محمد عبدالرحمن عريف

     هي مذكّرات الفريق أول محمد فوزي، وزير الحربية المصري إبّان نكسة يونيو، وتسلط الضوء على كواليس وتفاصيل الوضع السياسي والعسكري في مصر بعيد النكسة وخلال حرب الاستنزاف، وكيف تم إعادة بناء الجيش المصري الذي دٌمّر في أيام قلائل. كما تتطرق المذكرات إلى مرحلة مهمة من مراحل النصر، وهي “حرب الاستنزاف” أو كما سماها الفريق أول محمد فوزي في مذكّراته “حرب الثلاث سنوات 1967-1970″، والتي ساهمت في إرباك العدو الإسرائيلي والتمهيد لتحرير الأرض المصرية في حرب أكتوبر 1973.

       يروي فوزي كيف استطاع عبد الناصر إقناع السوفيت بإرسال صفقة أسلحة ضخمة ضمنها 32 كتيبة صواريخ سام بكل أجهزتها وخبرائها، و120 طيار سوفياتي درجة أولى. ويروي القائد العام للجيش المصري ووزير الحربية الأسبق الفريق أول محمد فوزي في كتابه “الإعداد لمعركة التحرير” (1967 – 1970)، أن عبد الناصر  اتصل به  في 11 حزيران/ يونيو 1967، في الساعة الواحدة بعد الظهر، وقال له ما نصه: “هل تتحمل يا فوزي مسؤولية قيادة القوات المسلحة في الوقت الحاضر؟”، فأجابه: نعم. فقال عبد الناصر: “سأعلن هذا القرار في الساعة الثانية والنصف في إذاعة القاهرة، وعليك أن تؤمن البلد والقوات المسلحة، حتى ألتقي بك مرة أخرى في السابعة مساء. وفعلاً صدر القرار وعينت قائداً عاماً للقوات المسلحة. وذهبت إلى عبد الناصر في الساعة السابعة مساء حيث أعطاني التوجيهات السياسية والعسكرية الذي ينحصر في كلمتين: عليك أن تبني القوات المسلحة مرة أخرى على أسس علمية بهدف استرجاع الأرض المغتصبة سنة 1967. وهي سيناء والجولان والقدس والضفة الغربية وغزة”. فأجابه قائلاً: العدو لن يتركني أفعل ذلك يا ريس. فرد عبد الناصر: “نعم، هذا تقدير سليم، فالعدو لن يتركك، لذلك نأتي إلى الواجب الثاني المطالب به، وهو مواجهة العدو أثناء بناء القوات المسلحة. فأصبح هناك واجبان، ثم أضاف لهما شرطين، وهو تحديد المدة الزمنية لإنجاز عملية البناء، وكانت محددة بثلاث سنوات أو ثلاث سنوات ونصف على الأكثر. وقال لي أيضاً: “عليك أن تدرب الجيش، وترفع كفاءته واستعداده بالطريقة التي تريدها، أما التسليح، فأنا الذي سآتي به من الاتحاد السوفياتي” والظرف كان لصالحنا، فحنفية الاتحاد السوفياتي كانت مفتوحة على آخرها، وبالتالي تجاوزنا أهّم عقبة وهي مسألة توفير السلاح”. يتابع فوزي.. يقول: “بدأت بإخراج القادة المنسوبة إليهم الهزيمة، وعدد كبير منهم كان بدرجة فريق. ثم قمت بتعيين زملاء لي أثق بهم، فعينت واحداً في المنطقة الشرقية وآخر في المنطقة الشمالية، وآخر في المنطقة المركزية، وفي المقاطعات المختلفة في أغراض التأمين المؤقت”.

إستشهاد الفريق عبد المنعم رياض

     يكشف فوزي أن قائد أركان الجيش المصري الشهيد الفريق عبد المنعم رياض كان أول واحد تناقشت مع عبد الناصر لتعيينه في القيادة في يوم 11 حزيران/ يونيو 1967، في السابعة مساءً. وقد طرحت اسمه من دون تفكير. فنظر لي الرئيس باندهاش، وقال: “إزاي تنطق بسرعة؟”. فقلت: “أنا فكرت فيه قبل أن آتي إلى هنا وأنت تعرف أنه من العباسية مثلي، وأننا خريجا سلاح واحد، دفاع جوي، وأبوه ضابط وكمان أبوي … فردد عبد الناصر بابتسام: “الله …الله …”. وقصد بها مؤامرة ضده، طبعا بمزاح، فعلقت بسرعة: “ما تفهمهاش كده يا ريّس، إفهمها من محمد فوزي بس”.

