سأبدأ مداخلتي بالاتحاد الاقتصادي الأوراسي (UEEA)، وهو مشروع بدأ عام 2015، مع العلم أن فكرته ولدت قبل نحو قرن من الزمن، وبالتحديد عام 1921 حين قام بعض المهاجرين الروس في تشيكيا بطرح أفكار جديدة حول الكيان السياسي بعد الثورة البلشفية التي وقعت عام 1917، ورأوا أن الحركة البلشفية ستموت قريباً لعدم سيرها بخطى طبيعية، وأعتقد أن هذا كان أشبه بالرؤية المستقبلية، حيث انهار الاتحاد السوفياتي بعد مرور ما يزيد على 70 عاماً. كانت فكرة الاتحاد الأوراسي تقوم على نوع من التحالف المشابهة حدوده لحدود الإمبراطورية السوفياتية نفسها، وتم في ما بعد إسقاط هذه الرؤية. ونقوم الآن، بالتعاون مع المؤرخ الروسي المعروف ليف غوميلوف والفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين وغيرهما، ببلورة وتطوير هذه الفكرة. وقد أثبت التحالف الاقتصادي الأوراسي نجاحه وانطلق الآن كمشروع عالمي. لكن نرى أنه يوجد نقص في الأفكار ونقص في التعاون بين المجتمعات المختلفة، وهذا التحالف الآن هو أشبه بمشروع اقتصادي بين 5 دول، ونحن نطمح إلى توسيع هذا العمل، ولدينا مناطق اقتصادية حرة مع فييتنام ومنذ بضعة أسابيع وقعنا اتفاقية مع الجمهورية الإسلامية في إيران لإنشاء منطقة اقتصادية حرة. ومن منظورنا فمن الأهمية بمكان أن نبدأ بإنشاء مناطق اقتصادية حرة في العالم العربي.

وبمجرد أن برزت فكرة تحالف اقتصادي أوراسي، انْتقدت هذه الفكرة في الغرب، حيث أشارت هيلاري كلينتون فوراً إلى أن المشروع هو أشبه بإعادة إحياء إمبراطورية الاتحاد السوفياتي، مع العلم أن الأمر ليس كذلك بتاتاً، بل هو مجرد تعاون اقتصادي. وقد تحدث الأوراسيون الكلاسيكيون عن فكرة مهمة جداً، وهي الاختلاف الثقافي المتمثل بالقيم والعادات والتقاليد المختلفة بين أوروبا وآسيا وأوراسيا، وعن كيفية استخدام الدين للتفاعل بين الثقافات والحضارات. ومن وجهة نظري ووجهة نظر زملائي في التحالف الأوراسي، فنحن نفتقر في الوقت الحاضر إلى الأفكار البنّاءة، كما أن هناك مشكلة في الدستور الروسي الجديد الذي وُضع في عهد بوريس يلتسن، إذ هناك نقطة فيه تحظر أي فكر أيديولوجي في روسيا، كما كان بعض الخبراء الأمريكان العاملين في طاقم بوريس يلتسن قد اقترحوا هذه النقطة بهدف منع تطبيق أي نوع من الفكر الأيديولوجي في النظام الروسي. ومن وجهة نظرنا هذه مشكلة.

بالنسبة إلى الاستراتيجية الروسية، توجد عدة خطط، وهي لا تزال على الورق وتنتظر التطبيق. وبالنسبة إلى سياسات روسيا حول العلاقات الخارجية والدفاعية والنمو الاقتصادي، توجد خطة ورؤية مستقبلية لعام 2025. ولكن على أرض الواقع، فإن وزارة الخارجية الروسية تعمل على مستوى التكتيك، ولدي بعض الأصدقاء داخل الوزارة وفي السفارات ذكروا لي أنه لا توجد أية استراتيجية، وأن عمل البعثات الدبلوماسية هو أشبه بعمل روتيني. من منظورنا، نحن بحاجة إلى تطبيق آلية عمل على المستوى العملي، أي مزيج بين المستويين التكتيكي والاستراتيجي. ونظراً إلى غياب الاستراتيجية في الوقت الحاضر، فربما يجب أن نجد إطاراً جيداً لكي نقوم بتصدير أفكارنا الروسية للجهات الخارجية، وأن نجد نقاطاً مشتركة للتعاون في أي مجال، سواء في المجال العسكري، أو في المجال الاقتصادي، أو السياسي، أو الديني، أو الثقافي… إلخ. كما أن روسيا تشارك بفاعلية في عدد من الأطر والاتفاقيات العالمية إما كعضو وإما بصفة مراقب، منها تحالف البريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون. ومن المهم أن نبحث في إيجاد حلول جديدة بديلة. ونظراً إلى أن القوى الغربية تخشى أي حلول بديلة، فهي تروج للأفكار الليبرالية الأحادية القطبية وتطبقها في العلاقات الدولية كافة. توجد في روسيا مدرستان فكريتان فقط، مدرسة العلاقات الدولية ومدرسة الدراسات الليبرالية، وكلاهما فكرتان نابعتان من الغرب، وليست أفكاراً روسية، مقابل غياب المدراس الفكرية الآسيوية والعربية والأفريقية وغيرها… وبالتالي تسعى حركتنا للترويج لأفكار جديدة وتطوير أساليب جديدة من العلاقات، وقد وضعنا برنامجاً لعام 2022 يتمحور حول تطوير الأفكار غير الغربية تُعنى بالعلاقات الدولية. كما أننا نرحب بالمثقفين من الخارج للمساهمة في هذا المجال.

