الجذور التاريخية للمكانة الإقليمية

استهل المؤلف كتابه بإبراز جذور الدور الإقليمي لإيران منذ ما قبل الميلاد، بداية من غزو احشورس الأول (Xerxes) لليونان سنة 480 ق.م، والصراع مع أثينا 333 ق.م، ومع روما 224ق.م، وصولا إلى بسط نفوذ الأسرة الساسانية على كل من مصر واليمن في بداية القرن السابع للميلاد.

ثم انتقل إلى توضيح الامتداد الساساني في المنطقة إلى غاية سنة 632 م، حيث دارت معركة القادسية التي دخلت بعدها إيران في الإسلام. ومنذ تلك الحقبة وإلى غاية سنة 875م لم تحكم الأسر الإيرانية بلاد فارس بل شكلت مع العراق العمود الفقري للحضارة العباسية. كما أن التشيع بقي ضمن أبعاده السياسية، أي لم يكتسب أبعادا دينية بعد. وبعد 4 قرون من الاستقرار بدأت بعض أطراف الدولة العباسية تنفصل عن المركز وتمكنت أسرة “السامان” في بخارى من العودة إلى الحكم لأول مرة حيث استمرت إلى سنة 1005 م، وعاصرها البويهيون إلى غاية سنة 1055، إلا أن المذهب السني بقي هو المذهب الرسمي للدولة إلى غاية حكم الصفويين سنة1501م، أي إلى أكثر من 10 قرون. ومنه يصل المؤلف إلى استنتاج هام: أن أحد أكبر التحولات الاستراتيجية في المنطقة كانت في هذه الفترة حيث انتقل مركز الشيعة من العراق إلى إيران باعتبار أن التشيع في الجزيرة العربية سابق للتشيع في إيران.

الوضع الداخلي والمكانة الإقليمة

وبعد هذا المدخل التاريخي حلل المؤلف وضع إيران الداخلي من حيث موقعها في الترتيب الدولي في مجالات النانوـ تكنولوجيا، والتكنولوجيا النووية، واستخدام الإنترنت، حيث هي الأولى في الشرق الأوسط (باستثناء اسرائيل). كما طاف بمختلف جوانب هذا الوضع وخلص إلى بعض النتائج من بينها: أن إيران لم تعرف التجزئة في تاريخها، وأنها مكتفية ذاتيا من القمح ومصدرة للشعير، وتحتل المرتبة 17 من بين 177 دولة نامية من حيث مؤشر التنمية البشرية، وتعرف تعددية سياسية مكثفةـ ب 240 حزبا مسجلا في وزارة الداخلية، ومعدل الإنفاق العسكري من إجمالي الناتج المحلي في تناقص لصالح الإنفاقات الأخرى مقارنة بإسرائيل والمملكة العربية السعودية مثلا…

تحليل النظام السياسي

وفي تحليله للنظام السياسي الإيراني أبرز الباحث أن القرار في إيران موزع على 9 مؤسسات رئيسية ومؤسسات أخرى مساعدة أعلاها هي مؤسسة المرشد الأعلى، وهناك أفراد ينتمون إلى أكثر من مؤسسة في آن واحد مثل هاشمي رفسنجاني مما يخلق التنسيق ولكنه يزيد من ثقل اتخاذ القرار، كما أن المؤسسات ليس لها نفس الثقل فمجلس صيانة الدستور ـ غير المنتخب ـ تمكن مثلا من رفض 40 بالمائة من مشاريع القوانين التي وافق عليها مجلس الشورى المنتخب. وقد فصّل الباحث في أداء هذه المؤسسات بما في ذلك المؤسسة العسكرية والحرس الثوري.

ومن جهة البيئة الدينية أوضح المؤلف أن آيات الله العظمى عددهم 20 كلهم جزء من النظام السياسي باستثناء منتظري، أما مَن يحملون درجة آية الله فعددهم 5000 فقط 80 منهم فقط موالون للنظام. أما درجة حجة الإسلام فعددهم 28000، إلا أن عدد الموالين منهم للنظام لا يزيد عن 2000.