    يذكر فوزي أن استشهاد رياض في شمال الإسماعلية حيث كان يتفقد الخندق للموقع في النسق الأول للجيش الثاني الميداني، وجنازته التي تحولت إلى ملحمة وطنية كان على رأسها الرئيس عبد الناصر، شكلا من اليوم التالي قوة دافعة لكل الوحدات القتالية ونشرها على الجبهة لتصعيد عملياتها.

    كان إنتقام مدفعية الجيش المصري لإستشهاد الفريق رياض سريعاً، حيث نجحت في قصف وقتل مجموعة قيادة العميد الصهيوني “إشعياهو” وهو يتفقد قواته على الجانب الآخر للقناة حيث وقع معه 35 قتيلاً إسرائيلياً و300 جريح، بالإضافة إلى تدمير تسع دبابات إسرائيلية، وعربتي جيب وعربة صواريخ. وقد شكلت هذه العملية عاملاً مهماً في رفع معنويات الجنود.

    يلفت الفريق أول فوزي نظر القارئ إلى أنه قبل يوم 11 حزيران/ يونيو 1967، “كانت مصر من دون قيادة سياسية ولا من دون قيادة عسكرية. فالشعب محتار، أين هو؟ لقد كان في فراغ وهو ما سماته في كتبه بالفراغ في القيادة السياسية والعسكرية. إذن الشعب، هو الذي كان يمسك البلاد يوم 9 و 10 حزيران/ يونيو. عبد الحكيم عامر كان قد أعلن استقالته .. وهذه المرحلة اعتبرها تغطية الإحراج السياسي والعسكري بالنسبة للحكم”.

    عن معرفته بالرئيس عبد الناصر يقول فوزي: معرفتنا ببعض كانت سابقة وقديمة وهو الذي عينني في السابق رئيس أركان حرب القوات المسلحة من دون رغبة المشير عامر والقادة الآخرين. ويؤكد  فوزي أن عبد الناصر نجح في إيهام الاتحاد السوفياتي بأنه شريك في الهزيمة. وقال له ما معناه أنت كنت موجوداً معنا، فكيف تسمح بحصول الهزيمة، إذن أنت شريك لنا فيما حصل، فعليك بالتعويض، تعويض السلاح الذي فقدناه وأحسن، فقال له الروس: أسلحتنا حديثة. فأجابهم عبد الناصر: وما الأمر في ذلك، تعطونا خبراء من الجيش السوفياتي العامل، لا من الجيش الاحتياطي حتى يساهموا في تأهيل جنودنا على استخدام السلاح الحديث ومن هنا أصبح السلاح والخبراء متوفرين.

     لقد ساهم سفر الرئيس الجزائري الراحل هواري بومدين والرئيس العراقي الراحل عبد الرحمن عارف إلى موسكو في تحفيز الاتحاد السوفياتي للاستجابة لطلبات دول المواجهة. وقد كان قرار القمة العربية في الخرطوم، والتعديلات التي أدارها  عبد الناصر في المؤسسات والدولة والجيش دافعاً لشعور الجانب السوفياتي بوجود تغيير جذري في أساليب العمل الأكثر أهمية. وقد ساعدت اللقاءات الخمس التي عقدت بين البلدين في الفترة من 1967 إلى 1970 على توفير دفعات منتظمة للتعاون العربي – السوفياتي في المجال العسكري.

     يبين فوزي أن تعويض الخسائر جاء سريعاً عقب المعركة مباشرة. بدأ الجسر الجوي والبحري منذ يوم 9 حزيران / يونيو 1967 بـ550 رحلة جوية، 150 باخرة لنقل المعدات البحرية لمصر، شملت في الأسبوع الأول بعد المعركة 93 طائرة ميغ 17 و25 طائرة ميغ 21.

قصة صواريخ سام 3

     يروي فوزي أنه في كانون الثاني/ يناير 1970، قدم للرئيس عبد الناصر تقدير موقف عن حالة القوات الجوية والدفاع الجوي وأوضح أن حالتيهما لا تمكناه من الوفاء بالأهداف التي وضعها له في 11 حزيران/ يونيو  1967، وكان لديهم نقص في الطيارين.  ولقد سجل له عبد الناصر أمانته في نقل الحقيقة، حيث لم يخدعه. فسأله: “طيب ماذا نفعل؟”. فقال له فوزي: “مباشرة نحو موسكو”. وبقنا يخططان طوال الليل، حتى أنجزا قائمة احتياجات مصر، وهي تتكون من السلاح والضباط والخبراء الروس، وهو ما اعتبره فوزي قمة المساعدة.

