستيلاء على مقاليد السلطة السياسية صار الفريضة الأولى للطبقة العاملة.

كان صيغة ماركس واضحة في نظر الأعضاء الإنكليز في الأممية. فالدستور كتب بالإنكليزية، وماركس استخدم المصطلحات المألوفة لدى قدامى الميثاقيين والأوينيين الأعضاء في اللجنة. كان الميثاقيون، كما تذكرون، يكافحون الأوينيين الذين كانوا يكتفون بالإقرار بـ«الهدف الكبير»، ويصمون آذانهم عن النضال السياسي. ويوم وضع الميثاقيون ميثاقهم بنقاطه الست المشهورة، انحنى عليهم الأوينيون باللائمة لإغفالهم الاشتراكية إغفالا تاما. وكان الميثاقيون ينوهون وقتئذ من جانبهم بأن النضال السياسي ليس الهدف الرئيسي في نظرهم هم أيضا. وكانوا يستخدمون عين الصيغة التي استخدمها ماركس بعد عشرين عاما. كان الميثاقيون يردون على الأوينيين: ما النضال السياسي في نظرنا غاية في ذاته وإنما محض وسيلة. وعليه، ما كانت صياغة ماركس تثير أي شك في داخل اللجنة ذاتها. ولم تغد تلك النقطة مثارا فعليا للشقاق إلا بعد انقضاء بضع سنوات، يوم بدأت المناقشات المحمومة بين الباكونيين وخصومهم بصدد مسألة النضال السياسي. فقد زعم الباكونينيون أن عبارة «باعتبارها وسيلة» ما كانت ماثلة من الأصل في الدستور، وأن ماركس دسها عن قصد في زمن لاحق كي يمرر خلسة نظريته في الدستور. وبالفعل، إذا طرحنا جانبا عبارة «باعتبارها وسيلة»، صار لتلك النقطة معنى مغاير تماما. والحال أن هذه العبارة كانت قد سقطت بالفعل من النص الفرنسي.

كان قد وقع سوء تفاهم بسيط، وكان من السهل إزالته، لكنه أدى، في حمى الصراع، بخصوم ماركس إلى اتهامه بتزوير دستور الأممية. فحين ترجم الدستور إلى الفرنسية لإذاعته في فرنسا، حذفت من الطبعة الشرعية عبارة «باعتبارها وسيلة». يقول النص الفرنسي: «الانعتاق الاقتصادي للشغيلة هو الهدف الكبير الذي يجب أن تكون كل حركة سياسية ملحقة به». وقد قر الرأي على ضرورة الحذف تحاشيا لاسترعاء انتباه الشرطة التي كانت تراقب بعناية كل حركة سياسية في أوساط العمال. وبالفعل، كانت الشرطة تعتبر في البداية الأممين الفرنسيين «اقتصاديين» لا «سياسيين». وعلى هذا النحو أيضا كان ينظر إليهم البلانكيون الذين كانوا، بصفتهم «سياسيين»، ينهالون بالشتائم على الأممين الذين ما كانوا في نظرهم إلا «اقتصاديين» بائسين.

ومما زاد الطين بلة أن الترجمة الفرنسية المحرفة للدستور طبعت في سويسرا الفرنسية، ومن هناك أذيعت في البلدان التي يشيع فيها استعمال الفرنسية، أي إيطاليا واسبانيا وبلجيكا. وكما سترون فيما بعد، كانت كل أمة في المؤتمر الأممي الأول الذي صادق على الدستور المؤقت للأممية تقبل بنقاط ذلك الدستور وفق النص الذي كان بين يديها. وكانت الأممية الأولى أفقر من أن تطبع نصها باللغات الثلاث. فالنص الإنكليزي نفسه، وهو لا يؤلف مع الخطاب الافتتاحي سوى ملزمة طباعية واحدة بالكاد، لم يطبع منه إلا ألف نسخة سرعان ما نفذت. ويؤكد غليوم، وهو واحد من ألد خصوم ماركس وواحد من الذين اتهموه بحنق بالتدليس، يؤكد في تاريخه للأممية أنه لم تقع عينه لأول مرة على النص الإنكليزي مع عبارة «باعتبارها وسيلة» إلا في عام 1905. صحيح أنه لو شاء لكان أمكنه بسهولة أن يقتنع قبل ذلك التاريخ بأن ماركس ليس مدلسا، لكن ما كان ذلك لغير موقفه في أغلب الظن. ونحن نعلم تمام العلم أنه من الممكن أن ينشب اعنف الخصام بصدد مسائل تكتيكية حتى ولو كان جميع الأطراف يقفون على أرضية برنامج واحد موحد.

لكن ثمة في الدستور نقطة أخرى لم يحتج عليها الفوضويون، هذا صحيح، إلا أنها تثير الشكوك والشبهات من وجهة النظر الماركسية. سبق أن قلت في المرة الأخيرة أن ماركس وجد نفسه مضطرا، كي ينتزع إجماع العناصر غير المتجاسنة التي تتألف منها اللجنة، إلى القبول ببعض تنازلات. لكن هذه التنازلات لم تجد مكانها في الخطاب الافتتاحي، وإنما في الدستور. وسأبين لكم ما كنهها.

بعد أن يعرض ماركس المبادئ التي قرر على أساسها أعضاء اللجنة المنتخبون في اجتماع 28 أيلول 1864 تأسيس الرابطة الأممية للشغيلة، يتابع فيقول:
«يعلن المؤتمر.. أن هذه الرابطة الأممية، وكذلك جميع الجمعيات أو الأفراد المنتسبين إليها، يقرون بأن قاعدة سلوكهم تجاه بني الإنسان قاطبة يجب أن تكون: الحقيقة، العدالة، الأخلاق، بلا تمييز في اللون أو المعتقد أو القومية.
يعتبر المؤتمر أن الواجب يقضي بالمطالبة بحقوق الإنسان والمواطن لا لأعضاء الرابطة فحسب، بل أيضا لكل من يتمم واجباته. لا واجبات بدون حقوق، ولا حقوق بدون واجبات».
فيمَ تكمن التنازلات التي ارتضاها ماركس؟ تذكروا ما كتبه بنفسه حول هذا الموضوع إلى انجلز: «لقد قبلت جميع مقتراحاتي من قبل اللجنة الفرعية. بيد أنهم أجبروني في مدخل الدستور على إدراج عبارتين أو ثلاث عبارات مع كلمات من أشباه «واجب»، «حق»، «حقيقة، أخلاق، عدالة»، لكن ذلك كله تم على نحو لا يمكن معه أن ينجم عنها ضرر».

وبالفعل، ليس في ذلك ضرر شديد. فمن الممكن الكلام عن الحقيقة والعدالة والأخلاق، بشرط أن يتذكر المرء أنه لا الحقيقة ولا العدالة ولا الأخلاق هي أمور خالدة وثابتة، أو أمور مطلقة مستقلة عن الشروط الاجتماعية. ماركس لا ينكر الا الحقيقة، ولا العدالة، ولا الأخلاق، وإنما يبرهن فقط على أن تطور تلك المفاهيم يتحدد بالتطور التاريخي وأن كل طبقة تعزو إليها معنى مختلفا.

لكن ما كان سيدعو إلى الأسف هو أن يضطر ماركس إلى تكرار إعلان الاشتراكيين الإنكليز والفرنسيين، وإلى البرهنة على وجوب تحقيق الاشتراكية لأن الحقيقة والعدالة والأخلاق تقتضيه، وليس لأن ذلك أمر محتم وينبع منطقيا من الشروط التي أوجدتها الرأسمالية ومن الوضع الذي تشغله الطبقة العاملة، كما كان أثبت في الخطاب الافتتاحي. لم تكن تلك الكلمات، كما رصفها ماركس، سوى تقرير لواقع أن أعضاء الرابطة الأممية للشغيلة يلتزمون بأن يكون هاديهم في علاقاتهم المتبادلة الحقيقة والعدالة والأخلاق، أي بألا يخونوا بعضهم بعضا، وبألا يخونوا طبقتهم، وبألا يغش بعضهم بعضا وبأن يكونوا رفاقيين في سلوكهم. وهذه الأفكار التي كانت لدى الطوباويين مبادئ الاشتراكية وأساس مطالبها غدت لدى ماركس قواعد السلوك الأساسية بالنسبة إلى تنظيم بروليتاري.

لكن ورد القول في النقطة التي نمحصها هنا أن تلك المبادئ يجب أن تكون في أساس علاقات أعضاء الأممية مع بعضهم بعضا ومع سائر بني الإنسان بصرف النظر عن العرق والدين والقومية. وهذا بدوره معقول. ينبغي أن نتذكر أن الحرب الأهلية كانت مضطرمة الأوار وقتذاك في الولايات المتحدة، وأن الانتفاضة البولونية كانت قبيل ذلك قد سحقت سحقا نهائيا، وان القوات القيصرية كانت وقتذاك تنهي تطويع القفقاس، وأن الاضطهادات الدينية كانت تفتك فتكا ذريعا في عدد من الدول، وأنه حتى في إنكلترا لم يحصل اليهود على الحقوق الأساسية إلا في عام 1858 وأنهم ما كانوا يتمتعون بعد بكامل الحقوق المدنية في سائر الدول الأوربية. وما كانت البرجوازية قد عرفت كيف تحقق بعد المبادئ «الأزلية» للأخلاق والعدالة تجاه أعضاء طبقتها بالذات في بلادها بالذات، وكانت تنتهكها بلا تكلف ولا رسميات تجاه البلدان الأخرى أو القوميات الأخرى.

بيد أن النقطة الثانية المتعلقة بالحقوق والواجبات تستثير اعتراضات أكثر بكثير. فهي تفرض، ولا ندري لماذا، على كل عضو في الرابطة إلزام المطالبة بحقوق الإنسان والمواطن: ليس لنفسه فحسب، هذا صحيح، وإنما للآخرين أيضا. إلا أن هذه الإضافة لا تزيد المعنى وضوحا. والواقع أن ماركس اضطر، بالرغم من كل دبلوماسيته، أن يقبل بتنازل كبير لصالح المهاجرين الثوريين الفرنسيين الأعضاء في اللجنة.

دعوني أذكركم الآن ببعض وقائع تاريخ الثورة الفرنسية الكبرى. كان من أوائل أفعال تلك الثورة إعلان حقوق الإنسان والمواطن. فقد كانت البرجوازية الثورية، في صراعها ضد النبالة والحكم المطلق، اللذين استأثرا بجميع الامتيازات ولم يتركا للآخرين غير الالزامات، فقد نادت بالمساواة والإخاء والحرية، وكذلك بالقرار لكل إنسان ومواطن بجملة من الحقوق التي لا يجوز المساس بها، ومن ضمنها حق الملكية الذي غالبا ما كانت تنتهكه الأرستقراطية والسلطة الملكية على حساب الطبقة الثالثة.

ولم يضف اليعاقبة، إلى إعلان حقوق الإنسان والمواطن ذاك، سوى بعض التعديلات التي لم تمس النقطة المتعلقة بالملكية الفردية، وان جعلت ذلك الإعلان أكثر جذرية من وجهة النظر السياسية بتكريس حق الشعب في الثورة والتنويه بالإخاء بين الشعوب طرا. وذلك هو الشكل الذي يعرف به تحت اسم «إعلان حقوق 1793» الذي أمسى برنامج الثوريين الفرنسيين ابتداء من 1830.

كان أتباع ماتزيني يلحون، كما رأينا، على تبني برنامجه. وكان ماتزيني في كتابه المشهور«عن وجائب الإنسان»، الذي ترجم إلى الإنكليزية ولاقى ذيوعا واسعا في أوساط العمال الإنكليز، قد خالف الماديين الفرنسيين وإعلانهم لحقوق الإنسان القائمة على العقل والطبيعة، فوضع في أسس نظريته الأخلاقية المثالية مفهوم الواجب، مفهوم فرائض الإنسان التي وضعها فيه الله نفسه.

أنتم تفهمون الآن من أين جاءت صيغة ماركس: لا حقوق بلا واجبات، ولا واجبات بلا حقوق. ولئن وجد نفسه مضطرا إلى أن يدرج في وثيقته مطلب إعلان حقوق الإنسان، فقد استغل الخلاف بين الفرنسيين والإيطاليين لينوه في صيغته بالفارق بين هذا المطلب وبين مطلب البرجوازية القديم. فالبروليتاريا تطالب بدورها بحقوق لنفسها، لكنها تعلن من البداية أنها لا تقر بحقوق للفرد بدون واجبات تجاه المجتمع.

حين أعيد النظر بعد بضع سنوات في الدستور، اقترح ماركس إسقاط الكلمات التي يرد فيها ذكر إعلان حقوق الإنسان. أما أطروحة: «لا حقوق بلا واجبات، ولا واجبات بلا حقوق» فقد ظلت قائمة وأدرجت فيما بعد في برنامج ارفورت بعد تعديلها على النحو التالي: «حقوق متساوية وواجبات متساوية».

لننظر الآن في الدستور نفسه:
«تقام رابطة لتأمين نقطة مركزية للاتصال والتعاون بين العمال من شتى الأقطار الناشدين لهدف واحد، هو: المؤازرة المتبادلة والتقدم والانعتاق الكامل للطبقة العاملة.
يكون اسم تلك الرابطة الأممية للشغيلة. في عام 1865 يدعى للانعقاد في بلجيكا مؤتمر أممي عمالي يضم ممثلي جميع الجمعيات العمالية المنتسبة إلى الأممية. وعلى هذا المؤتمر أن يشهر في وجه أوربا المطالب العامة للطبقة العاملة، وأن يصادق على الشكل النهائي لدستور الأممية، وأن يدرس الوسائل الضرورية لنجاح عملها، وأن يسمى مجلسا مركزيا.
يجتمع المؤتمر سنويا.
يقيم المجلس المركزي في لندن ويتألف من عمال من مختلف الأقطار الممثلة في الرابطة الأممية. ويختار من أعضائه جميع الموظفين اللازمين لتسيير الأمور: رئيس، أمين صندوق، أمين سر عام، أمناء سر خاصون للعلاقات مع شتى الأقطار.
يرفع المجلس المركزي في كل سنة تقريرا عن عمله خلال السنة. ومن حقه، بعد تسميته من قبل المؤتمر، أن ينتخب أعضاء جددا. وفي الحالات الاستثنائية يستطيع أن يدعو المؤتمر على الانعقاد قبل أن يتصرم أجل السنة.
يقيم المجلس المركزي علاقات مع مختلف الروابط العمالية بحيث يطلع عمال كل قطر بصورة دائمة على تحركات طبقتهم في الأقطار الأخرى، وبحيث يجري في آن واحد وبروح واحدة تحقيق بصدد الحالة الاجتماعية، وبحيث تدرس المسائل التي ترفعها جمعية بعينها والتي تنطوي على فائدة عامة من قبل الجمعيات كافة، وبحيث يتاح للرابطة متى ما تطلبت فكرة عملية ما أو صعوبة دولية ما تدخلها أن تتدخل بصورة متساوقة. وإذا ما رأى المجلس المركزي من ضرورة، بادر إلى رفع مقترحات إلى الجمعيات المحلية أو القومية.
ما دام لا سبيل إلى ضمان نجاح الحركة العمالية في كل قطر إلا بالقوة الناجمة عن الاتحاد والتجمع، وما دامت جدوى المجلس المركزي ترتهن من جهة أخرى بعلاقته بالجمعيات العمالية، المحلية منها والقومية، فإن على أعضاء الرابطة الأممية أن يبذلوا قصارى جهودهم، كل في بلده، لجمع شمل شتى الجمعيات العمالية القائمة في رابطة قومية».

صادق المؤتمر في وقت لاحق على المبادئ الأساسية لذلك الدستور. ومن التعديلات الرئيسية التي أدخلت عليه إلغاء وظيفة رئيس المجلس المركزي الذي سمي فيها بعد بـ«المجلس العام»، بناء على مبادرة من ماركس. وكانت تجربة الاتحاد العمالي العام الألماني الذي أسسه لاسال قد أزاحت النقاب عن المحاذير المترتبة على ذلك المنصب الذي لا جدوى منه البتة. وصار المجلس العام ينتخب رئيسا لكي يدير الاجتماع، وكان أمناء مختلف الأقطار يجتمعون مع أمين السر العام لتصريف القضايا الجارية.

عمدت الحركة العمالية الأممية فيما بعد إلى استخدام دستور الأممية مرارا وتكرارا. ولن أدخل في تفاصيل التعديلات التي أدخلت عليه خلال ثماني سنوات، والتي حافظت على معالمه الأساسية علة كل حال. وسلطات المجلس العام هي وحدها التي جرى توسيعها في نهاية الأممية الأولى.

كانت المهمة الرئيسية للمجلس المؤقت دعوة المؤتمر الأممي للانعقاد. وبصدد هذه النقطة دارت مناقشات حامية. فقد ألح ماركس على ضرورة القيام في البداية بجميع الأعمال التمهيدية، وذلك لكي يتاح لشتى الأقطار الوقت للإطلاع على مهام الأممية ولتنظيم نفسها إلى حد ما. أما الإنكليز، الذين كانوا يقدمون مصالح حركتهم المهنية على ما عداها، فقد ألحوا على دعوة المؤتمر للانعقاد بأسرع ما يمكن. وكان حلفاؤهم في ذلك المهاجرين الفرنسيين في المجلس العام.

انتهت القضية بتسوية. ففي عام 1865 دعى للانعقاد لا مؤتمر وإنما مشار (كونفراس). وقد انعقد في لندن، وتليت فيه تقارير، ووضع جدول أعمال المؤتمر المقبل. وقد كانت ممثلة فيه سويسرا وإنكلترا وبلجيكا وفرسنا. ولم يكن الموقف يبشر بخير كثير. وتقررت دعوة المؤتمر إلى الانعقاد في أيار 1866.

بيد أن الأمور كانت تسير على أسوأ ما يكون في ألمانيا بالذات حيث كان موجودا وقتئذ الاتحاد العمالي العام. فبعد أن لقي لاسال مصرعه في مبارزة في 30 آب 1864، ناب منابه، كما يقضي دستور الاتحاد، برنار بيكر، وهو رجل عديم الأهلية وواهي النفوذ. وكان أوسع نفوذا منه بكثير شفايتزر، مدير تحرير صحيفة الاتحاد المركزية، الاشتراكي-الديموقراطي. لكن سرعان ما برزت بين هذا الأخير وبين ف.ليبكنخت، الذي كان من أسرة التحرير، خلافات قوية في وجهات النظر بصدد مسائل السياسية الداخلية. وسرعان ما اضطر ماركس وانجلز، اللذان كانا قد قبلا بالتعاون مع الصحيفة، على الاستنكاف علنا عن المساهمة فيها. وقد بذل المرحوم مهرينغ قصارى جهده كي يدافع عن شفايتزر ويبين أن ماركس وانجلز ما كانا على أتم حق في تلك القضية. لكنه يخطئ خطأ فادحا. والوقائع كلها ضده.

كان تكتيك لاسال، كما ترون، مشوبا بعيوب جلى. وكان لاسال يبيح لنفسه أساليب غير مقبولة في علاقاته مع الطغمة الحاكمة. وقد أوغل شفايتزر إلى أبعد من ذلك على هذا الطريق. فقد أدرج في صحيفته سلسلة من المقالات التي قال عنها مهرينغ نفسه أنها تركت، بإسفافها تجاه بسمارك، أثرا سيئا للغاية. لكن مهرينغ يسعى إلى تبرئة ذمة شفايتزر بإثباته أن شروط النضال الشرعي كانت تقتضي زعما ذلك التكتيك. وقد أضاف قوله أن ليبكنخت، الثوري العتيق، ما كان بمستطيع أن يتكيف مع تلك الشروط، فألب على شفايتزر قدامى أصدقائه ومعلميه. وعلى هذا النحو، لم يجد شفايتزر مناصا من الانفصال عن ليبكنخت الذي انحاز إلى جانبه لا ماركس وانجلز فحسب، بل أيضا العديد من خصومهما القدامى، من أمثال هس، ممن أعياهم هم أيضا التسليم بتكتيك شفايتزر. وكما حدث عندنا في روسيا أثناء المناقشات التي دارت بين البلاشفة والمصفين حين أطلق لينين على هؤلاء الأخيرين اسم الحزب العمالي «الستوليبيني»، كذلك سمي حزب شفايتزر يومئذ من قبل المناضلين السريين القدامى الحزب «البسماركي».

مهما يكن من أمر، فقد كان أصدقاء ماركس في ألمانيا، يوم اجتماع مشار لندن، قد أمسوا بلا صحيفة، وانصرفوا بكليتهم إلى تأسيس تنظيمهم الخاص بهم. أما اللاساليون فما كان يحلو لهم عهدئذ أن يسمعوا، ولو مجرد سماع، بالأممية. وكانت عاقبة ذلك الانشقاق أن الألمان لم يشاركوا في الأممية خلال السنوات الأولى إلا بواسطة قدامى المهاجرين المقيمين في إنكلترا وسويسرا.

أظهرت التقارير المرفوعة إلى مشار لندن أن مالية الأممية في وضع يرثي له حقا. فعلى امتداد السنة لم يجبَ سوى زهاء 750 فرنكا. ولم تتجاوز كل عمليات الصندوق وكل الإيرادات خلال تلك لسنة 33 جنيها إسترلينيا. وكان من الصعب بمبلغ كهذا النفاق على سعة. فهو بالكاد كان يكفي لتسديد إيجار المقر والمصاريف الملحة.