من المشكلات التي نواجهها في روسيا أننا لا نزال نعتمد التشريعات الدستورية التي وصفها الخبراء الأمريكيون إلى جانب الطبقة الأوليغارشية التي تتطلع إلى الغرب. مثال على ذلك، يوم الإثنين في 21/5/2018، كان البرلمان الروسي يناقش مواد جديدة حول العقوبات المضادة، وكان هناك نحو 16 مادة مطروحة كرد فعل على العقوبات الأمريكية المفروضة، وبعد النقاش الأول وافق جميع الحضور على البنود كافة، ولكن في النقاش الثاني عاد الحضور عن قراره. والسبب هو أنه بعد النقاش الأول، قابل المتحدث باسم البرلمان الروسي بعض أطراف الأوليغارشية الذين أفادوه بأن هذا الأمر ليس من مصلحتهم وأنهم يفضلون التعاون مع الغرب، وبالتالي تم صرف النظر عن أغلب البنود المطروحة، بل تم تطبيق 6 نقاط فقط. وهذا أمر مؤسف جداً.

وبالتالي، ما العمل؟ في البداية، على روسيا أن تسعى لعقد شراكات وعلاقات جديدة على مستويات مختلفة ومع عدة دول، وأن لا تبقى ضمن مفهوم العلاقة بين الدولة والدولة، بل تتطور لتصبح بين الدولة ورجال الأعمال والمثقفين. الغرب يتحدث عن القوة الناعمة، نحن لا نحب هذا المصطلح بل نفضل مصطلح القوة المسؤولة، وعلى روسيا العمل ضمن مستويات متعددة. على سبيل المثال، بالنسبة إلى ما حصل في جورجيا عام 2008، طوّرنا استراتيجية جديدة للعلاقات الخارجية، وقد تم حظر التدخل العسكري المباشر، على الرغم من وجود مواطنين روس وعلى الرغم من القدرة على القيام بذلك. وبالتالي ما المشكلة؟ المشكلة هي المسؤولية؛ فعلى روسيا أن تكون أخلاقياً ومعنوياً مسؤولة عن أي عمل تقوم به في الخارج وأن تتحمل نتائجه وتبعاته على الصعيدين العالمي والمحلي الداخلي. وهكذا هي الحال مع القوات الأمنية الروسية في سورية، التي تعرضت لهجوم من الطائرات الأمريكية وقتل منها نحو 10 أشخاص. وقد ظلت روسيا صامتة ومتكتمة على الموضوع لمدة أسبوع من دون تسريب أي معلومات. وفي نهاية الأمر هم مواطنون روس توفوا على الأراضي السورية لحماية المصالح السورية، وبالتالي أرى أن هناك مشكلة لا تزال قائمة في المجتمع الروسي بين البرلمان الروسي وطبقة الأوليغارشية، والحكومة الروسية بالطبع. وربما يرجع السبب إلى بوتين نفسه الذي يحاول أن يبقي على التوازن بين الليبراليين والمحافظين وفي تحديد المصلحة الوطنية وما يجب فعله.

