تبدو السياسة في ظاهرها على الأقل، مسألة سهلة التداول، وتلك هي إحدى الصعوبات الرئيسة التي تواجه محاولات إخضاع السياسة للدراسة العلمية، فبسبب ارتباطها ارتباطا مباشرة بقضايا المجتمع والفرد، والاهتمام الذي توليه وسائل الإعلام المسموعة والمقروءة والمرئية للقضايا السياسية المتنوعة على الصعيدين الداخلي والخارجي يولد انطباعة مبهمة بأنه من السهل على المرء أن يلجأ إلى دهاليز السياسة وأن يتعرف على مفاتيحها وخباياها. كذلك فإن اختلاف وتنوع الآراء حول مختلف الموضوعات السياسية، والتي تعكسها الندوات وحلقات النقاش والبرامج الحوارية وبشكل خاص تلك التي تبثها القنوات الفضائية العديدة، يعطي الانطباع أن السياسة قد تحولت إلى ساحة مباحة ومفتوحة لكل أنواع الاجتهاد، ولا يحتاج الولوج إليها إلى تخصص من أي نوع، فبإمكان أي شخص أن يطرق بابها ويطلق على نفسه لقب “محلل سياسي”، كما هو الحال في أيامنا هذه.

ولعل ما تشهده الساحة الدولية من حروب واضطرابات وتحولات سياسية أظهر عددا لا بأس به من الأفراد غير المختصين بالعلوم السياسية، الذين شكلت طروحاتهم متلازمة للظهور المتكرر على شاشات التلفزة، فقدموا رؤى وتكهنات بعيدة كل البعد عن أسس المعرفة السياسية، مما أدى إلى تشكيل رأي عام سلبي من المتابعين تجاه السياسة وأصحابها. الأمر الذي يدفع بالباحثين في العلوم السياسية إلى التمييز بين حق كل مواطن في بلورة رأي أو موقف أو وجهة نظر خاصة به تجاه قضية سياسية ما، وفي أن يعبر عن هذا الرأي، وبين المحللين السياسيين الذين يقدمون تحليلا سياسية موضوعية وصحيحة إلى حد ما، فمن حق كل..