Print Friendly, PDF & Email

الإستراتيجية

ترجع الجذور المعرفية لمصطلح الإستراتيجية إلى العهد اليوناني، الذي كان يطلق على قيادة الجيش بشكل عام، ثم تطور في العصر الحديث للتعبير عن حفل معرفي محدد ذي علاقة بالشؤون العسكرية والتخطيط الدفاعي، وقد اقترحت العديد من التعاريف هذا المفهوم من قبل المنظرين والباحثين في الدراسات الإستراتيجية والشؤون العسكرية والتي منها أن الإستراتيجية هي: “عملية فكرية منضبطة، ذات مخرجات وغايات وطرائق ووسائل محددة بوضوح، وهي تخدم الهدف السياسي الوطني، وتخدم السياسة في إطار التقلبات والتعقيدات والهواجس وفي ظروف غموض البيئة الإستراتيجية”.

وهناك من يعرف الإستراتيجية بأنها: “فن وعلم تطوير قوة الدولة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية – السيكولوجية، والعسكرية واستخدام هذه القوة الق تأثيرات إستراتيجية تحمي المصالح الوطنية وتعززها في البيئة المستهدفة بما يتوافق وتوجهات السياسية”.

وهناك من يميل إلى النظر لمفهوم الإستراتيجية: “باعتبارها همزة وصل مهمة بين الوسائل العسكرية والغايات السياسية. بمعنى آخر، إنها العملية التي تترجم من خلالها القوة المسلحة إلى نتائج سياسية مستهدفة”. وهناك من يرى أن الإستراتيجية هي: “استخدام القوة المسلحة لتحقيق أهداف سياسية، ومن ثم الهدف السياسي للحرب”.

ويرى من جهته کلاوز فيتز أن الإستراتيجية هي: “استخدام الاشتباكات Engagements من أجل تحقيق هدف الحرب”. ويری کولن جراي أن الإستراتيجية هي: “الجسر الذي يربط القوة العسكرية بالغاية السياسية؛ إنها ليست القوة العسكرية ولا الغاية السياسية الإستراتيجية في الاستخدام الذي يجعل القوة العسكرية والتهديد بالقوة العسكرية مستمرة لتحقيق أهداف السياسة”. سواء في تعريف کلاوز فيتز أو كولن جراي، ليس الاستخدام الفعلي للقوة العسكرية في تحقيق أهداف السياسة هو المعنى الحصري للإستراتيجية، وإنما كل ما يدخل في معاني استخدام القوة العسكرية مثل المناوشات على الحدود، التهديد، استعراض القوة، البحث عن الحلفاء، الابتزاز، إضعاف الخصم؛ التي تؤدي في النهاية إلى خدمة أهداف السياسة. وبهذا الشكل، يمكن تقسيم الإستراتيجية إلى نوعين: الإستراتيجية العسكرية المعنية بفن توظيف الاشتباكات في خدمة أهداف السياسية، والإستراتيجية الكبرى الموسعة إلى العناصر غير العسكرية التي توظف في دعم وتعزيز الأدوات العسكرية في إنجاز أهداف السياسة، مثل التعبئة العامة والحشود على الحدود من أجل ردع الأعداء دون عبور الحدود الوطنية.

