محاضرات في تحليل السياسة الخارجية – جامعة 8 ماي 1945 قالمة
قسم العلوم السياسية

الاستاذ :رابح زغوني 2013-2012

الإطار المفهوماتي والنظري للسياسة الخارجية
خطة البحث
مقدمة
الفصل الأول : الإطار المفهوماتي لتحليل السياسة الخارجية
المبحث الأول : تعريف السياسة الخارجية وعلاقتها بالمفاهيم الأخرى
المطلب الأول : تعريف السياسة الخارجية
المطلب الثاني : علاقتها بالمصطلحات الأخرى
المبحث الثاني : مخرجات السياسة الخارجية
المطلب الأول : الأهــــداف
المطلب الثاني : الوســــائل
المبحث الثالث : مصادر السياسة الخارجية
المطلب الأول : الأدوار
المطلب الثاني : التوجـــهات
الفصل الثاني : صنـع السياسة الخـارجية
المبحث الأول : محددات السياسة الخارجية
المبحث الثاني : مؤسسات صنع وتنفيذ السياسة الخارجية
المبحث الثالث : فعالية السياسة الخارجية مرتبطة بنوع النظام
الفصل الثالث : مدخل نظـري لتفسير السـياسة الخارجية
المبحث الأول : نظـــرية اتخاذ القرار
المبحث الثاني : نظــرية المبــاريات
المبحث الثالث : تقــييم النــظريتين
خاتمة

مقـدمة
لقد عرف الفكر الغربي في السياسة الخارجية منذ الثورة الفرنسية النهج الإيديولوجي الذي يفترض أن السياسات التي تصنعها الدول تجاه العـالم الخارجي هي تعبيرات عـن المعتقدات السياسية والاجتماعية والدينية، فتصنف السياسات الخارجيـة على أنها عدوانية واستبدادية أو ديمقراطية ومحبة للسلام،وهكذا ظلت تهتم بقضايا الأمـن العسكري،وكانت تستخدم المنهج التقليـدي القائم على أساس رصـد التطورات التاريخيـة لسياسات الدول ومحاولة فهمها،كما وظفت منهج دراسة الحالة ، أي دراسة السياسة الخارجية لدولة واحدة مع التعمق، وهذا الخيار يقدم لنا مجموعة كبيرة من المعلومات الوصفية .
وتحليل السياسة الخارجية يتطلب الإلمام بزوايا عديدة لهذا الموضوع كالتوجهات والعوامل المؤثرة في صياغة أهداف السياسة الخارجية،بالإضافة إلى الوسائل ومختلف الأدوار التي تلعبها الدولة في سلوكها الخارجي.
وقد عرفت السياسة الخارجية تطورات وتحولات كبيرة على مختلف المستويات شانها شان بقية فروع العلوم الاجتماعية ، فقد شملت هذه التغيرات المستوى التنظيري للسياسـة الخارجية ومستوى الموضوعات والأجندات التي أصبحت تطرح على السياسة الخارجية.
وكإشكالية للموضوع : ما مفهوم السياسة الخارجية ؟ وما هي عناصر صنعها وتنفيذها؟ ثم ما هي أهم النظريات المفسرة للسلوك الخارجي؟
وللإجابة على هذه الإشكالية اقترح الفرضيات التالية :
-تعرف السياسة الخارجية بمجموعة عوامل وعناصر ومكونات تدخل في تحليلها.
-يعتبر موضوع السياسة الخارجية شائك ومعقد نظرا لتداخـله مع مجموعة موضوعات وعلوم أخرى.
-تتضمن عملية صناعة السياسة الخارجية عدة عوامل تتراوح بين التحديد الدقيق للأهداف والوسائل بما يخدم المصالح القومية ، ودور الفواعـل في هذا المسـار.
-لقد عرفت دراسة هذا العـلم حركية كبيرة خاصة في الجـانب التنظيري وذلك لمواكبة التحديات الجديدة .