عبد الناصر يهدد السوفيات بترك الحكم

    يحكي الفريق فوزي قصة جميلة حول إحدى لقاءات عبد الناصر في موسكو، ففي هذه الزيارة أبدى استياءه الشديد من معدل الإمدادات العسكرية السوفياتية وعدم تناسبها مع المعركة وهدد بترك الحكم لزميل له، يمكنه التفاهم مع الولايات المتحدة الأميركية. وبعد جدل طويل، قالوا له: “يا سيادة الرئيس، هذه ليست من سلطاتنا، وإنما سلطة المجلس الأعلى للدفاع”. فأجابهم عبد الناصر: “وما الأمر في ذلك. هاتولي المجلس الأعلى”. فقالوا له: هؤلاء يبلغ عددهم 1517، ومنتشرون في كل أنحاء الاتحاد السوفياتي، فقال لهم: “ومالوا، بريجينيف يأتي بهم”، وفعلاً أعطونا مهلة 48 ساعة وبقينا نحن في الاستراحة بموسكو.

     لم ينم الرئيس السوفياتي ليونيد بريجنييف تلك الليلة، من هليكوبتر إلى مكتبه، ومن إتصال إلى إتصال، وجاء في الليل بسيارته خلسة إلى الاستراحة، ومن دون حرس، ودخل مباشرة إلى غرفة نوم الرئيس، وقال له: “لا تؤاخذني على إزعاجك في هذا الوقت، لأني سعيد جداً بأني لبيت مطالبكم وقمت بالواجب”. وفي اليوم التالي وقفوا في الكرملين، ووقف بريجينيف، يتلو لائحة “بقرار من مجلس السوفيات الأعلى تقرر.. كذا، كذا..”.

    يتابع فوزي: عدنا إلى مصر بصفقة أسلحة ضخمة من ضمنها 32 كتيبة صواريخ سام بكل أجهزتها مع ما يلزم من خبراء، بالإضافة إلى 120 طيار سوفياتي درجة أولى مكونة قوة دفاع جوي، واستقبلتهم سراً في الإسكندرية، وأوصلتهم إلى مواقعهم، ويومها كنت أريد 110 مليون جنيه، طوارئ، وقام الرئيس بجلسة سرية في مجلس الأمة، ووفر لي هذا المبلغ. وباتفاق في الكرملين، كنت أخذت من الرئيس فرصة 40 يوماً حتى أتمم الإستعدادات على الأرض لهذه القوة، حتى لما يأتي الخبراء والكتائب من هناك يجدون مواقعهم ومهماتهم جاهزة وقد ضبطوا التوقيت حتى يصلوا إلى هنا قبل الأربعين يوماً بخمسة أيام. وفي يوم 39 في الليل، لم استخدم الهاتف، وإنما أخذت سيارتي حتى منشية البكري، ودخلت على الرئيس بعد أداء التحية وقلت له “تمام يا أفندم، النهار ده يوم 39، أنا جاهز”.

السوفيات يقدمون لمصر السلاح مجاناً

     يكشف فوزي في كتابه” بأنه برغم من أن مصر قامت بجدولة ديونها مع الاتحاد السوفياتي، فإن مصر لم تدفع أي قسط من أقساط هذه الديون حتى ذلك الوقت. والاتحاد السوفياتي في المقابل لم يمسك دفتراً وفواتير ويحسب ثمن الطائرة كذا وثمن المدافع كذا، وعليكم ديون كذا، وفوائدها كذا.. هذا لم يحصل أبداً. لقد جاءنا كل السلاح الذي أردناه أولاً، وبفائدة تقدر بـ 2% ثانياً، وما فيش دفع خالص ثالثاً. وقد تناقل المعنيون بالأمر في مصر إصطلاحاً صدر عني “على النوتة” تدليلاً على عدم دفع أي قيمة مادية لأية صفقة تسليح مع الاتحاد السوفياتي”.

     يروي فوزي أنه في اَخر لقاء له مع السوفيات في تموز/ يوليو عام 1970 فاتح القادة السوفيات الرئيس عبد الناصر في موسكو عن تأخر مصر في دفع الأقساط، فكان رد عبد الناصر بصراحة: “إحنا ما عندناش فلوس. وأنتم وعدتم قبل ذلك أنكم ستبحثون عن البترول في الصحراء الغربية في مصر فإن وجدتموه فلكم 50 في المائة منه”، وسكت القادة السوفيات عن إثارة الموضوع”.

حرب الاستنزاف

     يحذرنا فوزي في كتابه “الإعداد لمعركة التحرير” من أن نصدق أن “حرب الاستنزاف”، قد تحددت مسبقاً أو أنهم قالوا “لنعلن حرباً تستنزف إسرائيل، كلا هذا لم يحدث”. ويؤكد بأنه لم يعطِ يوماً أمراً ببدء حرب الاستنزاف، أبدا ذلك لم يحدث.