أثارت المناقشات بصدد جدول الأعمال عين الاختلافات في وجهات النظر التي كانت قد أثارت آنفا بين الفرنسيين المقيمين في لندن والفرنسيين الممثلين للتنظيم الباريسي. فهؤلاء الأخيرون ما كانوا يرغبون عهدذاك في طرح مسألة استقلال بولونيا بوصفها مسألة سياسية صرفا. وعلى العكس منهم كان المهاجرون الفرنسيون بدعم من قبل بعض الإنكليز، يلحون على إدراج بند بصدد الدين في جدول الأعمال وينادون بنضال لا هوادة فيه ضد الإيمان بالأباطيل الدينية. وقد وقف ماركس موقف المعارضة من اقتراحهم. فقد كان يرى بسداد رأي أن إدراج ذلك البند في جدول أعمال المؤتمر الأول لا يمكن إلا أن تترتب عليه منازعات لامجدية بالنظر إلى المستوى القليل الارتفاع للحركة العمالية إلى ضعف الارتباط بين العمال من شتى الأقطار.

وتصرمت سنة أخرى قبل أن يدعى المؤتمر الأول للانعقاد، ولكن لم يكن مناص من تأجيله مرة أخرى إلى أيلول 1866. وفي إبان ذلك وقعت سلسلة من الأحداث التي يتوجب عليّ أن أحدثكم عنها قليلا. كان تلك السنة بالنسبة إلى إنكلترا سنة نضال سياسي مكثف. فقد خاض التريديونيون، بقيادة العمال الأعضاء في المجلس المركزي، غمار صراع شرس لتوسيع الحق الانتخابي. وقد جرى هذا النضال، أكرر ذلك، تحت قيادة الأممية. وقد بذل ماركس كل ما أوتي من طاقة كي يحول دون تكرار العمال الإنكليز لأخطائهم القديمة وكي يخوضوا غمار هذا النضال بصورة مستقلة، من دون أن يدخلوا في تحالف مع الراديكاليين. لكن في مطلع 1866 عاد إلى الظهور التكتيك الذي غالبا ما أضر بالحركة العمالية الإنكليزية في زمن الميثاقية والذي ما يزال إلى اليوم يلحق بها حيفا كثيرا. فنظرا إلى تحديد الهدف بأنه انتزاع حق الانتخاب العام، بادر قادة العمال، ولأسباب مالية جزئيا، إلى التفاهم والاتفاق مع القسم الأكثر راديكالية من الديموقراطية البرجوازية التي كانت تطالب هي أيضا بحق الانتخاب العام. وجرى تنظيم لجنة مشتركة لتوجيه النضال. وقد ضمت رجالا محترمين من أمثال الأستاذ بيسلي، وديموقراطيين صادقين، وكذلك ممثلين عن المهن الحرة ومحامين وقضاة وممثلين عن البرجوازية الصغيرة والمتوسطة، وبخاصة البرجوازية التجارية التي كانت تجنح من البداية إلى تسوية. وخيض النضال على الطريقة الإنكليزية. فقد نظمت مهرجانات خطابية ومظاهرات. وفي حزيران 1866 شهدت لندن تظاهرة هائلة لم تقع العين على نظير لها حتى في عهد الميثاقية. وتحت ضغط الجماهير المحتشدة في هايد بارك، حيث كانت قد توجهت المظاهرة وحيث كانت قد أقيمت مهرجانات خطابية عدة، انهارت أسيجة الحديقة. وفهمت الحكومة عنذئذ أن ساعة منح التنازلات قد أزفت.

بعد ثورة تموز، كانت قد قامت في إنكلترا أيضا، كما تذكرون، حركة قوية للمطالبة بالإصلاح الانتخابي. لكنها لم تتمخض إلا عن تسوية: فقد ذهب العمال ضحية خداع دنيء، وفازت البرجوازية الصناعية وحدها بحق الاقتراع. وكما في تلك المرة، اقترحت الحكومة، بعد أن رأت نفسها مضطرة إلى التنازل إزاء تصاعد موجة الغليان في صفوف عمال المدن، توسيعا جديدا للحق الانتخابي بحيث يشمل مذذاك فصاعدا جميع عمال المدن.

بديهي أن المطالبة بحق الانتخاب كانت للمواطنين الذكور فقط، وما كان يدور في خلد أحد أنه من الممكن أن يمنح للنساء. وقد اقترحت على العمال التسوية التالية التي سرعان ما قبل بها الأعضاء البرجوازيون في لجنة الإصلاح الانتخابي: يمنح حق الاقتراع لجميع العمال الذين لهم مسكن (ولو كان يتألف من حجرة واحدة) يدفعون فيه حدا أدنى محددا من الإيجار. وعلى هذا النحو منح حق الاقتراع لجميع العمال المدينيين تقريبا، ما عدا أولئك الذين يقيمون في المهاجع الجماعية (وما كان عددهم بالقليل يومئذ)، وبالمقابل يحرم منه جميع العمال الريفيين بلا استثناء. وكان زعيم المحافظين الإنكليز، دزرائيلي، هو صاحب تلك المناورة البارعة التي ارتضى بها الإصلاحيون البرجوازيون الذين حثوا العمال على القبول بذلك التنازل، مصورين لهم أنه سيكون في مستطاعهم، عقب انتخاب البرلمان الجديد، أن يطالبوا بتوسيع جديد للحقوق الانتخابية. بيد أن العمال الريفيين اضطروا إلى الانتظار عشرين سنة أخرى، أي حتى 1885، أما العمال الذين لا مسكن لهم ولا حجرة فلم يحصلوا أخيرا على حق الاقتراع إلا تحت ضغط ثورة 1905 الروسية.

وفي ألمانيا وقعت بين عامي 1865-1866 أحداث لا تقل أهمية. فقد دار صراع مستعر للهيمنة على ألمانيا بين بروسيا والنمسا. وقد جعل بسمارك هدفه أن يطرد النمسا نهائيا من الاتحاد الكونفدرالي الجرماني، وأن يجعل من بروسيا العمود الفقري لألمانيا، حتى وإن سلخت منها الأقاليم الألمانية التي تملكها النمسا. وقد سبق لي التطرق لهذه المسألة حين عرضت عليكم الاختلافات في الرأي بين ماركس وانجلز من جهة ولاسال من الجهة الأخرى.

انتهى النزاع بين النمسا وبروسيا بحرب. ففي أسبوعين أو ثلاثة أسابيع أنزلت بروسيا، التي تأبت عن التحالف مع إيطاليا ضد دولة ألمانية، هزيمة منكرة بالنمسا، وضمت مجموعة من الدول الصغيرة التي هبت لمساعدة هذه الأخيرة: مملكة هانوفر، مدينة فرانكفورت الحرة، دوقية هس الكبرى، الخ. وأقصيت النمسا بصورة نهائية عن الاتحاد الجرماني. ونظم اتحاد لألمانيا الشمالية، على رأسه بروسيا. ولكسب تأييد العمال وفقراء الناس، أدخل بسمارك مبدأ الانتخاب العام.

أما في فرنسا فقد اضطر نابليون إلى تقديم بعض تنازلات. فألغيت بعض مواد قانون العقوبات التي كانت موجهة ضد التكتلات التي ينظمها العمال. وخفت وطأة الملاحقات التي كانت تتعرض لها المنظمات الاقتصادية، وخاصة التعاونيات وجمعيات المساعفة المتبادلة. وقوي في أوساط العمال التيار المعتدل الساعي إلى استغلال الإمكانيات الشرعية. ومن جهة أخرى، ما ونت المنظمات البلانكية تتطور. فخاضت غمار مساجلة عنيفة ضد الأمميين الذين أخذت عليهم استنكافهم عن كل نضال ثوري ومغازلتهم للحكومة البونابرتية.

وفي سويسرا الفرنسية والألمانية والإيطالية قاطبة كان العمال مشغولين بقضاياهم المحلية، وكان المهاجرون والأجانب هم وحدهم الذين يعنون بأمر الأممية. وكان الفرع الألماني يصدر بإشراف بيكر مجلة الرائد، ويلعب دور اللسان المركزي في الخارج بالنسبة إلى العمال الألمان الذين انفصلوا عن اللاسالية وانتسبوا إلى الأممية.

انعقد المؤتمر في جنيف في أيلول 1866، بعد أن تغلبت بروسيا على النمسا وأحرز العمال الإنكليز، على ما يبدو، نصرا سياسيا كبيرا على البرجوازية. وبدأ المؤتمر بفضيحة. فقد قدم من فرنسا، علاوة على البرودونيين، بلانكيون أرادوا المشاركة في أعمال المؤتمر. وكانوا جميعهم تقريبا من الطلبة الثوريين جدا، وفي عدادهم المفوض المقبل للعدالة في عامية باريس بروتو. ومع أنهم ما كانوا يحملون من تفويض البتة، فقد أثاروا من اللغط والجلبة أكثر مما فعل أي وفد آخر. وفي آخر المطاف، طردوا بخشونة. بل يقال أن بعضهم أراد إغراقهم في بحيرة جنيف، ولكن ذلك هذر محض. ومن المؤكد على كل حال أنه وقعت مصادمات وتبودلت لكلمات، كما يحدث لدى الفرنسيين الذين لا يكتفون على الدوام في صراعاتهم الفئوية بقرارات طرد وفصل كما يفعل السلافيون المسالمون.

حين أفلح المندوبون أخيرا في الانكباب على العمل، دارت المعركة الرئيسية بين البرودونيين ووفد المجلس العام المؤلف من ايكاريوس وعمال إنكليز. وتعذر على ماركس نفسه القدوم: فقد كان منصرفا يومئذ إلى تحرير الصيغة النهائية للمجلد الأول من الرأسمال، ناهيك عن أنه ما كان ليستطيع القيام بالسفرة إلا إذا تغلب على عوائق كثيرة نظرا إلى اعتلال صحته ومحاصرته بالمراقبة المشددة من قبل الجواسيس الفرنسيين والألمان. بيد أنه كتب للوفد مذكرة تقريرية مفصلة بصدد جميع بنود جدول الأعمال.

قدم المندوبون الفرنسيون تقريرا مفصلا، كان بمثابة عرض لأفكار برودون الاقتصادية. وقد احتجوا بقوة على عمل المرأة، وأعلنوا أن الطبيعة ذاتها حددت مكان هذه الأخيرة بالبيت، وأن على المرأة أن تهتم بأسرتها لا أن تعمل في المصنع. ونبذا صريحا منهم للاضرابات والنقابات دافعوا عن التعاون، وبخاصة عن تنظيم التبادل على أساس التعاضد. وكان الشرط المسبق لذلك في رأيهم عقد اتفاقات بين مختلف التعاونيات وتنظيم الاعتماد المجاني. بل أنهم ألحوا على أن يصادق المؤتمر على تنظيم الاعتماد الأمني، غير أنهم لم يفلحوا إلا في الحصول على قرار يوصي جميع فروع الأممية بالاهتمام بدراسة مسألة الاعتماد وتوحيد جمعيات الاعتماد العمالية كافة. بل ذهب بهم الأمر إلى حد معارضة التحديد القانوني ليوم العمل.

وتصدى لهم اللندنيون والألمان. وبصدد كل بند في جدول الأعمال كان الأخيرون يقترحون كقرار مقطعا مناسبا من تقرير ماركس الذي أعطي مكانة الصدارة لجميع المسائل المتفرغة عن مطالب الطبقة العاملة.

طالب التقرير الأممية بتكريس نشاطها كله للاتحاد ولتوحيد الجهود المبعثرة للطبقة العاملة المنافحة في سبيل مصالحها. وأكد على ضرورة إنشاء ارتباط يتيح لعمال جميع الأقطار لا أن يحسوا بتآخيهم في الكفاح فحسب، بل أن ينشطوا أيضا كمقاتلين في جيش تحرير موحد. ودعا إلى تنظيم المساعدة المتبادلة الأممية في الاضرابات، وإلى الحؤول دون إحلال عمال أجانب محل عمال قطر بعينه، ذلك الإحلال الذي هو واحد من الأساليب المفضلة عند المقاولين.

ومن المهام الرئيسية التي دعا إليها ماركس الدراسة المنهجية، العلمية، لوضع الطبقة العاملة في الأقطار كافة، وهي دراسة يجب الشروع بها بمبادرة من العمال أنفسهم. ومن الواجب إرسال جميع المواد التي يتم تجميعها إلى المجلس العام الذي سيتولى في هذه الحال صياغتها. وأشار ماركس إلى الخطوط العريضة للمسائل الرئيسية التي يجب أن تتركز عليها تلك الدراسة العمالية.

أثارت مسألة النقابات مجادلات حامية. فقد عارض الفرنسيون الاضرابات وأي تنظيم لمقاومة المقاولين وأرباب العمل. وما كانوا يرون من خلاص للعمال إلا في التعاون. وقد اقترح عليهم المندوبون اللندنيون بالمقابل، في شكل قرار، كل القسم المتعلق بالنقابات من تقرير ماركس. وقد أقره المؤتمر، لكنه أثار نفس سوى التفاهم الذي أثارته القرارات للأممية الأولى. فلحقبة طويلة من الزمن لم ينشر النص الدقيق، وما كان الألمان يعرفونه إلا من خلال ترجمة ناقصة قام بها بيكر في الرائد، وكانت الترجمة الفرنسية أشد رداءة أيضا. وقد نشرت شخصيا للمرة الأولى هذا القرار مترجما عن الأصل الإنكليزي في سوفريميوني مير في عام 1914.

يكرر القرار، في شكل أكثر وضوحا وجلاء، كل ما كان ماركس قد قاله في بؤس الفلسفة وفي البيان الشيوعي حول النقابات، النواة الأساسية لتنظيم البروليتاريا الطبقي. وناهيك عن ذلك، أشار إلى المهام المعاصرة للنقابات وإلى العيوب التي تتلبسها حتما متى ما تحولت إلى منظمات تعاونية ضيقة. ولذا يجدر بنا أن نتوقف عنده مليا.

كيف ظهرت النقابات إلى حيز الوجود؟ كيف تطورت؟ إنها نتيجة الصراع بين الرأسمال والعمل الأجير. ففي هذا الصراع يجد العمال أنفسهم في شروط مجحفة لهم. فالرأسمال قوة اجتماعية متركزة بين يدي الرأسمالي، بينما لا يملك العامل سوى قوة عمله الفردية. ولهذا لا مجال للحديث عن تعاقد حر بين الرأسمال والعامل. وحين يتحدث البرودونيون عن تعاقد حر وعادل، يظهرون فقط أنهم لا يفهمون أوالية الإنتاج الرأسمالي. فالعقد بين الرأسمال والعمل لا يمكن أن يعقد بشروط عادلة، حتى من منظور مجتمع يضع ملكية الوسائل المادية للحياة والعمل في جانب، والطاقة الإنتاجية الحية في الجانب الآخر. ووراء كل رأسمالي تقف قوة المجتمع. ولا يسع العمال أن يعارضوا هذه القوة إلا بعددهم، بالقوة الاجتماعية التي يملكونها. لكن قوة العدد، قوة الكثرة تتقلص إلى أدنى مستوى لها بنتيجة انقسام العمال، ذلك الانقسام الذي تختلقه وترعاه المزاحمة المحتومة فيما بينهم. لذا فمن أولى الضرورات إلغاء هذه المزاحمة بين العمال. والنقابات إنما ولدت من محاولات العمال لإلغاء هذه المزاحمة، أو لتخفيف حدتها على الأقل، وذلك بغية الحصول بواسطة عقد محدد على شروط عمل تتيح لهم أن ينفضوا عن رقابهم نير العبودية. وقد اقتصرت المهمة المباشرة للنقابات، في بادئ الأمر، على الحاجات اليومية: فقد فتشت عن الوسائل لوضع حد لتجاوزات الرأسمال وتعدياته المتواصلة، وبمختصر الكلام، اهتمت بمسائل الأجر ويوم العمل. ورغما عن توكيدات البرودونيون، ما هذا النشاط بمشروع فحسب، بل ضروري أيضا. وهو محتم ما دام النظام الراهن للإنتاج قائما. ومن الواجب نشره وتعميمه عن طريق تشكيل نقابات جديدة واتحادها في الأقطار كافة.

بيد أن النقابات تلعب أيضا دورا آخر لا يقل أهمية عما تقدم، دورا ما كان البرودونيون في عام 1866 يفهمونه أكثر مما كان يفهمه معلمهم في عام 1847. فقد كانت النقابات ولا تزال، وإن بصورة لاواعية، مراكز تنظيمية للطبقة العاملة، مثلها في ذلك مثل بلديات الكومونات في العصر الوسيط بالنسبة إلى البرجوازية. ولئن تكن النقابات ضرورية لحرب المحازبين بين الرأسمال والعمل، فإنها أعظم أهمية أيضا باعتبارها عاملا تنظيميا للإطاحة بنظام الإجارة بالذات.

من سوء الحظ أن النقابات لم تستوعب بعد تلك المهمة تمام الاستيعاب. فاستغراقها في صراعها المحلي والمباشر ضد الرأسمال حال بينها وبين التفهم التام لقوة عملها الموجه ضد نظام العبودبة المأجورة بالذات. لهذا وقفت وتقف على هامش الحركات العامة والسياسية.

يشير ماركس إلى الأعراض التي تنم عن أن النقابات بدأت تفهم رسالتها التاريخية. ومن تلك الأعراض يذكر مشاركة النقابات (التريديونيونات) الإنكليزية في النضال في سبيل تطبيق حق الانتخاب العام، والقرار الذي اتخذته في مؤتمرها في شيفيلد والذي أوصت فيه جميع النقابات بالانتساب إلى الأممية.

وفي الختام يلتفت ماركس، الذي كان حتى ذلك الحين قد حاجج البرودونيين في المقام الأول، نحو التريديونيين الخلَّص الذين يريدون حصر مهام النقابات بمسائل الأجور ويوم العمل. فعلى النقابات أن تتعلم، فضلا عن ذلك، كيف تنشط بوعي كمراكز تنظيمية للطبقة العاملة في سبيل انعتاقها الكامل. فعليها أن تؤازر كل حركة اجتماعية وسياسية تنزع إلى ذلك الهدف. ومن واجبها، متى ما اعتبرت نفسها مقاتلة وممثلة للطبقة العاملة، أن تجذب إلى صفوفها العمال قاطبة. وعليها أن تسهر بانتباه وعناية على مصالح العمال في الفروع المتدنية الأجور من الصناعة، فتركز اهتمامها، على سبيل المثال، على العمال الزراعيين الذين لا حول لهم ولا قوة بحكم وضعهم الخاص. وعليها أن تظهر للعالم طرا أن مطامحها ليست ضيقة وأنانية، وأنها ترمي إلى تحرير الآلاف ممن الرازحين تحت نير الاضطهاد في الكرة الأرضية.

انطوت المناقشات بصدد المسألة النقابية في مؤتمر جنيف على فائدة جلى. فقد حامى المندوبون اللندنيون بذكاء كبير عن مواقفهم. وفي نظرهم، ما كان القرار نفسه سوى مقطع مقتطف من تقرير طويل لماركس شاء سوء الحظ أن يكونوا هم وحدهم المطلعين عليه. وبالفعل، حين كان المجلس العام قد درس المسائل التي ينبغي إدراجها في جدول أعمال المؤتمر المقبل، برزت خلافات حادة في وجهات النظر بين أعضائه. ولهذا تلا ماركس في المجلس العام تقريرا مفصلا سلط فيه الضوء على أهمية النقابات في نظام الإنتاج الرأسمالي. وقد انتهز تلك السانحة ليعرض في شكل شعبي على مستمعيه نظريته الجديدة في القيمة وفضل القيمة، وليشرح لهم تعالق الأجر والربح وسعر البضائع. وتترك محاضر ضبط جلسات ذلك المجلس العام وقعا ووقرا في النفس لما فيها من روح جد ووقار جديرة بجمعية علمية برجوازية. وقد جرى وضع كل سطوة ذلك العلم الاقتصادي الماركسي الجديد ومنجزاته في خدمة الطبقة العاملة.