وهناك من ينظر إلى الإستراتيجية على أنها تحمل المستقبل أو تصمم وتنفذ من أجل صناعة المستقبل، على اعتبار أنها: “مستقبل أفضل وأكثر جاذبية بالنسبة للدولة من الحالة التي يمكن أن تكون موجودة إذا تركت الأمور للمصادفة أو لأعمال الخصوم والآخرين، فهي فاعلة استباقية، وليست تنبؤية” من جهته پری وایلی . C , WylieJ أن الإستراتيجية ما هي إلا مجرد: “خطة للعمل مصممة من أجل إنجاز هدف ما؛ لأي وجود] غاية مع نظام إجراءات من أجل إنجازها”.  يبدو هذا التعريف هو جد ضيق في مفهمة الإستراتيجية، بأن حصرها في الجوانب الإجرائية والعملية التي تنجز عبرها أهداف السياسة، وبالتالي هو يفصلها من اروحها المفاهيمية المتضمنة الأفكار التي ترسم الطريق نحو السياسة عبر استخدام القوة العسكرية. أما بالنسبة لباسيل ليدل هارت Liddell Hart Basil H ، فإنه يعتقد أن الإستراتيجية هي: “فن توزيع وتطبيق الأدوات العسكرية لتحقيق أهداف السياسة” . الخاصية المميزة في هذا التعريف هي وصف الإستراتيجية بأنها “فن”، وهذا يعني القدرة على رسم الإستراتيجية المتناسبة مع البيئة الإستراتيجية وذات فعالية في تحقيق أهداف السياسة، وهي الخاصية التي ليست متاحة في كل الظروف. إنها تتطلب قدرات معرفية ونفسية وشخصية متعددة في المخططين الدفاعيين مثل المهارة، التجربة، الحنكة، المعرفة الإستراتيجية، التوقع الصحيح، الفهم الجيد للذات والآخرين، وحسن تقدير العواقب. لكن من ناحية أخرى، يعتبر هذا التعريف جد إجراثيا، عندما يركز الانتباه على الجوانب العملية التي في واقع الأمر هي من اختصاص المخططين الدفاعيين والمطبقين الإستراتيجيين، وليس من اختصاص المنظرين الإستراتيجيين.

في مقابل ذلك، نجد بعض التعاريف التي تركز على الأبعاد السياسية للإستراتيجية كطريقة تفكير وأسلوب وظيفي في إنجاز أهداف السياسة بطريقة مميزة والتي من بينها تعريف الجنرال أندري بوفر Andre Beaufre، الذي يرى أن الإستراتيجية “هي فن جدلية القوة أو بأكثر دقة، فن جدلية إرادتين متعارضتين في استخدام القوة لحل نزاعها”؛ وكذلك هناك تعريف جريجوري فوستر Foster Gregory D ، الذي يرى أن “الإستراتيجية هي بالنهاية حول ممارسة القوة فعليا”. كذلك من التعاريف الشاملة المفهوم الإستراتيجية ما اقترحه مارتين إيدموندز Martin Edmonds بأن “الإستراتيجية تعني إدارة الحرب ككل”، وكذلك اقتراح آحر مقدم من قبل كل من ميراي Murray وجريمسي Grimsley لتعريف الإستراتيجية في صورتها الشاملة بأنها: “عملية تكيف ثابت مع تغير الشروط والظروف في العالم الذي تسيطر فيه الفرصة، الريبة، والغموض  بناء على كل التعاريف السابقة وأخرى، يمكن النظر للإستراتيجية على أنها المصدر الرئيسي في إنتاج وتوجيه بشكل واضح الأفعال العسكرية وما يدخل في حكمها نحو تحقيق أهداف السياسة، وتوظيف فن العمليات والتكتيكات القتالية كأدوات لها .

الإستراتيجية الكبرى

طرح مفهوم الإستراتيجية الكبرى مع ظهور الحروب الكبرى المعتمدة على الحشود العددية الكبيرة ذات المكنة العسكرية الكبرى، والتي ليس من السهل على كل الجيوش الصمود فيها؛ وبالتالي جذبت إلى أتونها كل مصادر القوة الأخرى: التكنولوجية الاقتصادية، الاجتماعية، السياسية، البشرية، والمالية. في هذا السياق، عرف کولن جراي الإستراتيجية الكبرى بقوله: “الإستراتيجية العظمى في الكثير من الأشياء، من بين أخرى، هي السياسية، الاقتصاد، التكنولوجيا، والأيديولوجيا، لكن الإستراتيجية الكبرى هي كذلك حول الجغرافيا”.