الفصل الأول
الإطار المفهوماتي لتحليل السياسة الخارجية

المبحث الأول : تعريف السياسة الخارجية وعلاقتها بالمفاهيم الأخرى
المطلب الأول : تعريف السياسة الخارجية
إن الدارس لموضوع السياسة الخارجية تواجهه بعض الصعوبات خاصة تلك المتعلقة بوضع تعريف دقيق وشامل للسياسة الخارجية ويمكن ذكر مشكلتين رئيستين:
-أن السياسة الخارجية لا تعرف كموضوع مجرد بل تعرف من خلال مجموعة مكونات وعناصر تدخل كلها في تركيبها،وتؤثر بشكل مباشر عليها وبالتالي فإعطاء تعريف لمفكر يذكر الأهداف ويهمل الوسائل يجعله محل نقد ،وهكذا… .
-اختلاف المدارس والمفكـرين المنتمين لهاته المـدارس وهذا بحسب رؤية كل اتجـاه لموضوع السياسة الخارجية ، كما أن مكانة الدولة على المستـوى الدولي وقوة تأثيـرها ينعكسان بصفة مباشرة على أجندة مصالحها وبالتالي على تعريفها لسلوكها الخارجي،ومع ذلك يمكن إعطاء التعاريف التالية :
يعرفها روزنو على أنها مجموعة التصرفات السلطوية التي تتخذها أو تلتزم باتخـاذها الحكومات إما للمحافظة على الجوانب المرغوب فيها في البيئة الدولية، أو لتغيير الجوانب غير المرغوبة (1).
وتعرفها مجلة السياسة الخارجية الأمريكية على أنها مجموعة الأهداف السياسيـة التي توضح كيف أن هذا البلد سوف يتفاعل مع سائر بلدان العالم وهي تصمم لمسـاعدة الدول على حمـاية مصالحها الوطنـية و أمنها القومي وخدمة الأهداف الإيديولوجية والازدهار الاقتصادي ، وتحدث نتيجة التعاون السلمـي مع الدول الأخرى أو مـن خلال العنــف والحروب الاستغلال(2) .
وهي أيضا مجموعة من التوجهـات تتألف من مواقف و ادراكات وقيم تمليـها الخبـرة التاريخية و الظروف الإستراتيجية والتي تميز الدولة في السياسة الدولية و المتأصـلة في التقاليد و الطموحات الكبرى للمجتمعات .
و كتعريف أكثر شمـولا يمكن القول أن السياسة الخارجية هي عمـلية صياغة وصناعة مجموعة سلوكيات للدولة تجاه عالمها الخارجي بناءا على تحديد ووصـف مسبق ودقيق لمجموعة الأهداف و الأولويات و الإجـراءات والتي تؤثر بشكـل مباشر على فاعليـة السياسة الخارجية وتعمل على توجيهها.
المطلب الثاني :علاقتها بالمصطلحات الأخرى
*السياسة الدولية : تستعمل لتحديد تلك التفاعلات بين الأطراف الفاعلة من الدول عبـر حدود الدول التي لها محتوى وطابع سياسي محدد هذه التفاعلات تتولى معالجتها الحكومة أو ممثلوها وتستخدم دولي بدلا من ما بيـن الدول لان هذه الأخيرة لـها معاني مشـوشة تختلط بالفدرالية والاتحادات الفدرالية وبالتالي فالسيـاسة الدولية معنية بالتفاعـلات التي تحدث بين مختلف وحدات ومكونات المجتمع الدولي بينما السياسة الخارجية تعنى بالأفعال وردود الأفعال الناتجة عنها.
*الإستراتيجية والدبلوماسية: قام الباحث الفرنسي ريمون ارون بإرساء بناء فكري ناقش من خلاله كلا من متغيري الإستراتيجية والدبلوماسية باعتبارهمـا دالة لوحـدة السـياسة الخارجية وأنهما وجهان متكاملان لفن السياسة وفن السياسة هو إدارة التعامـل مع الدول الأخرى على مقتضى المصالح القومية ومن الثابت أن الدبلوماسيـة هي الأداة الأولى في السياسـة الخارجية للدول لاسيمـا في وقت السلم أما الإستـراتيجية فهي تعني فن إدارة العمليات العسكرية أثنـاء الحرب وهذا يعنـي أن كلا من الإستراتيجية والدبلوماسيـة يخضعان للسياسة الخارجية والقادة الدبلوماسيون والعسـكريون ليسـو إلا عمـالا لقادة السياسة الخارجية لحساب تحقيق المصلحة القومية .إن الإستراتيجية تعني فن الإكراه أما الدبلوماسية فتعني عن الإقناع وهما وسيلتان لهدف واحد هو إخضاع الآخرين لإرادتنا(1). وبالتالي فنجاعتهما تنعكس بشكل ايجابي على السياسة الخارجية وقصـورهما يؤدي إلى ضعف السياسة الخارجية وتبعيتها.
*علم العلاقات الدولية:إن التمييز بين دراسة السياسة الخارجية ودراسة العلاقات الدولية أمر يمليه الاختـلاف في الطبيعة ذلك أن علم العـلاقات الدولية يعنى بتفسـير الظواهر الدولية ومن ثم الكشف عن الحقيقة الكامنة فيها بينما تقع السياسـات الخارجية باعتبارها برامج عمل لا يغير في طبيعتها أن يفيد واضعوها من عملهم بحقيقة الواقع الذي تعمل فيه هذه البرامج وكذلك الحال بكل ما يتصل بوسائل تحقيق الأهداف المثالية في الحياة الدولية كوسائل تحقيق الأمن الدولي بنزع التسلح أو بفكرة الأمن الجماعـي وهذه كلها من عمل الفن والتقنية وهذا من اختصاص السياسة الخارجية وليس من شان علم العلاقات الدولية. ومع ذلك فالمدرسة الأمريكية المعاصرة لا ترى حرجا في تمييع الفاصل بين العلم بحقائقه العلمية وبين العمل بفاعلية قواعده وهذا الربط سببه أنهم يعتقدون أن علم العلاقات الدولية علما نفعيا يستهدف الكشف عن حقيقة الظواهر الدولية بهدف وضعـها في خدمة السياسة الخارجية الأمريكية وذلك كان فهم المفكر الأمـريكي مورغانتو لموضوع علـم العلاقات الدولية وأبعاده فلقد رأينا انه بدا من مفهوم القـوة وانتهى بالقول إن العلاقات الدولية هي علاقات قوة تخضع لقانون واحد هو قانـون المصالح القومـية مستهـدفا بذلك أن تعدل الولايات المتحدة الأمريكية عن مثلها القديمة في مجال السياسة الخارجية إلى سياسة أكثر واقعية وفعالية (1)، أي أن تسعى إلى التوسع وإظهار قوتها بدلا من الحياد .
إن العلاقات الدولية هي مجموع السياسات الخارجية للدول وبالتالي فهي أوسع واشمل والسياسة الخارجية تحضر داخل إقليم الدولة لتحقيق أهداف خارجية محددة أما العلاقات الدولية فهي تقع خارج إقليم الدولة ولتحقيق أهداف عامة وشاملة كما أن العلاقات الدولية مجالها أوسع لوجود عوامل وقوى مؤثرة اخرى ، وهكذا يمكن القول أن علم العلاقـات الدولية يعنى بما هو كائن أما السياسة الخـارجية فتعنى بما يجب أن يكون(2) ،أي أنـها تسعى إلى اكبر قدر من الفاعلية وذلك بتوفير كل العوامل المساعدة.
*السيادة : إن السيادة هي المساواة بين الدول أمام القانون الدولي العام بغض النظر عـن الاختلافات السياسية والاقتصادية والعسكرية ، وهناك علاقة كبيرة بين السياسة الخارجية والسيادة فالدولة التي لا تملك سيادة تامة لا تمارس سياسة خارجية محبذة ومعينة وعمـليا كلما زادت التبعية يتقلص مجال السياسة الخارجية كنتيجة آلية لتقلص مجال السيادة كمـا أن الدول القوية تسيطر على السياسة الخارجية للدول التابعة لها .
إن هناك مجموعة عوامل أثرت بشكل مباشر على استقلالية السياسة الخارجية أهمها:
*الاعتماد المتبادل وارتباط الدول في إطار تحالفات وتكتلات والالتزام ببنود التحالف يقيد مجال السياسة الخارجية .
*الضغوط التي أصبحت تمارسها المنظمات غير الحكومية والتي تعنى بنشر الديمقراطية وحماية حرية التعبير وحقوق الإنسان خاصة على دول العالم الثالث،بالإضافة إلى الخوف من الإجراءات الردعية (تراجع تركيا عن حكم الإعدام الصادر بحق أوجلان بضغط من أوربا).
*السياسة الداخلية : إن السياسة الخارجية هي انعكاس للسياسة الداخلية وبالتـالي فعندما تكون السياسة الداخلية مستقرة ومنسجمة فان ذلك ينعكس مباشرة على استقرار وانسجام السياسة الخارجية كما أن التأثير متبادل بين السياستين فالسياسة الداخلية لها قابلية الانتشار والتوسع حتى خارج إقليم الدولة كظاهرة الإرهاب كما أن وضع النظام الدولي يؤثر بشكل مباشر على الوضع الداخلي إما سلبا أو إيجابا ، كامتداد الأزمـات الاقتصادية الدولية إلى المجتمع الداخلي وذلك بفعل عولمة الاقتصاديات والثورة الهائلة للمعلومات والاتصالات .
كما يظهر التداخل في أن وضع أهداف ومعالم السياسة الخارجية لا يخرج عن دراسة فاحصة ومعمقة للإمكانات والأوضاع الداخلية أي تكييف الأهداف مع الوسائل المتوفرة . ويفترض محللو السياسة الخارجية أن الدولة كمؤسسة اجتمـاعية تتواجد ضمن بيئتيـن الأولى داخلية تتكون من الهيئات المتواجدة داخل الإقـليم المسيطر عليه والثانية خارجية مكونة من بقية الدول وتفاعـلاتها معا والدولة تسـعى للتأثير في كـلا البيئتين بسياستين مختلفتين ففي الحالة الأولى الدولة لها القدرة على التحكم في مجرى الإحداث لأنها تمتلك السلطة والوسائل لكن دوليا لا توجد أي دولة بهذه الوضعية(1).
ويمكن إعطاء بعض الأمثلة التي تظهر مدى الترابط بين السياستين:
إن الظروف والاحتياجـات الوطنية من امـن وحماية للوحدة الترابيـة وتحقيـق الرفاه الاقتصادي قد تكون كلها أسباب تدعو إلى توجه معين في السياسة الخارجية وهو التحالف مع دول خارجيـة اخرى (دول أوربا الشرقية بالنسبة للاتحاد الأوربي) ، وهكـذا تصبح تصورات النخب السياسية الحاكمة مرتبطة بمثيـلاتها في التحالف ويصبـح الرأي العام الداخلي مرتبط بالرأي العام لدول التحالف كما أن الظروف الدولية والإقليميـة وما تفرزه من انعكاسات تصبح أمرا مشتـركا وهناك الكثير من الوحـدات الداخلية يمتد تأثيـرها ونشاطها إلى البيئة الدولية كشركات التصدير الكبرى.
المبحث الثاني: مخرجات السياسة الخارجية
المطلب الأول: الأهداف
إن هناك ثلاث معاير لتصنيف الأهداف في السياسة الخارجية:
-القيمة المتعلقة بالهدف وبالتالي درجة الالتزام بتحقيقه
-عامل الوقت المخصص لخدمة الهدف
-نوع المطالب التي يتوجب تحقيقها في النظام الدولي أو الإقليمـي للـدولة لخدمة الهدف ومن ثم يمكن تصنيف الأهداف إلى :
*فئة الأهداف المحورية:والتي يساوي تحقيقها وحمايتها وجود الدولة أو النظام ذاته بحيث قد تكون علة وجود الدولة أحيانا كالسيادة الوطنية وحماية الحدود والأمن القومي للدولة ، ولهذه الأهداف أهمـية قصوى وبالتالي توظف لها كافة الإمكانات والوسائل للحفاظ عليها
*فئة الأهداف المتوسطة: وهي التي تفرض إحـداث تغيير في المحيـط الخارجي للدولة والالتزام بهذه الأهداف جدي وطبيعي من قـبل الدولة بالرغم من أنـها لا تـوازي فئة الأهداف المحورية ومن بينها بناء النفوذ السياسي في العلاقات الخارجية ولعب دور كبير في المحيط الخارجي وخدمة المصـالح العامة للدولة (1) ،وهي أهداف متغيـرة وترتبط بقضايا معينة وينتهي دورها بانتهاء موضوعها والمثال دول الخليج كانت مساندة للعراق وغير معادية لإيران في الحرب بينهما ولكن بحل النزاع عادت العلاقات إلى طبيعتها.
*فئة الأهداف بعيدة المدى:وهي الأهداف التي توضـع نتيجة خطط مدروسـة لتحسيـن الأهداف الكبرى لدولة ما والتي تعكس تصورا فلسفيا أو عاما عند دولـة معينة لمحيطها، ولا تقوم الدولة عادة بشحن كامل طاقتها وإمكـاناتها لخدمة هذه الأهـداف وتمـثل هذه الأهـداف تصورا معينا لبنية النظام الدولي أو لنظام الإقليمي المبـاشر (أوربا موحدة)،
ويمكن إضـافة أهداف اخرى كزيادة مستوى الثـراء الاقتصـادي للدولة والدفاع عـن الإيديولوجية والعمل على نشرها في الخارج، وأهداف ثقافية كالدفـاع عن التراث الثقافي والمحافظة عليه (2)، وهذا نظرا للدور الكبير الذي أضحت تلعبه العوامل والأبعاد الثقافية والحضارية في التأثير على سلوكيات وتوجهات الدول.
المطلب الثاني: الوسائـل
عند تنفيذ السياسة الخارجية تبرز عدة مشاكل من بينها مدى التطابق بين المستـويين النظري والعملي وعند اختيار الوسائل هل نلجأ إلى الوسائل السلمية أو العنفية أو نستعمل الاثنين معا كما أن حـجم الهدف يحدد حجم الوسيلـة وكذلك طبيعة الظـروف الدولـية والداخلية ويمكن اختصارها فيما يلي:
-الدبلوماسية: تعتبر من أقدم الوسائل في ممارسة وتنفيذ السياسة الخارجية سلميا وهـي وظيفة تقوم بها السلطة التنفيـذية ممثلة في وزارة الخـارجية ويمارسها الموفـدون إلى الدول ، وهي الطريقة المفضلة والمثلى للتعامل في الظروف العادية وتساعـد على إدارة المفاوضات .وتاريخيا قبل الحرب العالمية وما بين الحربين كانت الدبلوماسية السرية هي السائدة وهي القائمة على الاتصالات غير العلنية ولا يسمح للطبقات الصغرى بالاطـلاع عليها لكن بعد الحرب العالمية الثانـية تطورت الدبلـوماسية بشكل كبير وأصبحنا أمام الدبلوماسية المفتوحة أو العلنية فأضحت بذلك الولايات المتحدة الأمريكية مثلا لا تعترف بالاتفاقيات السرية وغير المدونة لديها وأثناء الحرب البـاردة عملت على منع الحـروب
والصدام خاصة بين القوى النووية الكبرى وساعدت على تسيير المفاوضات المتعلقة بنزع ومراقبة والحد من انتشار الأسلحة النـووية وهكذا تعتبر الدبلومـاسية من أهم الوسـائل المطبقة في مجال السياسة الخارجية،خاصة بعد ظهور ما يعرف الدبلوماسية الوقائية .
-القوة العسكرية:وتستعمل عادة في حالات خطرة تتعلق بتهديد الأمن القومي للدولة وذلك بعد فشل كل المساعي الدبلوماسية والسلمية وقد أصبحت تستعمل على نطاق واسع خاصة من الدول الكبرى كالـولايات المتحدة الأمريكية وتدخلاتها الأخيرة في كل من أفغانستان والعراق بحجة حمـاية أمنها القومي وردع الجماعات التي تهددها وأصبحت تستعمـل ما عرف بالحرب الوقائية ،وقد تستعمل القوة العسكرية في حدود ضيقة لان تجاوز الحدود قد تنجر عنه نتائج سلبية خاصة في العصر النووي،وهناك اتفاقيات تبين حدود التدخل ومثال ذلك في إطار المادة 51من ميثاق الأمم المتحدة والمتعلقة بحق الدفاع الشرعي عن النفس وماعدا ذلك في الحقيقة هو استعمال غير قانوني للقوة.
-الوسائل الاقتصادية:إن العامل الاقتصادي أصبح من أهم ميادين المنافسة بين السلوكيات الخارجية للدول وازدادت أهميته بفعل الاعتماد المتبادل ،وهكذا فبعد نهاية الحرب الباردة تراجع العاملين الإيديولوجي والعسكري في مقابل تعاظم دور العامل الاقتصادي كما دعم هذا التوجه الدور الكبير للشركات متعددة الجنسيات وتعتبر الوسائل الاقتصادية من أنجع وسائل تنفيذ السياسة الخارجية حيث الملاحظ أن معظم النظم الدولية والتكتلات المتعـددة الأقطاب ذات طابع اقتصادي ومن جهة اخرى فان الدول تستعمل المساعدات والمعونات الاقتصادية للتأثير مباشرة على سلوكيات الدول الأخرى.
-التجسس وأعمال التخريب: بالموازاة مع الدبلومـاسية العلنية هناك بعـض النشاطـات الأخرى تقوم بها الدول سرا كأعمال التجسس التي تقوم بها السفارات والتي كان ينظـر إليها أنها تشوه الوظيفة الدبلوماسية لكنها اليوم أصبحت عادية ولا تنكرها السفارات فكثير من السفارات لها ملحق عسكري ، وقد تخرج عن إطارها العادي إذا استعملت لتحضـير بعض أشكال التدخل في الشؤون الداخلية لدولة ما أما أعمال التخريب فهي كل النشاطات التي تقوم بها دولة أجنبية لأجل تنظيم الجماعات المعادية للنظام وقد تصل إلى مساعدة هذه التنظيمات على القيام بالانقلابات ،وقد أصبحت وسيلة مفضلة للدول الكبرى للتغيير السياسي والتعديل الاقتصادي في الدول النامية.
-الدعـاية : تعتبر وسيلة مكملة أو تحضيرية لاستعمال وسـائل اخرى فيما بعد كالدعاية لتدخل عسكري ما،تحاول الدولة من خلالها تشويه صورة العدو وجعله في صورة الخارج عن القانون والشرعية الدولية ،وهي من أهم وسائل تحقيق أهداف السياسة الخارجية ودعم النشـاط الحكومي ذلك أن الحرب الحالية هي حرب عقول وأفكـار وبالتالي من يستطيع التحكـم في الدعاية يستطيع السيطـرة على تصرفات الآخرين ، والدعاية تحضر لتوجيه الرأي العام حول سياسـات خارجية معينة ولتحقـيق ذلك تستعمل ترسانة إعلامية كبرى ومثال ذلك الدعاية الاعلامية الأمريكية الكبرى للحـرب على العراق من خلال تشـويه صورة الرئيس العـراقي السابق والتي استطاعت أن تحشـد جانـبا من الدعم الداخـلي والخارجي للحرب .
المبحث الثالث : مصادر السياسة الخارجية
المطلب الأول : الأدوار
إن نشاط أي دولة في العلاقات الدولية يحدد إدراكها وتصورها للدور المفترض أن تقوم به وقد يكون للدولة أكثر من تصور لدور معين حسب العلاقات التي تقيمـها في النظـام الدولي كما أن الدور قد يتغير مع مرور الوقت ومع حدوث تحول في القيـادة السياسية سواءا على مستوى الأشخاص أو الاتجاهات، وتعتبر الدول النامية أكثر تحولا،وهي :
*حامي المنطقة:هذا الدور تقوم به عادة القوى الكبرى في إطار استراتيجياتها الكونية في مناطق نفـوذ مباشر لها فالولايات المتـحدة الأمريكية تعتبر منذ القرن التاسـع عشر أن أمريكا الجنوبية هي منطقـة نفوذ لها وهذا ما دل عليه مبدأ مونرو لحماية المنطقـة من القوى الأوربية ، وبعد الحرب العالمية الثانية اعتبر الاتحاد السوفييتي أن أوربا الشرقيـة منطقة نفوذه المطلق وأعطى شرعية لتدخله ضد أي محاولات لتغيير الأنظمـة السياسية فيها ، ويمكن لقوى إقليمية أن تقوم بهذا الدور في مجال إقليمها المباشر كاستراليا(1).
*المحب للسلام:يعمل على إبراز مطابقة سياسته الخارجية مع القوانين والأعراف الدولية ومبادئ الأمم المتحدة،وتعمل بموجبه هذه الدول على تقوية أجهزة الأمم المتحدةوالمشاركة شبه الدائمة في الدبلوماسية الوقائـية وتدخل في قوات حفظ السـلام والمراقبة كما تقـوم بعمليات التوسط في النزاعات في إطار الأمم المتحدة ومثال ذلك السويد والنرويج وكندا .
*المتميز عن حلفائه :هو دور تقوم به دول أعضاء في أحلاف ولكن نتيجة لخصوصيات ذاتية تعتبر أن لها دورا مميزا عن بقية حلفائها ولكن لا يصل إلى مستوى التناقض، وهذا ما يكسبها مرونة اكبر في التحرك وكثيرا ما تغضب هذه السياسة القطب الرئيسي في التحالف ومثال هذا الدور فرنسا في الحلف الأطلسي ورومانيا في حلف وارسو.
*الحليف الموثوق:ويعبر هذا الدور مناقض للسابق حيث يخول لصاحبه التقرب أكثر من القطب الرئيسي في التحالف من حيث انه يرتبط معه بعلاقات مميزة ويعمل هذا الطرف دائما على دعم التحالف والدفاع عنه ويظـهر هذا خاصة في دور بريطانيـا في الحلف الأطلسي وألمانيا الديمقراطية في حلف وارسو.
*زعيم تيار أو اتجاه دولي عام: تعتبر بعض الدول إلى جانب قيامـها بدور رئيسي على الصعيد الإقليمي إن لها دورا قياديا على الصعيد الدولي ويعكس ذلك وجود عقيـدة معينة لدى الدولة لهذا الدور بالإضـافة إلى إمكانات كبيرة والمثال الهند ويوغسلافيا في حركة عدم الانحياز والمكسيك وفنزويلا في مجموعة الجنوب(2) .
*النموذج أو قلعة الثورة: دور تقوم به الدول بتقديمها كافة أنواع الدعم والتأييد لحركات التحرر الوطني وللمعارضة في دول اخرى وتعتبر حالها نموذجا يقتـدى به إن كان في الوصول إلى الحـكم أو في شكل الحكم لاحقا ، وفي فلسفته وسلوكه السيـاسي الداخلي والخارجي ،وظهر خاصة في الخمسينات والستينات وقامت به الصين الشعبية وكوبا.
*الدولة المنبوذة في محيطها:هو وضع تتميز به دول مرفوضة في محيطها المباشر وهذا لوجودها غير الطبيعي في المنطقة أو اعتناقـها لتوجه عام مناقـض تماما لقيم واتجاهات محيطها وهكذا تصبح في عزلة إقليمية وقد تلجا إلى أعمـال عدوانية والى بناء قدرتـها العسكرية وتعتبر إسرائيل المثال الأوضح على ذلك بالإضافة إلى جنوب إفريقيا سابقا(1).
المطلب الثاني: التوجهات
إن دراسة السياسة الخارجية يتطلب فهم التوجهات الرئيسية لتلك السياسة أو كما يسميها البعض بالأنماط ويقصد بها تلك الوقائع التكرارية المتماثلة نسبيا والتي تحدث عبـر فترة طويلة من الزمن ويمكن إيجازها فيما يلي:
1-الانعزال أو الانكفاء : يقوم على أن حماية الدولة وحفظ أمنها يكون بالحـد من تفاعلها الخارجي إن كان على المستوى الثنائي أو في إطار المنظمـات الدولية وقد يبقى على حد ادنى من التفاعلات الاقتصادية إن كانت بنية الدولة الاقتصادية تسمـح بذلك ،وتكون هذه السياسة عند غياب خطر مباشر على القيم الأساسية للدولة وهناك تأييد داخلي لهذا التوجه
التوجه.وبالتالي يتميز هذا النمط بمحدودية المشاركة الخارجية ومن ثم تقل أهمية معيـار التنويع ورفض التغلغل الخارجي (2).
2-الحياد: نشا هذا المفهوم في اتفاقيات لاهـاي(1899-1908) وهو قرار تتـخذه الدولة بإرادتها ولها نظامها القانوني الذي يشمل حقوق وواجبات من بينها واجب الامتنـاع الذي يفترض عدم تقديـم أي نوع من المساعـدة إلى أطراف نـزاع معين من طـرف الدولة المحايدة وعدم قبول استعمـال أراضيها ، وواجب التجرد بان تتعامـل الدولة بالتسـاوي مع المتنازعين ،ومن حقوقها أن تحترم وحدتها الترابية وحريتها في إقامة علاقات تجارية
ومرور بضائعها غير العسكـرية في البحار في زمـن الحرب ، وعلى كل الدول احترام وضعها القانوني.
3-عدم الانحياز : شكل مؤتمر باندونغ المحطة الرئيسية له سنة1955،يدعو إلى محاربة الاستعمـار والامتنـاع عن التدخل في الأحلاف المشكلة فيما عرف بالتـجاذب الدولي ويختلف عن الحياد كون هذا الأخير ناتج عن وضع قانوني من جهة وقبول دول اخرى به ذات تأثير حيث تعطيها ضمانات الحماية أما الدول غير المنحازة فهي التي اختارته دون أي نظام قانوني وبالتالي لا توجد لها أي ضمانات .
4-الأحلاف :يعود تاريخها إلى نشوء العلاقات الدولية ،وقد يكون لأعضاء الحلف مصالح مختلفة أو موحدة لكنها غير متناقضة ، وقد يكون موجه ضد وحدة معينة أو حلـف آخر،
وتحدد طبيعة المصلـحة وبقاؤها استمرارية التحـالف وقوته وتهدف سياسة التحالف إلى خدمة تصور استراتيجي معين عند قوى كبرى، أو دفاعي لحماية منطقـة معينة أو حماية نظام ضعيف داخليا عبر الحصول على شرعية التدخل في حالة تعرضه للخطر(1).
ويقدم هولستي أربع أنماط أو توجـهات للسياسة الخارجية وهي العزلة ونمط الاعتماد على الذات ونمط الاعتماد ونمط عدم الانحياز.
إن تحليل السياسة الخارجية الأمريكية منذ نشأتها يوضح أن تلك السياسة تتغير دوريا من توجه انعزالي إلى آخر تدخلي فقد تميزت خلال الفترة (1776-1798)بالتوجه الانعزالي ولكنها ابتداءا من سنة 1798 حتى سنة 1824 تحولت إلى توجه تدخـلي ثم عادت إلى التوجه الانعزالي حتى1844. وفي السنوات الأخيرة أصبحت السياسة الأكثر تدخلا(2).