وبقدر مماثل من المهارة ذاد المندوبون اللندنيون عن قرار ماركس بصدد تحديد يوم العمل بثماني ساعات. فعلى النقيض من الفرنسيين، أكدوا مع ماركس أن «الشرط المسبق الذي بدونه لن يكتب النجاح لأي محاولة لتحسين أوضاع الطبقة العاملة وتحريرها هو بالتحديد القانوني ليوم العمل». فمن الضروري أن تعود إلى كل أمة عافيتها وطاقتها، وأن تضمن لها إمكانية التطور الفكري والتواصل الاجتماعي والنشاط السياسي. وبناء على اقتراح من المجلس العام حدد المؤتمر بثماني ساعات الحد القانوني ليوم العمل. ولما كان هذا التحديد مطلبا لعمال الولايات المتحدة، فقد جعل منه المؤتمر برنامجا عاما للطبقة العاملة في العالم قاطبة. ولم يسمح بالعمل الليلي إلا في حالات استثنائية، وذلك في فروع إنتاجية أو مهن معينة يتولى القانون تحديدها بدقة. لكن يتوجب السعي إلى إلغاء العمل الليلي إلغاء شاملا.
من سوء الحظ أن ماركس في المذكرة-التقرير لم يفحص بالتفصيل مسألة عمل المرأة. وقد ارتأى أن حسبه أن يقول أن المقطع المتعلق بتخفيض يوم العمل ينطبق برمته على جميع العمال الراشدين من ذكور وإناث. بيد أنه نوه بأن النساء لا يجوز استخدامهن في أي عمل ليلي، ولا يجوز تكليفهن بعمل يضر بجسمهن أو مزاولتهن لمهنة تعرضهن لمس مواد سامة أو مضرة بالصحة. والحال أنه لما كانت غالبية الفرنسيين والسويسريين تعارض معارضة جازمة عمل المرأة، فقد أقر المؤتمر أطروحات ماركس وقرار الفرنسيين. وعلى هذا النحو أعلن في حصيلة النقاش أنه من الأفضل تحظير عمل المرأة، وأنه من الواجب حيثما وجد أن يحد بالحدود التي أشار إليها ماركس.
وبالمقابل، أقرت أطروحات ماركس عن عمل الأولاد والمراهقين بتمامها، بدون أي تعديل برودوني. وقد جاء فيها أن ميل الصناعة الحديثة إلى إشراك الأولاد والمراهقين من كلا الجنسين في عملية الإنتاج الاجتماعي ميل تقدمي وسليم ومشروع، وإن أدى في ظل هيمنة الرأسمال إلى كارثة فظيعة. أما في مجتمع منظم تنظيما عقلانيا فإن كل ولد بلغ التاسعة من العمر يجب أن يكون، في تقدير ماركس، شغيلا منتجا. كذلك لا يمكن لأي راشد معافى الصحة أن يتملص من سريان قانون الطبيعة التالي عليه: العمل كيما تتاح له إمكانية الأكل، والعمل جسمانيا لا فكريا فحسب. وبهذا الصدد يقترح ماركس برنامجا كاملا للجمع بين العمل الجسماني والعمل الفكري. ويتضمن هذا البرنامج التنمية الفكرية العامة، التنمية ذات الاختصاصات التقنية المتعددة التي تطلع الأولاد على الأسس العلمية لجميع عمليات الإنتاج.

تطرق ماركس في مذكرته-التقرير إلى مسالة التعاون أيضا. وقد اغتنم الفرصة لا لكي ينتقد تقسيمات المتعاونين الخلَّص فحسب، بل لكي ينوه أيضا بالشرط الأساسي لنجاح الحركة التعاونية. وكما في الخطاب الافتتاحي، يعطي الأفضلية لا للتعاونيات الاستهلاكية، وإنما للتعاونيات الإنتاجية. ويضيف قائلا: «لكن ليس لنا أن نتوقع من التعاونيات، كائنة ما كانت، إلغاء النظام الرأسمالي. فهذا الإلغاء يقتضي تغييرات واسعة، جذرية، تشمل المجتمع قاطبة. ومثل هذه التغييرات غير ممكنة إلا بواسطة قوة اجتماعية منظمة، هي سلطة الدولة التي ينبغي أن تنتقل من أيدي الرأسماليين والملاك العقاريين إلى أيدي الطبقة العاملة». وعلى هذا النحو نرى ماركس يعلن، هنا أيضا، ضرورة استيلاء الطبقة العاملة على مقاليد السلطة السياسية.

تم إقرار مشروع الدستور الذي بتم تعرفونه الآن بدون أي تعديل. وقد لاقت محاولة الفرنسيين (الذين سبق لهم أن أثاروا تلك المسألة في مشار لندن) تفسير كلمة «العامل» بأنها تسري فقط على الأشخاص العاملين في عمل جسدي، وبالتالي استبعاد ممثلي العمل الفكري، لاقت معارضة قوية. وصرح المندوبون الإنكليز أنه إذا تمت الموافقة على اقتراح الفرنسيين، فلا مفر من البدء باستبعاد ماركس نفسه، وهو الذي أدى للأممية خدمات جلى.

لعب مؤتمر جنيف دورا هاما كأداة للدعاية. فجميع قراراته المتضمنة للمطالب الأساسية للطبقة العاملة، والتي كتبها ماركس وحده تقريبا، دخلت في برنامج الحد الأدنى العملي لجميع الأحزاب العمالية. وكان للمؤتمر صدى واسع في الأقطار كافة، بما فيها روسيا حيث نشرت سوفريميوني منذ عام 1865 قسما كبيرا من الخطاب الافتتاحي الذي عزته إلى ماركس. وعقب مؤتمر جنيف، الذي أعطى دفعا قويا لتطور الحركة العمالية الأممية، تحققت للأممية شعبية مفاجئة. وقد استرعت انتباه بعض المنظمات الديموقراطية البرجوازية التي حاولت استغلالها لأهدافها الشخصية.

في المؤتمر التالي الذي عقد في لوزن نشب النزاع بصدد مسألة الاشتراك في مؤتمر جمعية أممية جديدة، رابطة السلم والحرية، الذي كان من المفروض أن ينعقد في جنيف. ورجحت كفة أنصار الاشتراك. وفي المؤتمر التالي الذي انعقد في بروكسيل عادت فرجحت كفة وجهة نظر المجلس العام وتقرر توجيه الدعوة إلى الرابطة المذكورة لكي تنتسب إلى الأممية وإلى أعضائها كي ينتموا إلى فرع الأممية في أقطارهم.

لم يشارك ماركس في ذينك المؤتمرين. فحتى قبل أن ترفضّ جلسات مؤتمر لوزان صدر المجلد الأول من الرأسمال. واتخذ المؤتمر التالي، الذي انعقد في بروكسيل في 1868، بناء على توصية من الوفد الألماني، قرارا يوصي عمال جميع الأقطار بدراسة الرأسمال. وقد نوه ذلك القرار بفضل ماركس الكبير: فهو «أول اقتصادي أخضع الرأسمال لتحليل مفصل وأرجعه إلى عناصره الأساسية».

درس مؤتمر بروكسيل، في ما درس، مسألة أثر الآلات على وضع الطبقة العاملة، وكذلك مسألتي الاضرابات والملكية العقارية. وانطوت القرارات التي اتخذت على قدر أو آخر من المساومة والتسوية. وبالمقابل انتصرت لأول مرة وجهة نظر الاشتراكية، أو الجماعية كما كان يقال عهدئذ، ضد الفرنسيين. فقد تم الإقرار بضرورة تشريك وسائل النقل والمواصلات، وكذلك الأرض. لكن ذلك القرار لم يقر في شكله النهائي إلا في المؤتمر التالي المنعقد في بال عام 1869.

إن المسألة السياسية الرئيسية التي شغلت الأممية منذ مؤتمر لوزان هي مسألة الحرب والوسائل الواجب اعتمادها لمقاومتها. فقد كانت حرب 1866، التي انتهت بانتصار بروسيا على النمسا، قد ولدت في أوربا رأيا يقول أن تلك الحرب ستفضي لا محالة، في مستقبل قريب، إلى نشوب حرب أخرى بين فرنسا وبروسيا. وفي 1867 بدأت العلاقات بين ذنيك البلدين بالتوتر. وكانت المغامرات الاستعمارية التي شرع بها نابليون لتعزيز نفوذه وسطوته المتداعيين قد أدت، على العكس، إلى زعزعة موقفه زعزعة خطيرة. فتحت ضغط كبار رجال المال، باشر نابليون حملة المكسيك التي أثارت استياء الولايات المتحدة الشديد منه، على اعتبار أن هذه الأخيرة كانت تقف موقف المعارضة الحازمة من أي تدخل للدول الأوربية في شؤون أمريكا. وباءت خطة نابليون بالفشل الذريع. ووجد نفسه مطالبا بتصحيح مغامرته العاثرة في أوربا، لكن سوء الحظ كان حليفه هنا أيضا. فقد كان يأمل، وهو المضطر إلى تقديم تنازلات على صعيد السياسة الداخلية، أن يتمكن عن طريق ضم موفق في أوربا من توسيع ممتلكات فرنسا ومن تعزيز موقفه بالتالي. وفي 1867 انفجرت قضية اللوكسمبورغ، فبعد سلسلة من المحاولات الفاشلة للحصول على قطعة أرض ما على الضفة اليسرى من الراين، سعى نابليون إلى أن يشتري من هولندا دوقية اللوكسمبورغ الكبرى التي كانت تنتمي، حتى عام 1866، إلى الاتحاد الكونفدرالي الجرماني، ولكن التي كان رئيسها الأعلى ملك هولندا. وكانت تقيم في الدوقية من قبل حامية بروسية اضطرت لاحقا للانسحاب. وأثار نبا الصفقة بين نابليون والبلدان الواطئة هيجانا وغليانا شديدين في أوساط الوطنيين الألمان. ولاحت نذر الحرب، لكن نابليون الذي قدر أنه ليس مستعدا لها الاستعداد الكافي آثر التراجع. ولحق بنتيجة ذلك بحظوته أذى بالغ، واضطر إلى تقديم تنازلات جديدة للمعارضة التي كانت ما تني تتعاظم وتتسع نطاقا.

في زمن انعقاد مؤتمر بروكسيل تزايد الموقف تفاقما، وباتت الحرب متوقعة في كل لحظة. وساد اليقين بأنها ستندلع بمجرد انتهاء فرنسا وبروسيا من استعداداتهما وعثورها على الذريعة المناسبة لإعلانها. وانطرحت على الحركة العمالية، التي كان ساعدها يشتد يوما فيوما، وبخاصة في البر الأوربي، مسألة مقلقة، مسألة الوسائل الواجب اعتمادها للحؤول دون تلك الحرب التي ستسدد، في حال اندلاعها، ضربة مفجعة إلى العمال الفرنسيين والألمان. لهذا ما كان يسع الأممية، التي باتت تمثل منذ عام 1868 قوة لها شأنها وتتصدر طليعة الحركة العمالية الأممية، ألا تتولى تلك المسألة فائق عنايتها. وبعد مداولات حامية اتخذ مؤتمر بروكسيل، الذي كان بعضهم قد طالب أثناءه بتنظيم إضراب عام في حال اندلاع الحرب وأكد بعضهم الآخر أن الاشتراكية هي وحدها التي تستطيع أن تضع حدا للحرب، اتخذ قرارا توفيقيا فيه ما فيه من الإيهام.

في صيف 1869 بدأ وكان شبح الحرب قد توارى، فاحتلت المسائل الاقتصادية والاجتماعية مكانة الصدراة في مؤتمر بال. ولأول مرة طرحت بجلاء مسألة تشريك وسائل الإنتاج التي كان مؤتمر بروكسيل قد مسها عرضا. وفي هذه المرة رجحت بصورة نهائية كفة خصوم الملكية الفردية للأرض. ومني البرودونيون بهزيمة ماحقة. لكن ظهرت في ذلك المؤتمر اختلافات جديدة في وجهات النظر. إذ برز فيه بالفعل ممثل اتجاه جديد، الروسي باكونين.

من أين جاء؟ كنا قد رأيناه بعد 1840 في برلين، ونعلم أنه مر بذات المدرسة الفلسفية التي مر بها ماركس وانجلز، وانحاز في بداية ثورة 1848 إلى جانب المهاجرين الألمان المقيمين في باريس الذين نظموا فرقة ثورية لغزو ألمانيا. وأثناء الثورة بالذات بذل مساعيه في مورافيا لتوحيد الثوريين السلافيين، وبعد ذلك اعتقل، وحكم عليه بالموت، لكنه سلم إلى القيصر نيقولا الأول الذي أمر بحبسه في شلوسلبورغ. وبعد بضع سنوات، في عهد ألكسندر الثاني، نفي إلى سبيريا، ومنها هرب إلى أوربا عن طريق اليابان وأمريكا. كان ذلك في عام 1862. وغرق يومئذ في القضايا الروسية، وتحالف مع هرزن، وكتب عن القضايا السلافية والروسية عدة كراسات أثبت فيها ضرورة الاتحاد الثوري للسلافيين، وقام بمحاولة غير موفقة للمشاركة في الانتفاضة البولونية. وفي 1864 التقى في لندن بماركس الذي اطلع منه على تأسيس الأممية، ووعده بالمشاركة فيها، لكنه قصد ايطاليا حيث اهتم بأمور مغايرة تماما. وكما في عام 1848، كان يعتقد أن ماركس يبالغ إلى حد الشطط في أهمية الطبقة العاملة، وأن المثقفين والطلبة وممثلي الديموقراطية البرجوازية، ولاسيما المخلعين طبقيا، يشكلون عنصرا أكثر ثورية بكثير. وفيما كانت الأممية تكافح الصعاب الأولى وتتحول تدريجيا إلى منظمة أممية واسعة النفوذ، كان باكونين في ايطاليا يجهد لتنظيم جمعيته الثورية. ثم انتقل إلى سويسرا، حيث انتسب إلى الرابطة البرجوازية للسلم والحرية، بل انتخب عضوا في المجلس المركزي لهذه الرابطة. ولم يهاجر صفوفها إلا في عام 1868، لكنه بدلا من أن يدخل إلى الأممية أسس مع رفاقه جمعية جديدة، التحالف الأممي للاشتراكية-الديموقراطية.

كانت تلك الجمعية الجديدة، من الخارج على الأقل، ثورية جدا. وقد أعلنتها حربا شعواء على الله والدولة. وطالبت جميع أعضائها بأن يكونوا من الملاحدة. وما كان برنامجها الاقتصادي يتسم بالوضوح. فبدلا من التطلع إلى إلغاء الطبقات، طالبت بالمساواة الاقتصادية والاجتماعية بين الطبقات طرا. وبالرغم من نزعتها الثورية لم تطرح حتى برنامجا اشتراكيا متماسكا، واكتفت بالمطالبة بإلغاء حق الإرث. وحتى لا تخيف الفارين من الطبقات الأخرى، أبت التنويه بطابعها الطبقي.

كتب التحالف إلى المجلس العام يسأله قبوله في الأممية، لكن بشرط أن يتم هذا القبول باعتباره جمعية خاصة لها دستورها وبرنامجها الخاصان بها.

نتطرق الآن إلى المسألة الشائكة. فيما أن ماركس كان يتمتع بنفوذ كبير في المجلس العام، فقد جرت العادة على تحميله مسؤولية جميع القرارات التي كان يتخذها ذلك المجلس. وما كان الأمر يخلو من غلو ومغالاة. لكن ماركس يتحمل بالفعل القسط الأكبر من المسؤولية بخصوص القرار المتعلق بباكونين. ولو صدقنا لا أنصار باكونين فحسب، بل أيضا بعض الماركسيين الذين أخذوا على عاتقهم الدفاع عن ذلك الثوري المشوش، لوجدنا ماركس مجاوزا الحدود في الفظاظة في مقابلته طلب التحالف برفض باتر. وحتى نفهم جوهر النقاش، تصوروا على سبيل المثال تنظيما انفصل للتو عن جمعية ديموقراطية ما وتوجه بطلب إلى الأممية الشيوعية يسألها قبوله في صفوفها، لكن بشرط أن يترك له الحق في الوجود كجمعية لها برنامجها الخاص بها، بل حتى حق دعوة مؤتمرها الخاص. ففي مثل هذه الحال سيأتيه الجواب السديد كما يلي: صحيح أن التأخر خير من عدم الوصول، ولئن أدركتم أخيرا أنكم أخطأتم بارتباطكم مع البرجوازية، فتعالوا إلينا، ولن تلقوا عندنا إلا الترحيب، ولكن ابدؤوا بحل تنظيمكم وتوزعوا في مختلف فروعنا. وبديهي أنه ليس لأحد أن يرى في هذا الجواب دليلا على العداوة أو الخصومة تجاه التنظيم المذكور.

فضلا عن ذلك، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار الواقعة التالية:
فعلاوة على برنامج التحالف، بعث باكونين برسالة شخصية إلى ماركس بعد حوالي أربعة أعوام من كتابه إليه من إيطاليا واعدا إياه بالعمل فيها لحساب الأممية. والحال أنه لم يكتف بعدم إنجاز وعده فحسب، بل نذر أيضا قواه كلها للحركة البرجوازية. صحيح أنه كتب هذه المرة إلى ماركس يبلغه أنه أدرك الآن أكثر من أي وقت مضى كم كان هذا الأخير على صواب باختياره الطريق العريض للثورة الاقتصادية وسخريته من أولئك الذين يتسكعون في دروب المشاريع القومية المحض أو السياسية الصرف. وقد أضاف يقول بلهجة مؤثرة: «منذ أن وجهت كلمة الوداع الأخيرة والعلنية إلى البرجوازية في مؤتمر برن، لم أعد أعرف من معشر أو من وسط غير عالم العمال. إن وطني سيكون من الآن فصاعدا الأممية التي أنت واحد من مؤسسيها الرئيسيين. أن ترى إذن، أيها الصديق العزيز، أنني تلميذك، وأنا بذلك لفخور».

لقد استطاعت تلك الرسالة انتزاع دموع التأثر والإشفاق من أعين أصدقاء باكونين، وإثارة سخطهم ونقمتهم على ماركس، الرجل الذي بلا قلب الذي رد بفظاظة ما بعدها فظاظة اليد التي مدت إليه. وحتى مهرينغ نفسه قال أنه لا مجال البتة للشك في صدق ما باح به باكونين.

ليس في نيتي أن الآخر أن ارتاب في صدق باكونين. لكن ضعوا أنفسكم –اسمحوا لي بذلك- محل ماركس. لقد كان هذا الأخير جلف الطبع، لا مراء في ذلك، لكن مهرينغ نفسه لا يستطيع أن يجد مناصا من الإقرار بأن ماركس دلل حتى نهاية 1868 على تسامح وحلم كبيرين تجاه باكونين. لكن لكل شيء حدودا. وحسبنا أن نعيد بانتباه قراءة رسالة باكونين كي نفهم أن تلك الرسالة العاطفية لم تبد مقنعة كثيرا في نظر ماركس. فما كان كاتبها بغلام، وإنما رجل تخطى الخمسين من العمر سبق له أن انتمى لمرة إلى «عالم العمال»، ولكن فقط كي ينساه للحال ويلجأ إلى «عالم البرجوازية». وبعد أربع سنوات من الالتصاق بذلك العالم، وبعد خيبة عميقة ورغبة تماثلها عمقا في الانخراط من جديد في الطريق العريض، طلب باكونين الانتساب إلى الأممية، لكن بعد أن وضع شروطا تعجيزية. ولهذا وقف ماركس، الذي كان قد أسرف في عام 1864 في إبداء الثقة تجاه باكونين وقف هذه المرة، وعن حق، موقفا متحرزا.
حين رد المجلس العام ردا جازما طلب باكونين، أبلغه هذا الأخير أن التحالف قرر حل تنظيمه وتحويل فروعه إلى فروع للأممية، لكن على أساس حفاظه على برنامجه النظري. ولم يوافق المجلس العام على قبول فروع التحالف القديم إلا على أساس الشروط العامة.

بدا للعيان وكان كل شيء على ما يرام. لكن سرعان ما راودت ماركس الشكوك، وعن حق، في أن باكونين قد خدع بكل بساطة المجلس العام، وأنه في الوقت الذي حل فيه رسميا جمعيته حافظ فعلا على تنظيمه المركزي تمهيدا لفرض سيطرته على الأممية. وحول هذه النقطة بالذات كان يدور في الواقع جوهر النزاع. وإننا لعلى استعداد للتسليم بأن ماركس كان رجلا كريها، وبأن باكونين كان ملاكا طيبا. لكن ليس ذلك هو لب الموضوع، وإن كان باكونين يشكو هو الآخر، كما هو معروف، من قدر لا بأس به من العيوب. وعلى المدافعين عنه أن يجيبونا بوضوح على السؤال التالي: هل كان ثمة وجود لمثل ذلك التنظيم السري فعلا؟ وهل أباح باكونين لنفسه تضليل المجلس العام بتوكيده له أنه حل جمعيته؟

على الرغم من حبي الأعمى لماركس، ذلك الحب الذي عاد عليّ بتأنيب مهيرنغ، فإنني لعلى استعداد للإقرار معه بأن باكونين وقع ضحية افتراء ذميم، لو كان المرحوم غليوم، صديق باكونين القديم ومؤرخ الأممية، أثبت أن التحالف قد جرى حله فعلا. لكن التحالف استمر مع الأسف قائما، وما ونى يخوض صراعا ضاريا ضد الأممية. وفي ذلك الصراع عبأ صاحبنا الطيب القلب باكونين جميع الوسائل التي ارتآها ضرورية لبلوغ هدفه. وأنا لن ألومه على ذلك. لكن من المضحك أن نرى أنصاره يسعون إلى تصويره بصورة الرجل الذي يلجأ أبدا إلى الوسائل المثيرة للشبهات، والذي لا يضمر أبدا، كما يؤكد واحد من قليلي الذكاء من المدافعين عنه، أي نية مبيتة.

ما كان إذن الهدف الذي لم يتوان باكونين عن تعبئة كل الوسائل في سبيله؟ تدمير المجتمع البرجوازي، الثورة الاجتماعية: هذا ما كان يرومه باكونين. لكن ماركس كان يهفو بدوره إلى الهدف ذاته. إذن فالخلافات في وجهات النظر كانت تنصب على نقطة مغايرة. وبالفعل، كان ماركس وباكونين على اختلاف تام بصدد الوسائل الواجب استخدامها لبلوغ ذلك الهدف.