مركز اهتمام المخططين الإستراتيجيين في رسم “الإستراتيجية الكبرى Grand Strategy” محدد حول جعل عوامل القوة المختلفة في الدولة والمجتمع تعمل بشكل متلاحم، من أجل إنتاج القوة العسكرية الكافية لربح الحرب. بدورها تتحول تلك العوامل إلى مؤشرات إمبريقية للبرهنة على نجاح الإستراتيجية الكبرى من عدمه، وكذلك معرفة أي الجماعات السياسية سوف تربح نتيجة الحرب من غيرها، بناء على براعة تحكمها وقدرتها على تعبئة تلك العوامل للعمل باتجاه إنتاج القوة العسكرية الكافية التي تستطيع الدولة بواسطتها التغلب على خصومها؛ سواء فوق حقل المعركة أو في ميدان المنافسة الإستراتيجية. يقضي المضمون المفاهيمي بأن: “هذا الفن في تنسيق السياسات على المدى البعيد، في السلم والحرب، يعرف بالإستراتيجية الكبيری Grand Strate” و التي بدل نجاحها على تقدم الدولة في كسب الثقل الإستراتيجي على المستوى الإقليمي أو الدولي، والعكس أيضا صحيح عادة كل القوى العظمى على وجه الخصوص لديها إستراتيجية كبرى، لكن الفرق بينها أن البعض منها ينجح في تحقيق إستراتيجيته الكبرى والآخر يفشل في ذلك؛ ومن ثم، ينتج النجاح التأثير الإستراتيجي في مقابل ذلك ينتج الإخفاق التراجع. يمكن التدليل على ذلك، بأنه كان لكل من الاتحاد السوفيات والولايات المتحدة الأمريكية إستراتيجية كبرى خلال الحرب الباردة لربح أو على الأقل الصمود في معادلة المنافسة الإستراتيجية العالمية، لكن في نهاية المطاف أخفقت إستراتيجية السوفيات بسبب الفشل في القدرة على تعبئة عوامل القوة المختلفة لتعمل بشكل متلاحم في إنتاج القوة الكافية الربح نتائج المنافسة الإستراتيجية العالمية، على العكس من ذلك، كانت الولايات المتحدة تحقق نتائج واعدة في ذلك، سواء على مستوى البحث العلمي والتطوير التكنولوجيا النمو الاقتصادي، الأسواق الإقليمية، التجارة، الأسلحة الجديدة، أو على غيرها من امجالات کسب عوامل التفوق الإستراتيجي، فإذن، الإستراتيجية الكبرى ليست معنية فقط بطرق القتال فوق حقل المعركة للتغلب على قوات العدو، وإنما تمتد إلى ما وراء ذلك لتشمل عوامل القوة غير العسكرية.

يعتقد الكثير من المنظرين الإستراتيجيين (كولن جراي مثلا) أن الألمان كانوا بارعين في القتال أكثر من غيرهم، لكنهم خسروا الحرب بسبب أن هذه الأخيرة مرتبطة أساسا بالإستراتيجية الكبرى وليست تكتيك القتال وفن العمليات فقط؛ وطالما أن إستراتيجيتهم الكبرى تعثرت في الجبهة الشرقية مع الاتحاد السوفياتي، فإن خسارة الحرب هي نتيجة التوعية وحتمية. يحدد المؤرخون الإستراتيجيون أسباب إخفاق الإستراتيجية الكبرى

الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية في ارتكاب خطأين قائلين: يتمثل الأول في عام افزو هتلر لبريطانيا واكتفي بإضعافها بواسطة القصف الجوي، والثاني القيام بغزو أراضي الاتحاد السوفيان، كمنامة منهكة للجيوش عبر التاريخ الإستراتيجي الطويل لأوراسيا اوليس الألمان فقط. لقد مثلت كلتا الجهتين مصادر إنهاء للموارد الألمانية واستنزافا للقوات المسلحة طيلة فترة الحرب، إلى أن أخذت القوات الألمانية في التراجع ثم الانهيار التام في ربيع 1945.