الفصل الثاني
صنـع السياسة الخـارجية

تبدأ عملية صنع السياسة الخارجية عندما يواجه المسؤولون بهذا الصدد موقفا يدخل في نطاق السياسة الخارجية كأزمة دولية مفاجئة تتطلب موقفا إزائها أو سلوك لخصم يتطلب رد فعل تجاهها أو تنبؤ بحدث دولي هام ينبغي الاستعـداد له (1)،وبالتالي يكون القرار هنا اختيار لبديل من البدائل بناءا على توافر معلومات معينة تتعلق بالبديل وتحديد ما له ومـا عليه ثم يتخذ القرار الذي يحقق اكبر قدر من المزايا واقل قدر ممـكن من الخسائر وهكذا فالقرار بحد ذاته يعتبر مغامرة وتبعا لكون مصلحة الدولة آنية أو مستقبلية قد يكون صنع القرار تكتيكيا أو استراتيجيا ولان السياسة غير ثابتة ومتقلبـة تبعا للظروف والأوضـاع المحلية والدولية يجد صـانعو القرار صعوبة في صياغة سياسـة خارجية تؤتي ثمارها المرجوة منها خصوصا إذا عمدت الدولة إلى توسيع دائرة علاقاتها الدولية مما يستدعي بالتالي توسيع دائـرة هذه الصياغة ،وتجـدر الإشارة إلى أن وسائل الإعـلام المتطورة أصبحت اليوم مصدرا مهما للمعلومات وتساهم إلى حد كبير في تقديـر البدائل المتـعلقة بالقرارات كما أنها تساعد على إقـناع الجماهير بقـرارات السياسة الخارجية والارتفاع بثقافتهم السياسية أي تفاعلهم مع النظام القائم وتأثيرهم فيه كما أنها تنقل مواقف الجماهير الى صانعي القرارات(2) . ولمناقشة هذا الفصل نحاول الإجابة على التساؤلات التالية:
ما هي المحددات المؤثرة على صياغة القرار؟ ومن هم صانعو القرار أي الفاعلون؟
ثم نحاول مناقشة فعالية القرارات بين الأنظمة المفتوحة والأنظمة المغلقة.
المبحث الأول : محددات السياسة الخارجية
إن المحـددات هي مجموعة العوامل المؤثرة والموجهة للسياسة الخارجية التي يرتبـط بها صانع القرار وتمنحه حرية واسعة لاختيار البـدائل ونقصها يقيد من حريتـه وبالتالي يؤثر مباشرة على فـعالية القرارات المتخذة وهذه العوامل والمحددات مرتبطـة بالبيئتين الداخلية والخارجية .
إن محددات السياسة الخارجية تقبع في خلفية عملية صنع هذه السياسة مؤثرة على معظم خيارات صانعي القرار (3)، وهي كالأتي:
-جغرافية : قديما لعبت دورا كبيرا ومازالت كذلك ويدخل في إطار هذا العامل الجغرافية السياسية والتي تعني توظيف الأرض لخدمة السياسة ،فموقع الدولة الطبيعي مهم من حيث انه يحدد إستراتيجية الدولة الخارجية فالدولة المطلة على البحر تختلف عن الدولة التي لا تمتلك سواحـل بحرية كما أن دول المضـايق والمسيطـرة على المداخل البحـرية لها استراتيجيات معينة وهكذا فلكل موقـع خصوصيته وهذه الخصـوصية هي التي تفرض خيارات معينة دون غيرها.
-بشرية: قد يكون المحدد البشري عامل قوة أو عامل ضعف ، فكثرة السـكان قد يعطي نشاط اكبر للسياسة الخارجية فعندما تكون الإمكانـات الداخلية لا تكفـي لسد الحاجـيات وبالتالي تلجا الدولة إلى بناء علاقـات سلمية في إطار تكتلات اقتصادية ، وقد يكون هذا سبب لقيام صراعات خارجية إذا تعـذر ذلك بالطرق السلميـة وذلك بحثا على المجـال الحيوي ،وهناك من يرى أن عامل كثرة السكان لا يمثل عامل قوة في السياسة الخارجية فالصين والهند إلى عهد قريب لم يؤثرا كثيرا على المستوى الدولي من خلال سياستـهما الخارجية. بالإضافة إلى أن التنوع العرقي داخل الدولة له اثر كبير فهذا التنوع قد يلعب دورا سلبيا وذلك بتشكيل جماعات ضغط ولوبيات تدافع عن مصالح الهويات التي ينتمون إليها كما أن التركيبة العرقيـة المنسجمة تنعكس إيجابا على السياسـة الخارجية وتسـاهم في انسجامها .
-الموارد الاقتصادية: عامل مهم جدا وقد اتخـذ هذه الأهمية خاصة بعـد نهـاية الحرب الباردة وتراجع العاملين الإيديـولوجي والعسكري فعـوامل الثروات الطبيعية من بترول وغاز وغيرها تجعل الدولة محل أطماع ، ثم الإنتاج الصناعي والزراعي وقوة المـيزان التجاري وحجم المبادلات ومدى تبعية الدولة وقوة استقرار العملة وحجم المديـونية كلها عوامل ذات أهمية كبرى في تحديد طبيعة السياسة الخارجية ومدى فعاليتها .
-إيديولوجية : وهي مجموعة الأنساق الفكرية والعقـائدية المؤثرة في السياسة الخارجية وفي هذا الإطار هناك ثلاث آراء:
*إن النسق المركزي يؤثر في السياسة الخارجية لان الدولة تنطلق من القيم والمبادئ التي تحكمها وسلوكها الخارجي يتأثر مباشرة بعوامل إيديولوجية معينة فخلال الحـرب الباردة كان للمتغير الإيديولوجي تأثير كبير في تحديد معالم السياسة الخارجية للقوتين العظمتين.
*الإيديولوجية مهمة لكنها لا تحدد أهداف الدولة فهي فقط وسيلة لتبرير السياسة الخارجية
*يجب النظر لكل حالة على حدا ، إذا كان هناك انطبـاق وانسجام بين المبـادئ والقيـم
والسلوكات الخارجية نقول إن السياسة الخارجيـة متأثرة بالإيديولوجية وإذا كان هنـاك تناقض بين النظرية والواقع العملي نقول إنها سياسة براغماتية .
-شخصية: الدولة شخص معنوي عام وكيان قانوني يتصرف وفقا لعوامل البيئـة الداخلية والخارجية وقد تؤثر العوامل الشخصية وارتباطاتها وذلك من خلال:
-طبيعة ميول صانع القرار لأي من السياستـين الداخلية أو الخـارجية ثم درجة القـوة التي يتمتع بها في مراكز صنع القرار كما أن طبيعة المواقف الخارجية تحدد نسبة تأثير العوامل الشخصية فالمؤثـرات الروتينية العادية وغير المستعجـلة لا تظهر فيها تأثير العوامل الشخصية مثل المؤثرات المفاجئة والمستعجلة والتي تلعب فيها توفر المعلومات دورا مهما ويحدد دافيد ماكيلان نوعان من الميولات الشخصية :
*هناك أشخاص يميلون إلى سلوكات القـوة والمخاطرة كونهم حرموا منها في الطفـولة “هتلر”
*هناك من يميلون إلى الانجـازات لكسب شخصية كارزمـاتية وهذا لتقوية مواقفهم في النظام وزيادة شعبيتهم.
-مجتمعية: تعتبر الشخصية الوطنية احد المـحددات المجتمعية الأكثر تأثيرا في السياسة الخارجية وهي مجمـوعة سمات وصفات عامة والتي يشترك فيها جميع مواطنوا الدولة وتكون دينية ومذهبية ولغوية وتتكون الشخصية الوطنية من عدة مصادر كالتنشئة الاجتماعية والسياسيـة والأحزاب وجماعات المصالح والرأي العـام وهذا الأخير يختلف تأثيره بين الدول المغلقة والمفتوحة من حيث نظامها السياسي.
-العامل الخارجي: يتأثر السلوك الخارجي للدولة في لحظة معينة بسلوك الوحدات الدولية الاخرى تجاهها فالدولة تستقبل حوافز وسلوكيات عديدة من الوحدات الفاعلة في النسـق الدولي وتكـون هذه الحوافز ذات طابع صـراعي أو تعاونـي ومن ثم يصبح السلـوك الخارجي للدولة “س” تجاه الدولة “ص” نتيجة للسلوك الذي استقبلته الدولة “س” من الدولة “ص” في المرحلة السابقة(1).
ويحدد تشارلز هيرمان أربعة أشكال من التغير في السياسـة الخارجية عند استجابتـها للمؤثرات الخارجية :
*تغير تكيفي مع بقاء أهداف وأدوات السياسة الخارجية كما هي .
*تغير برنامجي وينصرف إلى تغير في أدوات السياسة الخارجية ومن ثم تحقيق الأهداف عن طريق التفاوض مثلا وليس عن طريق القوة العسكرية.
*تغير كلي للأهداف دون الأدوات.
*تغير في توجهات السياسة الخارجية بالكامل أي يشمل تغير الأهداف والأدوات (1).
إن المحددات السابقة تؤثر بصفة مباشرة على قـوة الدولة وبالتالي على مستوى تأثير سياستها الخارجية على الصعيد الدولي ، إن القدرات عامل أساسي في بسط التأثير والنفوذ لكنها ليست المحدد الوحيد فطبيعة الدولة واحتياجاتها واستجاباتها والتزامـاتها هامة بنفس القدر ويتخذ التأثير أو بسط النفوذ صورا منها المعونات والمنح (2). من ناحية أخرى يعتمد تأثير المحدد على السياسة الخارجية على عنصر الإدراك ، فإذا تجاهل صانع القرار هذا العنصر بسبب ضعف ادراكه أو وجود مشكلات اتصالية فان هذا المحدد لن يـؤثر على السياسة الخارجية ،ومن جهة أخرى فان تأثير المحدد يختلف باختلاف الفاعلين فمثلا نجد الدول الصغرى أكثر تأثرا من الدول الكبـرى بالمتغيرات النسقية الدولـية كما أن الدول الديمقراطية تتأثر بمجموعة من المحددات تختلف عن تلك التي تتأثر بها الدول المتسلطة والأمر نفسه ينطبق على الدول المتطورة اقتصاديا والدول النامية (3) .