بادئ ذي بدء، ينبغي هدم كل شيء حتى ينصلح من ثم من تلقاء نفسه، وكلما تم ذلك بسرعة أكبر كان ذلك أفضل. ويكفي لذلك إثارة المثقفين الثوريين والعمال الناقمين بسبب البؤس. وهذا يتطلب مجموعة من الرجال الموطدي العزائم، المتأججة أفئدتهم بالنار المقدسة. تلك هي خلاصة مذهب باكونين الذي يذكرنا، للوهلة الأولى، بمذهب فيتلنغ. لكن هذا التشابه سطحي ليس إلا. كذلك سطحي هو أيضا التماثل بين مذهبي كل من باكونين وبلانكي. فباكونين كان يصم أذنيه عن أي حديث عن استيلاء البروليتاريا على السلطة السياسية. وكان ينكر كل نضال سياسي ما ادم يخاض في إطار المجتمع البرجوازي القائم وما دام يهدف إلى توفير شروط أنسب لتنظيم البروليتاريا طبقيا. لهذا كان ماركس وجميع أولئك الذين يرتؤون معه ضرورة خوض غمار النضال السياسي وتنظيم البروليتاريا بغية الاستيلاء على السلطة السياسية، كانوا في نظر باكونين وأتباعه انتهازيين عتيدين يؤخرون قيام الثورة الاجتماعية. لهذا انتهز الباكونينيون الفرصة لتصوير ماركس بصورة الرجل الذي لا يتورع، بغية تحقيق أفكاره، عن تزوير دستور الأممية. وأوسعوا ماركس شتما على رؤوس الأشهاد، وبخاصة في رسائلهم ونشراتهم، وما أحجموا حتى عن التهجمات اللاسامية، وما تورعوا حتى عن اتهام ماركس بالعمالة لبسمارك.

كان لباكونين صداقات كثيرة في ايطاليا وسويسرا. وكان قد جمع أنصارا كثيرين في سويسرا، وبخاصة في سويسرا الروماندية [40]. ولا يسعني أن أدخل في تفاصيل أسباب نجاحه، لأن ذلك سيبعدنا عن موضوعنا كثيرا. وسأكتفي بالقول لكم أن دعايته كانت مثمرة جدا في أوساط العمال المياومين والحرفيين الساعتيين الذين لحقهم ضر شديد بنتيجة مزاحمة الصناعة الكبرى لهم في ميدان اختصاصهم.

حين مثل باكونين أمام مؤتمر بال، كان قد حشد وراءه مجموعة كبيرة التعداد من الأنصار. وكما يحدث غالبا في أشباه تلك الحالات، دارت رحى المعركة الأولى حول مسألة مغايرة تماما للمسألة التي كان يتركز عليها جوهر النزاع. فباكونين، الذي كان يجاهر بعدائه العنيف لكل انتهازية، طالب بإلحاح وإلحاف بإقرار إلغاء حق الإرث كمطلب آني فوري. بيد أن مندوبي المجلس العام بينوا، استنادا إلى مذكرة-تقرير ماركس، أن ذلك التدبير ما هو، كما سبق أن أشار إلى ذلك البيان الشيوعي، سوى تدبير انتقالي ستلجأ إليه البروليتاريا يوم تستولي على السلطة السياسية. وبانتظار ذلك اليوم، لا مجال للمطالبة إلا بزيادة الضريبة على الميراث وتقييد حق الإيصاء. لكن باكونين ما كان يقيم اعتبارا لا للمنطق ولا للظروف الواقعية. وما كان يهمه ذلك المطلب إلا بما ينطوي عليه من إمكانية تحريضية. وفي النهاية، لم يحصل أي إقرار على الغالبية.

نشب نزاع آخر بين باكونين والشيخ ليبكنخت. فقد كان مؤتمر بال أول مؤتمر شاركت فيه مجموعة لا بأس بتعدادها قدمت من ألمانيا. وكان ف.ليبكنخت وأ.بيبل قد أفلحا عهدئذ، بعد نضال فئوي ضارٍ ضد شفايتزر، في تنظيم حزب خاص تبنى، في مؤتمره التأسيسي المنعقد في آيزناخ، برنامج الأممية. وكانت الصحيفة المركزية لذلك الحزب قد وجهت نقدا لاذعا إلى نشاط باكونين في رابطة السلم والحرية، وعرض بالتفصيل وجهات نظره السابقة المؤيدة للوحدة السلافية. ويذكر مهرينغ نفسه أن ماركس عارض لفترة طويلة من الزمن ذلك النقد، لكنه كان يُعد، كما رأينا في قضية فوغت، مسؤولا عن جميع أعمال الماركسيين الذين إليهم كان ينتمي ليبكنخت وبيبل. وانتهز باكونين سانحة المؤتمر لتسوية حساباته مع ليبكنخت. وانتهى كل شيء بمصالحة، لم يكتب لها أصلا أن تكون عابرة.

كان من المفروض أن ينعقد المؤتمر التالي في ألمانيا، في ماينز، لكنه ما استطاع انعقادا. فعقب مؤتمر بال توترت العلاقات بين فرنسا وألمانيا إلى حد بات من المتوقع معه إعلان الحرب بين ساعة وأخرى. وخدع بسمارك، وهو من أبرع المحتالين الذين عرفهم التاريخ قط، أستاذه القديم نابليون، فبعد أن تسلح حتى الأسنان استعدادا للحرب، دبر الأمور على نحو بدت معه فرنسا في نظر العالم قاطبة هي المعتدية.

اندلعت الحرب، بالفعل، بصورة غير متوقعة بالمرة. وما كان لا العمال الفرنسيون ولا العمال الألمان في حالة تؤهلهم للحؤول دون اندلاعها. وبعد بضعة أيام من إعلان الحرب، أصدر المجلس العام بيانا بقلم ماركس.

يبدأ البيان بشاهد من الخطاب الافتتاحي للأممية يدين «السياسة الخارجية التي تراهن على مشاعر التعصب القومي، وتنشد مآرب مجرمة، وتهدر دماء الشعوب وخيراتها في حروب السلب والنهب».

ويلي ذلك بيان اتهام ضد نابليون. فيصف ماركس باقتضاب صراع هذا الأخير ضد الأممية، ذلك الصراع الذي احتدم وزاد حدة منذ أن شرع الأمميون بحملة تحريض مستعرة ضد نابليون. ويضيف ماركس قائلا أنه كيفما انتهت الحرب فإن الإمبراطورية الثانية مكتوب عليها الهلاك. ولسوف تنتهي كما بدأت، بمحاكاة ساخرة [41].

لكن هل نابليون المذنب الوحيد؟ بتاتا. فالحكومات الأوربية جميعا مذنبة. وبالفعل، لا ينبغي لأحد أن ينسى أن الحكومات والطبقات السائدة في أوربا هي التي ساعدت نابليون، على مدى ثمانية عشر عاما، على تمثيل مهزلة إحياء الإمبراطورية.

بيد أن أعنف الضربات سددها ماركس إلى وطنه بالذات. قال: أن الحرب الراهنة هي بالنسبة إلى الألمان حرب دفاعية. لكن من وضع ألمانيا في وضع الحاجة إلى الدفاع عن النفس؟ من أغرى نابليون بمهاجمة ألمانيا؟ إنها بروسيا. فقد عقدت اتفاقا مع نابليون ضد النمسا. فلو كانت بروسيا غلبت على أمرها لكانت فرنسا اجتاحت بقواتها ألمانيا. والحال، ماذا فعلت بروسيا بعد انتصارها على النمسا؟ بدلا من أن تجابه فرنسا المسترقة بألمانيا حرة، حافظت لا على النظام البروسي القديم دون مساس فحسب، بل أضافت إليه أيضا جميع المعالم المميزة للنظام البونابرتي.

جرت المرحلة الأولى، المرحلة الحاسمة من الحرب بسرعة صاعقة. فالجيش الفرنسي لم يكن مستعدا للقتال البتة. وعلى الرغم من الخطاب المغرور لوزير الحربية الذي أكد أن كل شيء جاهز حتى الزر الأخير، اتضح بالفعل انه إذا كانت الأزرار جاهزة فليس هناك من يخيطها. ففي زهاء أسابيع ستة هزم الجيش النظامي الفرنسي هزيمة ماحقة، وفي 2 أيلول استسلم نابليون مع جيشه في سيدان. وفي 4 أيلول أعلنت الجمهورية في باريس. وخلافا لإعلان بروسيا الذي أكدت أنها لن تحارب إلا الإمبراطورية، تواصل القتال. وكانت عندئذ المرحلة الثانية من الحرب، المرحلة الأطول والأشد ضراوة.

عقب إعلان الجمهورية في فرنسا مباشرة، أصدر المجلس العام بيانه الثاني عن الحرب. وهذا البيان، الذي كتبه ماركس أيضا، يعتبر بعمق تحليله للوضع السائد آنذاك وبنفاذ رؤيته التاريخية من أنبع النصوص التي تركها لنا. والشيء الذي يسترعي الانتباه أن ماركس مهره بإمضائه بصفته أمين سر المجلس العام لا عن ألمانيا فحسب، بل أيضا عن روسيا، لأنه كان قد تشكل قبيل ذلك في سويسرا فرع روسي للأممية، وطلب من ماركس تمثيله في المجلس العام.

كان ماركس قد تنبأ في بيانه الأول، كما تذكرون، بأن تلك الحرب ستنتهي بسقوط الإمبراطورية الثانية. ويبدأ البيان الثاني بالتذكير بتلك النبوءة. بيد أن النقد الذي سبق لماركس أن وجهه إلى السياسة البروسية اتضح أنه هو الآخر في محله. فحرب بروسيا الدفاعية كانت قد تحولت إلى حرب هجومية ضد الشعب الفرنسي. فحتى قبل استسلام سيدان، ولما تبدى للعيان أن الجيش الفرنسي آيل إلى تفكك وانحلال، أعلنت الطغمة العسكرية البروسية عن تأييدها لسياسة الفتح والتوسع. وقد انتقد ماركس أيضا بلا شفقة المسلك المرائي للبرجوازية الليبرالية الألمانية. واستفاد كذلك من توجيهات انجلز الذي كان يتتبع بانتباه، بصفته اختصاصيا، سير الحرب، والذي تنبأ في النصف الأول من شهر آب بكارثة سيدان، فحلل الحجج العسكرية التي كان بسمارك والجنرالات البروسيون يتذرعون بها لتبرير ضم الألزاس واللورين إلى ألمانيا.

بعد أن يعلن ماركس عن معارضته الجازمة لأي ضم ولأي تغريم، يثبت أن سلما يقوم على العنف لن يتمخض إلا عن نتائج مناقضة تماما لتلك التي تتوخى منه. ولسوف تكون عاقبة ذلك السلم حربا جديدة. ففرنسا ستسعى إلى استعادة ما تكون قد خسرته، وستحاول لهذا الغرض التحالف مع روسيا. وعلى هذا النحو، فإن روسيا القيصرية التي سبق أن خسرت هيمنتها غب حرب القرم ستعود من جديد سيدة مصائر أوربا. وينتهي هذا التشخيص العبقري، هذا التنبؤ بتطور التاريخ الأوربي الذي هو واحد من الأدلة العملية الساطعة على صحة التصور المادي للتاريخ، ينتهي بالكلمات التالية:
«هل يعتقد الوطنيون الألمان اعتقادا جديا بأنهم يضمنون فعلا السلم والحرية لألمانيا برميهم فرنسا بين ذراعي روسيا؟ إذا أدت مغامرة السلاح ونشوة النصر والمكائد السلالية إلى نهب أراض فرنسية، يبقى طريقان اثنان مفتوحين أمام ألمانيا. فإما أن تغدو هذه الأخيرة الأداة الواعية لمخططات الفتح البروسية، وهي سياسة تتفق وتقاليد آل هوهنزولرن، وإما أن تجد نفسها ملزمة، في أجل قصير للغاية من الزمن، بالاستعداد لحرب «دفاعية» جديدة، لكن هذه الحرب لن تكون حربا «موضعية» بل ستكون حربا العروق والأجناس، حربا بين السلافيين واللاتين المتحالفين. ذلك هو السلم الذي «يضمنه» لألمانيا الوطنيون البرجوازيون البليدون».
لقد تحققت هذه النبوءة أيضا حرفيا، كما أمكن للوطنيين الألمان الحاليين، الذين يضاهون أسلافهم ضيق أفق، أن يعاينوا. وينتهي البيان بعرض المهام العملية التي كانت تفرض نفسها آنئذ على الطبقة العاملة. ويحث العمال الألمان على المطالبة بصلح مشرف وبالاعتراف بالجمهورية الفرنسية. وينصح ماركس العمال الفرنسيين، الذين كانوا آنئذ في موقف أشد إحراجا وإرباكا، بأن يراقبوا الجمهوريين البرجوازيين وبأن يستخدموا النظام الجمهوري لتطوير تنظيمهم الطبقي بسرعة وللفوز بتحررهم.

لم تتأخر الأحداث عن تبرير ريبة ماركس وشكه بالجمهوريين الفرنسيين. فقد أدى مسلكهم المشين وتطلعهم إلى التحالف مع بسمارك بدلا من القبول بتقديم أي تنازل، مهما هان، للطبقة العاملة، أدى إلى إعلان قيام العامية. وبعد أشهر ثلاثة من نضال بطولي، باءت بالفشل تلك المحاولة الأولى لفرض دكتاتورية البروليتاريا في شروط غير موائمة بالمرة. ولم يكن المجلس العام مهيئا لتقديم العون الضروري للفرنسيين. وكانت باريس مقطوعة بالقوات الفرنسية والألمانية عن سائر أنحاء فرنسا والعالم قاطبة. وهذا لا يمنع أن تكون العامية قد فازت بالتعاطف العام، ونستطيع أن نقول بفخر أن مصيرها أجج المشاعر في بلادنا حيث أصدرت مجموعة من الثوريين بقيادة غونتشاروف في نيسان وأيار 1871 نشرات متفرقة حثت فيها الشعب على الإقتداء بمثال العاميين الفرنسيين.

كلف المجلس العام ماركس بكتابة بيان، وكان هذا الأخير قد حاول أثناء العامية، كما تدل واحدة من رسائله (عثرت عليها أنا) إلى الأممي الفرنسي البارز فارلان، أن يقيم اتصالات مع باريس. وقد دافع في البيان الذي كلف بكتابته عن العاميين الذين افترت عليهم الصحافة البرجوازية بأسرها، وأظهر أن العامية كانت مرحلة جديدة كبرى للحركة البروليتارية، والنموذج الأول للدولة البروليتارية التي ستأخذ على عاتقها تحقيق الشيوعية. وكان ماركس، على أساس تجربة ثورة 1848، قد توصل إلى الاستنتاج بأن الطبقة العاملة لن يكون في مستطاعها، عقب الاستيلاء على مقاليد السلطة السياسية، أن تكتفي بوضع اليد على جهاز الدولة البرجوازي، وأنها ستكون مطالبة أيضا بتحطيم كل تلك الآلة البيروقراطية والبوليسية. وقد أقنعته تجربة العامية بصورة نهائية بتلك الحقيقة. فقد أظهرت أن البروليتاريا وجدت نفسها مضطرة، بمجرد استيلائها على السلطة السياسية، على أن تخلق جهاز دولة خاصا بها ومتكيفا مع حاجاتها. لكنها أظهرت أيضا أن الدولة البروليتارية لا يمكن أن تنحد بإطار مدينة واحدة، ولو كانت هي العاصمة. إنما ينبغي أن تمتد سلطة البروليتاريا إلى سائر أرجاء البلد حتى يكون لها الحظ في تثبيت قدميها وتعزيز مواقعها، وإلى جملة من البلدان الرأسمالية كي تنتزع النصر النهائي.

أما باكونين وأتباعه فقد استخلصوا، على العكس، من تجربة العامية استنتاجات مغايرة. فقد واصلوا محاربتهم بمزيد من العنف ولكل سياسة ولكل دولة، موصين بتنظيم «عاميات» في مدن منعزلة، عند سنوح أول فرصة، على اعتبار أن المدن الأخرى لن تتوانى في هذه الحال عن الإقتداء بمثالها.

كان لسحق العامية عواقب وخيمة للغاية على الأممية نفسها. فقد توقف نمو الحركة العمالية الفرنسية توقفا شبه تام لعدة سنوات. ولم يعد لها من ممثلين في الأممية سوى العاميين المقيمين إما في إنكلترا وإما في فرنسا، والذين أفلحوا في الإفلات من الملاحقات، والذين كانوا يخوضون فيما بينهم صراعا فئويا مسعورا نقلوه معهم إلى داخل المجلس العام ذاته.

عانت الحركة العمالية الألمانية بدورها من محنة قوية. فقد ألقي القبض على كل من بيبل وليبكنخت لاحتجاجهما على ضم الألزاس واللورين ولتضامنهما مع عامية باريس، وزج بهما في معقل. واضطر شفايتزر، الذي كان قد خسر ثقة حزبه، إلى الخروج من صفوفه. وواصل أتباع ليبكنخت وبيبل، الملقبون بالآيزناخيين، العمل بمعزل عن اللاساليين، ولم يجددوا تقاربهم منهم إلا حين سنت الحكومة أسنانها ضد الحزبيين المتصارعين كليهما. على هذا النحو فقد الأممية سندها في قطرين رئيسيين من أقطار البر الأوربي.

لكن في داخل الحركة العمالية الإنكليزية نفسها حدث انعطاف وتحول. فالحرب بين القطرين الأكثر تطورا في البر الأوربي من الناحية الصناعية عادت على البرجوازية الإنكليزية بمنافع وفوائد لا تقل عن تلك التي عادت بها الحرب العالمية الكبرى الأخيرة على البرجوازية الأمريكية. وصارت البرجوازية الإنكليزية آنئذ في وضع يؤهلها لاقتطاع نصيب معلوم من أرباحها الطائلة لتوزيعه على العمال الكثيرين المستخدمين في فروع الصناعة الرئيسية. ونالت النقابات حرية عمل أكبر. وأبطل مفعول بعض القوانين القديمة التي كانت موجهة ضدها. وأثرت تلك الإصلاحات على بعض أعضاء المجلس العام ممن كان لهم دور بارز في الحركة التريدونيونية. فطردا مع تطور الأممية باتجاه متعاظم الجذرية، راح الكثيرون منهم يميلون أكثر فأكثر إلى الاعتدال. وقد لبثوا شكليا أعضاء في المجلس العام، لكنهم راحوا يستخدمون ألقابهم لمآربهم الشخصية. وكانت العامية وما استتبعه من هجمات حانقة على الأممية قد بثت في قلوبهم الذعر. فبادروا إلى الإعلان عن عدم تضامنهم مع البيان عن عامية باريس، وإن يكن ماركس قد كتبه صدوعا لأمر المجلس العام. وحدث انشقاق بصدد هذا الموضوع في الفرع الإنكليزي من الأممية.

في هذه الشروط اندعى أخيرا للانعقاد مشار الأممية في أيلول 1871 في لندن. وكان على هذا المشار أن يهتم بصورة رئيسية بمسألتين. الأولى كانت المسألة القديمة المثيرة للأخذ والرد بصدد النضال السياسي. وقد كان من الدوافع التي حثت المشار على الاهتمام بها مسلك الباكونينيين الذين واصلوا اتهام ماركس بأنه زوَّر عن عمد دستور الأممية ليفرض على هذه الأخيرة رأيه. وجاء القرار هذه المرة ليعطي جوابا انقشع معه أي شك، وآب الباكونينيون بالهزيمة كاملة.

ولما كان القليلون منكم يعرفونه في أغلب الظن، فسوف أتلو عليكم القسم الأخير منه:
«نظرا: إلى أن الرجعية المسعورة تقمع بالعنف حركة انعتاق العمال وتسعى بالقوة الوحشية إلى الإبقاء على الانقسام الطبقي وعلى ما يتربت عليه من سيطرة سياسية للطبقات السائدة،
وإلى أن ذلك التنظيم للبروليتاريا في حزب سياسي ضروري لضمان انتصار الثورة الاجتماعية وهدفها النهائي: إلغاء الطبقات،
وإلى أن اتحاد القوى قد تحقق بفضل النضال الاقتصادي ويجب أن يكون أيضا رافعة بين يدي الطبقة العاملة في نضالها ضد السلطة السياسية للمستغِلين،
يذكِّر المشار جميع أعضاء الأممية أن الحركة الاقتصادية للطبقة العاملة ونشاطها السياسي مرتبطان ارتباطا لا يقبل فصاما على صعيد كفاحها».

لكن كان على المشار إن يهتم أيضا بالباكونينيين لسبب آخر. فقد كان المجلس العام قد ازداد أكثر فأكثر اقتناعا بأن جمعية باكونين السرية، رغما عن جميع التوكيدات التي أعطاها هذا الأخير، ما تزال تواصل نشاطها. لهذا اتخذ المشار قرارا يحظر تنظيم أي جمعية أخرى لها برنامج خاص ضمن نطاق الأممية. وبهذه المناسبة أعلن المشار من جديد تبلغه قرار حل التحالف واعتبر المسألة بحكم المنتهية.

بيد أن ثمة قرارا آخر أثار بالغ قلق باكونين وأتبعاه الروس. فقد أعلن المشار على نحو جازم قاطع أن الأممية لا ضلع لها بقضية نتشائيف الذي كان انتحل واستغل لمآربه لقب عضو الأممية.