بالنسبة إلى البريكس، في بادئ الأمر، تم طرح البريكس كفكرة لاقتصاد متنامٍ من دون أن يكون هناك أي نوع من التوافق أو الأنشطة المميزة. وعلى عكس السنوات السابقة التي كانت تعاني روسيا فيها عقوبات مفروضة عليها، فهي الآن بدأت تظهر كقوة عظمى. لكن في المقابل هناك الكثير من المشاكل الاقتصادية في جنوب أفريقيا والبرازيل، ويرى عدد من الخبراء الروس أنها محاولة من الغرب لتقويض مجمّع جديد ونشاط جديد لأنه يمهد الطريق أمام نظام عالمي متعدد الأقطاب. ولكنني أعتقد أن البريكس سيواصل نشاطه نظراً إلى احتوائه على عدد من المجموعات الفاعلة في الاختصاصات المختلفة، وكل عام تُعقد اجتماعات مختلفة ويتم توقيع اتفاقيات مختلفة بين روسيا والدول الأعضاء في البريكس. ومن الأمور المهمة أن كـلاً من الصين والهند عضوان في البريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون. وبالنسبة إلى العلاقة بين الصين وروسيا، فقد وُقِّعت أول اتفاقية بين البلدين حول النظام العالمي المتعدد الأقطاب خلال عهد يلتسن، وإذا لم أكن مخطئاً فقد كان هذا عام 1993، والصين عضو فاعل في الترويج لهذا الفكر، وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر بين روسيا والصين على هذا الصعيد، إلا أننا نعتقد أن الصين لا تزال على المسار الصحيح. وبالتالي نتعامل مع الصين في عدة مجالات، بما فيها الطاقية والعسكرية والسياسية، كونها قوة منافسة للولايات المتحدة. كما نتشارك معها وجهات النظر نفسها في ما يتعلق بموضوعات مثل الديمقراطية وسيادة الدولة وعدم التدخل في القرارات الداخلية للدول على غرار ما تفعله الولايات المتحدة، وهذا أمر مهم جداً. وبالتالي نتشارك مع الصين عدداً من وجهات النظر.

بالنسبة إلى الموقف الروسي من إسرائيل، لم يكن لدى الاتحاد السوفياتي أية علاقة دبلوماسية مع هذا الكيان ولم يعترف به كدولة. فقط بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتحوّل روسيا إلى دولة «ديمقراطية» تم الاعتراف بإسرائيل. المشكلة هي أن الكثير من الروس اليهود أدوا دوراً في التخلص من الاتحاد السوفياتي، وحاولوا الاستحواذ على السلطة عند سقوط الاتحاد، حيث إن الكثير من اليهود الأوليغارشية أحاطوا ببوريس يلتسن، مثل بوريس بيريزوفسكي الذي شغل منصب مستشار لديه. وبالتالي بمجرد أن انهار الاتحاد السوفياتي، استحوذ اليهود على السلطة الاقتصادية وما زالوا (نحو 3 بالمئة من اليهود الروس يتحكمون بنحو 70 بالمئة من الناتج المحلي). وهذه مشكلة كبيرة، ومعظم المواطنين الروس مدركون هذه المشكلة وهم يناقشون هذا الموضوع. كما أن اليهود يتحكمون بمعظم وسائل الإعلام الروسية. وهم روس يهود ولكنهم على علاقة قوية بإسرائيل بالطبع. ولكن على الصعيد الرسمي، لا نزال نعترف بقرارات ووثائق الأمم المتحدة حول القدس وبأنها عاصمة فلسطين، ولا نزال نروِّج فكرة المصالحة بين الطرفين وعدم استعمال العنف المسلح ضد الشعب الفلسطيني. ولكن هذا الموقف قد يتغير بعد بضع سنوات، مع تغير الإدارة الروسية (إدارة بوتين) المتعاطفة مع إسرائيل، كما أن اليهود الروس الذين يسيطرون ويعيشون في روسيا باتوا في أغلبيتهم كباراً في السن، ومع رحيلهم سيتغير الموقف والمنظور. كما يوجد عامل آخر وهو الزيادة الملحوظة في نسبة السكان المسلمين في روسيا، وهم بالطبع سيؤيدون فلسطين بدورهم وسيصوتون لسياسيين يؤيدون قضية فلسطين.

المصادر:

(*) بالأصل، جاءت هذه الورقة في سياق الحلقة النقاشية “روسيا ودورها في الشرق الأوسط” والتي عُقدت في مقر مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت يوم الخميس 24 أيار/مايو 2018. ونُشرت في مجلة المستقبل العربي العدد 475 في أيلول/سبتمبر 2018.

(**) ليونيد سافين: سكرتير الحركة الأوراسية العالمية ومدير مؤسسة الاستشراف الروسية ومدير تحرير موقع «جيوبوليتيكا» – روسيا.