هذا الكتاب يعتبر غوص عميق جدا في صلب العقل الأوروبي في العصر الوسيط ومراحل تكوينه حتي أصبح بالصورة التي نراها عليه اليوم، الكتاب رحلة جيدة جدا لمن يريد أن يفهم.

تعرف الفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط باسم الفلسفة المدرسية، أي التي تدرس في المدارس، وقد مرت بالأدوار الثلاثة التي يمر بها أيس كائن حي، وهي دور التكوين، ودور الاكتمال، ودور الانحلال.
كان من أوائل نقلة الفلسفة اليونانية إلي اللاتينية شيشرون الخطيب المعروف في مقدمة هؤلاء النقلة، وليس في كتبه مذهب متماسك الأجزاء، فقد قصر جهده علي تدوين ما أعجبه مما قرأ أو سمع. رفض أقوال الأبيقورية وعارضها بأقوال الرواقية، فقرر أن الفضيلة غاية الحياة دون اللذة، وقرر أن القانون السرمدي، وأن القانون غير العادل لا يلزم. أما لوكريس فقد كان نصيرا بارعا للأبيقورية فنظم مذهب أبيقور شعرا في قصيدة “طبيعة الأشياء”، وكتب سينيكا عن مبادئ الرواقية.
أما ترتوليان فقد ظن أن الفلسفة عدة للدين فحمل عليها وغالي في معارضتها، ورأي أن التعويل علي الفلسفة منهج عقيم، وابتكر منهجا آخر هو استنطاق النفس؛ لأن النفس تنزع بطبيعتها إلي الدين. ثم جاء القديس أوغسطين ويروي عنه أنه اندفع في طلب الحقيقة، وظن أنه وجد ضالته في المانوية، فانضم إليها، يري أن الفلسفة وسيلة السعادة التي هي طلبة كل إنسان، ويري أن للعقل مهمة بعد الإيمان، هي تفهم العقائد الدينية. احتلت فكرة الله نقطة المركز من مذهبه، كما كانت محور حياته، ووجود النفس في مذهبه لازم من وجود الفكر. والمعرفة تشتمل علي نوعين من المدركات مادية ومعنوية ، ويؤكد علي حرية الإرادة الإنسانية، كان أوغسطين يحتقر أبيقور احتقارا شديدا بسبب مذهبه الأخلاقي.
بدأت بعد ذلك في عصر تكوين الفلسفة المدرسية حركة تأسيس المدارس وكان من أشهر معلمي هذا العصر ألكوين وقد وضع كتبا منطقية ورسالة في النفس وكتبا لاهوتية علي أن كتبه تقريبا كلها مقتبسة عن أراء من سبقوه. ومن المعلمين المشهورين كذلك رابان مور وقد وضع كتابا في العالم أو طبائع الأشياء وهذا الكتاب يعتبر دائرة معارف عصره.
كانت موضوعات الفلسفة التي تناقش في هذا العصر مسائل الثالوث الأقدس، وسر القربان، ومسائل حول طبيعة الملائكة، والنفس الإنسانية وعلاقتها بالجسم، وعقاب جهنم ونعيم الجنة.
ومن هؤلاء الفلاسفة أيضا جون سكوت أريجنا الذي عاصر الكندي أول الفلاسفة المسلمين، وكان أهم أغراضه هو فلسفة الدين، ويري أن لا فارق بين الفلسفة والدين، فكلاهما صادر عن الحكمة الإلهية والفلسفة الحقة هي الدين الحق. كما أعطي العقل دورا كبيرا ويري أن كل سلطة لا تقوم علي عقل مستقيم فهي سلطة كسيحة؛ لذلك يمكن تسميته أبا المذهب العقلي في العصر الوسيط.
لم يستقم الطريق أمام نهضة القرن التاسع؛ فقد جاء القرن العاشر عصر حروب عنيفة أودت بالكثير من النتائج المكتسبة، والرجل الوحيد البارز في ذلك العهد: جربير دورياك، سماه أحد معاصريه بالبابا الفيلسوف، وأيضا بيرمجي دي تور، كان يري في لمنطق خير أداة لاستكشاف الحق، ويري أن الإنسان عبارة عن عقل، وأن الله صنع الإنسان علي صورته بالعقل، فالعدول عن استخدام العقل عدول عن شرف كبير وانصراف عن التشبه بالله. في نفس العصر أيضا ظهر فلاسفة أخرون مثل: روسلان وبطرس دمياني والقديس أنسلم.
في النصف الثاني من القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر بأكلمه يعتبر عصر ازدهار أدبي وعلمي، نمت فيه المدن، ونشطت التجارة، وأثرت طائفة من الشعب ألفت طبقة جديدة ونزعت إلي الحرية الشخصية وأذاعت الترف والاهتمام بالثقافة والفن.
وظهر في هذه الفترة مترجمون نقلوا كل ما استطاعوا نقله من علوم من سبقوهم، من هؤلاء المترجمين: أديلارد أوف بث وقسطنطين الأفريقي وجنديسالفي، وقد اهتموا بترجمة الآثار اليونانية والعربية القديمة.
في هذا العصر ظهر فلاسفة منهم برنار وتييري دي شارتر وهما أخوان نبغا بمردسة شارتر بفرنسا وجيوم دي كونش وهو فرنسي تتلمذ لبرنار وجيوم دي شامبو وبيير أبيلار وكان مؤمنا يقدم النقل علي العقل، وكان إلي جانب ذلك يحب الثقافة اليونانية، وكان يري أن بين الحقيقة في صورتها القديمة وصورتها المسيحية اتفاق، ويعتقد أن فلاسفة اليونان قديسون، وأن سمو أخلاقهم هو الذي استحق لهم من لدن الله أن يوحي إليهم بأخفي الحقائق، وأن المعرفة الوحيدة التي فاتت أفلاطون كي يكون مسيحيا مخلصا هي الأسرار المقدسة.
إلي جانب من تقدم ذكرهم وغيرهم ممن كانوا يعملون علي تعقل دينهم بما حصلوا من الفلسفة، كان هناك أنصار للمادية يرجعون إلي العلم الطبيعي والاخلاق إلي أبيقور ولوكريس، ويقولون بفناء النفس بعد الموت واستحالة البعث.
ثم أتت الحروب الصليبية ثمارا لم تكون مقصودة منها، فتوثقت العلاقات الثقافية بين الشرق والغرب، وفتح البحر المتوسط للتجارة ووثبتا لفلسفة ووثب اللاهوت وثبة كبري وتأسست جامعات كبري مثل جامعة باريس وجامعة أكسفورد، وأقيمت مناهج التعليم علي مستوي متطور يلائم متطلبات عصر جديد. وكان للترجمة في هذا القرن عهدان، الاول: جاءت من العربية أكثر منها عن اليونانية، والثاني: جاءت كلها عن اليونانية. ومن أشهر مترجمي هذا العصر: ميخائيل سكوت وهرمان الألماني وألفريد الإنجليزي وجيوم موربكي، اهتم هؤلاء المترجمون بنقل كتب لفلاسفة عرب مثل بن رشد والفارابي وابن سينا، كما نقلوا كتب عن فلاسفة اليونان.
من الفلاسفة المشهورين في هذه الفترة: روجر بيكون وهو يمتاز بشعوره القوي بأهمية التجربة وضرورتها، وما أكثر ما نعي علي أهل عصره عدم عنايتهم
بالطريقة التجريبية، وصرح بأن هذا التقصير سبب جهل المثقفين بجميع أسرار العلم تقريبا.

مراجعة أ. الشناوي محمد جبر