كان ذلك القرار موجها فقط ضد باكونين الذي كان على صلة وثيقة منذ زمن بعيد، كما هو معلوم، بنتشائيف، الثوري الروسي الذي فر في 1869 إلى الخارج. وكان في خريف ذلك العام نفسه قد عاد أدراجه إلى روسيا، مفوضا من قبل باكونين بالصلاحيات كافة، ونظم في موسكو جماعة خاصة. ولما ارتاب في رغبة الطالب ايفانوف في خيانة التنظيم، عمد بمساعدة بعض رفاقه إلى قتله غير بعيد عن أكاديمية بتروفسكو-رازموفسكوي، وفر من جديد إلى الخارج. وأدت تلك القضية إلى اعتقال أعضاء تنظيمه الجديد، وكذلك إلى اعتقال عدد من الطلبة البطرسبورغيين الذين كانوا على صلة به. وسيقوا جميعهم إلى المحاكم في صيف 1871. وتعرف تلك القضية باسم قضية نتشائيف. وأثناء المحاكمة جرى نشر عدد كبير من الوثائق التي استخدمها الأدعاء. وقد خلط هذا الأخير بين جمعية باكونين وفرعها الروسي وبين الأممية. لكن حسبنا أن نقارن تلك الوثائق بكتابات باكونين حتى نتعرف مؤلفها الحقيقي. فهي لا تتميز عن سائر النداءات المماثلة التي كتبها باكونين لرفاقه في الغرب إلا بصراحتها الزائدة، وبشيء من التلبك والتثاقل في العرض في الأقسام التي صححها وأكملها نتشائيف.

لقد درجت العادة على القول أن باكونين وقع تحت تأثير نتشائيف الذي كان يخدعه ويستخدمه لمآربه الشخصية. وفي الواقع كان نتشائيف، على قلة ثقافته وازدرائه كل عمل نظري واعتباره إياه عديم الجدوى، رجلا ذا طاقة عجيبة وإرادة حديدية. وكان ثوريا يتفانى روحا وجسدا في سبيل القضية، وقد أثبت فيما بعد أمام قضاته وفي السجن شجاعته التي لا تتزعزع ومقته الذي لا يروي له غليل لمضطهدي الشعب ومستغليه. ولئن كان لا يتوانى عن شيء ولا يرتفع عن أي وسيلة لبلوغ الهدف الذي نذر له حياته، فإنه ما كان ينحط قط إلى استخدام الوسائل الدنيئة إذا كان الأمر يتعلق بشخصه وحده. ومن هذه الزاوية، كان يتفوق تفوقا أكيدا على باكونين الذي ما كان يحجم عن أي مساومة أو صفقة خدمة لمآربه الشخصية. وليس ثمة من مجال للشك في تفوق نتشائيف من هذا المنظور، وكل شيء يدل على أن باكونين نفسه كان قير به، وعلى أنه كان يجل نتشائيف ويقدره تقديرا عاليا، وإن يكن هذا الأخير دونه بكثير من المنظور الفكري.

لكن لن نكون إلا سذجا لو استنتجنا من ذلك أن نتشائيف فرض على باكونين آراءه الثورية الخاصة به. بل على العكس، فقد كان هو نفسه تلميذ باكونين، ولكن لئن كان صاحبنا، رسول الهدم والتدمير، غالبا ما يتبدى في مظهر الثوري اللامنطقي والمتناقض مع نفسه، فقد كان نتشائيف يتميز بتماسك منطقي مكين ويستخلص من نظرية معلمه جميع الاستنتاجات العملية التي تنطوي عليها. فحين أعلمه باكونين أنه لا يستطيع أن يرفض إنجاز العمل الذي تعهد بالقيام به (ترجمة الرأسمال) لأنه قبض عنه دفعة على الحساب، عرض عليه نتشائيف أن يعتقه من ذلك الالتزام –وقد فعل ذلك بمنتهى البساطة: فباسم اللجنة الثورية لـ«نارودنايا راسبرافا» كتب إلى الشخص الذي قام بدور الوسيط بين باكونين والناشرين يطلب إليه أن يدع باكونين وشأنه إذا كان لا يريد أن يلاقي حتفه. ولما كان باكونين يصر على إعطاء مكانة الصدارة للبروليتاريا الرثة، التي كان يعتبرها المحرك الحقيقي للثورة الاجتماعية ويعارض بها بروليتاريا الصناعة الكبرى، ولما كان يرى أن المجرمين وقطاع الطرق هم العنصر الأفضل والأمثل في الجيش الثوري، فقد خلص نتشائيف بصورة منطقية إلى الاستنتاج بوجوب المبادرة إلى تنظيم رجال من ذوي العزم والتصميم في سويسرا كي ينفذ معهم عمليات مصادرة. وفي الختام، انفصل باكونين عن تلميذه، ولكن فقط لأن منطق نتشائيف الصارم والتبسيطي أثار ذعره، ومع ذلك لم يجرؤ على مقاطعته علنا وجهارا، لأن نتشائيف كان يملك الكثير من الوثائق القمينة بتوريطه وتهديد سمعته.

عقب مشار لندن مباشرة احتدم الصراع واضطرم أواره من جديد. وأعلن الباكونينيون حربا سافرة على المجلس العام، فاتهموه بتزوير المشار وبفرضه على الأممية بأسرها عقيدة ضرورة تنظيم البروليتاريا في حزب خاص بغية الاستيلاء على السلطة السياسية. وطالبوا بأن يدعى للانعقاد مؤتمر يتولى وضع حل نهائي للمسألة.

اجتمع ذلك المؤتمر، الذي تهيأ له الطرفان بحمية، في أيلول 1872. وللمرة الأولى شارك فيه ماركس شخصيا. ولم يحضره باكونين. وبصدد المسألة الرئيسية أكد المؤتمر قرار المشار بتمامه، وأضاف إليه الجملة التالية المقتبسة بصورة شبه حرفية من «الخطاب الافتتاحي» للأممية: «لما كان مالكو الأرض والرأسمال يستغلون على الدوام امتيازاتهم السياسية للدفاع عن احتكاراتهم الاقتصادية وتأبيدها والاسترقاق العمل، فإن الاستيلاء على السلطة السياسية هو الواجب الأكبر للبروليتاريا».

وبعد أن درست اللجنة الخاصة جميع الوثائق المتعلقة بقضية التحالف وتوصلت إلى الاستنتاج بأن تلك الجمعية ما تزال على قيد الوجود كجمعية سرية في الأممية، اقترحت فصل باكونين وغليوم. وتم قبول ذلك الاقتراح.

جاء في قرار الفصل أن باكونين فصل، ناهيك عن ذلك، لـ«أمر شخصي». وهو الأمر الذي أشرت إليه فيما يتعلق بقضية نتشائيف. إنني اعتقد شخصيا أن الأسباب السياسية كانت كافية لتعليل فصل باكونين. لكن من السخف أن لا تتخذ تلك القصة المؤسفة، التي سقط فيها باكونين ضحية ضعف شكيمته، ذريعة لتوجيه اتهامات ضد ماركس. ومن الأسخف أيضا القول أن باكونين فصل لأنه تقاضى، شأن الكثيرين من الأدباء، سلفة من الناشر ولم ينجز عمله. أفي الأمر احتيال؟ مؤكد أن لا. لكن حين يقول المدافعون عن باكونين، وقد انضم مهرينغ نفسه إليهم فيما بعد، أنه ما كان يخلق بماركس أن يجرِّم باكونين بسبب ذلك، فإنهم لا يفهمون أو أنهم ينسون أن المسألة لم تكن إعادة باكونين للسلفة التي تقاضاها، وإنما تتعدى ذلك إلى ما هو أهم بكثير. فمهرينغ، كما يحدث له غالبا، يأخذ بناصر الأديب. وقد كتب يقول أن العديدين من الكتاب لا يفون بالفعل بديونهم للناشرين الذي استلفوا منهم دفعات على الحساب. ويضيف قائلا أن مسلكا كذاك ليس بالتأكيد بالمسلك الحميد، لكن لا يجوز الحكم على الناس استنادا إلى أشباه تلك السفاسف. ويثبت مهرينغ بذلك أنه لم يكن أفضل من الفوضويين في فهم المناقشة الحقيقة التي دارت في مؤتمر لاهاي. فحيث رأى باكونين وأصدقاؤه تصرفا طائشا وقابلا للغفران، تصرفا لم ينجم عنه ضر إلا للناشر، رأى أعضاء اللجنة الخاصة، بعد أن اجتمعت بين أيديهم الوثائق كافة، استغلال مجرما لاسم منظمة ثورية عمالية ترتبط في نظر الجميع بالأممية، وهو استغلال اقترف لغايات شخصية، وللتهرب من سداد دَين. ولو نشرت الوثيقة التي كانت بين يدي اللجنة آنذاك، لكان هلل العالم البرجوازي فرحا. صحيح أنها كتبت بقلم نتشائيف، لكنها تتطابق تمام التطابق في الجوهر مع مبادئ باكونين. وينبغي أن نضيف إلى ذلك أن باكونين انفصل عن نتشائيف لا بسبب تلك القضية، وإنما لأن هذا الأخير كان نزَّاعا، على ما بدا له، إلى اعتباره هو ذاته أداة أهدافه الثورية. وحسبنا أن نقرأ رسائل باكونين إلى أصدقائه لنرى كم كان لا يتحرج في اتهام خصومه، بمن فيهم ماركس، لا باتهامات سياسية –فهذا من حقه- وإنما باتهامات شخصية. ونحن نعلم الآن أن باكونين هو مؤلف الوجيز الذائع الشهرة برسم الثوريين، ذلك الوجيز الذي نسب في حينه إلى نتشائيف وأثار، لدى نشره أثناء المحاكمة، سخط الثوريين ونقمتهم العامة. والحال أن أصدقاء باكونين أنكروا بعناد أن يكون مؤلفه، وألقوا التبعة كلها على كاهل نتشائيف.

قبل مؤتمر لاهاي، في ختام أعماله، باقتراح انجلز بصدد نقل مقر المجلس العام إلى نيويورك. فكما قلت لكم آنفا، كانت الأممية قد فقدت سندها لا في فرنسا فحسب، حيث صار مجرد الانتماء إلى الأممية جريمة يعاقب عليها ابتداء من عام 1872، ولا في ألمانيا فحسب، وإنما في إنكلترا أيضا. وكان نقل الهيئة المركزية للأممية إلى أمريكا يعتبر تدبيرا مؤقتا. لكن مؤتمر لاهاي كان في الواقع آخر مؤتمر في تاريخ الأممية. ففي عام 1876 أصدر المجلس العام في نيويورك إشعارا يعلن فيه أن الأممية الأولى قد زالت من الوجود.

المحاضرة التاسعة [انجلز يستقر في لندن – دوره في المجلس العام – مرض ماركس – انجلز يحل محل ماركس – «الآنتي-دهرينغ» – آخر سنوات ماركس – اهتمام ماركس بروسيا – انجلز ينشر مؤلفات ماركس بعد وفاته – دور انجلز في عهد الأممية الثانية – وفاة انجلز].

أنجزنا في المرة السابقة تاريخ الأممية. ولم أذكر شيئا تقريبا عن دور انجلز. والحال أنني أعلم أنه يحظى بكبير اهتمامكم، إذا اتخذت معيارا للحكم على ذلك ما تلقيته من مذكرات من مستمعيّ. وكثيرا ما طرح عليّ السؤال عما إذا كان صحيحا أن انجلز كان صاحب معمل. ونظرا إلى أن كلمة «صاحب معمل» أخذت في الآونة الأخيرة، وفي ظل السياسة الاقتصادية الجديدة، معنى تحقيريا وشاع استعمالها الإداريين الشيوعيين، فسأتوقف مليا عند هذه المسألة. كما ذكرت لكم في البداية، كان انجلز، المتحدر من أسرة غنية من أصحاب المعامل، صاحب معمل هو الآخر. وقد تم تأسيس الأممية بدونه، ولم يشارك في نشاطها حتى مطلع 1870 إلا مشاركة زهيدة وغير مباشرة. وقد كتب في إبان تلك السنوات بضعة مقالات للمجلات الإنكليزية العمالية. وأنا لا أتكلم عن المساعدة التي ما فتئ يقدمها لماركس الذي كان في عوز شديد في السنوات الأولى من الأممية. ولولا مساعدة انجلز، ولولا الإرث البسيط الذي تركه له صديقه القديم ف.وولف الذي كان قد أهدى إليه الرأسمال، لما كان وسع ماركس التغلب على البؤس ولما كان استطاع أن يكتب مؤلفه الأساسي. ونلفي في عداد رسائله رسالة مؤثرة وجهها إلى انجلز ليعلمه بأنه استلم أخيرا مسودة الملزمة الطباعية الأخيرة. فقد كتب يقول:
«أخيرا، انتهى ذلك المجلد. ولك وحدك أدين بأنني تمكنت من إنهائه. فلولا مساعدتك الوفية، لما أمكنني قط إنجاز هذا العمل الكبير ذي المجلدات الثلاثة. إنني أشكرك من أعماق القلب وأقبلك».

كان انجلز، كما قلت لكم، صاحب معمل. لكن ما تجدر الإشارة إليه أنه لم يلبث كذلك ردحا طويلا من الزمن. فبعد وفاة والده في عام 1860، لبث لبضع سنوات أخرى من الزمن مجرد مستخدم بسيط. وفي عام 1864 صار شريكا في الأعمال وواحدا من مدراء المعمل. وعلى مدى ذلك الزمن كله حاول بجهده أن يعتق نفسه من «المهنة الخسيسة». لكنه كان يفكر في مستقبله، وعلى الأخص في مستقبل ماركس. وبحوزتنا، من هذا المنظور، بضع رسائل مثيرة جدا للاهتمام كتبها إلى ماركس في 1868وأبلغه فيها أنه يجري مفاوضات لترك المعمل، لكنه يريد أن يفعل ذلك بشروط تضمن معيشته ومعيشة صديقه. ونجح أخيرا في التفاهم مع شريكه، وفي 1869 ترك معمله بشروط تسمح له بتأمين مستقبل ماركس أيضا، وقد انعتق هذا الأخير بالفعل منذ ذلك اليوم من ربقة البؤس الذي كان يتخبط في براثنه. بيد أن انجلز لم يتمكن من القدوم إلى لندن والاستقرار فيها إلا في أيلول 1870.

لم يكن قدوم انجلز بالنسبة إلى ماركس مصدر فرح شخصي فحسب، بل كان أيضا تخفيفا كبيرا لأعباء العمل الضخم الذي كان يؤديه لحساب المجلس العام. وبالفعل، كان ماركس يتعامل مع عدد لا يحصى من ممثلي أمم شتى، وكان عليه أن يتصل بهم شفيا وخطيا. والحال أن انجلز، الذي كان منذ حاثته موهوبا جدا فيما يتعلق بإتقان اللغات الأجنبية، كان ينطق أو يثغثغ، كما كان يقول أصدقاؤه على سبيل المزاح، بزهاء اثنتي عشرة لغة. كان إذن مساعدا لا يقدر بثمن في التراسل مع القطار الأجنبية، وكان ممارسته التجارية الطويلة الأمد قد علمته كيف ينظم العمل، وهذا ما كان ينقص ماركس.

ما إن غدا انجلز عضوا في المجلس العام حتى انكب على مهمته تلك. بيد أنه قام أيضا بقسم آخر من العمل ليخلص منه ماركس الذي كانت صحته قد تردت بفعل شظف العيش والعمل المرهق. وصار انجلز للحال،وهو الرجل العزوم الذي كان يهفو قلبه منذ زمن طويل إلى مثل ذلك النوع من النشاط، واحدا من أنشط أعضاء المجلس العام كما تشهد على ذلك محاضر ضبط الجلسات.

بيد أن مشاركة انجلز في المجلس العام انطوت بدورها على جانب سلبي. فحين قدم انجلز إلى لندن للإقامة فيها، كان الشيوعيون يخوضون غمار الحرب ضد الباكونينيين، وقد انعكس أثر ذلك الصراع على المجلس العام. وناهيك عن ذلك، كانت تقوم بين الإنكليز، كما سبق أن رأينا، خلافات عميقة في وجهات النظر بصدد المسائل المبدئية والتكتيكية.

وكما تعلمون من مثال منظمة موسكو ومن مثال أحياء شتى من العاصمة، غالبا ما تتعقد الاختلافات السياسية وتتفاقم حدتها بفعل الطبع الشخصي للمتخاصمين. وقد يحدث أيضا أن ينحاز أعضاء هذه المنظمة أو تلك إلى هذه المجموعة أو تلك وإلى هذا البرنامج أو ذاك لا لأسباب مبدئية في المقام الأول وإنما بالأحرى لأسباب تمت بصلة إلى التعلق الشخصي بالقادة أو بالمناضلين النافذي الكلمة في هذه المجموعة أو تلك. وكثيرا ما نرى رفاقنا، يخنق لديهم صوت العاطفة صوت العقل، يعكسون تعاطفهم مع شخص من الأشخاص أو نفورهم منه على المذهب وعلى المبادئ التي يشهر لواءها ذلك الشخص. ومهما يكن من أمر، لا يمكن للخلافات الشخصية ألا تعقد الصراع المبدئي.

حين تنشب أشباه تلك الاختلافات في الآراء في حي من أحياء المدينة، قد يكون في المستطاع أحيانا تدارك الأمر بنقل المناضلين إلى أحياء أخرى، ولو بصورة مؤقتة. لكن هذه الوسيلة، الصالحة في حي أو في منطقة أو حتى في بلد، غير صالحة للتطبيق على نطاق الأممية كلها. وبصورة عامة، ليس لوسائل تذليل المصاعب من أشباه نقل المناضلين من مكان إلى آخر إلا قيمة محدودة. والأفضل من ذلك بما لا يقاس القضاء على تلك الخلافات بسرعة، إما عن طريق اتفاق وإما عن طريق الانقسام.

سبق أن حدثكم عن الأسباب الموضوعية التي تسببت في بروز اختلافات في الآراء ووجهات النظر في القسم الإنكليزي من الأممية. وما لا يفهمه أو ما لا يريد أن يفهمه بعض مؤرخي الأممية، وبخاصة مؤرخو الحركة العمالية الإنكليزية، هو أن المجلس العام، الذي قاد الحركة العمالية الأممية من 1864 إلى 1873، كان في الوقت نفسه المركز القائد للحركة العمالية الإنكليزية. ولئن كانت الشؤون الأممية تؤثر على الشؤون الإنكليزية، فإن كل تغير في الحركة العمالية الإنكليزية كان من المحتم أن يكون له انعكاس على الوظائف الأممية للمجلس العام. سبقت لي الإشارة في المرة الأخيرة إلى أن التنازلات التي حصل عليها العمال الإنكليز بين 1867 و1871 (حق الانتخاب لعمال المدن والإشهار القانوني للتريديونيونات) قد عزز التيار المساوم في صفوف التريديونيونيين الذين يحتلون مقاعدهم في المجلس العام. كان ايكاريوس نفسه يميل إلى جانب دعاة المصالحة، ولقد كان بالفعل رجلا ميسورا في ذلك الزمن، وكما يحدث غالبا في أشباه هذه الحالات راح بيدي المزيد من التسامح تجاه البرجوازية. وقد وقف بجانبه عدد من أعضاء المجلس العام الذين ما لبثوا فيما بعد أن انفصلوا عن ماركس.

وتجدر الملاحظة أن العلاقات الشخصية التي زادت من تفاقم تلك الاختلافات في وجهات النظر المبدئية تجد تفسيرها في مشاركة انجلز في المجلس العام حيث راح ينوب مناب ماركس في حالات عديدة.

كانت قد تصرمت زهاء عشرين سنة منذ أن رحل انجلز إلى مانشستير، وانفصل بالتالي عن الحركة العمالية. وطوال تلك الحقبة مكث ماركس في لندن. وقد وطد صلاته بالميثاقيين، وكتب في صحفهم، وتردد على النوادي العمالية الألمانية، وشارك في حياة المهاجرين. كان يلقي محاضرات، ويقابل الرفاق بانتظام، وكثيرا ما كان يتخاصم وإياهم، لكن العلاقات مع «بابا» ماركس كانت على الدوام ودية وأخوية، مترعة بمحبة كبيرة، كما يتبين من ذكريات أولئك الذين افترقوا عنه فيما بعد سياسيا. وقد قامت صلات ودية للغاية بين العمال وماركس في عهد الأممية. وكان أعضاء المجلس العام الذين يعرفون ماركس ويعاينون عوزه وبؤس مسكنه ويشهدون نشاطه في المجلس العام ويدركون مدى استعداده لهجر مشاغله كافة ومؤلفه العلمي كي يهب وقته كله وقواه جميعها للطبقة العاملة، يجلونه عميق الإجلال. وكان ماركس يعمل بدأب لا يعرف الكلل، بلا أي تعويض مادي، مترفعا عن كل امتياز، متأبيا عن لقب شرف.

وغير ذلك كان حال انجلز الذي ما كان معظم أعضاء المجلس العام على معرفة به البتة. كان الألمان وحدهم يتذكرونه، لكن كان على انجلز مع ذلك أن يكسب ثقتهم. أما في أنظار الآخرين فكان رجلا ثريا، صاحب معمل من مانشستير كتب قبل 25 عاما كتابا جيدا بالألمانية عن العمال الإنكليز. وكان انجلز بمعاشرته على مدى حوالي عشرين عاما المجتمع البرجوازي وكبار رجال المال والصناعة قد اكتسب –فضلا عن أنه كان بطبعه لبقا وكريم الشمائل- المزيد من النعومة والظرف في السلوك. كان على الدوام متأنقا في لباسه، معتدلا، متحفظا، مهذبا، مشيته قريبة بعض الشيء من المشية العسكرية، لا يسمح لنفسه أبدا بالتطرف الكلامي، فكان يوحي وكأنه رجل جاف القلب، بارده.