تأخذ الإستراتيجية الكبرى بعين الاعتبار كل مجالات العمل المعززة للفعل الإستراتيجي، وكذلك كل مصادر التأثير في السلوك الإستراتيجي؛ وذلك فقط من أجل توفير الضمانات الضرورية لنجاح الإستراتيجية. من ناحية الامتداد المعرفي، أطلق بعض المنظرين في الواقعية الكلاسيكية – أمثال هانس مورغنتو”) وروبرت جيلين وكار  – على هذه الاعتبارات اسم “القوانين الموضوعية Objective Laws” التي تحكم السياسية بصفة عامة، والتي يجب على صناع القرار أخذها بعين الاعتبار عند اتخاذ القرارات الكبرى وإدارة شؤون الدولة. ومال منظرون آخرون – مهان . T . Mahan A، هالفورد ماکیندر Halford Mackinder ونيكولاس سپیکان Nicholas Spykman- إلى تسمية تلك الاعتبارات المؤثرة في بناء وعمل الإستراتيجية الكبرى “بالحيواستراتيجية”، والتي تعنی تأثير الجغرافيا في مضمون وعمل الإستراتيجية. الفكرة الأساسية المقصودة من وراء التسميات الاصطلاحية السابقة الذكر، أن الإستراتيجية لا تعمل من فراغ كما أنها لا تعمل باستقلالية، وإنها تتأثر بعدد من العوامل والاعتبارات؛ ومن ثم، سوف تحمل المحتوى الذي تمليه تلك المتغيرات والعوامل الموضوعية. من الناحية العملية، نجد أن الدول التي لديها حدود برية طويلة مع عدد من الدول غير الصديقة، عادة تميل إلى تبني رئوية القوات البرية في تحقيق حاجات الدفاع أو الاستعداد لشن الحروب؛ على عكس الدول المحاطة بالمياه (بريطانيا العظمى من كل جانب أو لديها شواطئ بحرية طويلة الولايات المتحدة الأمريكية)، عادة تميل إلى الاعتياد على القوة البحرية وتشييد المرافي البحرية العسكرية والتجارية لتبقي نفسها موصولة بالعالم الخارجي، کا تملي طبيعة الجغرافيا طريقة تحديد الحلفاء وتصنيف الخصوم أو الأعداء الدوليين، وكذلك الإستراتيجية التي يجب أن تعتمد في تطوير علاقات التحالف أو احتواء طموحات الأعداء. يمكن الاستدلال على ذلك بمثال بريطانيا في بداية القرن التاسع عشر، إذ من أجل منع عزلها عن شؤون القارة الأوربية والجولان دون سيطرة الإمبراطورية النمساوية على أوربا بعد هزيمة نابليون بونابرت عام 1815، أصرت على بقاء فرنسا في التوازن الإستراتيجي الأوربي وضرورة حضور ممثل عنها مؤتمر فيينا. الأكثر من ذلك، أن الدول التي تقع جغرافيا في قلب الصراعات العالمية، أو لها امتیازات جغرافية ذات قيمة حيوية بالنسبة الدول أخرى (منطقة الخليج العرب أو أوربا الوسطى مثلا)، عادة تكون جد حذرة في سیاستها الخارجية من تلك الدول التي تقع في الهامش.

من ناحية أخرى، تفرض عناصر الجغرافيا منطقا إستراتيجيا معينا، يوجه تفكير صناع القرار والمفكرين الإستراتيجيين وحتى المخططين الدفاعيين في رسم الإستراتيجية الكبرى للدولة؛ تتحدد تلك العناصر في وجود أنهار تقطع عددا من الدول، حقول النفط والغاز، الممرات البحرية الأساسية، الحرف القاري، الموارد المعدنية، الحقول الخصبة الكبيرة، والأراضي الصحراوية الكبيرة. فالدول مثلا التي تشترك مع بعضها البعض في مياه نهر معين، عادة تكون حذرة في علاقتها مع بعضها البعض، ولذلك تلجأ إلى عقد معاهدات تنظم حصص المياه بینها، وكذلك تنظيم حركة الملاحة عبر التهر وحركة الصيد تستمر في زمن المدى الطويل، والتي عادة ترتبط مباشرة بالبقاء القومى للدولة؛ أو بتعب آخر، تصنف تحت فئة المصالح الحيوية للدولة. بالرغم من أن المقاربة النووية ومقارية العولمة التكنولوجية قللت من أهمية الجغرافيا في بعض جوانبها الإستراتيجية، بسبب إمكانية تحليق الطائرات فوق أراضي العدو، وصول الصواريخ إلى أهدافها داخل عمق أراضي العدو، إدارة الاشتباك العالمي عن بعد، طائرات بدون طيار، الأسلحة النووية التي يمكن أن تحدث دمارا على نطاق كبير وشامل؛ إلا أن الجغرافيا مازالت تؤثر في مضامين الإستراتيجية الكبرى ومنطق التفكير الإستراتيجي، يظهر ذلك من خلال قدرة الدول ذات المساحة الكبيرة على تحمل الضربة النووية الأولى والقيام بالرد الانتقامي، على عکس الدول ذات الإقليم الضيق أو الدول الجزرية مثل اليابان وكوريا الشمالية والجنوبية وإسرائيل

ليست الجغرافيا المتغير الوحيد الأكثر تأثيرا في الإستراتيجية الكبرى، وانا هناك أيضا عناصر أخرى لا تقل أهمية عن الجغرافيا مثل الاقتصاد، التكنولوجيا، الديموغرافيا، الموارد المالية وحتى نوعية التفكير الإستراتيجي؛ على اعتبار أن غياب هذه العناصر سوف يجعل الجغرافيا عديمة التأثير على الإستراتيجية الكبرى. إذ إن هناك الكثير من الدول لديها جغرافيا كبيرة لكن ثقلها الإستراتيجي ضعيف مقارنة بدول أخرى (الجزائر مقارنة بلجيكا أو البرتغال، والسعودية ومصر مقارنة بإسرائيل). كذلك بفضل العناصر السابقة الذكر، استطاعت بريطانيا السيطرة على شبه القارة الهندية في جنوب آسيا خلال القرن التاسع عشر، وكذلك بالنسبة للإمبراطوريات الأوربية الأخرى التي سيطرت على مساحات كبيرة من قارات العالم. لذلك، اعتبر المفكر الإستراتيجي البريطاني لیدل هارت أن: “الضغط المالي، الضغط الدبلوماسي، والضغط الأخلاقي لهيا أدوات رئيسية النجاح الإستراتيجية الكبرى” .

إدراج مثل هذه العناصر ضمن الإستراتيجية الكبرى، يعني بطريقة أخرى تحديد العناصر الرئيسية للتفكير الإستراتيجي، الذي هو الاخر جزء رئيسي في بناء وتنفيذ الإستراتيجية الكبرى. يفضي الافتراض الأساسي الذي نی عليه أهمية التفكير الإستراتيجي، بأنه ليس من الكافي أن تتوفر للدولة الموارد الكبيرة والامتيازات الجغرافية الاستثنائية، وإنما أيضا ضرورة توفر الطريقة المناسبة في استخدام الموارد وتصنيع المواد الخام واستغلال منح الجغرافيا كيف ينظر صناع القرار ومراكز التفكير لتلك الموارد، وكيف يتصورون المستقبل الذي سوف تكون عليه الدولة. يعني الحديث عن النظرة للمستقبل وتصور مكانة الدولة، وجود السياسة المناسبة التي تستطيع أن تصوع التصورات والأفكار وتربطها بالموارد المتاحة ومنح الجغرافيا ضمن إستراتيجية کیری.

بناء على كل هذه الاعتبارات والمعاني، قام بول كنيدي بنوسیع مضمون الإستراتيجية الكبرى لتشمل مصفوفة كبيرة من العناصر والمتغيرات والأفكار، لتصبح عبارة عن “مزج وإدارة الموارد الوطنية بالتوازي مع الأخلاق الوطنية والثقافة السياسية، التي هي مهمة، ليست فقط فوق حقل المعركة ولكن كذلك في (خلق) إرادة الشعب لدعم الغابات وأعباء الحرب أو تكلفة القوات الدفاعية الكبيرة في وقت السلم” .

السلوك الإستراتيجي

يعرف السلوك الإستراتيجي بأنه: “السلوك ذو الصلة بالتهديد أو استخدام القوة من أجل تحقيق الغايات السياسية”.

الأداء الإستراتيجي

الأداء الإستراتيجي Strategic Performance ما هو إلا إثبات لحدوث التأثير الإستراتيجي المطلوب من عدمه، وبالتالي يكون أحد المعايير المهمة التي توظف في تقييم ما إذا كان عمل الإستراتيجية فعالا أو ضعيفا، بالطبع مقارنة بمستوى تحقيق أهداف السياسة من وراء تطبيق الإستراتيجية؛ بمعنى آخر، أن الأداء الإستراتيجي يولد خاصية التأثير الإستراتيجي وبالتالي يكون الأول متغيرا مستقلا والثاني متغيرا تابعا، الحقيقة أن هناك فرقا بين الإستراتيجية، الأداء الإستراتيجي، والتأثير الإستراتيجي؛ إذ ينظر إلى الأولى على أنها المتغير المستقل المهيمن، والثاني هو المتغير الوسيط، والثالث هو المتغير التابع المنعكس من الناحية العملية في تحقق أهداف السياسة. كانت إستراتيجية الولايات المتحدة في فيتنام المحافظة على الوضع القائم الذي يشمل وجود فيتنام شالية وجنوبية، والسيطرة على سلوك المتمردين “الفيت كونغ” ومنعهم من الوصول إلى العاصمة الجنوبية سایغون. لكن الأداء الإستراتيجي كان ضعيف المنعكس في عدم القدرة على منع انتشار الحرب وسيطرة المتمردين على المدن، وبالنهاية انهارت الإستراتيجية بسبب ضعف الأداء عندما سيطرت فيتنام الشمالية على سایغون بعد إعلان وقف إطلاق النار عام 1975.

