بقلم📝: أنيس عبدالوهاب بن أحسن

أصدر رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي بالامس مرسوم يقضي بغلق جميع مقرات فصائل الحشد الشعبي المدعومة من إيران و الموالية لها، وإلحاقها بالقوات المسلحة العراقية النظامية. للوهلة للأولى يبدوا أن القرار صدر بضغط من الإدارة الأمريكية لتقليص النفوذ الإستراتيجي الإيراني ،في إطار تكثيف الضغوط على إيران لاجبارها على الجلوس على طاولة المفاوضات، بيد أن للقرار أبعاد أخرى تتعلق أساسا بالوحدة الترابية للدولة العراقية.

   المتأمل لوضع العراق اليوم يلاحظ هيمنة أربع قوات على المشهد الإستراتيجي العراقي، وهي:

1-القوات النظامية العراقية: الخاضعة لسلطة وزارة الدفاع العراقية، والتي خاضت العديد من المعارك ضد ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، تمكنت على اثرها من تحرير العديد من المناطق التي سيطر عليها التنظيم، والتي في أغلبها هي مناطق يقطنها السنة.

2- قوات البشمركة الكردية: الخاضعة لسلطة إقليم شمال العراق ذي الغالبية الكردية،؛والساعي للانفصال عن الدولة العراقية وإقامة دولة كردية في المنطقة، بدورها خاضت هذه القوات العديد من المعارك ضد ما يسمى بتنظيم داعش، كما أظهرت هذه المعارك صعوبة التنسيق الإستراتيجي بين القوات النظامية العراقية وقوات البشمركة.

3- قوات الحشد الشعبي: المتكونة من العديد من الفصائل التابعة لأحزاب شيعية ممولة ومدعومة من طهران، ظهرت هذه القوات نتاج عدم تمكن القوات النظامية العراقية من استكمال تحرير العديد من المناطق العراقية بفعل الإنهاك الذي تعرضت له هذه القوات في حربها ضد ما اصطلح عليه بتنظيم داعش. وقد لعبت قوات الحشد الشعبي دورا هاما في تحرير العديد من المناطق الشيعية من سيطرة الجماعات الإرهابية، وكذلك تحرير بعض المناطق السنية من سيطرة هذه الجماعات رغم الانتهاكات الذي ارتكبته بحق السنة العراقيين نتاج لتأجيج النزاع الطائفي في العراق.

4- قوات ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام( داعش): طريقة ظهور التنظيم في العراق تؤكد أنه جاء في استراتيجية لتمزيق الوحدة الترابية العراقية، من خلال انهاك القوات النظامية العراقية مما أجبر بغداد على بلورة سياسة دفاعية جديدة تقوم على إعطاء دور لقوات البشمركة الكردية، وكذا السماح بإنشاء مليشيات مسلحة ( قوات الحشد الشعبي) لبسط الأمن في العراق، كذلك عملت قوات التنظيم من خلال العمليات العسكرية التي قامت بها على الإبقاء على ثلاث مكونات هويتية رئيسية في العراق هي: السنة، الشيعة والكرد . وهو ما تم لمسه بوضوح من خلال حملة الإبادة التي قام بها التنظيم بحق الايزيديين العراقيين الأمر الذي أدى إلى نزوح أعداد كبيرة منهم خارج العراق. هذا وقد تراجعت سيطرة التنظيم ونفوذه بفعل الضربات العسكرية التي تلقاها من القوات السابقة الذكر.

  وبالتالي ظهرت قوات الحشد الشعبي الشيعية وقوات البشمركة الكردية كقوات عسكرية موازية للجيش النظامي العراقي، خاصة وأنها غير خاضعة لسيطرة العاصمة بغداد، وهو عامل ضعف ومؤثر على استقرار الدولة العراقية ووحدتها، هذا يعني أن الوضع الإستراتيجي في العراق اليوم هش بفعل تواجد ثلاث جيوش متقاربة من ناحية ميزان القوى العسكري، وهي: جيش شيعي يشكل نواة جيش الدولة الشيعية المستقبلية، كذلك جيش كردي الذي يشكل نواة الدولة الكردية المستقبلية، وجيش نظامي قابل للانشقاق أكثر يشكل نواة الدولة السنية المستقبلية أيضا.

  لذلك فإن قرار رئيس الوزراء العراقي يعتبر أخف الضررين، نظرا أن الولايات المتحدة الأمريكية ضغطت على الحكومة العراقية لوقف الهجمات التي أضحت تتعرض لها القوات الأمريكية العاملة في العراق من ميلشيات مسلحة تراها واشنطن على صلة بقوات الحشد الشعبي، والقصد من ذلك جر القوات العراقية إلى الصدام مع قوات الحشد الشعبي مما يؤدي إلى تأجيج النزاع السني – الشيعي من جهة، وموازنة ميزان القوى العسكري بين القوات الثلاث الفاعلة في العراق، الأمر الذي يؤدي إلى بناء الأرضية التي على أساسها تمزق الوحدة الترابية العراقية على أساس طائفي وعرقي. فمرسوم عادل عبدالمهدي جاء بمثابة جرعة الدواء للتخفيف من آلام المريض المقبل على الموت، ذلك أن قرار دمج هذه قوات الحشد الشعبي مع القوات النظامية العراقية أمر بالغ التعقيد ومن شأنه زيادة ضعف القوات المسلحة النظامية العراقية نفسها.

  إن مسؤولية تردي الوضع الامني العراقي، ووصوله إلى ما هو عليه اليوم تقع على الدول الإقليمية خاصة السعودية، إيران وتركيا، فقصور النظرة الاستراتيجية السعودية اتجاه مستقبل الامن الاقليمي جعلها تتبني العديد من القرارات الاستراتيجية الخاطئة ، ولعل أبرزها تأييد الرياض ودعمها لإسقاط القوات الأمريكية للنظام السني العراقي بقيادة الرئيس الراحل صدام حسين، كما أن اعتمادها على الحليف الأمريكي لتحقيق الأمن والاستقرار في العراق والمنطقة كان قرارا خاطئا، من منطلق أن واشنطن عملت على اختراق النظام الإقليمي الشرق أوسطي من بوابة الهواجس الأمنية السعودية، كما أن محدودية الدور الإستراتيجي السعودي في الحياة السياسية العراقية فتح المجال أمام هيمنة إيران على دوائر صنع القرار العراقي من خلال نظرة استراتيجية تقوم على ركوب موجة المخطط اليهو أمريكي والسعي على دعم الدولة الشيعية المستقبلية، فقد أدركت إيران في وقت مبكر أن الدولة الشيعية ستقوم لا محالة لذلك ينبغي أخذ حصة من الكعكة العراقية، في حين أن تركيا الدولة التي تدعي أنها قوة إقليمية دخلت في خلافات متقطعة مع اهم اللاعبين الاقليميين والدوليين في صورة السعودية وايران والولايات المتحدة الأمريكية وروسيا مما أثر سلبا على فاعلية استراتيجيتها الإقليمية، وجعل أنقرة عاجزة عن ضمان أمن حديقتها الخلفية وعمقها الجيواستراتيجي الشديد الصلة بأمنها الوطني.

Print Friendly, PDF & Email
اضغط على الصورة