بهذا الوصف يصفه أولئك الذين عرفوه شخصيا بعد عام 1840. ففي أثناء العمل في تحرير الصحيفة الراينية الجديدة، وفي الأوقات التي يكون فيها ماركس غائبا، كان كثيرا ما ينشب النقار والخصام بينه وبين رفاقه الذين يشعرهم أحيانا بتفوقه الفكري أكثر مما ينبغي. ولئن كان أقل نزقا من ماركس، فقد كان أيضا أقل تساهلا وتسامحا منه في العلاقات الشخصية، مما جعله يخسر ود العديد من العمال، وذلك بخلاف وولف وماركس اللذين كانا معلمين ورفيقين يضرب بهما المثل.

لم يتمكن انجلز من التكيف مع وضعه الجديد والتخلص من عاداته القديمة إلا تدريجيا. بيد أن طباعه وشخصيته ساهمت مساهمة مرموقة، أثناء تلك السنوات الصعبة التي كان عليه فيها أن ينوب غالبا مناب ماركس، في تأجيج أوار الاختلافات المؤقتة، وبخاصة في المجلس العام. وعلى هذا المنوال بادر لا ايكاريوس وحده بل العديد أيضا من معاوني ماركس القدامى من أمثال يونغ الذي شغل لحقبة مديدة من الزمن منصب أمين السر العام للأممية والذي كان يرتبط بصلة شخصية وثيقة بماركس وكثيرا ما ساعده عن طواعية وبلباقة لا مستزاد عليها في أداء مهمته الشاقة، بادروا إلى الانسحاب رويدا رويدا من المجلس العام.

طبيعي أن الشائعات والنمائم المعتادة كانت تفعل فعلها. كان كثيرون ممن لا يعرفون انجلز يتساءلون لماذا يحبه ماركس كل ذلك الحب ويكيل له الثناء والمديح. ينبغي أن نقرأ ذكريات هندمان، مؤسس الاشتراكية-الديموقراطية الإنكليزية، حتى نتبين حطة تفسيراتهم. ففي رأيهم أن ما كان يشد ماركس برباط الصداقة الحميمة إلى انجلز هو أن هذا الأخير كان ثريا وأنه كان يعيله. وقد جاوز مسلك بعض الإنكليز كل حد في الخسة، وأخص بالذكر منهم شخصا يدعى سميث شارك فيما بعد كمترجم في الأممية الثانية ولفت إليه الأنظار أثناء الحرب، مثله مثل هندمان، بوطنيته المسعورة. ولم يغفر انجلز قط، لا له ولا للآخرين، حملة افترائهم تلك على ماركس، وكما يروي فاندرفيلد، طرد من منزله قبيل وفاته سميث الذي كان قد قدم لرؤيته.

على أن تلك الشائعات والنمائم كان يروج لها بنشاط في عام 1872 في أوساط العمال الألمان من ذوي الاتجاه اللاسالي الذين قدموا للإقامة في لندن، وبخاصة الثوريين الشبان الذين لاذوا بالفرار بعد سحق العامية وما كانوا يعرفون شيئا عن تاريخ الحركة. وكان المجلس العام يقدم مساعدة مادية للمهاجرين، ومع أن ماركس وانجلز بذلا كل ما بمستطاعهما لتنظيم عملية نجدة العاميين، ما كان الرضى يساور هؤلاء الأخيرين قط، وكانوا على الدوام يشكون وينتقدون.

بيد أن مشاركة انجلز في المجلس العام لم تزد الانقسام تفاقما في لندن وحدها. فقد كان باكونين وأتباعه، كما تذكرون، ينشطون بصورة رئيسية في روسيا والبلدان اللاتينية: في ايطاليا واسبانيا وجنوب فرنسا والبرتغال وفي سويسرا الروماندية والإيطالية. وكان باكونين يقيم لايطاليا اعتبارا خاصا، لأن العنصر السائد فيها كان البروليتاريا الرثة التي كان يرى فيها القوة الثورية الرئيسية، ولأنه كان يوجد فيها العديد من الشبان المخلوعين طبقيا الذين لا قدرة لهم البتة على شق طريقهم في المجتمع البرجوازي، ولأن اللصوصية وقطع الطريق كانا الشكل الرئيسي الذي يتجلى به احتجاج الفلاحين الفقراء. وبمختصر الكلام، كانت ايطاليا تضم عددا مرتفعا للغاية من تلك العناصر، من الفلاحين الجائعين والمتشردين واللصوص الذين كان باكونين يعلق عليهم أهمية كبرى في روسيا.

والحال أن انجلز هو الذي كان يتولى التراسل مع تلك الأقطار، وكما نستطيع أن نتبين من بعض المسودات التي بقيت لنا، كان يكافح الباكونينيين بلا هوداة.

إن الكراسة الشهيرة عن تحالف باكونين، والتي كانت بمثابة تقرير رفع إلى لجنة مؤتمر لاهاي وتضمن فضحا لسياسة الباكونينيين وتنديدا بها، قد كتبها انجلز ولافارغ الذي كان قد لاذ بالفرار، بعد هزيمة العامية، إلى أسبانيا وخاض غمار مجادلة عنيفة مع أنصار باكونين الأسبان. ولم يعاون ماركس إلا في تحرير الفصل الأخير، لكنه كان متضامنا من وجهة النظر السياسية مع مجمل ذلك البيان الاتهامي الموجه ضد الباكونينية.

بعد 1873 هجر ماركس الحلبة العامة. ففي إبان ذلك العام أنجز الطبعة الثانية للمجلد الأول من الرأسمال وحرر الترجمة الفرنسية التي صدرت طبعتها الأخيرة في 1875. وكان ذلك، مع التذييل الجديد للكتيب القديم عن رابطة الشيوعيين ومقال قصير برسم الرفاق الإيطاليين، وهو كل ما نشره ماركس حتى عام 1880. وبقدر ما كانت تسمح له صحته المتداعية، كان يوالي العمل في مؤلفه الرئيسي الذي كان أنجز مسودته الأولى في حوالي العام 1864. لكن لم يتح له الوقت حتى لتحضير المجلد الثاني الذي كان يعمل فيه آنئذ تحضيرا نهائيا للطبع. ونحن نعلم الآن أن المخطوط الأخير الذي نشر من ذلك المجلد قد كتب في عام 1878. وكان ماركس، المرهق غاية الإرهاق، مهددا بالسكتة الدماغية فيما إذا حاول بذل أي مجهود فكري مضن. وإبان تلك السنوات كان انجلز وأسرته يتوجسون خيفة باستمرار من نهاية فجائية له. كان جسم ماركس القوي، الذي مكنه آنفا من القيام بعمل خارق لطاقة الإنسان، قد حل به وهن شديد، وصار لا يتحمل ما كان يتحمله في سنوات البؤس المادي من التقلبات الجسمانية والمعنوية. ولم تعد ذات جدوى رعاية انجلز المؤثرة له، ومحاولته بكل ما أوتي من طاقة شد أزر صديقه القديم من الناحية الجسمانية. كان ماركس يعمل في مسودة مؤلفه الكبير، وكان يعاود الانكباب عليها بمجرد أن تسمح له قواه بذلك ويبتعد خطر الموت المباشر ويأذن له الأطباء بالعمل لبضع ساعات في اليوم. وكان يعذبه ويقض مضجعه الشعور بأنه لم يعد قادرا على أداء مهمته على نحو ما كان يرجو. قال: «العجز عن العمل هو حكم بالموت بالنسبة إلى كل إنسان لا يريد أن يكون بهيمة». وبعد 1878 اضطر إلى التوقف عن كل عمل في الرأسمال، لكنه لبث متمسكا بحبال الأمل في العودة إلى مزاولة نشاطه بمجرد أن تعود له عافيته. ولم يتحقق هذا الرجاء. كان ماركس ما يزال قادرا على الكتابة، فكان يواصل تدوين الملاحظات، ويتابع بانتباه تطور الحركة العمالية الأممية، ويشارك فيها فكريا مشاركة نشطة، فيرد على العديد من الطلبات والأسئلة التي كانت ترده من أقطار شتى. ولائحة العناوين التي سجلها في كتاب خاص بلغت حجما هائلا بعد عام 1880 بوجه خاص. وكان يطلع مع انجلز، الذي صار يقوم بجل العمل، على مجرى الحركة العمالية التي كانت قيد التطور السريع والتي كانت قد بدأت تنتصر في صفوفها أفكار البيان الشيوعي. وهذا بفضل انجلز الذي بذل بين 1870 و1880، جهدا جبارا.

إن الكلام عن صراع الماركسيين والباكونينيين في الأممية الأولى أمر لا يخلو من غلو ومبالغة. فقد كان الباكونينيون في الواقع كثيري التعداد، لكن صفوفهم كانت مؤلفة من عناصر متنافرة لا يجمع بينها سوى نضالها ضد المجلس العام. وكان الوضع أكثر سوءا بكثير في أوساط الماركسيين. ولم يكن مع ماركس وانجلز إلا حفنة من الرجال تعرف البيان الشيوعي حق المعرفة وتفهم تمام الفهم المذهب الماركسي. ولم يؤد نشر المجلدات الأولى من الرأسمال إلى زيادة عدد هؤلاء كثيرا. فقد كان هذا المؤلف بالنسبة إلى الغالبية الساحقة من الشيوعيين أشبه ما يكون بكتلة من الصوان ينكفئون عليها بحمية… ولكن بلا نتيجة. وحسبنا أن نقرأ كتابات الاشتراكيين-الديموقراطيين في الأعوام 1872-1875، بل حتى كراسات ف.ليبكنخت، تلميذ ماركس المباشر، كي ندرك مدى وهن تطور الدراسة النظرية للماركسية. وغالبا ما كانت الصحيفة المركزية للحزب الألماني تمتلئ بخليط غريب من الأنظمة الاشتراكية الأكثر اختلافا وتباينا. أما منهج ماركس وانجلز والتصور المادي للتاريخ ومذهب الصراع الطبقي، فقد بقي ذلك كله أمرا مغلقا عويص الفهم على معظم الشيوعيين، وكان ليبكنخت نفسه يحيد عن صراط الفلسفة الماركسية إلى درجة الخلط بين مادية ماركس وانجلز الجدلية وبين مادية موليشوت وبوخنر البيولوجية.

أخذ انجلز على عاتقه عنذئذ أن يدافع عن أفكار الماركسية وأن ينشرها، بينما راح ماركس يحاول جاهدا، ولكن بلا جدوى كما رأينا، أن ينجز الرأسمال. وكان انجلز يتناول مقالا ما استوقف انتباهه أو حدثا راهنا كي يبين الفارق العميق بين الاشتراكية الدولانية [40] والأنظمة الاشتراكية الأخرى، أو كي يسلط الضوء على مسألة عملية ما من وجهة نظر الاشتراكية العلمية ويبين طريقة تطبيق منهج هذه الأخيرة عليها.

من ذلك أنه حين نشر البرودوني الألماني موهلبرجر في الصحيفة المركزية للاشتراكية-الديموقراطية الألمانية مقالات عن مسألة السكن، انتهز انجلز السانحة ليظهر للعيان الهوة التي تفصل الماركسية عن البرودونية، متمما بذلك كتاب ماركس بؤس الفلسفة، وليسلط الضوء على واحد من أهم العوامل المحددة لوضع الطبقة العاملة.

وقد أعاد طبع كتابه القديم عن حرب الفلاحين في ألمانيا مع مقدمة جديدة كي يعطي الشيوعيين الشبان مثالا على تطبيق التصور المادي للتاريخ على واحدة من أهم مراحل تاريخ ألمانيا والطبقة الفلاحية الألمانية.

حين انطرحت في الرايخستاخ مسألة العلاوات التي أراد الملاك العقاريون البروسيون الكبار عن طريقها أن يضمنوا لأنفسهم حق مواصلة تصريف مشروباتهم الروحية وبيعها للشعب، أزاح انجلز النقاب في كراسه بعنوان المشروب الروحي البروسي في الرايخستاخ الألماني عن جشع اليونكر واغتنم الفرصة كي يسلط الضوء على الدور التاريخي للملكية العقارية الكبيرة واليونكر البروسيين. وقد اتاحت أعمال انجلز تلك جميعا، مع مقالات أخرى عن التاريخ الألماني، لكاوتسكي ومهرينغ إمكانية تبسيط أفكار انجلز الأساسية وتطويرها في كتاباتهما عن التاريخ الألماني.

لكن أعظم لقب شرف ومجد لانجلز يتمثل في كتاباته في عامي 1876-1877. ففي عام 1875 اتحد اللاساليون والآيزناخيون على أساس برنامج غوتا الذي كان بمثابة تسوية رديئة بين الماركسية وبين ذلك التحريف للماركسية الذي يحمل اسم اللاسالية. وقد احتج ماركس وانجلز بشدة على ذلك البرنامج، لا لأنهما كانا ضد الاتحاد أو لأنهما أرادا بأي ثمن تعديل البرنامج طبقا لتوجيهاتهما. وإنما ارتأيا عن صواب أنه إذا كان الاتحاد ضروريا، فلا حاجة البتة إلى تبني برنامج رديء كأساس نظري لذلك الاتحاد، وقدرا أنه من الأفضل الانتظار والاكتفاء بوثيقة أساسية عامة لتصريف الشؤون العملية اليومية. وكان يشاطرهما وجهات نظرهما كل من بيبل وبراك، ولكن ليس ليبكنخت.

بعد بضعة أشهر أمكن لماركس وانجلز أن يقتنعا بأن الفئتين المتحدتين لا تختلفان في المستوى من منظور الإعداد النظري. فقد طفق مذهب الفيلسوف والاقتصادي الألماني ا.دهرينغ يكتسب شعبية واسعة في الحزب في أوساط الأعضاء الشبان والمثقفين وكذلك العمال. وقد كان دهرينغ لحين من الزمن أستاذا مساعدا في جامعة برلين، وقد أحاط نفسه بهالة من الود والتعاطف العام بفضل شخصيته وجرأة آرائه على حد سواء. وكان يلقي، وهو الضرير، محاضرات في تاريخ الميكانيكا والاقتصاد السياسي والفلسفة. وكان تنوع معارفه مثارا للدهشة، إذ كان من المعلوم أنه بحاجة إلى من يقرأ له الكتب اللازمة له وأنه كان يملي مؤلفاته. كان على جميع الأحوال رجلا نابغة. وحين شرع بحملة نقد عنيفة للمذاهب الاشتراكية القديمة، وبخاصة مذاهب ماركس، لقيت محاضراته صدى واسعا وتركت أثرا ووقعا. وخيل للطلبة والعمال الألمان، وكذلك للمعجبين الروس بدهرينغ، أنهم يسمعون للمرة الأولى «صوت الحياة في مضمار الفكر». وكان دهرينغ ينوه بأهمية النشاط والكفاح والصراع والاحتجاج، ويعارض العامل الاقتصادي بالعامل السياسي، ويلح على أهمية القوة والعنف في التاريخ. وما كان في مناظرته يتحرج، فكان يهاجم بقدر سواء من العنف ماركس ولاسال، ولا يتردد في محاجَّته في التذكير بأن ماركس يهودي.

تردد انجلز مليا قبل أن يرد على دهرينغ. وفي النهاية صد لإلحاف أصدقائه الألمان ونشر في 1877 في صحيفة الحزب المركزية، «فورفاتس»، سلسلة من المقالات أعمل فيها معول الهدم في نظريات دهرينغ. بيد أن تلك المقالات أثارت استنكار العديد من رفاقه الحزبيين. فقد كان يتزعم أنصار دهرينغ يومئذ برنشتاين، منظِّر التحريفية المقبل، وموست، الزعيم المقبل للفوضويين الألمان. وفي مؤتمر الاشتراكية-الديموقراطية الألمانية هاجم عدد من المندوبين، وفي عدادهم اللاسالي القديم فالتش، انجلز بعنف. بل كاد المؤتمر أن يتخذ قرارا بحظر مواصلة نشر مقالات انجلز في الصحيفة المركزية للحزب الذي كان يعتبر ماركس ولاسال معلميه.

وكادت القضية أن تنقلب إلى فضيحة لو لم يتقدم في نهاية الأمر أحد الموفقين باقتراح إلى مواصلة نشر مقالات انجلز، لا في الصحيفة المركزية نفسها، وإنما في ملحق خاص. وتم إقرار الاقتراح.

جمعت تلك المقالات فيما بعد في مجلد، وصدرت في 1878 في طبعة خاصة. وقد ترك ذلك الكتاب: الثورة التي قام بها دهرينغ في العلم أو كما نسميه عادة الآنتي-دهرينغ، ذكرا دائما في تاريخ الماركسية. فعن طريق ذلك الكتاب عرف الجيل الطالع الذي شرع بالنضال في فترة 1876-1880 ما كانته الاشتراكية العلمية، وما كانته مبادئها الفلسفية ومنهجها. و«الآنتي-دهرينغ» خير مدخل إلى «الرأسمال». حسبنا أن نقرأ المقالات التي كتبها يومذاك الماركسيون المزعومون حتى نرى غرابة النتائج التي كانوا يستخلصونها من الرأسمال الذي كانوا يؤولونه خبط عشواء. ولا محيص لنا من الإقرار بأن ما من كتاب بعد الرأسمال فعل ما فعله الآنتي-دهرينغ فيما يتعلق بنشر الماركسية كمنهج وكنظام قائم بذاته. وعلى يد ذلك الكتاب تثقف جميع الماركسييين الشبان، برنشتاين وكاوتسكي وبليخانوف، الذين ابتدؤوا نشاطهم في 1880-1885.

بيد أن الآنتي-دهرينغ لم يؤثر على قادة الحزب وحدهم. ففي 1880 اختار انجلز، بناء على طلب الماركسيين الفرنسيين، بعض الفصول من الكتاب، وبعد ترجمتها إلى الفرنسية عرفت انتشارا واسعا يضاهي انتشار البيان الشيوعي. وقد صدرت تلك الفصول مجتمعة تحت عنوان الاشتراكية الطوباوية والاشتراكية العلمية. وقد ترجم ذلك الكتاب للحال إلى البولونية، وبعد عام ونصف عام من نشره في طبعة خاصة بالألمانية صدر أيضا باللغة الروسية. وقد أنجز انجلز جميع تلك الأعمال فيما كان ماركس لا يزال على قيد الحياة، وكان هذا الأخير يساهم فيها أحيانا لا بالنصائح فحسب، وإنما مساهمة مباشرة، كما فعل على سبيل المثال في الآنتي-دهرينغ إذ حرر منه فصلا بكامله.

بعيد عام 1880 حدث انعطاف في الحركة العمالية الأوربية. فبفضل انجلز ونشاطه الذي لا يعرف الكلل وبراعته كمبسط، راجت الأفكار الماركسية تنتشر باطراد في صفوف الحركة العمالية. ففي ألمانيا، حيث سرى على الحزب الاشتراكي-الديموقراطي في عام 1876 مفعول القانون المناهض للاشتراكيين، تمكن التيار الماركسي، بعد توقف قصير، من التغلب أكثر فأكثر على التيارات الأخرى. وكما يتضح لنا من ذكريات بيبل، لعب مناضلو لندن القدامى دورا كبيرا في ذلك الانعطاف: فقد هددوا بالاحتجاج علنا وجهارا إذا لم يوضع حد لما سموه بـ«الفضيحة»، وإذا لم يشن نضال لا هوادة فيه ضد كل محاولة للاتفاق مع البرجوازية.

وفي فرنسا تنظم في مؤتمر مرسيليا في عام 1879 حزب عمالي جديد على أساس برنامج اشتراكي. وضم ذلك الحزب مجموعة من الماركسيين الشبان كان على رأسها باكونيني سابق هو جول غيد. وفي 1880 تقرر وضع برنامج جديد. وتوجه غيد ورفاقه لهذا الغرض إلى لندن قاصدين ماركس الذي شارك مشاركة نشطة في وضع ذلك البرنامج. ولما لم يوافق ماركس في القسم العملي من البرنامج على بعض النقاط التي كان الفرنسيون يصرون عليها لأهميتها للتحريض المحلي، أخذ على عاتقه القسم المبدئي فصاغه برمته. وقد دلل من جديد على عمق معرفته، رغما عن مزاعم مهرينغ، بخصائص فرنسا وتفهمه لها، فجاءت صياغته متضمنة بصورة منطقية لمبادئ الشيوعية الأساسية، وفي متناول كل فرنسي في الوقت نفسه. وصار البرنامج الفرنسي نموذجا يحتذى بالنسبة إلى جميع البرامج التي تلته: البرنامج الروسي، البرنامج النمساوي، وبرنامج إرفوت، ووضع غيد ولافارغ في وقت لاحق شرحا لذلك البرنامج، وما لبث ذلك الشرح أن ترجم إلى الألمانية على يد برنشتاين، ثم إلى الروسية على يد بليخانوف تحت عنوان ما يريده الاشتراكيون-الديموقراطيون. وعلى ذلك المؤلَّف تثقف الماركسيون الروس الأوائل. فكان بالنسبة إليهم، مع كراسة انجلز، مدخلا إلى دراسة البرنامج ووجيزا ممتازا للتعليم في الحلقات العمالية.

