عندما تقرأ كتاب هندريك سبروت “الدولة ذات السيادة ومنافسوها” والذي يتحدث عن كيف نشأت الدول القطرية القومية الحديثة لالمانيا وفرنسا وايطاليا من رحم النظام الاقطاعي والامبراطورية الرومانية المقدسة وسلطة الكنيسة البابوية تكتشف من بين السطور اربع حقائق تاريخية.

الاولى .. ان صعود هذه الدول لم يحدث بسبب تصور نخبة الشعوب في اي مرحلة تاريخية لشكل الدولة التي من المفترض ان يصلوا اليه، بل جاء نتيجة لتجاذبات المصالح الذاتية الأنية لتلك النخب، بمعنى اخر كانت مصالح حاضر تلك النخب وليس تصور الدولة لما يجب ان يكون هو دافعهم لنمو مصالحهم وبالتالي نمو مؤسسات الدولة حتى اصبحت بالشكل الحالي.

اي ان التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي التاريخي لهذه الدول تم بطريقة لا عقلانية تماما، فهو تطور من النظام الاقطاعي الى ثلاثة انظمة جديدة مختلفة لكن نظام واحد فقط نجح على المدى الطويل وساد لوجود مزايا فيه لم تكن ظاهرة الا بعد قرون ونتيجة لتغيرات بيئية وبيولوجية وجغرافية.

الثانية .. ان الجدلية التاريخية التي انتجت اوروبا الحديثة وقدمت حقوق ايجابية لصالح المواطنين، لم تحدث بسبب وعي النخبة الحاكمة الاخلاقي لحقوق الانسان بل بسبب عملية تفاوضية صعبة ومؤلمة وتراكمية طويلة بين قوى مجتمعية محتاجة لبعضها البعض اقتصاديا وبشدة وهو ما يسمى بوحدة الاضداد، فرب العمل محتاج للعمال لكي ينتج ويراكم ثروته والعمال يحتاجوا بشدة للعمل لكي يعولوا عوائلهم.

المعنى ان ما نتج من حقوق للمواطنين جاء كأعراض جانبية نتيجة التدافع بين القوى المجتمعية وليس كهدف غائي في حد ذاته.

الثالثة .. ان ما يُعتقد انه مفيد للمجتمع لكي ينمو ويزدهر قد يكون في زمن تالي سببا لتفكك المجتمع وانهيار دولته، فأكتشاف اسبانيا لامريكا الجنوبية واستحواذها على كميات مهولة من الذهب والفضة ادى بها في مرحلة لاحقة الى ضمور التفكير العلمي وفشل التنوير الاوروبي فيها وجعل الكنيسة البابوية والملكية اكثر قوة واستبداد وقسوة مع حركات البحوث العلمية والتنوير، عكس ما حدث مع انجلترا وفرنسا.

الرابعة .. شكل الدول والمؤسسات التي تمثلها لا يظهر نتيجة للتطور في الانظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية بل يأتي كناتج للقدرة على التكيف الافضل للواقع المحيط بها، وهذا الفرق من المهم فهمه واستيعابه لانه يفسر لماذا بعض الدول العربية في الربيع العربي انتكست من حداثة غربية ورثتها عن الاستعمار الاوروبي الى الاحتكام من جديد للدين والقبيلة في معالجة ازماتها في القرن الواحد والعشرين.

الوعي الانساني بالواقع يأتي نتيجة تكرار الظواهر الطبيعية، ويمكن تعريف العقلنة بأنها ادراك التكرار لاي ظاهرة، وعندما ينجح الوعي الانسان في محاكاة تجربة بشرية ناجحة سابقة، فهو ينجح لوجود ذات المدخلات الواقعية او شبيهة بها الى حد كبير لتنتج ذات المخرجات او شبيهة بها.

ما يحدث في العالم العربي من مخاض مؤلم للتخلص من الديكتاتوريات العسكرية لاجل نظام اكثر تعددية سياسية، هو جزء من حركة التاريخ، مع ضرورة ادراكنا ان موجبات التغيير السياسي والاقتصادي والاجتماعي اليوم في العالم العربي تختلف عن اسباب نهضة اوروبا لكن يمكن تعدادها وعقد المقارنات وهذا يحتاج الى مقال مستقل.

بالطبع عندما نتحدث عن نظام اكثر تعددية في العالم العربي لا يعني هذا النسخة الديمقراطية الغربية الاخيرة وان كانت مرجع عقلي بشكل لا ارادي لما يجب ان يكون، وانما يعني ان هناك قوى اجتماعية جديدة ظهرت من خضم الثورات تحاول صناعة مجالها الحيوي الجديد وانشاء مصالح اقتصادية ذاتية مستقلة عن منظومة الحكم، فالانتقال من حكم ديكتاتوري الى اوليغارشية حاكمة يعتبر انجاز في المنطقة العربية.

والانزلاق الى الحروب الاهلية جزء من محاولة القوى المجتمعية الجديدة اثبات وجودها وسعيها لتمزيق روابط ومصالح القوى المجتمعية القديمة والتي تحاول بدورها خنق ووأد القوى الجديدة بإعادة التمركز للاستحواذ على السلطة والثروة والسلاح.

انصح بالمتخصصين في دراسات النظم السياسية قراءة الكتاب لانه سيساعد على تبني نهج اكثر واقعية وموضوعية لما يحدث في العالم العربي اليوم.

*توضيح : النخب في المفهوم الاوروبي هم اصحاب رؤوس الاموال ورجال الاعمال، اما المثقفين والمفكرين فهم ادوات لهؤلاء

مراجعة أ. خالد السليني