     يسأل فوزي هل تريدون معرفة من بدأها؟ يجيب: الجندي، نتيجة رغبته في الثأر لأنه يشعر بأنه “أتخم” في الهزيمة. ويعطي مثالاً على ذلك: تلقيت في منتصف ليل 11 – 12 حزيران/ يونيو 1967 بلاغاً من قائد القطاع الجنوبي للجبهة أن جندياً مصرياً شاهد عدداً من الجنود الإسرائيلين يستحمون في مياه القنال، فاستاء لهذا المنظر وأطلق النار عليهم فقتل جندياً إسرائيلياً وجرح اَخرين، ورد العدو بالمثل. وسأل القائد عن إجراءات محاكمة هذا الجندي. وعندما بلغوني في الليل بأن أحد جنودنا قد اخترق أوامر وقف إطلاق النار وقتل إسرائيليين، وطلبوا مني، ما الذي يجب أن يفعلوه؟ في هذا الوقت فكرت في رد فعل معنوي لدى باقي الجنود وهم يشعرون بمحاكمة جندي زميل لهم قتل جندياً إسرائيلياً وشعرت في قرارة نفسي أنني مشدود عاطفياً إلى الوقوف مع هذا الجندي، تحفيزاً لروح الثأر التي لحقت بجميع العائدين من سيناء في هذا الوقت بالذات.

إعادة الإعتبار لشخصية المقاتل المصري

    أصدرت قراراً للقائد المحلي بعدم محاكمة الجندي وقلت لهم رقوه إلى أعلى رتبة وكل من يقتل ويخترق وقف إطلاق النار أعطوه ترقية، وأن يطلب له ميدالية يضعها على صدره تحفيزاً له وتشجيعاً لزملائه الاَخرين، وكانت توجهاتي أن يمنح هذا الجندي إجازة ميدانية ليزور أهله.  فقد كان لتواجده بين أهله مفتخراً بالميدالية الممنوحة له كأول جندي قتل إسرائيلياً على الجبهة أكبر الأثر في رفع الروح المعنوية بين أوساط الشعب المصري.

     يستطرد فوزي عن أول جندي أطلق النار على الجنود الإسرائيليين بقوله: أوّل من نفذ هذه العملية، أعطيته أنا شخصياً النيشان ونزلت صورته في الصحف، وقلت إن من يأخذ إجازة من هؤلاء الأبطال يجب أن ينزل إلى الناس بميداليته مع لباسه المدني حتى لما “تشوف أمه النيشان تقول له: “منين ده يا محمدين؟ يقول لها: أنا عبرت القنال، زغرتي “ياما”.

تحفيز المقاتل المصري على مهاجمة “إسرائيل”

      انتشر خبر القرار العاطفي المتجاوب مع شعور كل الجنود في الجبهة وتحمس الجنود الاَخرون. وقد تكررت الحادثة ثاني يوم، وهذه المرة أطلق النار خمسة من جنودنا. وثالث يوم تكررت هذه الحادثة مرة أخرى، وأطلق النار 10 من جنودنا. وبدا العدو يرد النار على جنودنا، وكانوا يتعمدون النزول للمياه حتى يؤكدون ملكيتهم لها. وهكذا بدأت حرب الاستنزاف، من بندقية، إلى رشاشة إلى مدفع إلى مدفع ثقيل إلى دبابة حتى تدخل الطيران المصري في الحرب في شهر تموز/ يوليو 1969.

     يقول فوزي عن هذه الإختراقات الفردية: كنت أشجعها من تحت إلى تحت. وحاولت بعد ذلك، أن أهذب كلمة “الثأر” حتى تصبح (التحرير) بدلاً من الثأر، تمشياً مع حضارتنا العربية الإسلامية. وحاولت أثناء الحرب، تأهيل المقاتل تأهيلاً طبيعياً عملياً تحت النيران، وذلك أفضل بكثير من تدريبه في القاهرة. وأصدرت أوامر أخرى تقول إن كل من يعبر القنال ويلقي قنابله اليدوية أو يستخدم رشاشه ويقتل إسرائيليين يعطى نيشان درجة ثانية، ومكافأة مادية.

     لقد انتهت حرب ١٩٦٧ بنكسة مصرية وكان على مصر أن تعمل على إعادة بناء قواتها المسلحة والاستعداد لإزالة آثار العدوان والنكسة. وبالطبع كان لابد وأن يمر وقت قبل أن تكون مصر مستعدة لاستئناف القتال، لكن كان واضحًا أن “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة” وإسرائيل لم تكن مستعدة لأن ترد ما اغتصبته من الأرض العربية، بالرغم من أن قرار مجلس الأمن رقم ٢٤٢ كان يقضي بألا تستولي دولة على أراضي دولة أخرى بالقوة وبأن تنسحب إسرائيل من أراضي عربية استولت عليها بالقوة. وكانت الجبهة الداخلية في مصر يشوبها نوع من التوتر والشعور بأن الجيش المصري لم تتح له فرصة القتال الحقيقية وأن الانسحاب الذي تم وأتاح فرصة لإسرائيل أن تستولى على أرض سيناء، والضفة الشرقية من القنال لا يتحمل الجيش مسئوليته ولم يكن راجعًا لضعف الجيش المصري، لكن ما تم كان تنفيذًا لتعليمات القيادة.