وضع ماركس للفرنسيين استمارة أسئلة مفصلة لاستخدامها في استقصاء عن وضع الطبقة العاملة. وقد صدرت تلك الاستمارة بلا توقيع ماركس. وبينما كان الاستقصاء الذي وضع خطوطه العريضة في المذكرة-التقرير إلى مؤتمر جنيف في 1866 لا يحتوي على أكثر من خمسة عشر سؤالا، ضم الاستقصاء الجديد مئة سؤال ونيفا. وقد استدرك فيه أدق تفاصيل الحياة العمالية. وكان بالنسبة إلى ذلك الزمان استقصاء ممتازا لا يمكن أن يضعه إلا خبير بالمسألة العمالية نظير ماركس. وقد قدم دليلا جديدا على أن ماركس يملك المقدرة على تفهم الشروط العينية، وأنه يتسم، بالرغم من كل الاتهامات التي صوَّرته مولعا بالتجريد، بحس عميق بالواقع. فأن يعرف الإنسان كيف يحلل الواقع، وأن يعرف كيف يستنبط منه استنتاجات عامة، لا يعني بالضرورة الانفصال عنه والتحليق فوق ذرى التجريد. ومن سوى الحظ أن تلك الاستمارة المنشورة باللغة الفرنسية لم تترجم للحال إلا إلى البولونية. أما بالروسية فلم يقيض لها النشر، بناء على اقتراحي، إلا في السنة الماضية في واحدة من جرائد النقابات.

كان انجلز وعلى الأخص ماركس يتتبعان بانتباه الحركة الثورية الروسية. وقد انكب كلاهما على دراسة اللغة الروسية. ولم ينصرف ماركس إلى تلك الدراسة إلا في زمن متأخر، ولكنه فعل ذلك بحماسة بالغة، فبات في أجل قصير قادرا على أن يقرأ لا دوبروليبوف وتشرنيشفسكي فحسب، بل كذلك سالتيكوف وستشدرين، وهما من الكتاب الذين تشق مطالعتهما كثيرا على الأجانب. وتوصل إلى قراءة الترجمة الروسية لـ الرأسمال. وخلافا لما يؤكده مهرينغ، ما ونت شعبية ماركس عن التعاظم في روسيا بعد مؤتمر لاهاي. وكان ماركس يحظى في روسيا، بصفته ناقدا للاقتصاد السياسي البرجوازي، بنفوذ كبير لا يحظى بمثله في أي بلد آخر، ولا حتى في ألمانيا، وقد ترك تأثيرا عميقا في عدد من الكتاب الروس ممن حدد لهم وجهة أعمالهم. وتتردد أصداء تأثير ماركس بصورة مباشرة أو غير مباشرة في مؤلفات اقتصاديين روس من أشباه سيبر ويانجول وكابلوكوف وكوفمان، ومؤرخين روس من أمثال كوفالفسكي ولوتشيتسكي. أما مؤلفات ماركس الأخرى، عدا الرأسمال، فلم تكن معروفة كثيرا. كذلك كان معظم الروس يجهلون جهلا مطبقا فلسفة ماركس والتصور المادي للتاريخ، أو لم تكن لهم عنهما إلا فكرة مبهمة للغاية.

صحيح أنه كان بحكم المعروف منذ عهد بعيد أن ماركس يعزو أهمية راجحة إلى العلاقات الاقتصادية. فكما أوضحت في عام 1901، ترجم تكاتشوف، الناقد المعروف الذي مثل في قفص الاتهام في محاكمة نتشائيف، إلى الروسية في عام 1865 المقدمة المشهورة لـ نقد الاقتصاد السياسي، تلك المقدمة التي عرض فيها ماركس بإيجاز التصور المادي للتاريخ. لكن في الوقت الذي كان فيه تكاتشوف، ومن بعده سيبر وتيقولاي، يقر بالأهمية الفاصلة للشروط الاقتصادية، كان على جهل مطبق بالعلاقة القائمة بين التصور الاقتصادي للتاريخ ومذهب الصراع الطبقي.

بعد 1870 أثر ماركس وانجلز تأثيرا مباشرا على لافروف الذي كان يصدر في لندن مجلة إلى الأمام. وكان أتباع لافروف في روسيا، نظير الاشتراكيين-الديموقراطيين عصرئذ، يكنون إجلالا عميقا لماركس، لكنهم كانوا يمزجون الماركسية بضروب شتى من المذاهب المثالية. ولم يكن ماركس أقل نفوذا في أوساط الباكونينيين الروس الذين كانوا قد عزفوا عن طرائق نتشائيف وكيفوا تعاليم باكونين مع الشروط الروسية محولين إياها إلى ضرب من الشعبوية الثورية.

كان ماركس وانجلز في حوالي العام 1878 يكنان أعظم التقدير لحركة نارودنايا فوليا. كان يعتبران روسيا القيصرية المعقل الرئيسي للثورة المضادة العالمية، فكانا يريان في النضال البطولي لأعضاء نارودنايا فوليا حركة ثورية قوية موجهة ضد القيصرية. وكانت نارودنايا فوليا تعتبر ماركس واحدا من أعظم معلمي الاشتراكية، وأقرت له بذلك على رؤوس الأشهاد في خطاب خاص وجهته إليه، وهو ينطوي بذاته على فائدة جلى.

خلف لنا ماركس جملة من المخطوطات والرسائل التي تظهر مدى اهتمامه بدراسة الأدب والعلاقات الاقتصادية والاجتماعية الروسية. بل كان أقاربه والمقربون إليه يحتجون على ما كان يبديه معارفه الروس من أمثال نيقولاي (دانيلسون) من حمية لا تخلو من إسراف وشطط في إرسال مواد إحصائية شتى إليه. كانوا يرون بأم أعينهم تردي حالته الصحية، فكانوا يخشون أن يؤدي إقباله المجاوز الحد على المطالعة لتحضير الرأسمال إلى إلحاق أذى عضال بجسمه الذي كان ينوء أصلا تحت وطأة الإرهاق. ويتجلى لنا ما كان يبديه ماركس من عناية وحمية في دراسة أوضاع روسيا لا في الملاحظات التي كان يدونها في دفاتره فحسب، بل أيضا في رسائله إلى نيقولاي التي تحتوي على تأملات للاهتمام للغاية بصدد روسيا. وقد أتاحت له دراسة جدية للمعطيات المتعلقة بحالة الزراعة أن يحدد لا الأسباب الرئيسية لرداءة المحاصيل فحسب، بل أن يصوغ أيضا قانون دوريتها، وهو قانون قد تأكدت صحته فيما بعد حتى أيامنا هذه في روسيا.

كان ماركس يريد أن يستخلص نتيجة أعماله في المجلد الثالث من الرأسمال الذي درس فيه أشكال الملكية العقارية. لكن لم يتح له الوقت لذلك مع الأسف. فحين وجهت إليه فيرا زاسوليتش في 1881 رسالة تسأله فيها لها ورفاقها رأيه حول مصير المشاعة القروية الروسية، انكب على العمل للحال. لست ادري إذا كان كل من زاسوليتش وبليخانوف قد استلما جوابه. افترض أن لا. وقد أمكنني أن أعثر على المسودة. وهي تظهر للعيان أن مقدرة ماركس على العمل قد ارتجت بقوة. فقد ملأها ماركس بالشطوب والكلمات المضافة، وأرجح الظن أنه لم يتح له الوقت لإنهائها [41]. وسأنشرها عما قريب.

استطاع ماركس، بالتعاون مع انجلز، أن يكتب أيضا مقدمة للطبعة الروسية الجديدة من البيان الشيوعي، تلك الترجمة التي كان يعتقد أن زاسوليتش هي التي قامت بها، مع أنها كانت في الحقيقة من عمل بليخانوف.

لقد نصب التاريخ في الواقع نوعا من المقلب لماركس وباكونين. فما من أحد في مجموعة الثوريين التي كانت تتألف منها الشعبة الروسية من الأممية التي انتخبت ماركس ممثلا لها في المجلس العام صار ماركسيا متماسك المنطق. بل إنهم جميعهم، خلا لوباتين، هجروا الاحتراف الثوري أو صاروا من المرتدين. وعلى العكس من ذلك خرج من صفوف الباكونينيين الروس كل من بليخانوف وزاسوليتش واكسلرود ودويتش، أي الماركسيون الروس الأوائل الذين لم تكن الماركسية بالنسبة إليهم مجرد مذهب اقتصادي، وإنما جبر الثورة.

كان آخر عام ونصف عام من حياة ماركس رحلة بطيئة نحو الموت. كان ما يزال أمام ماركس مشروع عمل ضخم، وكان ينكفئ عليه كلما سمحت له صحته بذلك. وكان قد رسم، حين كان في عز قواه، نموذج الإنتاج والتبادل الرأسماليين ومعالمهما وحدد قوانينهما الأساسية. بيد أن القوة خانته فما استطاع أن يصنع من ذلك عملا حيا، ناجزا، مكتملا، شأن المجلد الأول من الرأسمال الذي يسلط ساطع الضوء على أوالية الإنتاج الرأسمالي والصراع الذي تدور رحاه على قاعدته بين الرأسمالي والعامل.

فتك المرض فتكا ذريعا بماركس، ونهك قواه الجسمية تماما فما أمكنه أن يتحمل ضربتين موجعتين للغاية انهالت عليه على التوالي: موت زوجته وموت ابنته. ولقد كان ماركس، على الرغم من جلافة طبعه، ومهما بدا ذلك غريبا، يحب أسرته حبا جما، وكان وديعا للغاية في حياته الخاصة، وكان من هذا المنظور يشبه غاية الشبه تشيرنيشفسكي. وحين نقرأ رسائله إلى كبرى بناته، التي تألم منتهى الألم لفقدها حتى بات أصحابه يتوقعون أن يفارق الحياة بين يوم وآخر، نقف مدهوشين أمام ما يحمل ذلك الرجل الجلف للغاية في مظاهره من حساسية وحنان لا غور له بين جنباته.

سأبيح لنفسي استطرادا بسيطا. فحين أقيم أثناء المؤتمر التاسع للحزب حفل على شرف لينين، أرغمني المؤتمرون على إلقاء كلمة. وقد فعلوا ذلك، متأملين في أرجح الظن أنني لن أغدق على لينين إلا عاطر الثناء. وقد نوهت يومذاك ببعض خصال لينين التي جعلته يبدو غريبا جدا في أنظار رفاقنا الغربيين. رويت في ما رويت دهشة فكتور آدلر حين أبلغته، أثناء حديثنا عن الوسائل القمينة بانتشال لينين وزينوفييف بأسرع ما يمكن من الوضع المربك الذي كانا عليه في النمسا في بداية الحرب، أن لينين يعبد أسرته وأن قلبه عامر بالعطف على والدي زوجته. وكان مارتوف قد نشر قبيل ذلك بقليل، حتى يسيء إساءة قاضية إلى سمعة لينين والبلاشفة، كراسة مقيتة صوّر فيها لينين بصورة زعيم لجماعة من قطاع الطرق والمصادرين الذين لا يتورعون عن شيء ولا يردعهم وازع من ضمير.

وكما أصغى إلى فكتور آدلر بدهشة وأنا أتكلم عن لينينن كذلك يقرأ الآن جميع الأدعياء بله المستجدين الثوريين بدهشة قصة السنوات الأخيرة من حياة ماركس. تراهم يقولون أنه لأمر يدعو إلى الأسف أن يكرس الثوري شطرا من قواه لشيء آخر غير الثورة. فعلى الثوري الحقيقي، طوال حياته، ولأربع وعشرين ساعة في اليوم، أن يلزم موقعه وأن يكون حيث يقضي الواجب. من الصباح إلى المساء، ومن المساء إلى الصباح، يكتب أو يتخذ قرارات. رجل قدّ من كتلة واحد من الفولاذ الثوري، مصمت القلب دون أي عاطفة إنسانية. يعيش من غير أن يشرب أو أن يأكل، أو يكتفي عند الاقتضاء، مثل يوحنا المعمدان، بالجراد والعسل البري (وما هذا القوت أصلا بأدنى من قوت الكثيرين من مناضلينا في 1918-1919). أما يسوع المسيح، فهو بالأصل أبيقوري. عنه يقول الإنجيل أنه كان يأكل ويشرب، وأنه لعن شجرة التين لعقمها. ومع ذلك كان يسوع أشد حزما وأقوى تصميما في ثورته من الرسول المتزمت بطرس الذي أنكره، لأسباب سياسية، ثلاث مرات.

ينبغي الحكم على كل شيء من وجهة النظر الإنسانية. فأنتم أيضا، حين تقرؤون سيرة حياة رجال توقرونهم وتجلونهم، يسعدكم أن تعلموا أن من تجلونه إنسان كسائر الناس، لكنه أذكى وأكثر ثقافة وأعظم نفعا لقضية الثورة. وإنما فقط في المآسي القديمة والتراجيديات التي تدعي الكلاسيكية يصور الرجال بصورة الأبطال: يسيرون فتنهار الجبال، يضربون الأرض بأقدامهم فتنشق وتفغر فاها، ويأكلون ويشربون كالآلهة.

بهذه الصورة يُصور أحيانا ماركس على غرار ما تفعل عزيزتنا كلارا زتكن التي لا تخلو من جنوح إلى المغالاة والتشدق. ومن يصور ماركس بتلك الصورة ينسى جوابه إلى أولئك الذين سألوه عن حكمته المأثورة: Homo Sum: Humani Nihil A Me Alieneum Puto [42] . كان، من شأن كل إنسان، يقترف أخطاء. فكان كثيرا ما يبدي أسفه لفرط ثقته بالناس، على سبيل المثال، أو يعرب عن حزنه لما يقترفه من حيف بحق بعض الأشخاص. وفيما يتعلق بي، أستطيع أيضا أن أغفر له شغفه بالنبيذ، وهو ابن مقاطعة الموزيل، لكنني لا أستطيع، على ما أكنّ له من حب، أن أغفر له ولعه بالتبغ. فقد كان يقول بنفسه، ولو على سبيل المزاح، أن الرأسمال لم يدر عليه حتى ما يسد به ثمن التبغ الذي دخنه في تأليفه. والحال أن عوزه قضى عليه بأن يدخن تبغا رديئا، مما قصّر أيام حياته وأورثه التهابا رئويا مزمنا عانى بسببه أوجاعا لا تطاق في سنيه الأخيرة.

فارق ماركس الحياة في 14 آذار 1883. ولقد أصاب انجلز عين الحقيقة حين كتب يوم وفاته إلى رفيقه القديم سورجه:
«إن جميع الظاهرات، حتى أعظمها هولا، التي تتم وفق سنن الطبيعة، لتنطوي على عزاء. وكذلك الحال هذه المرة. ربما كان ما يزال في وسع فن الطب أن يهبه عامين أو ثلاثة أعوام أخرى من حياة خاملة، من حياة عاجزة لإنسان يموت ببطء، لكن ما كان لماركس أن يطيق حياة كتلك. فأن يبقى على قيد الحياة وأمامه جملة من الأعمال غير المنجزة وأن يتعذب عذاب طنطال [43] وهو يعاين عجزه عن إتمامها كان أشق عليه بألف مرة من ميتة هادئة. كان من عادته أن يقول مع أبيقور: «ليس الموت رهيبا على من يموت، وإنما على من يبقى على قيد الحياة». وما كان أفظعه من مشهد لو كنا سنرى ذلك الرجل العبقري، القوي، وقد أمسى طللا متداعيا، يجرجر أذيال الحياة ليتباهى به الطب ويشمت به الجهلة الأدعياء الذين ساطهم بلا رحمة أو شفقة يوم كان في عز قواه، والذين ما كانوا والحالة هذه إلا ليهتبلوا الفرصة السانحة كي يتخذوا منه هزأة لهم، وأنه لأفضل بألف مرة أن يكون الأمر قد تم على نحو ما تم به، وان يكون قد توارى عن الوجود لنواريه بعد غد في الرمس الذي ترقد فيه زوجته.

في رأي أنه لم يكن هناك، بعد كل ما عاناه، من منفذ آخر، وإني لأعلم ذلك خير مما يعلمه النطاسيون جميعا.

ليكن ما كان. فالإنسانية خسرت رأسا، وأي رأس! خسرت واحدا من أعظم ممثليها عبقرية.

ستتابع حركة البروليتاريا طريقها، لكن لن يكون على رأسها بعد الآن القائد الذي كان يلجأ إليه في الساعات الحرجة الفرنسيون والروس والأمريكان والألمان، والذي كان يسدي إليهم على الدوام نصائح واضحة وموثوقة، نصائح لا يمكن أن يسديها إلا نابغة ورجل مطلع أتم الإطلاع على مجرى المسألة».

وقعت أعباء عظيمة الأهمية على عاتق انجلز عندئذ. وكان انجلز يحتل بصورة طبيعية وعن طيب خاطر مؤخرة المسرح يوم كان ماركس حيا يرزق، مع أنه كان كاتبا نابها، وواحدا من خيرة من كتبوا بالألمانية، وذا إطلاع وتبحر واسع، واختصاصيا في جملة من القضايا.

«لا أستطيع أن أنكر أنني ساهمت في توطيد النظرية، وعلى الأخص في إنشائها، خلال الأربعين سنة التي جمعتني فيها الصلة بماركس. لكن القسم الأعظم من الأفكار الرئيسية، وبخاصة في التاريخ والاقتصاد، وكذلك صياغتها النهائية، يعودان إلى ماركس وحده. وما أعطيته شخصيا كان ماركس يستطيع بسهولة أن يسد فيه مسدي، ما عدا –من الجائز- قسمين أو ثلاثة أقسام اختصاصية. لكن ما فعله ماركس ما كان بوسعي قط أن أفعله. كان ماركس أسمى موقعا، ويرى إلى أبعد، وكانت رؤيته أرحب وأسرع من رؤيتنا. كان عبقريا، أما نحن فما كنا في أحسن الفروض إلا ذوي مواهب. بدونه ما كانت نظريتنا لتكون ما هي عليه. ولهذا تحمل بإنصاف اسمه».

بات متوجبا على انجلز، كما كتب إلى بيكر، أن يقوم بعبء الدور الأول، وهو الذي لم يلعب في حياته كلها سوى الدور الثاني الذي قبل به بغبطة وحبور. وكان ماركس على وفاق تام مستديم. وكانت أول مهمة –فائقة الأهمية- تقع على كاهل انجلز بعد وفاة ماركس هي جرد الميراث الأدبي لهذا الأخير. وعلى الرغم من افتراضات أستاذ إيطالي كان في رسائله إلى ماركس قد أبدى له ضروب الزلفى والتملق، ثم ما لبث بعد وفاته أن تجاسر وكتب أن ماركس بإحالته القراء في المجلد الأول من الرأسمال إلى المجلدين الثاني والثالث إنما كان يخدعهم لا أكثر ولا أقل، وجدت بين أوراق ماركس مخطوطات مجلد ثانٍ وثالث ورابع. والمؤسف أم جميع تلك المواد تركت في حالة أوجبت على انجلز، الذي ما كان يستطيع أن يكرس لها وقته كله، أن يمضي أحد عشر عاما في إعادة ترتيبها وتصنيفها. وكان ماركس يكتب بطريقة تكاد أن تكون غير مقروءة، وكثيرا ما كان يستخدم اختصارات لا يفهمها أحد سواه. وقبيل وفاته بقليل، وحين أدرك أنه عاجز عن إنجاز عمله، قال لابنته الصغرى أن انجلز قد يتمكن من استخلاص شيء ما من تلك الأوراق.

ومن حسن الحظ أن انجلز استطاع القيام بالقسم الرئيسي من ذلك العمل. وطبع المجلدين الثاني والثالث من الرأسمال. ولا يسمح لي مخطط محاضراتي بالتوقف عند عمله هذا، على اعتبار أن عرض المجلد الأول بالذات من الرأسمال قد أرجئ إلى دورة أخرى. وتبيانا لأهمية عمل انجلز، سأقول لكم أنه لولاه لما قدر أحد على إنجازه. صحيح أن العمل تشوبه بعض العيوب، بيد أن تبعتها لا تقع على عاتق ماركس وحده. وليس لنا إلا أمل واهٍ في أن نضع اليد ذات يوم على جميع المخطوطات كما حصل عليها انجلز، ولا يسعنا، نحن والأجيال القادمة، أن ندرس المجلدين الأخيرين من الرأسمال إلا في حالتهما الراهنة، وفي الشكل الذي أعطاهما إياه انجلز.

