وليد عبد الحي

تكمن عقدة الدراسات المستقبلية في المتغير “المفاجئ او غير المتوقع”، واستخدمت أدبيات هذا الميدان ثلاثة مصطلحات لهذا المتغير وهي: قليل الاحتمال عظيم التأثير(Low Probability-high impact) او البطاقة الشاردة(Wild Card) او البجعة السوداء(Black Swan)، وتشكل دراسات بيترسون(Peterson ) منذ 1997 مدخلا مهما لهذا الموضوع، رغم ان هذا الموضوع عرف قدرا غير يسير من التطور في تحليله كما سنوضح، ولعل ابرز امثلة ذلك في تاريخنا المعاصر، هجمات سيبتمبر، الكورونا، التغيرات المناخية المفاجئة ، انقلابات عسكرية في دول غير مضطربة، وفي التاريخ القديم شكل ظهور الانبياء تحولا عميقا لكنه غير متوقع وبخاصة تحديده المكاني والزماني.
وتعاني الدراسات المستقبلية من كيفية التعامل مع هذا المتغير بخاصة ادماجه في نماذج التحليل وقياسه وتحديد وزنه،بخاصة ان اهم مشكلة في هذا المتغير أنه بلا تاريخ متصل، فكل المتغيرات لها مسار تاريخي يمكن التعويل عليه لاستنتاج مآلاته ، لكن هذا المتغير ليس له نسب او “جينيولوجي” على رأي مدرسة ما بعد الحداثة.
وقد حاولت رصد مناهج التعامل مع هذا المتغير ، وتوصلت لخلاصات على النحو التالي:
1- ان البطاقة الشاردة او البجعة السوداء او قليل الاحتمال عظيم التأثير هو” حدث” (Event) وليس اتجاه(trend).
2- تمثل البجعة السوداء تغيرا كبيرا لا مجرد حدث عابر.
3- ان عدد هذا المتغير(قليل الاحتمال عظيم التاثير) يتزايد عبر التاريخ، بمعنى لو حسبنا عدد المفاجآت كل عشرين سنة ،سنجد ان عددها يتزايد بين فترة وأخرى ، وهو امر قد يؤسس لايجاد قاعدة للتعامل معه او انه سيزيد الامور تعقيدا، لكن المؤكد هو ان الباحثين في هذا المجال متفقون بشكل كبير على تزايد مضطرد في عدد”البجعات السود”، ويميل التيار الاغلب الى ربط ذلك بالمنحنى السوقي(Logistic Curve) حيث تسارع ايقاع التغير التكنولوجي بكل ما يحمله ذلك من مفاجآت وتداعيات لهذه المفاجآت.
4- ان التخطيط على اساس ظهور هذا المتغير قد يحدث تغيرات هي ذاتها مفاجئة، لأنها مبنية على متغير “غير نسقي”،وقد لا يحدث هذا المتغير الذي بنينا على اساس حدوثه، مما يعني اننا صنعنا نتائج وتحولات استنادا لمتغير لم يحدث.
5- يحدد بيترسون خطوات التعامل مع البطاقة الشاردة على اساس :
أ‌- هل تم التفكير فيه مسبقا ،اي هل كان من ضمن المتغيرات المطروحة حتى لو لم نتوقع حدوثه(كالطفل الذي يتوقع موت ابيه رغم انه في صحة جيدة، أو ان يتوقع باحث حدوث انقلاب عسكري في بريطانيا، او ان يتمكن الاطباء من اعادة ميت الى الحياة…الخ)
ب‌- مصادر المعلومات او البيانات التي نحتاجها لمتغير غير متوقع.
ت‌- التمييز بين توقعات الخبراء والانطباع العام القائم على الحدس.
6- تزايد الانطباع الحدسي حول ظهور بجعة سوداء قد يحسن فرص ظهورها(كان الناس يعتقدون ان كل البجع لونه ابيض الى ان اكتشفوا بجعا اسود في استراليا).
7- يتم تقسيم قليل الاحتمال عظيم التاثير الى 3 مستويات: ممكن/غير ممكن أو محتمل /غير محتمل/ او معقول/ غير معقول، ويتم ادراج كل بعد من الثلاثة ابعاد السابقة في النموذج التحليلي مع ثبات المتغيرات غير المفاجئة.
8- نأخذ كل بعد من الابعاد الثلاثة في النقطة رقم 5 ونضعها على اساس : عظيم التأثير –متوسط التأثير- قليل التأثير،فيكون لدينا مصفوفة على النحو التالي: ممكن(عظيم التأثير- متوسط-قليل) و محتمل(عظيم-متوسط –قليل) ثم معقول(عظيم-متوسط-قليل)، والممكن يعني ان هناك مؤشرات قليلة تساند حدوثه، والمحتمل ان هناك مؤشرات اكثر قليلا لحدوثه،والمعقول يتوفر على اساس مقنع لافتراض حدوثه ( ويجري التوزيع على اساس ان الممكن يتوفر على 10% من مؤشرات الحدوث،والمحتمل 20% والمعقول 30%).
9- يتركز الهدف من دراسة البجعة السوداء على اساس توسيع دائرة الصورة المستقبلية استنادا لقاعدة إذا-فإن(If-Then)، وترتبط هذه المسألة بتقنية سيجما(Segma) القائمة على اساس تحليل مبني على وقوع الحدث او تحليل مبني على عدم وقوعه وبناء السيناريو على اساس كل بعد لوحده.
10- رصد البجعة السوداء مستقبلا: يبدو ان الميل لدى اغلب الباحثين هو الاستعانة بتقنية دلفي(Delphi Technique) في الرصد فقط، ويمكن الاستعانة في نهاية السيناريو بتحليل التدرج السببي(CLA) بخاصة في الخطوة الاخيرة من هذه التقنية.