     كان الجيش المصري منذ نكسة ١٩٦٧، وتحطيم قوة الطيران المصري بالذات بحاجة لإعادة تسليحه، وإعادة ثقته بنفسه وبقيادته. ولذلك كان قرار القيادة المصري هو أن تعمل مصر على بناء القوات المسلحة من جديد، وهذا يستغرق بعض الوقت، وكان لا بد وأن يشعر الشعب المصري أن المعركة لم تنته، وأن الجيش المصري قادر على أن يسترد ما أخذ من ترابه الوطني، ولذلك قررت الحكومة المصرية أن تباشر في هذه الفترة ما عرف بحرب الاستنزاف إلى أن تستكمل القوات المسلحة استعداداتها للحرب التي لا مفر من أن تخوضها لاسترداد كرامتها وأرضها.

معركة رأس العش

     في فترة حرب الاستنزاف حدثت عدة أحداث كان لها أثرها في الاستعداد للمعركة القادمة، من هذه الأحداث معركة رأس العش التي أظهرت فيها القوات المصرية قدرة فائقة على المقاومة والصمود أمام قوات أكثر منها عدة وعددًا. فعقب انتهاء حرب ٥ يونيه ١٩٦٧ واحتل العدو شبه جزيرة سيناء عدا جزء صغير من الأرض شرق وجنوب مدينة بور فؤاد تمركزت فيه وحدات صغيرة من الصاعقة والمشاة. وقام العدو بسلسلة هجمات للقضاء على الموقع المتبقي من جزيرة سيناء بيد القوات المصرية في الأول من يوليه ١٩٦٧ لكن كل هجماته البرية والجوية باءت بالفشل للدفاع الصعب والشرس الذي بذله المدافعون، مما كبد القوات الإسرائيلية خسائر باهظة في الآليات والأفراد. وجدير بالذكر أن هذا الموقع بقي صامدًا طوال فترة الاستنزاف وحتى تحرير سيناء في أكتوبر ١٩٧٣.

معركة بورتوفيق

      في ١٠ يوليه ١٩٦٧ أصدرت القيادة  العسكرية أمرًا للكتيبة ٤٣/ صاعقة: التسلل ليلاً إلى منطقة بورتوفيق حيث يعتبر هذا الموقع المحتل منطقة حساسة وهامة ومصدر تهديد مباشر لقواتنا ومنشآتنا النفطية. تمكنت الكتيبة ٤٣ من التسلل لمواقع العدو الحصينة حيث دمرتها تدميرًا كاملاً وعادت دون أي خسائر تذكر. كانت هذه المعركة فاتحة معارك لقوات الجيش الثالث الميداني والتي توالت بنجاح بعد ذلك.

مؤتمر القمة العربي الأول في الخرطوم- أغسطس 1967

    انعقد مؤتمر القمة العربي الأول في الخرطوم في أغسطس ١٩٦٧ وتطوعت فيه الدول البترولية العربية بتقديم مساعدات مالية للدول المتضررة من العدوان الإسرائيلي لمساعدتها على تعويض خسائرها والاستعداد لمحاربة العدو، وقد بلغت المساعدة المالية لمصر وحدها ١٣٥ مليون جنيه استرليني سنويًا. وفي مجال تعويض الخسائر في السلاح في حرب ١٩٦٧ اتجه جمال عبد الناصر إلى الاتحاد السوفيتي لإقناع القادة السوفيت (ليونير بريجينيف، وكوسيجين) بضرورة تلبية طلبات مصر من السلاح لا لمجرد الدفاع عن أراضيها فحسب بل أيضًا قوة تجبر العدو على الانسحاب من الأراضي التي احتلها في ١٩٦٧. وبعد هذه الزيارة بدأت شحنات الأسلحة السوفيتية ينتظم وصولها لمصر وقد وضع (الفريق عبد المنعم رياض) رئيس أركان الحرب المصرية – خطة العمل الرسمية على الجبهة في هذه الفترة –فترة حرب الاستنزاف– كما شارك فيها عدد من الخبراء السوفيت الملحقين بالقوات المسلحة المصرية. ومن أهم مبادئ هذه الخطة عمليات عبور للحدود لإفراد مسلحين من القوات المصرية– تدخل إلى المواقع، وتواجه تحصيناتها، وتشتبك مع قوات العدو وتتعرض لدورياته. وفي الأيام الأخيرة من شهر إبريل ١٩٦٩ – كانت الجبهة بطول ١٢٥ كيلو مترًا من رأس العش في الشمال إلى خليج السويس إلى الجنوب مشتعلة بالنار– وقد نجحت قوات وصل حجم بعضها إلى مجموعة كتيبة تحت قيادة العقيد إبراهيم الرفاعي قائد العمليات الخاصة الصاعقة حتى منطقة  “ممر متلا”.