لكن الأداء الإستراتيجي المولد للتأثير الإستراتيجي المرغوب لا يأتي من فراغ، وإنها هو مرتبط إلى حد بعيد بمفهمة ليدل مارت للإستراتيجية في حد ذاتها عندما نظر إليها کفن، وليس كعملية ميكانيكية؛ مما يعني بطريقة أخرى أن الحبكة العالية في تصميم الإستراتيجية المناسبة للبيئة التي سوف تعمل فيها، سوف تخلق المستويات العالية للأداء المنتج بدوره للآثار المرغوبة. وأكثر الخصوصيات أهمية في هذا الصدد هي قابلية الإستراتيجية المرنة للمراجعة والتعديل خلال عمليات التطبيق، من أجل استدراك الثغرات وتعزيز عملية الأداء في إنجاز أهداف السياسية. وبقدر ما هذه الخصوصية مهمة بقدر ما هي أيضا صعبة التحقيق، عندما تسيطر النمطية التخطيطية على عقول القادة السياسيين والعسكريين في تنفيذ الإستراتيجية، والمتمثلة في المتابعة الصارمة لمخطط الإستراتيجية في الحرب دون الالتفات إلى الثغرات أو التقييم السريع للأداء؛ وهي المشكلة التي أوقعت نابليون بونابرت وأدولف هتلر في شرك الهزيمة.

من ناحية أخرى، يمكن أن تتدخل عناصر الإستراتيجية الأخرى في ضمان الأداء الفعال، مثل التكتيك الجيد، فن العمليات الفعال، وفرة الموارد الكافية، واللوجستك نظم؛ وذلك عندما تعمل بشكل متناغم مع بعضها البعض لإنتاج الفن المحبك في تنفية الاستراتيجية. في بعض الأحيان يمكن أن يكون الأداء مجرد متغير تابع للتأثير الإستراتيجي، وذلك عندما تؤدي النتائج الجيدة للحرب إلى رفع معنويات القوات المسلحة؛ كأن مثلا تنجح هذه الأخيرة في إحباط هجوم العدو، وتتحول بسرعة إلى وضعية الهجوم وملاحقة قوات العدو لتدميرها كنتيجة لارتفاع المعنويات الجيش الأحمر عام 1943 مثلا). بالنهاية، تصبح العلاقة بين الأداء والتأثير الإستراتيجيين في حالة اعتیاد متبادل کثیف، يغذيان بعضهما البعض، الأثر الإستراتيجي ! أحد المصطلحات الشائعة الاستخدام في تراث الدراسات الإستراتيجية، ما اصطلح عليه كولن جراي “بالأثر الإستراتيجي Strategic Effect”، الذي يعني بالنسبة إليه “تأثير الأداء الإستراتيجي على مسار الأحداث” .

الدراسات الإستراتيجية.

يعتقد كولن جراي أن: “الدراسات الإستراتيجية ليست مخصصة متعددة ذا دعم ذات أو حقل متعهد بالسعي وراء الرؤية المطلقة للحقيقة، وعوضا عن ذلك، الدراسات الإستراتيجية هي موضوع تطبيقي مركز على تحليل علاقات الأدوات – الأهداف، بحيث إن الأجهزة السياسية ومعظم الحكومات تسعى بشكل نمطي إلى إدارة الشؤون الإستراتيجية بالنظر إلى المرجعية الأمنية”.

المصدر من كتاب الفكر الاستراتيجي: التطور ومفردات التحليل – عامر مصباح 2019