إذا كان مصطلح «إبستمولوجيا» جديداً نسبياً في الثقافة الفرنسية، حيث لا يوجد في «معجم ليتري» ولا «معجم لاروس»، ولا حتى في «معجم لاروس المصور» Larousse illustré سنة 1906، فإن الباحثين الأكاديميين: طلعت الأخرس وطوني القهوجي، إنما يؤكدان، أن كلمة إبستمولوجيا، إن هي إلاّ لفظة جديدة أوجدها العالم الماورائي «جايمس فريدريك فرييه James Frederic Ferrier (1808 1864)، ووردت لأول مرة في الكتيب الفلسفي المنشور له سنة 1854 وهو بعنوان: institutes of metaphies وأما استخدامها في اللغة الفرنسية فكان على يد برتراند رسل في مقالة «في أسس الهندسة» (1901)، ولو لم تظهر في المعاجم الفرنسية كمصطلح جديد حتى تاريخه.

ويرى بلانشي أن ما دلت عليه كلمة «إبستمولوجيا» لم يكن بالشيء الجديد. لأن كل فلسفة تنطوي حتماً على بعض تصور المعرفة، مستشهداً بما يجده عند «أفلاطون» من عرض لنظرية عن العلم بمعناه الواسع، في المحاورة المشهورة عنده والمعروفة بـ»تيتاوس». ولهذا تؤكد الدراسة أن «إميل مايرسون Emile Mayerson« هو أول من تداول مصطلح «إبستمولوجيا – Epistémologie « في أبحاثه، فبدا عنده موازياً من حيث معناه لـ»فلسفة العلوم» (ص 17) ولأن فلسفة العلوم لم تهتم بالعلوم لذاتها، بل بما هي فلسفة في المعرفة، فإن الإبستمولوجيا سرعان ما غدت توازي في معناها «علم المعرفة».

وأبحاث الأخرس والقهوجي في الإبستمولوجيا، إنما تتناول مجموعة من الموضوعات المتعلقة بهذا العلم الجديد والتي صيغت على شكل محاضرات للمختصين من الأكاديميين والجامعيين:

1- عرض لمفهوم الإبستمولوجيا وتطوره وعلاقته بفلسفة العلوم وتاريخها، ونظرية المعرفة وعلم المناهج.

2- التنوير على أهم مدارس الابستمولوجيا وأعلامها، وبالتالي، التنوير على فلسفة العلوم كنماذج، تساعد على توضيح المناخ الفكري والفلسفي الذي ساعد على تطور هذا الحقل المعرفي.

3- إبراز التحولات الكبرى التي عرفتها الإبستمولوجيا في أواخر القرن العشرين، حيث باتت تأخذ في التطور طابعاً غير تقليدي وغير مألوف، خصوصاً لدى أصحاب الفكر الكلاسيكي والتجزيئي. إذ بعدما كانت الإبستمولوجيا تتخايل في أثواب العلم والمنطق الشفافة، سرعان ما أخذت في التجزؤ حتى باتت تقارب الفكر اللامعقول كما لدى الفلاسفة: «جان اميل شارون» و»ادغار موران» وغيرهما.

4- وانكبت هذه الدراسة الأكاديمية الرصينة على مناقشة مسألتي الحتمية واللاحتمية، واللتين شغلتا أصحاب الفكر العلمي والفلسفي في القرن العشرين وسيطرتا، بل باتت تسيطر بشكل واسع على مقولاتهم بالكامل.

5- وبالإضافة إلى ذلك فقد اهتمت هذه الدراسة بإلقاء بعض الاضواء على مناهج المعرفة العلمية المعتمدة في الرياضيات والعلوم الاختبارية والعلوم الإنسانية، لما في ذلك من فائدة يمكن لطلاب هذه الدراسات العلمية الجامعية، الوقوف عليها في مثل هذه الأبحاث الأكاديمية.

6- ويمكن أن نجد أخيراً في ذيل هذه الدراسة بعض النصوص التي يمكن الاستناد إليها، أثناء تلمس جوانب علم الإبستمولوجيا الحديث، وفي ذلك ما يضع الشاهد أمام عين القارئ، ويتحف البصر بالبصيرة.

من جهة أخرى، تستجيب الإبستمولوجيا في هذه الدراسة لسؤال الحداثة المعاصرة، التي تبحث عن دور للكلمة، بعدما أصبحت أسيرة العلوم المعرفية البحتة، بل أسيرة التقانة الوليدة من رحمها، والتي كادت أن تحيل الإنسان المعاصر إلى الإنسان الآلة Robot. ولهذا أخذ علماء الإبستمولوجيا في إعادة ربط فلسفة العلم والمعرفة بفلسفة الأخلاق والقيم الإنسانية. وقد نجدها تحيك حواراً جدالياً لاذعاً حول معاناة الإنسان من وطأة العلم وتقانته عليه. إذ حاول رواد الإبستمولوجيا الارتقاء بالحالة الفكرية والعلمية إلى المستوى الأخلاقي والانساني، بعدما عثروا عليها تقف عند إشكالية خطيرة، تبرز بوضوح في مشهد الثقافة المعاصرة. وبات السؤال الذي يلح على دور الفلاسفة الأخلاقيين عند فلاسفة العلم الحديث وتقانته المعاصرة، يسأل أيضاً في طريقه عن الثقافة الإنسانية الأصيلة وسط زوبعة العصرنة الفكرية.

