بقلم الدكتور علي لكحل، استاذ بجامعة الجزائر 3

لنصارح أنفسنا حتى تكون أحكامنا صحيحة، لا بد ان تكون منطلقاتنا صحيحة، يعتقد بعض من شارك الحراك في مسيراته أنه المحرك ومن ثمة يحق له التفاوض باسم الشعب، وهي محاولة يائسة لاختطاف الحراك، خاصة في الاسابيع الأخيرة الت وجهت فيها ضربات قاصمة لرموز الفساد.
ولذلك اعتقد ان جنود الخفاء لن يسمحوا لسراق الثورات ان تختطف من بينهم آمال الشعب الجزائري. وعليه لابد ان يبحث الناس وتطرح الاشكاليات لمعرفة حقيقة الحراك، لأن معرفة الحقيقة ستحدد طبيعة السلوك.
اولا: منذ بداية الحراك الجميع يتحدث عنه ولا أحد حدثنا عن المحرك، من حركه لنعرف من له الحق في قطف ثماره، الناس استجابت لبيانات مجهولة الهوية في المواقع الاجتماعية، طالبتهم بالخروج وحددت التوقيت المناسب 22فيفري.
ومن لديه بيان مكتوب تبناه حزب او جماعة او منظمة او جمعية فليزودنا به.
هنا نتسائل لماذا يخفي هؤلاء الوطنيون الذين رفعوا شعار اسقاط عصابة كاملة انفسهم ويحرموا انفسهم من الظهور؟
يفترض ان المخطط هو القائد الفعلي للحراك، وظهوره يعني سقوط من يدعي اليوم انه يمثل الحراك او يقوده او يتكلم باسمه، او يقدم مطالب معينة تحت عبائته.
لاحظنا ان الحراك بدا وطنيا في شعاراته ومطالبه، وبطله في هذه المرحلة الشعب والجيش، ولكن ظلت قياده غير معلومة.
الحراك والأقلية
في المرحلةالتي. تعهد الجيش بحماية الحراك من الاختراق ومرافقته في تحقيق مطالبه كاملة غير منقوصة،بدأت تتحقق بعض الاهداف مثل اسقاط العهدة الخامسة واسقاط التمديد للرابعة، واسقاط الانتخابات نفسها لان البعض حاول من خلالها إعادة انتاج نفس النظام باستخدامها كواجهة دون تغيير الوجهة.
وفي مرحلة تعاظم مكاسب الحراك، وخسارة السلطة لبعض مكاسبها، بدأ البعض يروج لفكرة التمثيل، من يمثل الحراك، وكان تفسير ذلك ان هذا البعض يريد ركوب الموجة ويوهم الناس انه قائد الحراك، وان المكاسب تتعاظم بفضله وفضل جماعته، اتضح لاحقا ان تلك الاصوات لم تكن سوى اصوات كانت تتتألم من حركة المنجل التي طالت محركيها ومموليها، وليس بكاء على الشعب وطموحاته. وتأكد للكثير ان العصابة تخترق الحراك لجعله ظهرا يركب ليس لصالح الحراك وانما لجعل العصابة في أريحية معتقدين ان اختراق وتحريف الحراك هو أداة التفاوض على موقع الأقلية في الحكم.
وانتقل الحراك من مطالبه الوطنيةلمطالب أقلية تصفي حسابات العصابة مع حركة المنجل باستخدام من تمت تسميتهم بالمبردعين.
الناس تحركت لجعل الانتخابات حرة ونزيهة واولئك تحركوا للمكاسب والمناصب في المجالس المعينة الانتقاليه والتأسيسية.
الناس تحركت لمكافحة الفساد وهم حاولوا جعل الحراك أداة لاطلاق صراح رموز الفساد.
الناس خرجت للدفاع عن قيمها وثوابتها الوطنية،. وهم خرجوا لاعادة النظر في هوية المجتمع.
الناس خرجت بمنطق اعادة بناء الدولة وهم خرجوا بمنطق الدشرة والعرش.
اذا يتأكد لنا هؤلاء لا علاقة لهم بالحراك ولا قيادته، لأن شعارات الحراك في بدايته مختلفة عن شعارات النهاية فيه.
إذا فحراك الشعب قيادة وهدفا ليس هو حراك الأقلية قيادة وهدفا.
ثانيا: الأحزاب
كانت الاحزاب جزءا من النظام السابق وهي حركات تحت الطلب وقيادات العلب، لايمكن ان تكون محركا للشارع، وهي التي كانت تزن حركتها وتصوغ المواقف على وزن رنات الهواتف. وعجزها عن قيادة الحراك سبب بعض المشكلات لأن السلطة الفاعلة يهمها الحديث إلى قيادات سياسية يفترض ان تزن الكلمة المسؤولة المعقولة.
لكن اتضح ان الشعب تجاوز الاحزاب تماما كما تجاوز العصابة، وفي ذلك تحميل لها؛ الشراكة والمسوولية على ماوصلت إليه حالة البلاد. اذا لا يمكن ان يكون االشريك جزءا من القيادة.