وكانت أمام انجلز مهمة أخرى، كان فيما سبق ينجزها بوصفه مساعد ماركس ومعاونه، وباتت الآن تقع على عاتقه بكاملها. فبعد حل الأممية الأولى، والى ماركس وانجلز أداء وظائف المجلس العام القديم. واعتبارا من ذلك اليوم بات على انجلز وحده أن يكون الوسيط بين مختلف الأحزاب الاشتراكية، وأن يسدي إليها النصائح، وأن يبقى من ثم على إطلاع دقيق على مجريات أوضاعها. والحال أن الحركة العمالية الأممية شهدت، غب وفاة ماركس على وجه التحديد، تطورا كبيرا، بحيث انطرحت في عام 1886 مسألة تنظيم أممية جديدة. لكن حتى بعد عام 1889، وهو العام الذي اجتمع فيه في باريس المؤتمر الأول التأسيسي للأممية الثانية التي بقيت بلا مكتب مركزي متفرغ حتى عام 1900، لبث انجلز، بوصفه كاتبا ومستشارا، يسهم بأكبر قسط في الحركة العمالية في جميع بلدان أوربا تقريبا. وبات المجلس العام القديم، الذي كان مؤلفا من عدة أعضاء وله أمناء لكل قطر، متجسدا الآن في شخص انجلز وحده. فما أن تبرز إلى حيز الوجود مجموعة ماركسية جدية في قطر من الأقطار، حتى تبادر انجلز بطلب النصح، فكان هذا الأخير، بما يتوفر له من معرفة ممتازة باللغات، يتمكن من الرد بلا تأخير على الكثيرين من مراسليه بلغتهم الأم. وكان انجلز يتتبع بانتباه الحركة العمالية في كل قطر بأدبياتها الخاصة. وكان ذلك يستغرق منه زمنا كثيرا، لكنه كان يوطد على هذا النحو نفوذ الماركسية، موفقا ببراعة بين المبادئ وبين خصائص كل قطر. ولم يكن هناك قطر واحد لم يشارك انجلز في حركته العمالية ولم يكتب في صحيفتها المركزية. وقد نشر مقالات في الصحف الألمانية والنمساوية والفرنسية، ووجد متسعا من الوقت أيضا ليكتب مقدمة للترجمة البولونية لـ«البيان الشيوعي»، وساعد بنصائحه أو بتوجيهاته الماركسيين الاسبان والبرتغاليين والسويديين والدانمركيين والبلغاريين والصربيين.
ويخلق بي أنوه بالمساعدة الخاصة التي قدمها للماركسية الروسية الفتية. فقد كان معرفته بالروسية تسمح له بأن يقرأ الأدب الماركسي الروسي بلغته الأصلية، وبفضل تأثيره دون سواه تمكنت مجموعة تحرير العمل [44]، بالرغم من النفوذ الهائل لـ«نارودنايا فوليا»، من توثيق الصلات بسرعة مع الماركسية الألمانية ومن التغلب على الريبة التي كانت أوربا الغربية، وبخاصة ألمانيا وفرنسا، تحيط بها الماركسية والحركة العمالية في قطر آسيوي نظير روسيا. وفي عام 1889 قصد بليخانوف لندن للتعرف إلى انجلز ولإطلاعه على التيار الجديد الذي أخذ يبرز وسط الحركة الثورية الروسية. وكتب انجلز مقالا خاصا عن السياسية الخارجية للقيصرية لأول مجلة ماركسية روسية شرعت باصدراها مجموعة تحرير العمل [45].

وسرعان ما عاين انجلز ثمار نشاطه الجبار. وحين أسست الأممية الثانية، لم يشارك مباشرة في أعمال مؤتمراتها. فقد كان يتجنب المداخلات العامة ويكتفي بكونه مستشارا لأولئك الذين يتولون من بين تلاميذه، في جميع أقطار العالم، قيادة الحركة، ويعلمونه بالأحداث الهامة، ويسعون إلى الإفادة من نفوذه وهيبته. وبفضل حظوة انجلز اكتسبت بعض الأحزاب نفوذا مرموقا في الأممية وحافظت عليه. وفي أواخر حياته، ترتبت على ذلك النهج، القائم على التعامل فقط مع زعماء الحزب الرئيسي في كل قطر، بعض المحاذير. ففي حين رفع انجلز صوته بالاحتجاج المباشر على جموح الماركسيين الفرنسيين في المسألة الفلاحية ونوه بالطابع البروليتاري للبرنامج، تراجع أمام الألمان المتخوفين من إعادة العمل بالقانون المناوئ للاشتراكيين وخفف حدة لهجة المقدمة التي وضعها لمقالات ماركس عن صراع الطبقات في فرنسا، تلك المقالات التي تعد تطبيقا باهرا لمبدأ الصراع الطبقي المستعر ودكتاتورية البروليتاريا.

وحين قد انجلز للطبعة الألمانية الرابعة لـ«البيان الشيوعي» -وهي المقدمة التي كتبها يوم الاحتفال العالمي بالأول من أيار (1890)- نوه بتنامي الحركة الأممية وأعرب عن الأسف لأن ماركس لم يبق على قيد الحياة ليشاهد بأم عينه ذلك المشهد الذي يبعث العزاء والسلوان في النفس. وفي حين أن ماركس لم يشهر إلا في الأوساط الأكثر تقدما من الحركة العمالية ولم يتوصل أثناء حياته إلى الشعبية الواسعة، صار انجلز، الذي كان يعرف حق المعرفة أهمية الدعاية، على الرغم من أنه كان يمقتها شأن صديقه فيما يتعلق به شخصيا، صار في أواخر حياته واحدا من أشهر قادة الحركة الأممية. وقد أمكنه أن يقتنع بذلك حين استسلم لأول مرة في عام 1893 لإلحاح أصدقائه وإلحافهم، وذهب لزيارة البر الأوربي. فقد أخذت المسيرات والاحتفالات الجماهيرية والحفاوات التي نظمت على شرفه طابعا من العظمة بحكم التطور الرائع للحركة العمالية بعد عام 1863. ومن قبيل ذلك أن استقبالا منقطع النظير أعد لانجلز في المؤتمر الأممي في زوريخ مع أنه كان لا يريد أن يكون فيه أكثر من مدعو، وقد اكتفى بإلقاء خطبة قصيرة في نهاية الدورة.

ينبغي عليّ أن اشير هنا إلى حادثة في ذلك المؤتمر الذي حضره انجلز. فقد كان الحزب الاشتراكي البولوني يتمتع يومئذ بنفوذ مجاوز الحد في الأممية، وكان يتباهى فيها بماركسيته ويطرح شعار استقلال بولونيا، منحرفا أكثر فأكثر نحو الاشتراكية-الوطنية الأشد ابتذالا. وبالتوازي مع ذلك الحزب برزت مجموعة ماركسية أخرى لفتت الأنظار منذ ذلك الحين إلى انحراف الحزب الاشتراكي البولوني عن الخط البروليتاري. وقد طلبت تلك المجموعة الصغيرة، بقيادة روزا لوكسمبورغ، أن تقبل في مؤتمر زوريخ. لكن الطلب رد. ولم يؤيده بليخانوف أيضا لأنه كان يقدر، كما روى لي بحضور انجلز، أن جهود تلك المجموعة لن تثمر ولن تحرز تقدما. وقد كانت هناك، بالطبع، أسباب أخرى، يأتي في طليعتها أن مجموعة روزا لوكسمبورغ كانت تؤكد على صالاتها بالمنظمة البولونية «بروليتاريا» التي كانت فيما سلف حليفة نارودنايا فوليا وحاربت بالتالي مجموعة تحرير العمل.

مهما يكن من أمر، لبثت مجموعة لوكسمبورغ معزولة عزلة تامة. ورُجيت روزا لوكسمبور نفسها أن تغادر المؤتمر. وقد تحملت تلك الإهانة أمام الأممية كلها، وبحضور انجلز ذاته. ولعلها بكت، لكنها لم تضمر ضغينة لا لماركس ولا لانجلز ولا للاشتراكية العلمية، بل ازدادت تصميما في يقينها، وقالت بينها وبين نفسها: سوف نقنع الأممية وسوف نثبت لها صحة موقنا. وهذه الميزة على وجه التحديد هي التي كانت تميز روزا لوكسمبورغ عن غالبية المثقفين البائيسن الهزيلين الذين إذا دفعت بهم المصادفة إلى الدخول إلى حزب اشتراكي ووقعوا ضحايا لظلم ظاهر أو فعلي، سارعوا إلى الخروج من ذلك الحزب، وإلى الافتئات عليه، وإلى الانتقال من ثم إلى صفوف البرجوازية. إن الحزب ليس مدرسة داخلية لبنات النبلاء. إنه يتألف من أفراد أحياء قد يتبادلون أحيانا، وهم في المعترك، ضربات موجعة. هذا أمر مستكره، لكنه محتم، على الصعيد القومي كما على الصعيد الأممي. وبعد مؤتمر زوريخ ذاك، الذي أنزل حيفا بأشخاص آخرين ما لبثوا لاحقا أن انحازوا إلى جانب الفوضويين، أو بكل بساطة إلى جانب البرجوازية، أثبتت روزا لوكسمبورغ أنها فعلا تلميذة ماركس وانجلز، ممثلَي أولئك المثقفين الثوريين حقا الذين لا دور لهم غير أن يساعدوا الطبقة العاملة على وعي نفسها وعلى تحويل العمال الثوريين لا إلى مثقفين وإنما إلى عمال مثقفين.

احتفظ انجلز، بخلاف ماركس، بقدرته على العمل إلى سن الخامسة والسبعين تقريبا. ففي آذار 1895 كتب إلى فكتور آدلر رسالة مهمة أشار فيها إلى الترتيب الذي يخلق أن يقرأ به المجلدان الثاني والثالث من الرأسمال. وفي تلك الحقبة أيضا كتب تتمة مهمة للمجلد الثالث. وكان يتهيأ أيضا لكتابة تاريخ الأممية الأولى. وفي إبان ذلك النشاط الفكري ألم به مرض فارق على أثره الحياة في 5 آب 1895.

يرقد ماركس في مقبرة هايغيت في لندن قي ضريح واحد مع زوجته وحفيده. ويتألف قبره من حجر واحد بسيط. وحين كتب بيبل إلى انجلز عن عزمه على اقتراح تشييد نصب فوق جدث ماركس، رد عليه انجلز بأن بنات ماركس يعارضن ذلك معارضة جازمة. وحين قضى انجلز، كانت عادة إحراق الجثمان قد بدأت تدرج. فطلب أن تحرق جثته وأن يلقي رمادها في البحر. وأثر وفاته طرحت تساؤلات حول ما إذا كان ينبغي أو لا ينبغي تنفيذ مشيئته الأخيرة، إذ ارتأى بعض الرفاق الألمان نفس رأي من يريدون اليوم تحويل الساحة الحمراء في موسكو إلى مقبرة، مع أنصاب للموتى فضلا عن ذلك. ومن حسن الحظ أن رفاقا آخرين أصروا على ضرورة احترام إرادة المتوفى. وعلى هذا النحو احرق جثمان انجلز، وألقيت المرمدة المحتوية على رماده في بحر الشمال.

لقد ترك الصديقان نصاب أكثر ديمومة من الصوان، وأبلغ وأفصح من أي شاهدة قبر: الحركة الشيوعية الأممية للبروليتاريا التي تسير، تحت راية الماركسية والشيوعية الثورية، باتجاه انتصار الثورة الاجتماعية الكونية. تركا لنا منهج البحث العلمي، وقواعد الاستراتيجية والتكتيك الثوريين. تركا لنا كنزا لا يقدر بثمن لا نزال تغرف منه لندرس الواقع المحيط بنا ولنفهمه.

لقد فاتتهما سعادة واحدة. فقد خامرهما الحبور لدى احساسهما بهبوب عاصفة الثورة، وشاركا بقسط فعال في هذه الثورة، لكنها لم تكن إلا الثورة البرجوازية، ولم يقيض لهما أن يعيشا إلى حين الثورة الاجتماعية، إلى حين الثورة البروليتارية. لكن روحهما تحوم فوق ثورتنا، وفي الهدير المقترب للثورة الاجتماعية الكونية يدوي النداء الجهير الذي أطلقاه قبل خمسة وسبعين عاما: «يا بروليتاريي جميع البلدان، اتحدوا!».

الهوامش

[1] ذلك هو الاسم الذي أطلق على الحزب الشيوعي السوفياتي إبان الحرب الأهلية وقبل تكوين إتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. «المترجم»

[2] – في ترجمتنا لأسماء العلم الجغرافية الألمانية سنعتمد النطق الألماني، لا المقابل الفرنسي. ومن ثم سنقول تريير، وليس تريف كما درجت عادة الذين يترجمون عن الفرنسية. وسنقول راينلاند، وليس رينانيا، والرايني، وليس الريناني (مثال : «الصحيفة الراينية» وليس «الرينانية») «المترجم»

[3] – ثورة تموز 1830: انتفاضة سكان باريس على حكم شارل العاشر، تمخضت بعد يومين من القتال في باريس عن نفي الفرع البكر من آل بوربون، وقيام ملكية لوي فيليب حيث كانت السيادة للبرجوازية. «المترجم»

[4] – ثورة 1830-1833 في مملكة بولونيا، أي في القسم الذي يخضع للتاج الروسي من أراضي بولونيا، وقد قمعها جنود القيصر بوحشية منقطعة النظير، وفقدت مملكة بولونيا على أثرها البقية الباقية لها من استقلالها الذاتي. «المترجم»

[5] – نسبة إلى المعمل Manufacture الذي ينبغي تمييزه عن المصنع Usine بالمعنى الحديث والكامل التطور للكلمة. «المترجم»

[6] – المجالس التمثيلية لطبقات فرنسا الثلاث: الاكليروس والنبالة والبرجوازية. وقد أعلنت عند انعقادها في عام 1789 عن قيام الجمعية التأسيسية التي ألغت الامتيازات الإقطاعية. «المترجم»

[7] – ألكسندر نيقولايفيتش راديتشيف: كاتب ومفكر مادي روسي، أبو الفكر الثوري في روسيا، انتحر يأسا (1749-1802). «المترجم»

[8] – هي الهيئة الثورية التي خلفت الجمعية التشريعية في 21 أيلول 1792 وحكمت فرنسا حتى 26 تشرين الأول 1795. ومن مآثرها إعلان الجمهورية وإعدام لويس السادس عشر وسحق التمرد الملكي وصد قوات أوربا المتحالفة ضد الثورة. «المترجم»

[9] – إمبراطور روسيا من 1801 إلى 1825 وألد خصوم نابليون (1777-1825). «المترجم»

[10] – كان الويغيون يناصرون «حقوق الشعب»، بينما كان خصومهم التوريون يؤيدون سلطان التاج. وابتداء من سنة 1832، سمي حزب الويغ حزب الأحرار، وحزب التوري حزب المحافظين، وقد تناوبا على سدة السلطة على امتداد القرن التاسع عشر. «المترجم»
[11] – أو الشارتية. «المترجم»

[12] – ملك فرنسا من 1830 إلى 1848.

[13] -واحد من أكثر المؤتمرات في التاريخ رجعية، انعقد بعد سقوط نابليون وأعاد تنظيم أوربا ضاربا عرض الحائط بمشاعر القوميات. «المترجم»

[14] مؤتمر تاريخي رجعي آخر، انعقد في 28 حزيران 1919، ليكرس الهزيمة الألمانية في الحرب العالمية الأولى وليعيد تقاسم العالم والمستعمرات بين الإمبرياليات الكبرى. «المترجم»

[15] – هو فرنسوا الثاني من آل هابسبورغ. «المترجم»

[16] -أوغست فون كوتزبو، مؤلف مسرحي ألماني (1761-1819). «المترجم»

[17] – الكانونيون أو الديسمبريون: أول جماعة ثورية إرهابية ظهرت في روسيا في أوساط الضباط، ونظمت ثورة قصر فاشلة في كانون الأول 1825. «المترجم»

[18] -نارودنايا فوليا«إرادة الشعب» : جمعية سرية شعبوية تأسست في عام 1879 لمكافحة الاوتوقراطية القيصرية، نجحت في اغتيال ألكسندر الثاني في آذار 1881، وأخفقت في اغتيال ابنه الذي خلفه والذي تمكن من تحطيم شبكاتها وخلاياها كلها تقريبا. «المترجم»

[19] – من كبرى المدن الصناعية الألمانية في وادي الرور، ومركز مصانع كروب التي أسست في عام 1812. «المترجم»

[20] – غوتا: مدينة في ألمانيا الشرقية، اشتهرت ماركسيا بـ«برنامج غوتا» الذي وضع عند تأسيس الحزب الاشتراكي-الديموقراطي الألماني في أيار 1875، والذي وجه إليه ماركس وانجلز نقدا لاذعا، وكان يصدر في غوتا بالفرنسية والألمانية، بين 1763 و1944، تقويم سنوي للأنساب، دبلوماسي وإحصائي، ويعرف باسم «تقويم غوتا»، وإليه يشير هنا ريازانوف. «المترجم»

[21] -لانج بالفرنسية تعني «الملاك». «المترجم»

[22] -وهي المدينة المعروفة، نقلا عن الفرنسية، باسم كولونيا، وقد اشتهرت بصناعة العطور، ومن هنا كانت تسمية «ماء الكولونيا». «المترجم»

[23] – البروليتاريا الدون أو البروليتاريا الرثة. «المترجم»

[24] – حنا بوكلز الملقب باللايدني: زعيم اللامعمدانيين الالمان في مونستر، ولد في لايدن وقضى تحت وطأة عذابات رهيبة (1905-1536). «المترجم»

[25] – تعبير مجازي من قصص الأطفال التي يدور موضوعها في الغالب عن العمالقة والأقزام. «المترجم»

[26] – وأنا أقول ذلك، عرضت على أنظار المستمعين نسخة هي الآن ملك لمعهد ماركس وانجلز.

[27] – الأدرد: من لا أسنان له. «المترجم»

[28] – أعيان الريف الألمان. «المترجم»

[29] – التقدميون: لقب الديموقراطيين البرجوازيين الألمان عصرئذ. «المترجم»

[30] -نظرية اقتصادية تقول أن اجر العامل مهما ارتفع لا يمكن أبدا أن يتجاوز الحد الأدنى الحيوي. «المترجم»

[31] – أي «الأرض والحرية». «المترجم»

[32] – سويسرا الروماندية: اسم يطلق على لقسم الذي يتكلم الفرنسية من سويسرا. «المترجم»

[33] – أي محاكاة ساخرة للإمبراطورية الأولى، الإمبراطورية التي أسسها بونابرت، والتي تعرف باسم الإمبراطورية إطلاقا. «المترجم»

[34] -نسبة إلى الدولة. «المترجم»

[35] – في الواقع، أنجز ماركس تلك الرسالة، وفي الواقع أيضا أنه كتب لها مسودات ثلاثا لا واحدة فقط. راجع «حول نمط الإنتاج الآسيوي» و«مراسلات ماركس-انجلز» (دار الطليعة). «المترجم»

[36] – أنا إنسان، وما من شيء إنساني بغريب عني: بيت للشاعر والمؤلف الهزلي اللاتيني تريانسيوس (نحو 190-159 ق.م). «المترجم»

[37] – ملك ليديا الأسطوري قضت عليه الآلهة بأن يذوق، ما عاش، آلاما لا تطاق عطشا وجوعا، حتى صار يضرب بعذابه المثل. «المترجم»

[38] – أول مجموعة ماركسية روسية، وقد انشقت عن التنظيم الشعبوي «نارودنايا فوليا». «المترجم»

[39] -نص هذا المقال- الدراسة منشور بالعربية في «حول روسيا» (من ترجمتنا)، دار الطليعة، بيروت 1975. «المترجم»

[40] – في ترجمتنا لأسماء العلم الجغرافية الألمانية سنعتمد النطق الألماني، لا المقابل الفرنسي. ومن ثم سنقول تريير، وليس تريف كما درجت عادة الذين يترجمون عن الفرنسية. وسنقول راينلاند، وليس رينانيا، والرايني، وليس الريناني (مثال : «الصحيفة الراينية» وليس «الرينانية») «المترجم»

[41] – ثورة تموز 1830: انتفاضة سكان باريس على حكم شارل العاشر، تمخضت بعد يومين من القتال في باريس عن نفي الفرع البكر من آل بوربون، وقيام ملكية لوي فيليب حيث كانت السيادة للبرجوازية. «المترجم»

[42] – ثورة 1830-1833 في مملكة بولونيا، أي في القسم الذي يخضع للتاج الروسي من أراضي بولونيا، وقد قمعها جنود القيصر بوحشية منقطعة النظير، وفقدت مملكة بولونيا على أثرها البقية الباقية لها من استقلالها الذاتي. «المترجم»

[43] – نسبة إلى المعمل Manufacture الذي ينبغي تمييزه عن المصنع Usine بالمعنى الحديث والكامل التطور للكلمة. «المترجم»

[44] – المجالس التمثيلية لطبقات فرنسا الثلاث: الاكليروس والنبالة والبرجوازية. وقد أعلنت عند انعقادها في عام 1789 عن قيام الجمعية التأسيسية التي ألغت الامتيازات الإقطاعية. «المترجم»

[45] – ألكسندر نيقولايفيتش راديتشيف: كاتب ومفكر مادي روسي، أبو الفكر الثوري في روسيا، انتحر يأسا (1749-1802). «المترجم»

[46] – هي الهيئة الثورية التي خلفت الجمعية التشريعية في 21 أيلول 1792 وحكمت فرنسا حتى 26 تشرين الأول 1795. ومن مآثرها إعلان الجمهورية وإعدام لويس السادس عشر وسحق التمرد الملكي وصد قوات أوربا المتحالفة ضد الثورة. «المترجم»

[47] – إمبراطور روسيا من 1801 إلى 1825 وألد خصوم نابليون (1777-1825). «المترجم»

[48] – كان الويغيون يناصرون «حقوق الشعب»، بينما كان خصومهم التوريون يؤيدون سلطان التاج. وابتداء من سنة 1832، سمي حزب الويغ حزب الأحرار، وحزب التوري حزب المحافظين، وقد تناوبا على سدة السلطة على امتداد القرن التاسع عشر. «المترجم»

[49] – أو الشارتية. «المترجم»

[50] – ملك فرنسا من 1830 إلى 1848.

SAKHRI Mohamed
SAKHRI Mohamed

أنا حاصل على شاهدة الليسانس في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بالإضافة إلى شاهدة الماستر في دراسات الأمنية الدولية، إلى جانب شغفي بتطوير الويب. اكتسبت خلال دراستي فهمًا قويًا للمفاهيم السياسية الأساسية والنظريات في العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاستراتيجية، فضلاً عن الأدوات وطرق البحث المستخدمة في هذه المجالات.

المقالات: 14301

اترك ردّاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *