بقلم/ محمد بغدادي

باحث دكتوراة

كلية الاقتصاد والعلوم السياسية

 شكلت عملية تحسين أداء العاملين بالمنظمات العامة وما تبعها من تطورات نموذجاً حقيقياً لتحدٍ كبير تواجهه الدولة ومنظماتها وأجهزتها المختلفة؛ مما يضع الجهاز الإداري للدولة وقدراته على المحك في مواجهة التهديدات الداخلية والخارجية، والأزمات التي تشكل عبئاً ثقيلاً على المواطنين بصفة خاصة، وعلى المجتمع بصفة عامة، فكان لزاماً الاهتمام بقضية مدونات السلوك الوظيفي لتحديد الحقوق والواجبات الوظيفية بين المنظمات العامة من ناحية والموظفين العموميين من ناحية أخرى؛ لتحقيق الأهداف بكل كفاءة وفعالية، ومن ثم تحسين الآداء الوظيفي.

 ولقد أشارت الدراسات والتقارير الدولية في مجال الخدمات العامة أن الموظفين بالجهات الحكومية يجب أن يقوموا بأداء مهامهم الوظيفية بطريقة تقوي ثقة المواطنين بهم وتعمل على تفعيل مناخ الرضاء العام بالمنظمات التي يعملون بها، حيث أنه من المتوقع أن يقوم الموظفون بأداء أعمالهم بكفاءة وفعالية وحيادية تامة؛ نظراً للتوقعات المتزايدة من جانب المواطنين بمزيد من الشفافية والمساءلة بجانب رضاء المواطن الذي أصبح توجه عالمي.

 وتعد مدونة السلوك الوظيفي أداة هامة ورئيسه؛ لتحسين إدارة الوظيفة العامة وتيسير أعمالها وتعاملاتها مع جمهور المواطنين، كما تحدد قواعد العمل كمعايير خدمة العملاء والمتطلبات المحدده للسلامة والصحة المهنية، بخلاف سلوك التقدم بالشكوى ومتطلبات المساءلة، كما تساعد المدونة على اتخاذ القرارات الإدارية وتوضح كيفية التعامل الرشيد مع موارد المنظمة.

 كما أن النجاح الحقيقي للجهاز الإداري للدولة يتوقف على الموظف العام نفسه ومدى كفاءته في تقديم الخدمات للمواطنين وحسن معاملاتهم والتيسير عليهم مهما تعددت احتياجاتهم. ومن هنا فإن كفاءة الجهاز الحكومي وقدرته على القيام برسالته في تقديم خدمات حكومية متميزة للمواطنين، والتي أصبحت تشكل عنصراً أساسياً للحكم على كفاءة نظم إدارة الدولة في العصر الحالي، كل هذا تطلب الاهتمام بالعنصر البشري وتحسين أدائه؛ لذا فإن خطط التطوير ترتكز على رفع كفاءة الموظف العام، حيث أصبحت تنمية الموارد البشرية ركيزة من ركائز الاصلاج الإداري الفعال في شتى دول العالم.

 وفى إطار جهود وزارة التخطيط والمتابعة والاصلاح الإداري في مصر؛ لرفع كفاءة الجهاز الإدارى للدولة وتعزيز قيم النزاهة ناقشت النسخة المحدثة لمدونة القيم والسلوك الأخلاقى والوظيفى؛ في محاولة منها لضمان حسن أداء الوظيفة العامة، وتحسين آليات التواصل بين الحكومة والمواطن استجابة لاستراتيجية التنمية المُستدامة: رؤية مصر 2030 وخطة الإصلاح الإدارى وبما يتسق أيضًا مع الاستراتيجية الوطنية للوقاية من الفساد ومكافحته وما نص عليه قانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية.

 وتبدو أهمية مدونة السلوك الوظيفي من خلال إرساء مبادئ الانضباط الوظيفى والشفافية والنزاهة والموضوعية والكفاءة والولاء للوطن وقيادته فضلًا عن إرساء ونشر المعايير الأخلاقية والقيم السامية والقواعد المهنية الملزمة للسلوك الوظيفى وآداب الوظيفة العامة ومبادئ الأخلاق المطلوبة والتزام موظفى الدولة بها. فضلاً عن غرس مكارم الأخلاق لدى الموظف يعد أحد أهم أهداف المدونة إلى جانب التمكين الحقيقى لأعمال قواعد المحاسبة بإرساء أسس وضعية تتسم بقدر أكبر من المساءلة وتفعيل الممارسات الجيدة للإدارة، وتفعيل مبادئ الإدارة الرشيدة على أرض الواقع وتوفير أداة قوية وفعالة للرقابة الذاتية بالمنظمات العامة. فالمدونة الأخلاقية هي وثيقة تتبناها المنظمات وتتألف من من ثلاثة مستويات هي مدونات أخلاق العمل، ومدونات سلوك الموظفين، ومدونات الممارسات المهنية. وتتبنى بعض المنظمات المدونة الأخلاقية لمساعدة أعضائها في فهم الفرق بين “الصحيح” و “الخطأ” وتطبيق هذا الفهم على قراراتهم، لمعرفة الحقوق والواجبات.