عمليات ومعارك القوات الجوية

-في ٢٤ يوليه ١٩٦٩: تم شن سلسلة غارات جوية ناجحة على المواقع الإسرائيلية في أم خشيب مركز قيادة العدو الأمامي.

-في ١١ سبتمبر ١٩٦٩: قامت أكثر من مائة طائرة مقاتلة قاذفة مصرية بالإغارة وليوم كامل على المحور الشمالي لسيناء المحتلة من رمانة حتي مصفق والمحور الجنوبي في متلا والحيطان.

-في نوفمبر ١٩٦٩: هجمات منسقة للطيران المصري طوال شهر أكتوبر على منطقة الساحل الشمالي لسيناء حيث مراكز إيواء وتدريب وإعاشة وتشويش للعدو.

-بداية عام ١٩٧٠: بدأ الطيران الحربي المصري في الإغارة على العمق للأراضي المحتلة في سيناء وكانت غاراته مركزة على منطقة ناحل يام غربي العريش.

-فبراير ١٩٧٠: ردًا على الضربات الجوية والبرية المركزة للقوات المصرية وما ألحقته من خسائر  فادحة في صفوف العدو قام الطيران الإسرائيلي بشن عدة غارات على مواقع مدنية ثأرًا لخسائره حيث سقط أكثر من ٧٠ شهيدًا من العمال في قصفة لمصنع أبي زعبل.

– ١٨ إبريل ١٩٧٠ وحتى ٢٨ إبريل: شن الطيران المصري هجمات جوية ناجحة ولمدة أحد عشر يومًا على مواقع قيادة العدو في سيناء والتي شملت تدمير مواقع صواريخ الهوك ورادرات القوات الجوية ومناطق تجميع الدبابات.

–  ٣٠ مايو ١٩٧٠: تمكنت صواريخ الدفاع الجوي غرب القناة من إسقاط طائرة استطلاع جوي الكتروني وعلى متنها اثنتي عشر خبير فني إسرائيلي قتلوا جميعًا.

– يوليه ١٩٧٠: تم وضع اللمسات الأخيرة على خطة عمليات القوات الجوية لتحرير سيناء والتي كانت جاهزة لتصديق القائد الأعلى للقوات المسلحة الرئيس جمال عبد الناصر عليها.

– ٣٠ يونيه حتى ٦ يوليه ١٩٧٠: اصطادت الصواريخ المصرية المضادة للطائرات أكثر من ١٨ طائرة وأسرت ٥ طيارين أحياء عدا عن إصابة أكثر من ٥٠ طائرة إصابات مختلفة.

عمليات ومعارك القوات البحرية

تدمير وإغراق المدمرة إيلات

      اخترقت أكبر قطع الأسطول الإسرائيلي “المدمرة إيلات” المياه الإقليمية المصرية باتجاه بورسعيد في ٢١ أكتوبر، فتم إصدار الأوامر للقوات البحرية بالتصدي للمدمرة وإغراقها. تم تدمير المدمرة دون خسائر في زورقي الطوربيد المصريين الذين توليا المواجهة. ويذكر أن إغراق المدمرة أغرق معه ٢٥٠ عسكري بحري إسرائيلي هو طاقم المدمرة. وأمام عجز القوات الإسرائيلية بالرد العسكري لجأت إلى ضرب وقصف الأهداف المدنية والاقتصادية ثأرًا لإغراق المدمرة إيلات فقصفت منشآت البترول في السويس مما جعل الحكومة المصرية تعمد إلى إخلاء سكان المدن الرئيسية من منطقة غرب قناة السويس (نحو مليون ونصف مواطن) إلى مناطق إعاشة داخل الجمهورية. وفي ٩ سبتمبر ١٩٦٩ قامت مدمرتين بحريتين مصريتين بالإغارة من البحر على معسكرات رمانة والتي كانت مخصصة كمراكز للتدريب والراحة. كذلك قامت القوات البحرية بالإغارة على عمق مواقع العدو في سيناء بمنطقة المساعيد وعلى قصف ميناء نصراني في شرم الشيخ ومنطقة أبو رديس وسدر … واستطاعت القوات البحرية تقييد الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر وخليج العقبة.