ومن بين النتائج التي وصل إليها البحث في هذا المجال أن منصب المرشد الأعلى

قد يصيبه التغير حتى عام 2020 بإحدى الأشكال التالية:

أ‌- أن يتحول إلى منصب شرفي.

ب‌- أن يتم انتخابه مباشرة من الشعب.

ج- أن يتحول إلى مجلس حكم بصلاحيات ذات طبيعة شرعية.

ـ أن الشخصيات المرشحة لتولي هذا المنصب هي: آية الله محمد هاشمي شهرودي، وهاشمي رفسنجاني.

ـ أن هناك تحولا في مراكز القيادة باتجاه “الأقل عمرا” لا سيما المحافظين منهم.

ـ أغلب الذين قادوا الثورة اليوم في مرحلة الشيخوخة ومعدل عمر حكومة نجاد 40 سنة، أثنان منهم فقط رجال دين.

ـ أن معظم قيادات الحرس القديم ستختفي في عام 2020 بفعل عامل الزمن

ـ الاتجاه في مجال القدرة النووية يسير لصالح القائلين بالوقوف عند عتبة انتاج السلاح النووي دون انتاجه.

ـ يرشح هذا البحث، محمد قاليباف إلى لعب دور أول في السلطة سنة 2020 ـ يكون عمره 58 سنة، في القوت الذي يكون فيه عمر مصطفى معين( سنة69) و خامنئي (80) ورفسنجاني(86)، ونجاد(64) وخاتمي(77) و منتظري(98) ولاريجاني(62) وعلي اكبر ولاياتي(75) و مهدي كروبي(83) و محسن رضائي(66) ومحمد هاشمي شهروردي(72) وعلي أكبر ناطق نوري(77)، وعبدالله نوري(71) وحسن روحاني(72).

ويخلص الباحث إلى أن السمات الإيجابية في النظام السياسي الإيراني تتلخص في:

-تطور تدريجي: بطيء لكنه متواصل.

ـ قدرة على التكيف في مواجهة الأزمات العميقة.

ـ رضا شعبي متوسط.

أما السمات السلبية فتتلخص في:

ـ مستوى الحريات السياسية والاقتصادية والإعلامية متدن بشكل واضح،

ـ انتشار الفساد بأشكاله المختلفة.

السياسة الخارجية

وفي جانب السياسة الخارجية أبرز المؤلف أهمية وثيقة “الرؤية 2025” لتحويل إيران إلى قوة إقليمية أساسية في منطقة جنوب غرب آسيا التي تشمل 25 دولة أهمها (آسيا الوسطى وتركيا، باكستان أفغانستان، وتضم الدول العربية، اليمن والعراق وعمان وسوريا والسعودية والأردن والإمارات العربية وفلسطين والكويت وقطر ولبنان والبحرين ومصر).

ـ ومنه وصل إلى أن الفضاء الاستراتيجي للدولة هو جنوب غرب آسيا وليس شبه الجزيرة العربية أو القوقاز أو إفريقيا.

ـ البراغماتية أساس سياسة غيران الخارجية يمكنها أن تقف ضد الشيعة إذا كان ذلك في مصلحتها، ومع ماليزيا رغم أن القانون الماليزي لا يعتبر المذهب الشيعي مذهبا مسموحا به، ومع روسيا رغم المشكلة الشيشانية…

ـ حجم التأييد لسياساتها الخارجية في العالم العربي أكبر في المستوى الشعبي منه في مستوى الحكومات.

ـ رغبة إيران في جذب السعودية إلى موقف “عدم العداء”، بينما تسعى السعودية إلى “لجم انعكاسات الصراع الأمريكي الإيراني عليها”.

ـ دول مجلس التعاون الخليجي وبخاصة السعودية والكويت والإمارات وقطر ستواجه خيارات “غير مواتية لها” في كل السناريوهات المطروحة.

ـ اسرائيل هي الأكثر قبولا لفكرة الدولة الدينية في العراق لتأجيج الصراعات الداخلية وبين الأقليات.

ـ ستقل حدة النزاع بين إيران والغرب تدريجيا.