ثالثا: رجال المال والاعمال
هذه الطبقة كان معظم من فيها متحالفا مع السلطة السابقة، ونتائج عمل القضاء تؤكد ذلك اليوم. بل ان تغول الاوليغارشية المالية كان أحد اسباب الحراك ضد السلطة. ولذلك لايمكن للسبب ان يكون مسببا للحراك.
فالمنطق يستبعد هذه الطبقة من قيادة الحراك وصنع هدفه.
رابعا:المجتمع المدني
هناك جمعيات متعددة لكن لم تصل بعد درجة المجتمع المدني الذي له مفاهيمه الخاصة، والجمعيات في أغلبها نشأ في حضن السلطة ودعمها وتمويلها، وبالتالي سقط مفهوم المجتمع المدني الذي يقوم على الاستقلالية وليس على التبعية، ولذلك يستحيل على جمعيات مهما كان نفوذها او عددها أن تقود هذا الحراك.
خامسا : العامل الخارجي
منذ سنة 2011م، ومع بوادر ماسمي بالخريف العربي، حاولت ثلة تدعمها قلة ركوب موجة الحراك العربي، وحاولت الأمميات العابرة للقارات بجميع أطيافها السياسية نقل تلك التجربة من خلال خلق بيئة احتجاجية لكنها فشلت في نقل التجربة، فكان الحراك الجزائري ربيعا خاصا بها لاعلاقة له بالتجارب العربية، ولذلك كان متميزا، وهنا تقلص الدور الخارجي في صنع الحراك الجزائري إلى أبعد الحدود، إلا ماتعلق بتأثيرات إعلامية ومواقع عنكبوتية تحاول توجيه الحراك باتجاهات معينة، ولذلك فإن العامل الخارجي ليس الفاعل الأساسي في الحراك لكنه يحاول التأثير فيه.
والواضح ان العناصر المذكورة كانت متفاعلة فيما بينها لسنوات، وقد شكل الحراك لها مفاجئة من حيث التوقيت والتنظيم والنتائج. وقد تحول بعضها لمجرد قوى منبهرة بالحراك، وبعضها مجرد معلق على الأحداث، وبعضها راكب للموجة، وبعضهم يختفي وراء الحراك ليسجل بعض الصور التذكارية. وبعضهم يحاول اختراق صفوف الحراك لتحريف اهدافه او احتوائه.
إذا علينا ان نبحث عن البطل الحقيقي، بعد ان تعرفنا على مدعي البطولة، أو مايسمى بالظواهر الصوتيه والافتراضية العاجزة على فهم الحراك الذي يحمل الصفة الوطنية، وعاجزة عن تنظيمه و فرض منطق الأقلية.
اذا من وراء الحراك؟ ومن يحميه؟ ومن سيسفيد منه؟
أولا: عناصر وطنية ترفض أن تكون في الواجهة، كانت وراء بيانات تحدد وقت خروج الجماهير دون ان يظهر لنا من بينهم اسم ولا رسم ولا هيئة ولاحزب ولا تنظيم ، هذا يشير إلى أن هؤلاء الوطنيون لايحبون الظهور وان هدفهم ليس الوصول لمكاسب او مناصب لأن الهدف هو انقاذ الجزائر من عصابة انهت مفهوم الدولة لصالح المفهوم النابليوني أنا الدولة من خلال شخصنة النظام. وفي اتجاه آخر تم تفكيك مؤسسات الدولة وتعويضها بحكم المجموعات و لصالح اصحاب المصالح، ودجنت وقسمت المعارضة فعجزت السلطة عن انتاج البديل.
ومن هنا كان لابد من حراك قيادته مجهولة وحمايته معلومة.
لماذا يظل المحرك مجهولا؟ لأن ظهوره يعني إجهاض الحراك.
لكن لاحظنا أن الجيش بلسان قائده تعهد بحماية الحراك، وتعهد بتحقيق اهدافه كاملة غير منقوصة.
وهذا التوافق بين الجيش و الحراك و التعهد بحمايته، هو الذي فرض شعار خاوة خاوة، الأمر الذي ازعج أطراف أخرى ينتمي جلها ان لم أقل كلها للاطراف التي سبقت الإشارة اليهم سابقا وهم عصابة واحزاب وجمعيات ورجال مال واعمال وحتى اطراف خارجية.
اعتقد ان البعض في مراحل الحراك الأخيرة حاول تجاوز هذه الحقيقة، مدعيا البطولة ملوحا بها على مواقع التواصل الاجتماعي، عاملا على تأجيج العواطف تحريكا للعواصف، لكن الواضح ان الحراك ماض في تحقيق اهدافه تحت حماية الجيش، وان الثورة المضادة هي محاولة يائسة للوقوف في وجه من نظم الحراك ومن يحميه.
والأيام القادمات هي مرحلة استكمال تنفيذ مطالب الشعب كاملة غير منقوصة فانتظروا نتائج الحراك الحقيقي، ولا تلتفتوا الى الحراكات الافتراضية، والثورات المضادة.
من نظم الحراك ثم من يحميه، لا اعتقد انه سيسمح باختطافه. لكنه لن يتراجع عن تحقيق اهدافه.
سيظل الشعب وحده و معه من يخطط ويحمي هم وحدهم الذين سينالون شرف تخليص الأمة من محاولة اختطاف وطن كامل.