وإذ تبدو الإبستمولوجيا المعاصرة أشبه بمؤسسة علمية ومعرفية لهيكل التقانة الحديثة، رصيدها رموز معرفية، ورموزها أوعية تسكب فيها الصور المشتقة من حياة الناس، فيؤول الأمر إلى المصانع والاستراتيجيات التي تستهلك الإنسان المعاصر بل تطحنه، فإنه لمما يدعو إذاً إلى صوغ شبكة العلاقات الجامعة بين أطراف الحياة البشريَّة، فيما هم قائمون عليها، حتى تتأسس الفلسفة العلمية والمعرفية المعاصرة كـ»الإبستمولوجيا» على قوانين الحركة الذاتية. وهذا مفاد رموز الإبستمولوجيا التي نلجأ إليها عند اتصالها بالكائن الحي، أو عند اسناد صفة النمو العلمي والمعرفي على الإنسان الحديث.

إن سؤال الإبستمولوجيا الحديثة والمعاصرة، إنما يجب أن يأخذ بعين الاعتبار ضرورة التنمية المستدامة في المجتمع الإنساني المعاصر لا طحنه كوجبة غذائية جاهزة للتقانة الصناعية. لأجل ذلك، لا بد من تحديد العلاقة بين الثقافة (العلم والمعرفة والأخلاق) من جهة وبين التنمية المستدامة في المجتمعات البشريَّة من جهة أخرى. نحتاج إذاً لاستدعاء التعريف النمطي الذي يجعل الثقافة بمثابة إعادة انتاج شامل للقيم المادية والروحية، وبمشاركة قطاعات المجتمع وفئاته كافة. إنها الثقافة التي تتصل بكافة شرائح المجتمع بما في ذلك صانعي القيم المادية ممن ينتمون إلى الثقافة الشفاهية البسيطة، وثقافة العمل الفاعلة في أساس التنمية، ولم ينالوا قسطاً من التعليم، وبالرغم من ذلك فهم يجيدون ما لا يجيده العلماء ويعرفون ما لا تعرفه هذه الثقافة العالمة.

تقدم هذه الدراسة إذاً، إجابة معقولة على ما في مفكرة الباحث المعاصر من أسئلة الحداثة المعاصرة. وذلك من أوالية الحديث عن علم المناهج وفلسفة العلوم وروادها: الوضعية والوضعية المنطقية وعن فلسفة النفي عند باشلار والفلسفة التكوينية (جان بياجيه) وأيضاً الفلسفة التطورية. وبالإضافة إلى فلسفة كارل بوبر وفلسفة النزعة التوحيدية والنزعة التعقيدية لدى كل من جان اميل شارون وإدغار موران ناهيك عن البحث في الحتمية واللاحتمية بين الفلسفة والفيزياء المعاصرة والتوقف عند التداعيات العلمية على الحقيقة الفلسفية.

وإذا كانت مناهج البحث العلمي هي في أساس علم الإبستمولوجيا الحديثة والمعاصرة، فقد وجدنا الدراسة تسلط الأضواء على ثلاثة مناهج أساسية:

1- منهج العلوم الرياضية الذي يبحث في أصول ومصدر الرياضيات، والمنهج الرياضي أو أساس البرهان الرياضي والاستنتاج الرياضي أو البرهنة، ومنظومة الأوليات وقيمة الرياضيات.

2- منهج العلوم الاختبارية، حيث المسار التجريبي الاختباري وعوائق تطبيق المنهج التجريبي في العلوم الحية والسبب والقانون.

3- منهج العلوم الإنسانية، وهو منهج، كعلم الاجتماع أو علم النفس أو علم الانتروبولوجيا أو الاقتصاد. أمّا سؤال الحداثة فهو يتلخص فيما إذا كانت هذه المناهج جميعها أو واحدٌ منها على الأقل، يمكن أن يقدم شيئاً لتنمية الإنسان المعاصر. والسؤال الذي يعقب ذلك ما تطرحه الدراسة نفسها: «هل يمكن للإنسان أن يكون موضوعاً للدراسة العلمية».

إننا نختبر علم الابتسمولوجيا المعاصرة من خلال نصوص: كارل بوبر، شرط التقدم العلمي وأيضاً مراحل اختبار النظرية العلمية، وهانز رايشنباخ: المذهب العقلي. وأوغست كونت: مبادئ ومراقبة. وكلود برنارد: العلم الاختباري وغاستون باشلار: بناء الواقعة العلمية. وبول ريكور: الموضوعية التاريخية. والكسندر كويري: التجربة واللغة الرياضية. واينشتاين: العقل والتجربة.

وهذه النصوص للعمالقة التنويريين، تكشف حتماً عن وجوه الالتباس والغموض في هذا الحقل العلمي الحديث الذي يحفر على «إنسان الحداثة» في أعماق «إنسان القدامة».

[ أستاذ في الجامعة اللبنانية

[ مباحث في الإبستمولوجيا

[ د. طلعت الأخرس ود. طوني قهوجي

[ دار الجيل، دار السائح بيروت، طرابلس 2014 (280 ص تقريباً)