ـ تنامي دور القطاع الخاص سيزيد من انخراط إيران في العولمة.

ـ ستترابط المصالح مع آسيا الوسطى أكثر من خلال شبكات أنابيب النفط.

ـ احتمال نشوب حروب كبرى بسبب المياه في المنطقة في تراجع مستمر.

ـ زيادة النفوذ الغربي في القوقاز سيعزز التقارب بين إيران وروسيا.

الدراسة الاستشرافية

انطلق المؤلف في دراسته الاستشرافية من 50 متغيرا رصدها خلال البحث لملء مصفوفة التأثير المتبادل Cros impact matrix ـ كتقنية للتحليل المستقبل ـ واستخلاص المتغيرات الرئيسة التي ستتم متابعة تطورها المستقبلي من خلال دولاب المستقبل The futur Wheel .

وشملت المتغيرات الرئيسة الأكثر تأثيرا في مستقبل المكانة الإقليمية:

التعليم، معدل الدخل الفرد، الحرية الاقتصادية، الحرية السياسية، الفساد، الزيادة السكانية، التسييس المذهبي، النمو الاقتصادي، البطالة، البيئة الدولية، الاستثمارات الخارجية، النفط.

أما المتغيرات الأكثر تأثرا فتمثلت في: الرضا عن السياسة الداخلية، الأقليات، الفساد، الرأي العام الدولي، الإدمان، التعليم، أحزاب المعارضة، البيئة الدولية، المشاركة السياسية، البيئة المحاذية، التسييس المذهبي.

وقد توصل الباحث إلى عديد النتائج من خلال السيناريوهات التي وضعها الممكن، والمتفائل، والتشاؤمي وذلك انطلاقا من إيقاع التغير لسنة 2008 من بينها:

في المجال العسكري:

ـ الهجوم على إيران قد يكون مدفوعا لا بالخوف من الإمكانيات الحالية لإيران بل من الإمكانيات والفرص التي قد تتاح لها مستقبلا وتجعل التغلب عليها أكثر صعوبة، وقد يأخذ العمل العسكري ضدها عدة احتمالات يفصلها الباحث ويفصل مراحلها.

ـ تطبيق خطة كونبلان 8022 والتي تقوم على استثمار التفوق التكنولوجي بين إيران والولايات المتحدة بأكبر قدر ممكن، وتقوم هذه الخطة على ركائز أربع يفصلها الباحث.

ـ احتمال الحرب النووية بين إيران وإسرائيل بجميع تداعياته.

في المجال السياسي:

تصور الباحث في هذا السيناريو:

ـ وقوع اضطرابات واسعة تصل إلى حد الثورة وتغيير النظام.

وأفرد الباحث حيزا كبيرا للسيناريو المعياري حيث خلص فيه إلى:

1- تمكن إيران من تعزيز موقعها الإقليمي بتنمية العلاقات مع دول آسيا الوسطى والقوقاز والدول الخليجية، الأمر الذي يجعل القوى الدولية المركزية تتعامل معها على هذا الأساس.

2- تحقق إيران تقدما علميا ومستويات عالية من التنمية البشرية متفوقة في ذلك على بقية دول الأقاليم المنتمية لها.

3- تضمن إيران من خلال شبكة من المنظمات الإقليمية الفرعية(منظمة شنغهاي، مجلس أمن الخليج، مجلس التعاون العربي الإيراني) استقرارا كبيرا في علاقتها الإقليمية، مما يضيق خيارات العمل العسكري ضدها من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.

4- تطور إيران الإمكانيات العسكرية الإيرانية بشكل واضح لاسيما من خلال مشروعات مشتركة مع كل من الصين وروسيا، كما تنجح في إقناع بعض الدول في العالم النامي في الاستفادة من إمكانياتها التكنولوجية في المجال النووي السلمي.

أما المشهد الإيراني الأكثر احتمالا من غيره

فقسمه الباحث إلى ثلاثة مراحل ـ من 2009إلى2013، من2013 إلى 2017، من 2017 إلى2020، وخلص فيه إلى عدة نتائج تُمكن القارئ من تشكيل تصور واضح على مستقبل هذا البلد.