عمليات القوات الخاصة

    في منتصف عام ١٩٦٩ قامت القوات الخاصة المصرية بالتعاون مع فدائيين فلسطينيين في الأردن وقطاع غزة بالتخطيط لضرب مواقع العدو في المنطقة بين ميناء أسدود على البحر الأبيض وميناء إيلات على خليج العقبة مع التركيز على ميناء إيلات. واستطاعت هذه القوات التحرك من الساحل الشرقي لخليج العقبة بواسطة قوارب مطاطية باتجاه ميناء إيلات حيث تسللت إلى داخل الميناء واستطاعت هذه القوات تدمير منشآت الميناء البترولية، فضلاً عن تدمير ناقلات البترول والتي كانت راسية فيه وكذلك تدمير محطات الضخ البترولية وتدمير مواسير ضخ البترول في وادي عربة، كذلك تمت عمليات مماثلة عبر خليج السويس حتى حقل علما وفي سدر وأبو زنيمة والطور.

تدمير الحفار كينتج في أبيدجان

    قامت إسرائيل بالتعاقد مع شركة كندية لاستئجار حفار بحري ضخم أطلق عليه اسم “كينتخ” لاستخراج بترول خليج السويس على الشاطئ الشرقي، تحرك الحفار بقاطرة هولندية من غرب أوروبا حيث رصد في القنال الإنجليزي متجها إلى غرب إفريقيا في أوائل ١٩٧٠ تمهيدًا لدخوله البحر الأحمر.

    تمت دراسة الموقف بالنسبة للحفار ومدى استغلال إسرائيل لاستخراج بترول سيناء بأي وسيلة وبأكبر كمية وبسرعة كما درس الموقف العسكري والموقف السياسي للدول والتي سيمر عليها الحفار وتمت موافقة الرئيس جمال عبد الناصر على ضرب الحفار قبل وصوله إلى مياه البحر الأحمر، وتابعت إدارة المخابرات العامة تحركات الحفار الإسرائيلي. تم التنسيق لخطة تدمير الحفار الإسرائيلي بين وزارة الحربية وبين المخابرات العامة وتحركت وحدة ضفادع بشرية من القوات البحرية جوًا إلى أبيدجان (ساحل العاج) حيث رسى الحفار على مينائها. فقامت مجموعة من الضفادع البشرية بتدمير الحفار ليلة ٨ مارس ١٩٧٠ تدميرًا جعله غير صالح لاستكمال مهمته. 

       لقد واجهت إسرائيل حرب الاستنزاف بتوجيه ضربات جوية إلى مواقع الجبهة المصرية وردت مصر على الغارات الجوية ببناء قواعد للصواريخ على طول الخط للجبهة حتى يمكن حمايتها من غارات العدو. كما ردت بنقل غاراتها من الجبهة إلى الصعيد المصري، فأغارت الطائرات الإسرائيلية على منشآت الري المصري في الصعيد، واستهدفت جسر نجع حمادي بقصد تدميره وإغلاق مساحات شاسعة من الأرض الزراعية وراءه، كما ضربت منشآت في طره، وكذلك مصنع في أبي زعبل، وضربت مدرسة في بحر البقر استشهد فيها أكثر من ثلاثين طفل. وهكذا امتد القتال إلى البر، والبحر، وفوق الجبهة، وداخل الصعيد، وكان رأي القيادة المصرية أن الحل السلمي لا يجدي إن لم يصاحبه عمل عسكري يمثل ضغطًا حقيقيًا على إسرائيل. كما أن العمل الدبلوماسي للدول الأربع الكبرى، وفي مقدمتها القوتان الأعظم لم يجد وكذلك لم تسفر جهود السفير (جونار يارنج ) الذي اختاره يوثانت سكرتير عام الأمم المتحدة سفيرًا له الاتصال بالأطراف المتنازعة – عن نتيجة حاسمة. ونتيجة للزيارة التي قام بها عبد الناصر للاتحاد السوفيتي في يناير ١٩٧٠ – اتخذت القيادة السوفيتية قرارًا من أخطر قراراتها في عصر الحرب الباردة وذلك بالموافقة الكاملة على طلبات جمال عبد الناصر. وفي ظرف شهر كانت أسراب الطيران السوفيتية قد تمركزت في قواعد جديدة في قاعدة (جاناكليس) غرب الدلتا، وقاعدة بني سويف في قلب الصعيد. وبدأت بطاريات الصواريخ السوفيتية تأخذ موقعها مما اضطر إسرائيل للتوقف عن غارات الصعيد.

عملية عيد العمال

     في أول مايو ١٩٧٠ اقتحمت قوة من الصاعقة المصرية موقعًا إسرائيليًا محصنًا شرقي القنطرة حيث احتفظت بالموقع ليوم كامل بعد قتل جميع عناصر العدو وكمنت هذه القوة للدوريات الإسرائيلية حيث استطاعت إلحاق خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات. وطالب جمال عبد الناصر في خطابه في عيد العمال (أول مايو ١٩٧٠) الولايات المتحدة الأمريكية بأن تضغط على إسرائيل لكي تنسحب من كل الأراضي العربية التي احتلتها، وأن توقف الولايات المتحدة شحنات الأسلحة إليها. وقد قرر جمال عبد الناصر تصعيد الهجمات على الجبهة إلى أقصى حد فبدأ بالتصدي للطائرات الإسرائيلية، وبدا ما وصفه (أنا أيبان) وزير خارجية إسرائيل (أسبوع تساقط الطائرات الإسرائيلية).