المبحث الثاني : مؤسسات صنع وتنفيذ السياسة الخارجية:
في ظل النظام الدولي الجديد المليء بالتفاعلات من النادر أن نجد دولا تأخذ توجه العزلة أو تقيم علاقات إقليمية ضيقة بل إن كل دولة تسعى إلى توسيع دائرة علاقاتـها الخارجية وبالتالي يكثر فيها صانعو القرار بحيث يتوجب التنسـيق بين مختلف الأجـهزة في الدول ذلك انه يتعذر على أن أي مسؤول أن يدرك بمفرده أبعاد كل القرارات المراد اتخـاذها، وبالتالي عليه الاستعانة بمؤسسات فرعية أو لجان استشارية أو مؤسسات غير رسمية كما انه ثمة جهات تؤثر بطريقة غير مباشرة على صناعة القرار كجماعات الضغط.وعادة ما تتركز صـناعة القرارات في يد السلطة التنفـيذية ووزير خارجيتها ،إلا انه ثمة عناصر اخرى ينبغي تخذها بعين الاعتبار كالسلطـة التشريعية والموظفون الإداريون في وزارة الخارجية والوزارات الأخرى التي لها علاقة بالشؤون الخارجية إضافة إلى المؤسسـات غير الرسمية كالأحزاب السياسية وجماعات المصالح الأخرى.
1-المؤسسات الرسمية :
* السلطة التنفيذية:تلعب دورا بارزا في رسم وتنفيذ السياسة الخارجية لما يتوافر لها من قنوات اتصال ممتازة ، ثم إن طبيعة السياسة الخارجية المتسمة بحالة عدم الثبات وسرعة التغير تنحو بالنظم السياسية إلى إعطاء السلـطة التنفـيذية دورا مركزيا في صنـع تلك السياسة لمواجهة الأزمات الدولية وتتركز السلطة التنفيذية في بعض الدول في يـد رئيس الدولة وفي بعضها الآخر تناط برئيس الحكومة أما في الدول الاتحاديـة فيكـون المجلس الأعلى للاتحاد هو صاحـب القرار ويندرج تحت السلطة التنفـيذية في مختلف النظـم السياسية مجموعة من المؤسسات وفي مقدمتها الأجهزة الرئيسـية في وزارة الخارجـية ووزارة الدفاع(1) .
*وزارة الخارجية: تقوم بالمشاركة في رسم السياسة الخارجية وتنفيذها والإشراف علـى العلاقات الدولية بما في ذلك التمثيل الدبلوماسي والقنصلي مع الدول الأجنبية والمنظمات الدولية حيث تقوم السفارات بإرسال تقارير مفصلة عن أوضاع الدول المختلفة التي توجد بها لتحلل هذه التقـارير بواسطة خبراء مختصـين وموزعين على أقسام رئيسيـة في الوزارة وتقوم السفارات برعاية مصالح الدولة ومواطنيها في الخارج وتمثيل الحكومـة والتفاوض باسمـها وتتغير مسؤوليـة وزارة الخارجية من بلد لأخر، ففي النظم الرئاسية يعتبر وزير الخارجية المعاون الأول لرئيس الدولة في مجال العلاقات الخارجية أما في النظم البرلمانية فهو مسؤول أمام رئيس مجلس الوزراء عن هذه السياسة .
*الجهاز البيروقراطي: هم الموظفون المعينون بصفة رسمية ودائمة للقيام بالمهام الرسمية في مجال السياسة الخارجـية حيث يعتمد عليهم في التزود بالنصائح لتطوير هذه السياسة وتنفيذها كما يقومون بجـمع المعلومات وتحديدها لترفـع إلى المستـويات العليا ولخص كيجلي وويتكون أهمية البيروقراطية في صنع السياسة الخارجية في ما يلي:
-فعالية البيروقراطيات تعود لهياكلها الهرمية وتعمل على اتساق وانسجام السياسة الخارجية
-توفر البيروقراطيات سجلات عن الأحداث السابقة ليسهل التعامل مع المشكلات الراهنة
-تؤكد على معيار الكفاءة، والترقية على أساس الاستحقاق والانجاز.
-يشجع عدد الأجهزة في الهيكل البيروقراطي على النظر في بدائل مختلفة(1).
*السلطة التشريعية : تلعب الهيئة التشريعية دورا محددا في صنع السياسة الخارجية ففي المجتمعات الديمقراطية تشترك على الأقل في إقرار المعاهدات وتعيين المسـؤولين عن السياسة الخارجية ورسم الميزانية العامة وإعلان الحرب،والمتعارف عليه أن مشـاركة السلطة التشريعية فتي الشؤون الخارجية اقل من مشاركتها في الشـؤون الداخلية وذلك للسرية التي يتسم بها السلوك الخارجي، كما أنها لا تأخذ المبادرة في قرارات السياسـة الخارجية وإنما يقتصر دورها على الموافقة أو الاعتـراض على السياسة التي تقترحها الحكومة.
*المؤسسة العسكرية:تلعب دوراهاما في عملية صنع السياسة الخارجية وذلك عندما تحتل قضايا الأمن مركز الصدارة ويتوقف دورها على نوعيـة الحكم حيث تخضـع في النظم الديمقراطية للسلطة المدنية حـيث يكون وزير الدفاع مدنيا والتحـرك العسكري يخضع لقرار سياسي ، أما في النظم العسكرية فتكون القيادة العسكرية هي صاحبة القرار ويمكنها الاستعانة بخبراء مدنييـن وفي كل سفارة توجد ملحقيه عسكرية تقوم بتقديـم المعلومات المتعلقة بالشـؤون العسكرية إلى وزارة الدفاع(2) ، وقد اصحب رأي العسكـريين محل اهتمام وهو المرجـح في المباحثات ذات الصلة بالدفاع الخـارجي ،فالعسكريـون أدرى بمتطلبات الوضع العسكري أثناء الحروب وبالتالي يكون تسخير مجمل السياسة الخارجية في خدمة القضايا العسكرية.
*المؤسسة الاقتصادية : من الأدوات المهمة في تنفيذ السياسـة الخارجية فهي وسيلة أو مكافئة أو معاقبة الدول الأخرى كما أن القوة الاقتصادية سند للقوة العسكرية،ولان الأعباء الداخلية ازدادت لتحقيق العدالة والرفاهية الاقتصادية والاجتماعية فقد أصبحت الضرورة ملحة لإقامة علاقات تفاعل مع بقية المجتمع الدولي خاصـة في المجال التجاري وبالتالي أضحى دور كل من وزارتي الاقتصاد والتجـارة لا يقل أهمية عن وزارة الخارجيـة في صـنع السياسة الخارجية ، حيث تقوم الوزارتان المـذكورتان بمتابعة أي اتفاق تجاري خارجي وتنفيذه ،وفي بعض الدول ثمة مؤسسات حكومية اخرى تسهم في صناعة السياسة الخارجية كمجلس الأمن القومي وجهاز الاستخبارات .
2-المؤسسات غير الرسمية : إن التطورات المعاصرة أعطت الجماعات غير الرسـمية دورا مؤثرا في صنع السياسة الخارجية ويختلف هذا الدور بحسب نوع الأنظمة وأهمـها الأحزاب السياسية وجماعات المصالح .
*الأحزاب السياسية : وهي مؤسسات يتفاوت تأثيرها في السياسة الخارجية وفـق تعددها ودرجة انضباطها وتبعا لهيكلها ووظائفها وكلمـا ازدادت الأغلبيـة البرلمانيـة للحزب السياسي ازداد تأثيره على السياسة الخارجية ، وعادة في النظـام متعدد الأحزاب يكـون تأثيرها محدود بسبب سرعة تغير الائتلافات التي تواجهها الحكومات والأحزاب ومـن ثم يزداد نفوذ البيروقراطيات في الأجهزة الحكومية .
*جماعات المصالح : وتسمى بالجمـاعات الضاغطة أو اللوبيـات لان تمارس الضغوط كوسيلة لحمل المسـؤولين على اتخاذ قرارات تخدم مصلحـتها وهي على أنواع فهنـاك جماعات الضغوط الاقتصادية كاتحادات العمال ورجال الأعمال والمزارعين وهي تهتم بقضايا التجارة والتعريفات الجمركية كما تعمـل بعض الجماعات الاقتصـادية والماليـة الأخرى على إيجاد فروع وأسواق لها بالخارج وذلك من خلال الضـغط على القرارات الحكومية لتعمل في الاتجاه الذي يسهل عليها ذلك(1).
والمثال في الشـركات الأمريكـية الكبرى العامـلة في مجالات البترول والمصـارف والخدمات… ،وهناك جماعات أخرى تساهم بطريقة غير مـباشرة في صناعة السياسـة الخارجية كجمعيات المثقفين والعلماء والتنظيمات الثقافية والعلمية والمهنية دون إغفـال الدور المهم للرأي العام في تبني وقبول أو رفض قرارات السياسة الخارجية ولو أن هذا الدور يتفاوت بين الفعاليـة والمشاركة من جهة والعقم والتغييب من جهة أخرى بحسب نوعية الأنظمة.
المبحث الثالث : فعالية السياسة الخارجية مرتبطة بنوع النظام
1-الأنظمة المغلقة : يشير العديد من الكتـاب إلى أن الأنظمة المغلقة أو التسلـطية أكثر فاعلية من الأنظمة الديمقراطية فقد أوضح دي توكفيل أن الإدارة الفعالة للشؤون الخارجية تتطلب السرية والتخطيط والمثـابرة وهذه القـيم لا تتوافر إلا في النظم التسلطية وانتقـد ريمون ارون الديمقراطية في عملية صنع القرار لأنها تؤدي إلى الشلل وما يصاحبـه من عدم القدرة على التصدي للمشكلات الملحة ، والهياكل التسلطية أكثر فعالية كونـها تنتج قرارات سريعة لأنها لا تستجيب للضغوط العامة وتضم عددا محدودا من الأفراد وبالتالي تقل عملية المساومة داخل هذا الهيكل لان بإمكانه تخطي المعارضة أو قمعها ، من ناحية أخرى تضمن هذه الهياكل الإذعان لقراراتها حيث تقوم على مبدأ التسلسـل الواضـح في القيادة كما تمكن مركزية صنع قرارات السياسة الخارجية من تشكيل جبهة مـوحدة والتي يصعب تحقيقها في الناظمة الديمقراطية ، وفي الوقت نفسه تضمن الانظمة المغلقة تمثـل خارجي قوي لسياستها فتعزز الثقة في الرسالة الموجهة للآخرين (1).
وتتميز عادة الانظمة المذكـورة بسـياسة خارجية أكثر قابلية للتكيف بحيث تستـجيب للأوضاع المتغيرة لأنها اقل تقيدا بآراء الجماهير وبجماعات المصـالح كما أن لها القدرة على إتباع سياسات متناقضة في وقت واحـد فقد اشتكى وزير الدفاع الأمـريكي الأسبق جيمس شليسنجر في أن الاتحاد السوفييتي يساعده انغلاقه في انه لا يجد صعوبة في إتباع سياسة الانفراج وتقوية قدراته الدفاعية في الوقت نفسه لكن في النظم الديمقراطية الدعاية للانفراج من جهة وإقناع الشعب بضرورة الإنفاق العسكري من جهة أخرى(2).
ويمكن القول أن هذه الانظمة تستمد هذه المميزات من حرية التصرف نظرا إلى حاجتها المحدودة إلى الاستجابة لمطالب الشعب والرأي العام.
لكن الفعالية المذكورة لها بعض الملاحظات فالنظام التسلطي يعجز عن تطوير سياسات ابتكاريه بسبب المركزية الشديدة والنزعة نحو اضطهاد أصحاب الآراء المخالفة وهكـذا تصنع هذه الانظمة رجالا مطيعين يقبلون كل ما يرضي الحـاكم وبالتالي تنـعدم روح المبادرة وتقل فرص اكتشاف بدائل متعددة ويقول والتز إن هذه النظم لا توفر آلية للخلافة السياسية وتتميز بقلقها الدائم على مصيرها السياسي من عواقب السياسة المتبعة(1) .
الانظمة المفتوحة: إن فعالية هذه الانظمة تنبع من ميلها إلى انتخاب قيادات تتمتع بالمهارة والخبرة كبناء علاقات شخصية والتحالفات الحزبية وفن التوصل إلى حلول وسط وكـلها مهارات لازمة لإدارة فـعالة للسياسة الخارجية فالنظم التسلطية تنفذ من خلال الأوامـر وليس من خلال الـنقاش والتفاوض وهذا يناقض جـوهر الدبـلوماسية الناجحة حيث أن الانفتاح يوفر حوار حقيقي يشرك جميع الأطراف الفاعلة في قضايا السياسة الخارجية مما يؤدي غالى توفير المعلومات اللازمة ودراسة البدائل المختلفة ووضوح النوايا ، ومن جهة أخرى فان الضوابط الداخـلية على حرية القـائد السياسي تعطي له المبررات المقنعة في إدارة المفاوضات مع الأطراف الخارجية عندما يتعلق الأمر بتقديم تنازلات معينة .
وتشير بعض الدراسات أن الانظمة المفتوحة أكثر ترددا في دخـول الحروب من الانظمة التسلطية كونها تخشى أن تهدد تلك الحروب التوازن الداخلي وتنشا جبهة معارضة تعمل على تأليب الرأي العام ضد صانعي القرار ومن جـهة أخرى فان ميل النظم الديمقراطية إلى الاتجاهات السلمية مـرده أن قيمـها الديمقراطية تنمي الاعتقاد بأهمية الحلول الوسط وتفضيل الالتجاء إلى المحاكم والمنظمات الدولية بالإضافة إلى بعدها عن التصرفات غير الإنسانية وغير الأخلاقية(2) ، كما أن توتر العلاقات بـين سياستين خارجـيتين لنظامين ديمقراطيين في مجال معين لا يتوسع ليشمـل مخـتلف المجالات على عكـس الانظمة التسلطية وهذا ما يسمى بالتجزؤ في السياسة الخارجية وتعتـبر الأنظمة الديمقراطية اقل ميلا للحروب مع بعضها.

الفصل الثالث
مدخل نظـري لتفسير السـياسة الخارجية

إن نظريات السياسة الخارجية هي مجموعة المحاولات الهادفة إلى فهم السلوك الخارجي وتفسيره وتختلف هذه النظريات من حيث زاوية التحليل فمنها ما يركز على الجانب الإجرائي ومنها ما يركز على الجانب الوظيفي ومنها ما يركز على البيئة ومتغيراتها وهذه النظر

المحور الثالث: تطور حقل السياسة الخارجية
قبل منتصف القرن الماضي لم تشكل السياسة الخارجية و حقلا مستقلا متميزا للدراسة، و كان على الارجح التاريخ الدبلوماسي الاقرب_من حيث موضوع الاهتمام_لما نسميه اليوم السياسة الخارجية؛ حيث قام اتجاه غير نظري يعنى بالتوجه السياسي ,حيث يرى في كل موقف سياسة خارجية حدثا متميزا يخضع لدراسة خاصة بالاعتماد على المنهج التاريخي. وقد انتج لنا هذا المنهج تركيزا حصريا سمي دراسات الحالة كان تدرس سلوكيات دولة خلال فترة من الزمن ثم تصنف حسب التوجه الذي انطبعت عليه كان يقال بانها سليمة او منحازة او محايدة . و باعتماد ذات المنهج ركزت دراسات اخرى على العلاقات الثنائية بين دولتين ,كتقديم قراءة تاريخية نقدية للتفاعل الدبلوماسي بين سياستين خارجيتين خلال فترة من الزمن .و في ذات الاطار كذلك شاعت الدراسات الوصفية حيث يجري تحليل وصفي شامل لسياسة دولة معينة تجاه دولة اخرى او تجاه قضية معينة . باختصار ,فان تركيز باحثي السياسة الخارجية في هذه المرحلة على دراسات الحالة وفق ضوابط المنهج التاريخي لجعل دراساتهم اقرب للتاريخ الدبلوماسي منها لتحليل السياسة الخارجية ,و مقتصرة على الوصف دون محاولة التفسير و بالتالي بعيدة عن هدف إيجاد نظرية تسعى للتعميم . و هذا تحديدا ما أراد رواد الجيل الأول من باحثي تحليل السياسة الخارجية تلافيه.
: ferst generation الجيل الاول
شكلت مرحلة الخمسينيات ثورة حقيقية في حقل تحليل السياسة الخارجية الناشئ ,ببروز اتجاه نظري املاه الادراك العلمي بضرورة توسيع دراسة السياسة الخارجية الى ما وراء الوصف ،نحو وضع إطار نظري لشرح و تصنيف و تفسير و حتى التنبؤ بالسياسات الخارجية ,من حيث مسبباتها ,صناعتها و انماطها , بهدف اكتشاف انماط عامة تساهم في عملية بناء نظرية شاملة في السياسة الخارجية ,مستعدة للاختبار الإمبريقي (التحقق الواقعي ) وقابلة للتعميم باختلاف انواع الدول . لقد عكف على مشروع تطوير تطوير نظرية عامة للسياسة الخارجية نخبة من محللي السياسة الخارجية يعرفون باسم “الجيل الاول “و الذين تجلت محاولاتهم في ثلاث اسهامات كبرى تمثلت جذور تحليل السياسة الخارجية كحقل مستقل للدراسة و في نفس الوقت تمثل مجالات البحث الرئيسية ( السياسة الخارجية المقارنة ,صنع و اتخاذ القرار في السياسة الخارجية ,السياق النفسي للسياسة الخارجية )التي تجد جذورها في هذه الاعمال المرجعية على التوالي :
1-جيمس روزنو ,”ما قبل نظريات و نظريات السياسة الخارجية1966 .
2-سنايدر,بروك,سابين “صنع القرار كمقترب لدراسة السياسة الدولية ” 1954 .
3-هارولد و مرغريت سبروت “فرضيات علاقة الفرد –البيئة في سياق السياسة الدولية”1956.
1-السياسة الخارجية المقارنة:
في مقاله الشهير “ما قبل نظريات و نظريات الساسة الخارجية “دعا جيمس روزنو الى دراسة السياسة الخارجية من زاوية علمية, فهي حسبه تعاني من غياب مرجعية نظرية مركزية (مثل الواقعية في العلاقات الدولية )و غياب منهجية ملائمة للتحليل, و اقترح ان يكون التحليل المقارن هو اساس هذه النظرية. لقد شجع روزنو الباحثين على ايجاد نظرية قابلة للتعميم حول سلوك الدول فيقول:
“إن تعريف العوامل لا يعن تحديد تأثيرها ,ان فهم العمليات التي تؤثر على سلوك الدول الخارجي لا يعني شرح كيف و لماذا تؤثر في ظروف معينة و ليس في ظروف أخرى…الاعتراف بأن السياسة الخارجية تشكل بواسطة العوامل الداخلية و الخارجية لا يعني ان نشرح كيف تتداخل او أن نشرح تحت اي ظروف تهيمن احداها على الأخرى. تحليل السياسة الخارجية يحتاج الى نظرية عامة”
ما أراد روزنو قوله هو أن العوامل الممكنة التأثير على سلوكيات الدول الخارجية التي احصاها الباحثون متعددة و متنوعة المستويات التحليلية ما جعل البحث في السياسة الخارجية غير محدود ،و الهدف من المقارنة هو تحديدا تأسيس حدود للحقل من خلال بناء نظرية تسمح بالتعميم .
لقد جادل روزنو أن باحثي السياسة الخارجية يجب ان يحاكوا نموذج جورج ميندل -أب علم الوراثة الحديث-الذي كان قادرا على التمييز بين انواع البيانات من خلال الملاحظة و المقارنة .بلغة السياسة الخارجية تساءل روزنو عما إذا كان ممكنا –عبر المقارنة- الحديث عن نظرية عامة للسياسة الخارجية تأخذ في الاعتبار تمايز انواع من الدول و في نقاط مختلفة من الزمن .
إذن الرسالة المباشرة للدراسة المقارنة هي: فقط من خلال تحديد اوجه التشابه و الاختلاف في السلوك الخارجي لأكثر من دولة يمكن لتحليل السياسة الخارجية ان ترتقي من مجرد دراسة الحالة إلى مستوى أكبر من التعميم.
منهجية تحليل الاحداث:
قام باحثو السياسة الخارجية المقارنة بتطوير منهجي جوهري في حقل الساسة الخارجية ؛ فالحقل الذي كان يفتقر للمعطيات اصبح الآن يعتمد على منهجية تحليل الأحداث للحصول عليها ، و الحقل الذي كان واسعا و غير دقيق أصبح يستخدم مصطلحات أكثر علمية (متغيرات مستقلة، وسيطة و تابعة)و اضحى اعتماد المناهج الكمية و الإحصائية ضروريا لتحليل وتبويب وتحليل المعلومات .
الحدث (أي سلوك للسياسة الخارجية )هو أهم مؤشر في التحليل المقارن. يمكن تصنيف الاحداث و مقارنتها طبقا لفئات سلوكية محددة :النوع(صراع –تعاون) الوسيلة (دبلوماسية – عسكرية)…ثم تحويل تلك الفئات الى مدلول كمي (بيانات)و حفظها في الحاسبات الآلية بحيث يمكن تحليلها على اساس تجميعي .و من ثمة يمكن دراسة خصائص كل السلوكيات التي و جهتها الدول نحو الوحدات الأخرى و مقارنتها بسلوكياتها في مراحل سابقة أو بسلوكيات دول أخرى ،و بالتالي إمكانية التنبؤ بسلوكياتها في المستقبل .و قد وجدت منذ أواخر الستينات العديد من مجموعات البيانات التي تم تجميعها في إطار مشاريع بحثية متعددة مثل:
-بنك معطيات السلم و النزاع .
-البحث المقارن في الحداث الامم.
نموذج جيمس روزنو:
قام روزنو بوضع أشهر نموذج للدراسة المقارنة للسياسة الخارجية ،و الذي هدف إلى تقديم إطار نظري عام لتصنيف و ترتيب عوامل التأثير في السياسة الخارجية حسب وزن تأثيرها في سلوك الدول .و تبرز أهمية الدراسة المقارنة حسب روزنو في أنها تزيد من فهمنا و استيعابنا للسياسة الخارجية لدولة معينة؛ بحيث تساعدنا مثلا في تحديد الحالات التي تحكم بها عناصر معينة سياسة خارجية ،و تلقي الضوء على عناصر التأثير من حيث وزنها في حالات مختلفة ،بالشكل الذي يدرك معه حالات تأثير عامل معين و حالات عدم تأثيره .و كذا تحديد القضايا التي ترتبط في تأثيرها بعامل محدد و هذا برصد تفاعل لقضية _المجال .
و لقد ميز روزنو بين ثلاثة أنواع من المقارنة هي :
1-مقارنة السياسة الخارجية لدولتين او أكثر خلال فترة معينة (مقارنة سلوك السياستين الخارجيتين الفرنسية و البريطانية خلال الحرب الباردة )
2-مقارنة السياسة الخارجية لدولتين او أكثر تجاه قضية معينة (مقارنة مواقف السياستين الخارجيتين السورية و المصرية تجاه القضية الفلسطينية )
3-مقارنة السياسة الخارجية لدولة معينة خلال فترة معينة (مقارنة السياسة الخارجية للرئيس زروال و الرئيس بوتفليقة تجاه العلاقة مع واشنطن.
متغيرات التأثير في السياسة الخارجية: قدم روزنو خمس فئات من المتغيرات هي:
المتغيرات الفردية :الصفات و الخصائص الشخصية لصانع القرار (الخبرة القيم الولاء الايديولوجيا).
متغيرات الدور : مجموعة السلوكيات التي يفترض أن يقوم أن يقوم بها كل شخص في مركز سلطوي بغض النظر عن آرائه.
المتغيرات الحكومية :تشمل طبيعة بنية السلطة و العلاقات بين مختلف مؤسساتها و مركز كل منها في صنع القرار.
المتغيرات المجتمعية: و هي على نوعين إما مادية (الموقع الجغرافي، الإمكانيات الاقتصادية…)أو غير مادية وز تشمل القيم و المعتقدات و طبيعة الثقافة السياسية و مدى التجانس الداخلي…
المتغيرات النسقية :و تشمل شكل العلاقات التفاعلية في النسق و طبيعة التفاعلات و شكل توزيع القوى .
ثم قسم روزنو الدول بشكل شديد العمومية إلى ثماني فئات بناءا على ثلاث معايير:
المعيار الجغرافي :دول صغيرة و أخرى كبيرة.
المعيار الاقتصادي: دول متقدمة و دول متطورة.
المعيار السياسي :دول مفتوحة (ديمقراطية) و أخرى منغلقة (تسلطية).
ووفقا لنوع كل فئة قدم روزنو الترتيب المحتمل لتأثير مختلف المتغيرات السابقة كما يتضح في الجدول أدناه :

دول صغرى دول كبرى المعيار الجغرافي
متخلف متقدم متخلف متقدم المعيار الاقتصادي
مغلق مفتوح مغلق مفتوح مغلق مفتوح مغلق مفتوح المعيار السياسي
الفردية
النسقية
الدور
الحكومية
المجتمعية الفردية
النسقية
الدور
المجتمعية
الحكومية الدور
النسقية
الفردية
الحكومية
المجتمعية الدور
النسقية
المجتمعية
الحكومية
الفردية
الفردية
الدور الحكومية
النسقية
المجتمعية
الفردية
الدور
المجتمعية
النسقية
الحكومية الدور
الفردية
الحكومية
النسقية
المجتمعية الدور المجتمعية
الحكومية
النسقية
الفردية

ترتيب متغيرات التأثير
غانا كينيا تشكسلوفاكيا هولندا الصين الهند الاتحاد
السوفياتي ال.م.أ أمثلة
نموذج روزنو لترتيب متغيرات التأثير في السياسة الخارجية .
المصدر: ناصيف يوسف حتي ،النظرية في العلاقات الدولية،(بيروت :دار الكتاب العربي ،1985)،ص.196.
2-صنع القرار في السياسة الخارجية:
لقد جاء تركيز ريتشارد سنايدر و زملائه منصبا على طريقة صنع قرارات صنع قرارات السياسة الخارجية داخل العلبة السوداء كبديل عن الاهتمام الواقعي التقليدي بنتائج تلك القرارات في السياسة الدولية –بحجة أنه لا يمكن الولوج داخل تلك العلبة ،بل و لا يهمنا معرفة ما يحدث بداخلها – فرواد مقترب صنع القرار يحاجون بأنه إذا ما اردنا أن نطرح السؤال لماذا ؛حول الأحداث و نماذج التفاعل الناجمة عن سلوكيات الدول (النتائج)،فإن تحليل صناعة القرار يعد أكثر من ضروري ،بل نستطيع أن نذهب أكثر من ذلك لا يمكن الإجابة عن أسئلة لماذا دون تحليل صناعة القرار (سنايدر) إذن فأفضل وسيلة لاستيعاب السياسة الدولية و عوامل التأثير في سلوكيات الدول يكمن حسب سنايدر في التحليل على مستوى الدولة ، و بالتالي فإن فهم سلوكية دولة يؤدي إلى فهم سلوكيات كل الدول. لقد ركز سنايدر و زملائه على عملية و بنية صنع القرار في تفسير قرارات و سلوكيات السياسية الخارجية. و قد اتخذ عدة باحثون هذا النموذج عن صناعة القرار مجالا مركزيا للبحث في السياسة الخارجية ،و قد تنوعت مجا لات اهتماماتهم في دراسة صنع السياسة الخارجية من منظور أضيق ديناميكية الجماعة الصغيرة ،إلى منظور أكثر اتساعا العمليات التنظيمية و سياسات البيروقراطية .
السياق النفسي للسياسة الخارجية:
لقد ارتأى هارولد و مارغريت سبروت ضرورة إضفاء البعد الإدراكي في السياسة الخارجية ،بتحليل سلوكيات السياسة الخارجية في سياقها النفسي و الاجتماعي أي سياق إدراك صناع القرار. حيث لا سبيل لفهم نتائج السياسة الخارجية دون الرجوع إلى الوسط أو البيئة التي في سياقها صنعت تلك السياسات (نوايا، أهداف، قرارات صناع القرار ) .
و لأجل فهم هذه البيئة لا بد للبحث في السياسة الخارجية أن يصرف الاهتمام نحو الوسط النفسي لأفراد و مجموعات صانعي السياسة الخارجية .هذا الوسط هو طبيعة فهم و إدراك و تفسير صانع القرار لبيئته الموضوعية؛ لأن هناك إمكانية لعدم التوافق بين البيئة الأخيرة كما هي موجودة في الواقع ، وبين كيفية إدراك صانع القرار لها بسبب طبيعة شخصيات صانعي القرار، عواطفهم، خبراتهم، دوافعهم و كذا مجموعة العمليات الإدراكية التي تتم في عقل صانع القرار القيم، العقائد، التصورات، الإدراك.
هذا الفهم فتحا مجالا واسعا للبحث في “السياق النفسي للسياسة الخارجية “فافرز العديد من الاسهامات أهمها :
1-الخصائص و الدوافع الشخصية .
2-النسق العقدي.
3- الإدراك و سوء الإدراك.
4- النهج الإجرائي.
ختاما ،يمكن قراءة الرسالة المشتركة لباحثي الجيل الأول في النقاط التالية :
1-معرفة خصوصيات صناعة القرار، و الأفراد و المجموعات من صناعه ضروري لفهم و تفسير خيارات الدول الخارجية.
2-المعلومات حول هذه الخصوصيات تحتاج لأن تنتظم في فئات متنوعة من المتغيرات في مسار بناء نظرية عامة(تحليل عبر مستوياتي).
3-المفاهيم و النظريات من مختلف الحقول الاجتماعية (علم النفس، علم الاجتماع، الأنثروبولوجيا …)يجب أن تساهم في هذا المسعى .
4-فهم عملية صنع قرار السياسة الخارجية هي في نفس أهمية –إن لم تتعدى –معرفة نتائج هذا القرار.
الجيل الثاني:
إن طموح و حماس باحثي السياسة الخارجية من الجيل الأول في بعث نظرية عامة للسياسة الخارجية و صل إلى مرحلة النقد و التقييم التي بدأها جيل ثاني من الباحثين ، و بدأت منذ أواخر السبعينيات و تتواصل إلى اليوم. لقد برز تحفظ الجيل الجديد في مسألتين أساسا؛ و ابستيمولوجيا؛ حول إمكانية إيجاد نظرية عامة قابلة للتعميم في السياسة الخارجية. و منهجيا؛ حول فعالية استخدام المناهج الكمية بتطبيقاتها الرياضية و الإحصائية. و لأن الدراسات لم تؤدي إلى النتائج المتوقعة لها؛ فإنه كان من الضروري اقتراح بديل ابستمولوجيا و منهجي. إعادة التقييم شملت مجالات البحث الثلاث في السياسة الخارجية، و اللافت أن هذه العملية قادها ابرز الآباء المؤسسين من رواد الجيل الأول.
1-السياسة الخارجية المقارنة:
توجه باحثو السياسة الخارجية المقارنة منذ السبعينيات إلى التخلي تدريجيا عن المناهج الكمية و الاعتماد أكثر على المناهج الكيفية، مع إيلاء مزيد من التركيز على العوامل السياقية و التحذير من محاولات التعميم، و تفادي فرضيات “إذا كان…فإن ” فعاد الاتجاه أكثر نحو دراسات الحالة خاصة في الولايات المتحدة. و عموما تتلخص اهم الدوافع التي أدت إلى هذه المراجعة في:
1-المفارقة بين الرغبة الشديدة لدى باحثي السياسة الخارجية المقارنة في التعميم من جهة، و في اعترافهم من جهة أخرى بأهمية التحليل على المستوى الفردي لتفسير السياسات الخارجية .
2-استحالة استعمال الحسابات الكمية في قياس بعض المتغيرات غير المادية :التاريخ و الثقافة الوطنية ،القيم و تصورات صناع القرار…
3-أبحاث تحليل الأحداث لم ـأتي بالنتائج المتوقعة في إرسال تحذيرات مبكرة لصناع القرار لتلافي بعض الأزمات.
2- صنع القرار في السياسة الخارجية:
على هذا المستوى البحثي المراجعة لم تكن ابستمولوجية بقدر ما كانت منهجية. لقد كانت فعلا فكرة البحث في عملية و بنية صنع القرار ضمن بيئة الجماعة الصغيرة أو البيروقراطية رائعة للحصول على فهم و تفسير للسياسة الخارجية، لكن الإشكال يبرز في ضرورة أن يكون الباحثون جزءا من هذه البيئة للحصول على المعلومات الضرورية و لمعرفة ما يحصل بالضبط داخل العلبة السوداء و هو أمر غير متاح بما يؤدي إلى شح المعلومات الضرورية للتحليل. كيف إذن نحصل على هذه المعلومات؟ باحثو الجيل الثاني قدموا إجابتين:
1-تطويرو ابتكار مؤشرات تقريبية لفهم سلوك الجماعة الصغيرة و سياسات البيروقراطية.
2-البحث في التاريخ عن حالات لصنع القرار –بتطبيق نموذج الجماعة الصغيرة و السياسات البيروقراطية – بما يتيح الوصول إلى تعميمات أو توصيات عامة حول صناعة قرار السياسة الخارجية حاليا.
3-السياق النفسي للسياسة الخارجية:
تركز النقاش أساسا حول ضرورة تطوير علم النفس السياسي و كذا تطوير منهجية الدراسة الاجتماعية و الأنثروبولوجيا للاستفادة منها بشكل أفضل في العلوم السياسية و تحليل السياسة الخارجية تحديدا.