السبت الإسرائيلي الحزين

     في ٣٠ مايو ١٩٧٠، اقتحمت قوة من الصاعقة المصرية موقعًا إسرائيليًا محصنًا شرقي القنطرة حيث احتفظت بالموقع ليوم كامل بعد قتل جميع عناصر العدو، وكمنت هذه القوة للدوريات الإسرائيلية حيث استطاعت إلحاق خسائر كبيرة في الأفراد والمعدات. واجهت مجموعة الكوماندوس رتلاً إسرائيليًا مكونًا من أربع دبابات وأربع عربات نصف مجنزرة تحميه طائرتا ميراج. تم تدمير الرتل الإسرائيلي بالكامل وسقوط عناصره جميعًا بين قتيل وجريح، واستطاعت مجموعة الكوماندوس اعتقال اثنين من جيش العدو تم نقلهم أحياء إلى القاهرة. في أول يوليه ١٩٧٠ زار جمال عبد الناصر الإتحاد السوفيتي مرة أخرى.

مبادرة روجرز

      قدم روجرز مبادرته التي تفضي بأن تحل الأزمة على أساس أن تتفق مصر وإسرائيل على جدول زمني لانسحاب القوات الإسرائيلية من أراضي الجمهورية العربية المحتلة منذ حرب يونيه ١٩٦٧ لكن لم يقبل الطرف الإسرائيلي هذا الحل السلمي للمشكلة.  

     أثبتت حصيلة حرب الاستنزاف، والتي خرجت من رحم نكسة ٥ يونيه ١٩٦٧  وحتى وقف إطلاق النار المؤقت ١٩٧٠، قدرة العسكري العربي بالتصميم على إزالة جو النكسة ومحوها، ونظرًا لما خلفته من خسائر فادحة للجانب المحتل الإسرائيلي، إلا أنه يبقى ما قاله العدو الإسرائيلي ممثلاً بأحد قادته العسكريين أبا إيبان أكبر مثال على حجم الهول والرعب الذي خلفته هذه الحرب في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية: يقول أبا إيبان في سبتمبر ١٩٧٠ عن قصف المدفعية المصرية مع الغارات الجوية عبر قناة السويس كان يسبب خسائر قاسية في القتلى بمثل ما كان يتسبب لنا من خسائر في أي حرب، إن وقف إطلاق النار تم استقباله في إسرائيل بشعور الرضا حيث يتساوى مع لو كنا قد توصلنا إلى تسوية سلمية … إن نشرات الأخبار الحزينة تخبرنا بأسماء الشبان القتلى في المعركة وأن خسائرنا في القوات والمعدات الثمينة (يقصد طائرات الفانتوم والسكاي هوك) قد جعلت حرب الاستنزاف غالية التكاليف لنا”. وبالمعني نفسه كتب العميد الإسرائيلي والمعلق الصحفي ماتي بيليه: “إن فشل الجيش الإسرائيلي من الناحية العسكرية في حرب الاستنزاف يمثل أول معركة يهزم فيها في ساحة القتال منذ قيام إسرائيل لدرجة أننا في إسرائيل قبضنا على أول قشة ألقيت لنا أي وقف إطلاق النار المؤقت.

أوامر إستثنائية للمقاتل المصري

     كانت أوامري الكتابية تطالب بتهدئة الموقف وعدم الاشتباك مع العدو حتى لا يمسك علينا أحد موقفاً. ولكن القرار الصادر من قلبي جاء تجاوباً مع الشعور العام المسيطر على جميع الجنود المصريين العائدين من سيناء.

     نشير إلى أن المؤلف الفريق أول محمد فوزي (1915- 2000) ، صاحب تجربة عسكرية فريدة في التاريخ العسكري المصري. وقد تخرج على يديه الآلاف من ضباط الجيش المصري عندما كان مديراً للكلية الحربية، كما عينه عبد الناصر قائدًا عامًّا للجيش المصري ووزيرًا للحربية، وكلفه بإعادة تنظيم القوات المسلحة وتجهيزها وتدريبها بعد حرب حزيران/ يونيو 1967، فسبب ضغطًا هائلًا وخسائر مستمرة وجسيمة للعدو خلال حرب الاستنزاف (1969-1971)، وأعاد بناء الجيش الذي حقق بعض الإنجازات في عام 1973.