المحور الرابع: تحليل السياسة الخارجية من منظور مستوى التحليل \المحددات و النماذج النظرية. 1-محددات السياسة الخارجية:
عندما طرحنا السؤال ماذا نريد أن نفسر؟ أجاب محللو السياسة الخارجية عن تحليل و تفسير قرارات و سلوكيات السياسة الخارجية. إن قرار و سلوك السياسة الخارجية لا بد أن يتضمن مصدرا للفعل؛ أي فاعلا و مسؤولا (الدولة ) عن اتخاذ القرار، و بيئة تتضمن الوسط أو المحيط المؤثر و المحدد في صنع ذلك القرار . فما هي عناصر أو محددات هذه البيئة؟
إذا ما تساءلنا عن سبب اختلاف السياسات الخارجية للدول ، أو سبب تغييرها من فترة إلى أخرى في الدولة الواحدة، فإن الإجابة عن هذا النوع من الأسئلة نجده اساسا في تمايز و اختلاف طبيعة البيئة التي تصنع فيها تلك السياسات؛ فالسياسات الخارجية للدول لا تتحدد بالصدفة أو بتلقائية الفعل و رد الفعل، و إنما استنادا لمجموعة من المحددات البيئية التي نطلق عليها بلغة المنهجية متغيرات تفسيرية مستقلة التي تتفاعل بشكل أو بآخر استنادا لخصائص كل وحدة دولية يمكن تقسيم تلك المتغيرات إلى ثلاث فئات :
1-1-متغيرات البيئة الموضوعية:
هي تلك المتغيرات الكامنة في بيئة عملية صنع السياسة الخارجية بشكل مستقل عن فهم و إدراك صناع القرار ،إنه الواقع كما هو كائن فعلا. هذه المتغيرات حتى و إن لم يضع لها صناع القرار اعتبارا مباشرا –تجاهلا أو إساءة إدراك- في قراراتهم فإنها مع ذلك حاسمة بالضرورة بالنسبة لنتائج تلك القرارات بل و يمكن أن تخذل آمالهم. و تشمل هذه البيئة فرص و قيود النسق الداخلي و الدولي إضافة إلى الخصائص القيادية .
أ-متغيرات البيئة الداخلية:
المتغيرات المرتبطة بالتكوين الذاتي البنيوي للدولة و لا تنشأ عن التفاعل مع الخارجي .و تشمل الخصائص القومية كالشخصية الوطنية و الإيديولوجية و التقاليد التاريخية و التكوين الاجتماعي …و كذا طبيعة النظام السياسي للدولة .
ب-متغيرات البيئة الخارجية:
تلك المتغيرات الكامنة في النسق الدولي؛ أي الآتية من خارج نطاق ممارسة الدولة لسلطتها. و تشمل على سبيل المثال لا الحصر، التوزيع الدولي للقوى (قطبية النظام)، التنظيم الدولي، التفاعلات الدولية، الموقف الدولي، الفعل و رد الفعل. ج-المتغيرات القيادية:
تتعلق بالاستعدادات النفسية و الفكرية المسبقة لصانع القرار بشكل مستقل تماما عن إدراكه لها لذا فهي تنتج أثرها بشكل موضوعي (لا تعبر عن عمليات إدراكية ذاتية يقوم بها صانع القرار )مباشرة في السياسة الخارجية . و تتلخص أساسا في مجموعة الدوافع الذاتية و الخصائص الشخصية لصانع القرار .
1-2-متغيرات البيئة النفسية:
كتصرف إلى طبيعة فهم و إدراك أو ردة فعل صانع القرار تجاه بيئته الموضوعية، إنها بعبارة أخرى تعبر عن العملية التأويلية التي يقرأ بها صانع القرار الفرص و القيود التي تفرضها البيئة الموضوعية، إنه الواقع كما يتصوره صانع القرار. و بذلك؛ يمكن القول أن المتغيرات النفسية هي الوسيط الذي من خلاله تنتج المتغيرات الموضوعية آثارها في السياسة الخارجية .
1-3-العلاقة بين البيئة الموضوعية و النفسية:
قدم هارولد و مارغريت سبروت تمييزا واضحا بين البيئة النفسية و البيئة الموضوعية، فأما الأولى فهي البيئة كما هي مدركة من قبل صناع القرار. أما الثانية فهي البيئة كما هي مدركة من قبل أي ملاحظ موضوعي. لذا وصفا البيئة النفسية بأنها تبين حدود القرارات الممكنة، بينما البيئة الموضوعية تبين حدود القرارات الممكنة الناجحة؛ إذ أنه بمجرد أن يتخذ صانع القرار قرار السياسة الخارجية، فإن تنفيذه يستقل عن تصوراته الذاتية و تتحدد فرص نجاحه أو فشله بالنظر لطبيعة المتغيرات الموضوعية . و من ثمة فإن مدى التطابق أو التفاوت بين البيئتين الموضوعية و النفسية هو الذي يحدد فرص نجاح السياسة الخارجية بينما تقل هذه الفرص إذا ما وجد هناك تفاوت (قد تكون البيئة النفسية أوسع من البيئة الموضوعية، مثلا في حالة ما إذا اعتقد صانع القرار أن هناك فرص لقرار/سلوك ناجح و لكنها في الحقيقة لا تتحقق واقعيا و انما فقط في تصوراته. و بالمقابل، قد تكون البيئة النفسية أضيق من البيئة الموضوعية، حين يتجاهل صانع القرار فرصا واقعية لقرار/سلوك ناجح.
1-4-متغيرات وسيطة:
المتغيرات التي تدخل في التأثير في شكل العلاقة بين المتغيرات المستقلة و المتغير التابع (نتائج السياسة الخارجية )، فاثر البيئة الموضوعية و النفسية في السياسة الخارجية يتحدد بعملية صنع السياسة الخارجية و بهذا المعنى فإنا هذه العملية تصبح بدورها محدد للسياسة الخارجية. و تشمل المتغيرات الوسيطة المتغيرات المرتبطة بصنع السياسة الخارجية و تحديدا عملية صنع و اتخاذ القرار، أو ما يمكن أن نطلق عليه و صف نموذج الفاعل و منطق سلوك سياسته الخارجية.
نسق السياسة الخارجية:
تتفاعل المتغيرات الموضوعية و النفسية و الوسيطة في تحديد الشكل النهائي للسياسة الخارجية، هذا التفاعل يمكن أن يوصف بأنه نسق السياسة الخارجية.

************

ترتيب المخاطر الجديدة في السياسة الأمنية الأمريكية بعد الحرب الباردة

مقدمة:
سنبرز من هذه المداخلة نقطتين هامتين:
– تراتبية القيم من خلال التحالف اليهودي المسيحي لمواجهة الإسلام.
– السياسية الأمنية الأمريكية لمواجهة “الإرهاب الإسلامي”
المحور الأول: التحالف اليهودي- المسيحي في مواجهة الإسلام
نشير بداية أن القيم مفهوم مطاطي يتعلق بتضارب المصالح، وبالتالي يحاول كل طرف أن يعمم قيمه على الآخر، وينظر إليه نظرة فوقية وعدائية، وهنا ينشأ التصادم. وقد ركزت النظرية الاجتماعية النقدية* على ذلك، حيث ترى أن النظرية هي دائما لشخص ما ومن أجل هدف معين.(Theory is always for someone and for some purpose.)
وقد أشار برتران بادي في كتابه “انقلاب العالم”(1) إلى عودة المقدس إلى مسرح العلاقات الدولية، إذ يرى أنه: “ينبغي أن ينظر بعين الاعتبار إلى الأثر الناجم عن المفهوم المسيحي الذي تعتنقه النخبة عن سلوكها الخاص والذي تستمده من المأثور ومن الأساطير المؤسسة للولايات المتحدة على السياسة الخارجية الأمريكية.”(2) وهو ما تجلى في خطابات سياسية تحمل مفردات ذات طابع ديني وأخلاقي، ومع وصول قوى اليمين الديني المتطرف في أمريكا إلى الحكم، تم تقسيم العالم إلى الشر والخير وهي دلالات أخلاقية قيمية.
لكن هل فعلا استبعد الدين عن العلاقات الدولية؟
ذهب الكاتب الفرنسي أندري فروسارAndré Frossard إلى إن “القرن الواحد والعشرين سيكون قرنا دينيا بإمتياز”(3). والعودة القوية للظاهرة الدينية لا يمكن النظر إليها كبعد ظرفي شاذ قابل للتراجع في كل لحظة، بل هذه الصحوة الدينية نابعة من صميم الواقع التاريخي الإنساني، ذلك أن الدين ظاهرة ملازمة للوجود الإنساني ووجوده حاسم في الثقافات والحضارات والانعطافات التاريخية الكبرى.
وحسب ألفين وهايدي توفلر فإن التأثير المتزايد للأديان العالمية من الإسلام وحتى الأرثوذكسية الروسية، مرورا بطوائف العصر الجديدة المتكاثرة بسرعة ليست بحاجة إلى توثيق، فالكل سيكون لاعبا أساسيا في النظام العالمي للقرن الحادي والعشرين.(4)
فالشخص يمكن أن يكون نصف فرنسي ونصف جزائري، ولكن من الصعب جدا أن يكون نصف مسلم ونصف مسيحي. وعليه في الصراعات الثقافية يطرح السؤال: “من أنت؟” بدلا من “مع أي طرف أنت؟”. فكما يرى تيموثي جارتون آش أن: “الهوية بالأساس، تحديد للذات، لكن يجب أن يؤخذ في الاعتبار كذلك ما يراه الآخر.”(5) فتركيا ترى نفسها أوروبية، إلا أن أغلب دول الاتحاد الأوروبي لا يراها كذلك، فهي دولة من الشرق الأوسط أو من آسيا، بينما الجميع يرى أن بريطانيا أوروبية، إلا إنها ترى نفسها أطلسية.
وقد بدأ الحديث لدى أوساط العلاقات الدولية، والعدد من الإستراتيجيين عن العامل الديني بوصفه أحد أقوى التأثيرات المحركة للشعوب وللصراعات، خاصة في المناطق الجيو إستراتيجية الحساسة (الشرق الأوسط، البلقان، وآسيا الوسطى، وشمال وجنوب البحر المتوسط).
ويجادل المفكرون الغربيون حول الأفكار، التي ترى أن العالم قد يتوحد يوما ويلتقي على مجموعة مشتركة من القيم، في حين كشفت أحداث 11 سبتمبر التناقضات الكثيرة، ولكن هناك اتفاق واسع النطاق بين أناس ينتمون إلى ديانات مختلفة، وآخرين لا يدينون بأي ديانة حول رفض الإرهاب باعتباره أداة سياسية. ومن الخطأ أيضا تسمية “الغرب” وما يسمى “البقية”.
وفي نظر فرنسيس فوكاياما أن الديمقراطية واجهت تحديين: الفاشية بمختلف أشكالها والشيوعية. وكان الانتصار الأخير لصالح الديمقراطية الليبرالية. أما التحدي الذي بقي أمامها فهو الإسلام. لذا تم الاتفاق الضمني لمواجهته من خلال:
 اختراق مقومات الهوية العربية – الإسلامية وطمسها.
 تطويق المنطقة العربية – الإسلامية واحتوائها.
 دمج إسرائيل لتحقيق أمنه.

فقد جاء في كتاب باسكال بونيفاس “الحرب العالمية الرابعة” إن: “تجسيد الخطر الإسلامي مر بمراحل، فمن (خطر الجنوب)، ثم وصف العالم الإسلامي، قبل أن يتم تصحيح التسمية والاتجاه نحو تجريم “الحركة الإسلامية المتطرفة”، ثم أخيرا “الإرهاب الإسلامي”، وعليه يجب على الغرب التوحد تحت القيادة الأمريكية.”(6)
ويعتقد هنتغتون أن للحضارة طبيعة جوهرية موضوعية بوصفها أرقى أشكال التعبير عن الهوية، ولكل كيان حضاري خصائصه الجوهرية الثابتة التي تجعله متميزا عن الكيانات الثقافية الأخرى. والدين يشكل قوة مركزية تحرك الناس وتحشدهم، لذلك يمكن تعريفها إلى حد كبير من خلال الدين الذي هو العلامة الفارقة للتمييز بين الحضارات.
وهنا نلاحظ أنه لا يضيف الجديد، فقد أشار ابن خلدون إلى الوازع الديني في إنشاء الدولة، أو ما يسميه المفكر الجزائري مالك بن نبي المركب الحضاري الذي هو الدين في إنشاء الحضارة. وعليه يقسم العالم إلى ثماني مجموعات حضارية: الحضارة الغربية، الأمريكية اللاتينية، الإسلامية، الصينية الكونفوشيوسية، اليابانية، الهندية، السلافية الأرثوذوكسية، وربما الإفريقية. ويميز داخل الحضارة الإسلامية بين مجموعة من الحضارات الفرعية هي: العربية، التركية، الفارسية، والماليزية.
ولعل اتهام الإسلام بالإرهاب تعبير واضح عن الهجمة العدوانية للغرب. فإصدار هنتغتون أحكاما قيمية متسرعة حول الإسلام، ماهو إلا فهم سطحي لهذا الدين، وتعبير عن حقد دفين يهودي، حيث روج لفكرة خطيرة مفادها أن للإسلام “حدود دموية”، وهنا كان استغراب عبد الله العروي* منطقي، حيث يقول: “كيف يمكن الانطلاق من مفهوم غامض لبناء تحليلات سياسية يقول أنها وصفية مطابقة للواقع.”(7) وجاء كتابه عبارة عن أحكام مسبقة مستهلكة من طرف وسائل الإعلام، من خلال مايلي:
يدعي هنتغتون بأن الحرب الباردة الجديدة هي بين الإسلام والغرب، حيث يرى أن: “الإسلام هو أكثر الأديان صرامة خارج العالم المسيحي، كذلك هناك شعور عام لدى المسلمين بأن الغرب قد قهرهم واستغلهم لفترة طويلة. وهنا نبدي ملاحظة أن الإسلام دلالة دينية وحضارية، والغرب دلالة جغرافية، وعليه ما يجري حاليا هو توحيد الغرب الجغرافي في إطار تحالف ديني مسيحي- يهودي. ويقع في خلط كبير بين الحركات التحررية ضد الاستعمار وبين الحروب المقدسة، والأحداث الدموية التي جرت في يوغسلافيا لم يقم بها المسلمون، وإنما انتهكت ضدهم، أما بالنسبة للشرق الأوسط، فهم في موقع دفاعي وليس هجومي كما يروج له.
يدعي أن الثقافة الإسلامية كانت عاملا أساسيا في فشل الأنظمة الديمقراطية في معظم دول العالم الإسلامي. وهذا فهم سطحي للإسلام الذي أساسه الديمقراطية والمساواة والعدل، كما أنه لا يوجد أية دولة في الوقت الحالي تطبق الإسلام في الحكم، وإنما هي أنظمة تقلد الغرب.
في نظره أن لدى المسلمين صعوبة في التعايش مع جيرانهم، وهم ينزعون إلى عدم الاندماج بسهولة في المجتمعات المختلفة عنهم. وهذا لا يطابق الحقيقة، فالغرب لم يحاول الاندماج مع الآخرين، بل حاول فرض قيمه ومعتقداته على الآخرين، وغالبا ما يتم الاعتداء على المسلمين من الدول الغربية.
يذهب أن الإسلام دين دموي عنيف، متناسيا اليهودية التي تقوم على مذهب يوشع بن نون* للعنف والتوسع. ومع تفحص للأسفار الخمسة للتوراة، نجد الأكثر دعوة للدموية والعنف سفر التثنية، وسفر العدد، وسفر يوشع بن نون أول من أرسى التقاليد العسكرية الإسرائيلية المرتكزة على العنف والتوسع، وعليه يذهب دفيد بن غوريون ** David Ben Gourion بالقول إنه يعتبر يوشع بطل التوراة، فإنه لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان المرشد، لأنه توصل إلى توحيد قبائل الصحراء.(
وبالنظر إلى السلوك الأمريكي، من خلال إستراتيجية محاربة الطغيان لسنة 2005م، التي ترتبط على المستوى التطبيقي بالعالم الإسلامي والشرق الأوسط، ومتابعة المسؤولين الأمريكيين تشير إلى تركز حالة الطغيان بالدول العربية والإسلامية بالأساس. وغالبية أنظمة الشرق الأوسط والعالم الإسلامي ينطبق عليها أحد الأوصاف الثلاثة: إرهابية، أو راعية الإرهاب، أو طاغية.
وعليه سيخضع العالم الإسلامي لرؤيتين هما: مواجهة الإرهاب ومواجهة الطغيان، وستكون العلاقة بينهما في حالة ديناميكية دائمة، حيث سيتم استغلال حالة الضعف في دول الطغيان من أجل إحكام الخناق على دول الإرهاب واستخدام الحلفاء من أجل تطويق الأعداء.
السياسة الأمنية الأمريكية لمواجهة “الإرهاب الإسلامي”
أهم ما يميز السياسة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي ما عبر عنه زكي العايدي “بفقدان المعنى” أو ما عبر عنه بيتر ماكغرات “بفقدان الهدف” The loss of mission وما ذهب إليه رالف بيترز Ralph Peters في مقاله “أعداؤنا الجدد القدامى” حيث يرى أن العدو وحده هو الذي يحدد المعنى لحياتنا وبه أيضا نطور قدراتنا العسكرية. ويرى أنه منذ سقوط الاتحاد السوفيتي تفتقر الولايات المتحدة إلى عدو، ويجب طرح السؤال العسكري الرئيسي “من هو عدونا؟”**. فغياب الخصم طرح إشكاليات مهمة مما عبر عنه لستر ثارو بأن “أي انتصار مفاجئ غير منتظر يخلق مشاكل نفسية للمنتصر” ويمكن إجمالها في نقطتين:
1- عدم القدرة على تحديد ما يمكن اعتباره تهديدا خطيرا للمصلحة القومية الأمريكية وبالتالي النظام الدولي.
2- مبدأ “النظام” لا يتمتع بتأثير كبير في الرأي العام الأمريكي نظرا لعدم وضوح الرؤية حول هدف “الأمة” الأمريكية ككل وغايتها.
وهنا نتساءل عن “ما هو الغرب الإستراتيجي” بعد أن زال الشرق الذي كان يعطيه معناه السياسي؟ وهل يعتبر كل من اليابان وروسيا جزءا من الغرب الأطلسي؟ فتحديد هوية الغرب انطلاقا من عداوته للشرق أصبح أمرا مستحيلا في الوقت الحالي، رغم أن الولايات المتحدة حاولت خلق العدو الجديد تارة بالمنافس الاقتصادي وبالتالي تصبح مقولة “لا عدو دائم ولا صديق دائم بل مصلحة دائمة” صالحة على اليابان والاتحاد الأوروبي الحلفين السياسيين للولايات المتحدة.
ورغم الزخم الهائل من الكتب التي تشير إلى العدو الجديد، فإن ذلك لن يجيب عن مطلب الهوية بالنسبة للمجتمع الغربي الذي فقد الرؤية الإيديولوجية وبالتالي فقد المعنى، ولعل التحالف البروتستانتي الصهيوني هو محاولة لوضع الإسلام عدوا خارجيا، ومحاولة أمريكية لتجديد التحالف الأمريكي – الأوروبي في إطار محاربة “الإرهاب”***.
ويرى كارتر أشتون وويليام بيري** بأن مع انتهاء الحرب الباردة أصبح من الضروري على الولايات المتحدة إعادة التفكير فيما يتعرض له الأمن الأمريكي من مخاطر. ويمكن إعادة ترتيب هذه المخاطر ترتيبا نزوليا من أشدها خطرا إلى أقلها خطرا. فعلى رأس الترتيب توجد القائمة (أ) وتشمل المخاطر التي تهدد الوجود الأمريكي من النوع الذي كان يشكله الاتحاد السوفيتي سابقا، هذه القائمة خالية مع وضع روسيا وريثة الاتحاد السوفيتي بين قوسين بصفة مؤقتة. القائمة (ب) هي التهديدات القائمة على المصالح الأمريكية ولكنها لا تهدد وجود أمريكا أو طريقة الحياة الأمريكية (وهي كل دول محور الشر وعلى رأسها إيران). القائمة (ج) من الأخطار التي تهدد الأمن والسلم الدوليين، ولكنها لا تؤثر في أمن الولايات المتحدة تأثيرا مباشرا، ولا تهدد المصالح الأمريكية تهديدا مباشرا. والإستراتيجية الوقائية هي إستراتيجية دفاعية للولايات المتحدة في القرن الحادي والعشرين.

وخلو القائمة (أ) يحدث شيئا من الارتباك لدى الأمريكيين الذين حققوا انتقالية ضخمة بالتحول من دحر العدوان إلى ردع العدوان بعد الحرب العالمية الثانية، وعليه تحاول الولايات المتحدة إقناع حلفائها بضرورة اهتمامها بالقائمة (ب) بمساندة أوروبية بغير شروط، وتدخلها مباشرة دون استشارتهم، وهذا ما لا تقبله الدول الأوروبية وعلى رأسها فرنسا، واهتمام أوروبا بالقائمة (ج) يرجع لما لها من قدرات دبلوماسية لحل هذا النوع من النزاعات.
وبما أن القائمة (ج) لا تهدد المصالح الأمريكية ولا الوجود الأمريكي فهي أقل أهمية، وأي تدخل أمريكي سيكلفها أموال ووقتا على حد قول لستر ثارو في كتابه “مستقبل الرأسمالية”: “إنه في عالم تحكمه التكتلات الاقتصادية لا أحد يضم في صفه الخاسرين؛ وأقصد به إفريقيا جنوب الصحراء”، وليس بأهمية القائمة (ب) التي يوجد على رأسها الشرق الأوسط، فإن معظم النزاعات في القائمة (ج) من حصة أوروبا.
وفي كل المراكز والمنتديات التي تهتم بقضايا الأمن، هناك الحديث عن خطر الجنوب كبديل لخطر لم يأت من الشرق، كما لو كان الأمر مجرد إعادة توجيه جغرافي للخطر، يسمح بالإبقاء على إطار التحليل ومرجع استراتيجي تقريبا متطابق مع الخطر السابق.
وإذا كان فرنسيس فوكاياما يقلل من أهمية أحداث 11 سبتمبر 2001م، إذ يعتبر الهجمات حركة ارتدادية يائسة ضد العالم الحديث، فإنه يلفت النظر إلى الحاجة الملحة للنظر إلى التحدي الذي يواجه الولايات المتحدة.
وما يميز هجمات 11 سبتمبر أنها كانت على الأرض التي لم تتعرض لهجوم منذ استقلالها النهائي سنة 1815م، وافتقاد الولايات المتحدة بعد انتصارها على الاتحاد السوفيتي لعدو خارجي للاستمرار، وبالتالي أصبح التركيز على محاربة الإرهاب، وعليه فقد وضع “الإرهاب” في المرتبة نفسها التي كانت للاتحاد السوفيتي والشيوعية.
ويرى هنري كيسنجر أن: “الهجمات يمكن أن تحول إلى صياغة النظام العالمي للولايات المتحدة، ودفعت القوى المنافسة مثل الاتحاد الأوروبي واليابان وروسيا والصين والهند إلى التعاون بصورة وثيقة مع الولايات المتحدة، وهي مسألة لم تكن متوقعة قبل تلك الهجمات بسبب الخلافات السياسية القائمة بين الولايات المتحدة وتلك القوى الدولية بصورة منفردة، مما أدى إلى بناء علاقات شراكة جديدة بين الجانبين، كما خلق ذلك أجواء جديدة للعلاقات الدولية”.(9)
ويرى كيسنجر أنه: “لأول مرة منذ نصف قرن أدى هذا الوضع إلى عدم مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية خصما إستراتيجيا أو أي بلد وحيد أو متحالف، يستطيع أن يصبح كذلك خلال العقد المقبل”(10). كما أن هذه الدول الكبرى لم تعد تنظر إلى بعضها، على أنها تشكل تهديدات إستراتيجية، بل أصبحوا يرون أن الخطر الذي يتعرضون له جميعا لا يأتي عبر الحدود، وإنما من الخلايا الإرهابية المزروعة داخل بلدانهم. وهذا في حد ذاته تحول في الإستراتيجية الأمريكية التي كانت تميل إلى الانفرادية، وتسود علاقتها مع الدول الأوروبية بالتوتر بسبب برنامج الدرع الصاروخي، وبرتوكول كيوتو للبيئة.
كما سمحت الأحداث بإيقاظ الوطنية الأمريكية وأعطت الفرصة للمحافظين الجدد لفرض سياستها التوسعية وشن حرب غير مباشرة على المؤسسات الدولية (ماعدا التجارية والمالية) بقصر آلياتها لمحاربة العدو الجديد مجهول الهوية (الإرهاب) والدول المارقة ومنع وقوع أسلحة الدمار الشامل في يد “الأشرار” وتحديدها في محور سمته “الشر”، تصنيفا أخلاقيا للعلاقات الدولية (الشر والخير)* ، ثم حددت من الخير في تصنيف مهمته محاربة الإرهاب “رسالة إلهية” وهنا ربط ثان للسياسة بالدين، وعليه يصنف الإرهاب أيضا في التصنيف الثاني تصنيفا للدين وهو “الإسلام”.**
إن دعوة الولايات المتحدة لإقامة تحالف دولي ضد “الإرهاب” تشمل معظم دول العالم ممثلة في دول الحلف الأطلسي، ودول الشرق الأوسط، ودول آسيوية، فشعار ” من ليس معنا فهو ضدنا” هو تحالف ضد مجهول. وقد استغلت روسيا هذه الأحداث لحسابها، خاصة اتجاه ألمانيا وأوروبا اللتين فهمتا طبيعة الحرب الروسية –الشيشانية.
وقد أوضح لفاروف الخطوط العريضة لسياسة روسيا في عهد بوتين حيث يرى أن “دمقرطة” العلاقات الدولية ضرورية وحتى تكون الديمقراطية قيمة عالمية يجب أن تحقق بطريقة مختلفة في كل دولة حسب الثقافة والتقاليد الوطنية.
كما أن الإرهاب ليس له جنسية ولا ديانة، لذا ترفض روسيا استعمال مصطلح “الإرهاب الإسلامي” لأنه حسب وزير خارجيتها أوروبا لها تاريخ غني ومعقد مع العالم الإسلامي ويجب أن لا تخضع لهذه الفكرة المغلقة.
وفي هذا الصدد تتفق روسيا وألمانيا في التحديد والتعريف “للنظام الدولي الجديد” الأكثر عدلا وأمانا، وهما حليفان في مكافحة الإرهاب، روسيا باعتبارها دولة متعددة القوميات والديانات، وألمانيا يعيش فيها عدد كبير من الجالية الإسلامية، وهذا يستدعي حوار الحضارات.(11)
فالرسالة الإلهية حددها بوش في نصر “المسيحية الصهيونية” في مواجهة “الإرهاب الإسلامي”، وصفها صامويل هنتغتون قبله بصراع الحضارات.
فبعد 11 سبتمبر وجدت الحاجة الأمريكية إلى سياسة أمنية جديدة من خلال تقنين ثلاث وثائق نشرت في عام 2002م وهي “إستراتيجية الأمن القومي للولايات المتحدة” و”الإستراتيجية القومية لأمن الوطن” و”الإستراتيجية القومية لمكافحة أسلحة الدمار الشامل”.
وتمركز التفكير حول كيف يمكن للولايات المتحدة أولا استخدام القوة لهزيمة الإرهابيين والأنظمة التي ترعاهم؟ وثانيا حول سبل تكييف القوات الأمريكية لتمكينها من تنفيذ عمليات استخدام القوة المطلوبة.
ويرى جيمس روزنو ويال فرغسون بأن أحداث 11 سبتمبر 2001م لم تغير جوهريا بنى السياسة العالمية وقاعدتها، رغم عالمية الإرهاب التي يمكن أن تفسر على أنها تحول براديغمي، إذ إن الإرهاب يتعدى الفوضى بين الدول القومية، والقوة العظمى الأمريكية في إطار الواقعية غير المؤهلة لمواجهة الفوضى الجديدة.
ويكمن الحلم الأمريكي في المحافظة على سلاحها النووي بإقامة درع صاروخي (حاجز أمني ونظام مضاد للصواريخ). إنما هو في حقيقته يعزز القوة العسكرية الأمريكية المعبرة عن هيمنتها على العالم، وبحثها عن دفاع بلا حدود يضمن أمنها وسلامة أراضيها ولا تهم سلامة أصدقائها وأمنها.(12)
ولا تعني الولايات المتحدة بالدرع الصاروخي التخلي أو تعويض الردع النووي، ولكن تعزيزه واستكماله من مجرد قوات ردعية إلى دفاع شامل وكامل، وعليه منع أي هجوم بلاستيكي خارجي محتمل. فقبل الحرب الباردة كان الخوف من صواريخ سوفيتية، أما الآن فيمكن أن تكون صواريخ عابرة للقارات من “الدول المارقة” أو “محور الشر”، وبعد سنوات أكيد من الصين أو روسيا أو إيران محور اهتمام الولايات المتحدة، أو ربما كان الهدف الحقيقي الخفي لمشروع الدرع الصاروخي.(13)
فشن الحرب على الإرهاب لا يقتصر على الاكتفاء شنها على منفذي الهجمات ضد الولايات المتحدة، وأن يكون نطاق العمليات العسكرية محدودا بأفغانستان فحسب، بل بشنها على الإرهابيين ورعاتهم في مختلف أنحاء العالم.
وحسب ديك تشيني بأنه “سينظر إلى أي نظام يأوي إرهابيين أو يدعمهم على أنه معاد للولايات المتحدة”. كما أعلن الرئيس بوش جنيور في جانفي 2002م أن “على جميع الأمم أن تعلم: أن أمريكا ستفعل كل ما هو ضروري لضمان أمنها، فلن تسمح الولايات المتحدة لأخطر الأنظمة في العالم بتهديدنا بأكثر الأسلحة تدميرا(14).
فامتلاك قدرات عسكرية معينة يمكن أن يبرر مهاجمة أصحابها، حيث يتم الإجابة عن السؤال التالي: “ما هي الإجراءات التي يتعين على دولة ما أو مجموعة من الدول اتخاذها، إذا علمت من مصدر موثوق بأن عددا من البلدان التي لديها نيات عدوانية تجاهها وتجاه الدول المجاورة لها تسير حثيثا نحو امتلاك أسلحة الدمار الشامل؟”
والإجابة عن هذا السؤال موجودة في ما تسميه ” إستراتيجية أسلحة الأمن القومي الجديدة “الحرب الاستباقية”، أي استخدام القوة استباقا لخطر امتلاك دول معادية أو مجموعة إرهابية أسلحة الدمار الشامل.
وهذه الوثيقة تعلن أنه: “على مدى قرون اعترف القانون الدولي بأنه لا يفترض أن تواجه أي أمة هجوما قبل أن يتاح لها قانونيا اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن نفسها في مواجهة القوى، التي تمثل بالنسبة إليها مصدر خطر هجوم وشيك… علينا أن نكيف مفهوم التهديد المباشر مع قدرات خصوم اليوم وأهدافهم.” وهو توسيع مفهوم الاستباق التقليدي ليتضمن “الحرب الوقائية” والتي يمكن بموجبها استخدام القوة حتى في حال عدم وجود دليل على وقوع هجوم، لضمان عدم تنامي أي تهديد جدي للولايات المتحدة من أسلحة الدمار الشامل مع الوقت. والولايات المتحدة غير مستعدة للاعتماد حصريا على مقاربات غير عسكرية لمسألة تقليص التهديدات أو إزالتها دون استبعاد استعمالها.”
ومن “وجهة إستراتيجية ومن مبدأ الحذر” الاستمرار في تطوير صورايخ الدفاع وبمقاربة “منع أي خطر سياسي واستراتيجي لأسلحة الدمار الشامل” تطويرها في الاتجاه “الهجومي” ضد أي من له رأي مخالف. فالدرع الصاروخي ينتقل من “الردع” إلى “الفعل الوقائي” أو كما سماه كارتر أشتون “الدفاع الوقائي” لتطوير مذهب الحرب” الوقائية Préventive ” والحرب الاستباقية Préemptive” لإدارة بوش جنيور.
وفي هذا الإطار تستعمل الصواريخ المضادة أداة أمريكية لضرب (العراق، إيران، الصين أو ..؟..) دون خوف من أي انتقام خطير، لأن الدرع الصاروخي سيكون مركز سيناريو التدمير المتبادل المؤكد The Mutual Assured Destruction ( MAD) أو توازن القوى الذي يمنع أي هجوم استباقي يتبع بضربة ثانية أكثر خطورة ودمارا، بينما التدمير الأحادي المؤكد Unilateral Assured Destruction (UAD) هو تكملة ضرورية “للبحث عن القوات العسكرية” أي قدرة الولايات المتحدة للعودة إلى المعركة على أرض العدو دون أن تعرض أراضيها للمساومة، لأنها حرب هجومية وقائية أو استباقية دون أي منازع أو منافس.
والهدف الرئيسي للمراجعة هو تحويل أساس التخطيط الدفاعي من “النموذج القائم على التهديد Threat based model”، الذي سيطر على التفكير العسكري في الماضي إلى “النموذج القائم على القدرات Capabilities based model” إلى المستقبل. ويركز النموذج الأخير بدرجة أكبر على كيف يمكن محاربة العدو، بدلا من تركيزه على من يفترض أن يكون مثل هذا العدو أو أين يمكن أن تقع الحرب.
أي التحول من القدرة على الردع على قاعدة “مقاس واحد يناسب الجميع في عصر الحرب الباردة، إلى الردع المفصل على مقاس القوى المارقة وشبكات الإرهاب، ومن الاستجابة بعد نشوب الأزمة (رد الفعل) إلى الأعمال الوقائية، ومن التخطيط في وقت السلم إلى التخطيط سريع التكيف، ومن التركيز على الحركات إلى التركيز على الآثار.”(15) وقد شكل مبدأ “الحرب الاستباقية أو الاجهاضية جوهر وصلب إستراتيجية الأمن القومي 2002م، وهو المبدأ الرئيس الذي يشير بقاؤه أو اختفاؤه إلى استمرار أو تغيير للإستراتيجية.
وفي محاضرة بمجلس العلاقات الخارجية في 25 سبتمبر 2003م، تحدث جوزيف ناي عن أمرين: أحدهما هو الطريقة التي قدمت بها إدارة بوش جنيور الاستباق Pre- emption* ليصبح عقيدة، فالاستباق هو حقيقة في الحياة الدولية، وليس شيئا جديدا استحدثته هذه الإدارة، ولكن ما فعلته الإدارة الأمريكية هو أنها وسعت الاستباق الذي يعني تهديدا وشيكا ليشمل الإجهاض **Prevention الذي يعني التعامل مع تهديد قد لا يكون وشيكا تماما، ولكنه جاد، ولا تريد أن تنتظر حتى يصبح واقعا.
ورغم أن جوزيف ناي يؤكد أن هناك أسبابا لذلك، فإنه انتقد خلط الإدارة بين الاستباق والإجهاض، وهو ما يمثل -حسب ناي- صدعا استراتيجيا حقيقيا.(16)
وميز جون لويس جاديس في مقال له بين الاستباق والإجهاض على أساس أن الاستباق يعني القيام بعمل عسكري ضد دولة على وشك شن هجوم، وهو أمر يسمح به القانون الدولي والممارسة من أجل إحباط الأخطار الواضحة.
أما الإجهاض فيعني بدء الحرب ضد دولة قد تفرض مثل هذه الأخطار عند مرحلة مستقبلية محددة، ودعا جاديس إدارة بوش جنيور إلى إرضاء الآخرين واستشارتهم وإقناعهم قبل العمل الاستباقي، مؤكدا أنه حتى يمكن تدعيم النفوذ فإن ذلك لا يستلزم القوة فقط ولكن أيضا غياب المقاومة.(17)
والسؤال الذي طرحه فرنسيس فوكوياما يدور حول فيما إذا كانت عقيدة بوش ستطبق ثانية في المستقبل، ولكن الأهم هل بإمكان الولايات المتحدة مستعدة للتدخل ثانية انفراديا لإسقاط النظام في دولة مارقة تنشر السلاح النووي، وأن تنجح ثانية في ممارسة بناء الدولة الأمة؟(18)
وقد دعا كولن بأول في 14 ماي 2002م أعضاء الحلف الأطلسي إلى العمل مع بعض لتحديث الجهاز العسكري للحلف الأطلسي لمواجهة الظاهرة الخطيرة الجديدة وتبني إجراءات جديدة لمكافحة الإرهاب بزيادة ميزانية الحلف ابتداء من الولايات المتحدة، التي تمتلك ميزانية دفاع مهمة جدا للحلف. وضرورة عقلانية المصاريف الموجهة للدفاع، وعلى الجميع العمل على تحديث الجهاز العسكري، وهذا يعكس التخوف الكبير التي تحدثه الفجوة الكبيرة بين القوات العسكرية الأمريكية والقوات الأوروبية داخل الحلف.
وذهب السكرتير العام للحلف روبرتسن Robertson إلى الاتجاه نفسه، حيث أشار إلى ضرورة تحديث الجهاز العسكري للحلف لمواجهة الإرهاب وإلا سيكون مهمشا. وعلى الحلف أن يتغير جذريا ليكون أكثر فاعلية في البيئة الأمنية الجديدة، خاصة بعد الهجمات الحديثة Moyens de Transport Stratégiques et des Capacités de Frappe Moderne.
فإستراتيجية الأمن القومي الأمريكية 2002م لم تكن محددة جغرافيا أو زمنيا أو سياسيا، فمن الناحية الجغرافية تم إعداد إستراتيجية الأمن القومي إزاء ظرف دولي وأمريكي للتعامل مع خطر برز من منطقة العالم العربي والإسلامي، على أساس أن كل الفاعلين في الهجمات من دول عربية، ولكنها لم تعلن استهداف العالم العربي والإسلامي فحسب، فقد تضمنت الإستراتيجية مجموعة من المبادئ لتوجيه السياسة الخارجية الأمريكية وسياسات الأمن القومي على مستوى العالم ككل. وأكد رامسفيلد على أهمية التأثير في الأحداث لخلق بيئة إستراتيجية مواتية، قبل أن تصبح التحديات الخارجية أكثر خطرا، وضرورة تصميم إستراتيجية تقوم على توقع المفاجآت والاستعداد للتعامل مع أوضاع عدم اليقين الإستراتيجي.
وعليه قامت إستراتيجية الدفاع القومي الأمريكية لسنة 2005م على أربع نقاط إرشادية تشكل التخطيط الإستراتيجي، وصنع القرار الأمريكي وهي:
• الدفاع النشط والتراتبي Layard، بمعنى تركيز التخطيط العسكري والعمليات والقدرات الدفاعية على الدفاع النشط والاستباقي Forward والتراتبي للمصالح والشركاء.
• التحول المستمر، بمعنى التكيف باستمرار على الاقتراب من التحديات ومواجهتها والعمل مع الآخرين.
• المنهج القائم على القدرات Capabilities Based approach للتعاطي مع التحديات الظاهرة، وترتيب التحديات والقدرات التنافسية.
• إدارة الأخطار، بمعنى الأخذ في الاعتبار المدى الكامل للأخطار وربطها مع الموارد والعمليات.
ومع مجيء كوندوليزا رايس تغير مفهوم “محاربة الإرهاب” إلى “محاربة الطغيان”، الذي يعطي الإدارة الأمريكية فرصة أكبر للتحرك الخارجي ضد أنظمة قمعية استبدادية لنشر الحرية في العالم، لأهميته الوظيفية والمصلحية على أساس أمن الولايات المتحدة، الذي يعتمد على القضاء على الطغيان ونشر المبادئ الأمريكية.
وعليه فالأنظمة التي لا يمكن وصفها بالإرهابية أو مارقة يمكن أن توصف بالطاغية والاستبدادية. كما أن مفهوم محاربة الطغيان يوسع خيارات الإدارة الأمريكية، بينما الدول المارقة مقصورا على أربع دول، ارتبط الإرهاب بالشبكات الإرهابية وبنظامين محددين (العراق وأفغانستان) أو الدول الراعية للإرهاب (إيران والسودان)، فإن مفهوم الطغيان يتضمن دولا وصفت بأنها صديقة وحليفة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط.

***************