قضايا اقتصادية

مساعي الصين وروسيا للخروج من عباءة النظام المالي العالمي

ان أكثر ما يميز عالمنا المعاصر أيدولوجياً وسياسياً واقتصادياً هو هذا الصراع القائم وذات الحلقات المتعددة بين الشرق والغرب، وقد أصبح هذا الصراع من الشمول والتغلغل بحيث تحول إلى جزء من الحياة اليومية والتفكير اليومي والاعتيادي لكل البشر، ويستمد هذا الصراع أهميته من زاويتين الأولى كونه صراعاً محورياً يؤثر على حركة العالم وتطوره، وهو المسئول عن تحولاته وتوتراته وصراعاته، أي أنه مصدر معظم الأزمات الدولية والإقليمية والمحلية في العالم، ومن زاوية أخرى، تنبع أهمية هذا الصراع من كونه يضم أغنى وأقوى الدول. وفي ظل تجدد وتعدد الأخطار التي تهدد الاستقرار المالي العالمي المقترنة مع زيادة حالة عدم اليقين وتنامي فقدان أواصر التعاون الدولي، بات هناك حديث عن الخروج من عباءة النظام المالي العالمي لدى العديد من الدول وفي مقدمتها الصين وروسيا.

وعلى ضوء ما تقدم يتسنى لنا في السطور القليلة القادمة عرض التطور التأريخي للنظام المالي العالمي مع إيضاح أهم ملامح هذا الخروج وأهم االدوافع التي تقف خلفه. فضلاً عن رصد التحركات التي تمت على أرض الواقع، عبر الأقسام التالية:

أولاً- التطور التاريخي للنظام المالي العالمي:

يعد النظام المالي العالمي هو الإطار الذي يتحكم في جميع أنحاء العالم بين الاتفاقات القانونية والمؤسسات والفعاليات الاقتصادية الرسمية وغير الرسمية التي تسهل معاً للتدفقات الدولية لرؤوس الأموال المالية لأغراض الاستثمار ولتمويل التجارة، وقد تطور النظام بشكل كبير منذ ظهوره في أواخر القرن الـ 19 خلال الموجة الأولى من العولمة الاقتصادية، التي تمثلت في إنشاء البنوك المركزية والمعاهدات المتعددة الأطراف، والمنظمات الحكومية الدولية الرامية إلى تحسين الشفافية، والتنظيم، وفعالية الأسواق الدولية.

ولعل إمعان النظر قليلاً في النظام المالي العالمي لا يرى منه إلا صورة مشوهة ومشوشة، تمخض عنها سياسات اقتصادية صبت أغلبها في صالح قطب معين وهو الولايات المتحدة الأمريكية، ما جعله يمر بأزمة حقيقية منذ اتفاقية بريتون وودز 1944. وقد وافقت البلدان المشاركة على المشاركة في المحافظة على قيمة عملتها في نطاق هامش ضيق مقابل الدولار وسعر مماثل من الذهب عند الحاجة. ولقد ربح الدولار مركزاً بعلاوة كعملة مرجعية، يعكس التغير في الاقتصاد العالمي من هيمنة أوروبا إلي الولايات المتحدة الأمريكية. وقد منعت الدول من تخفيض قيمة عملاتها لتستفيد تجارتها الخارجية ولم يسمح لها إلا بتخفيض عملاتها بنسبة أقل من 10%، وقد أرسيت دعائم هذا النظام في قاعدة أسياسية تستهدف ثبات أسعار الصرف بعملات الدول الاعضاء من خلال ربطها بالدولار الأمريكي القابل للصرف بالذهب، ومساعدة الدول الخاضعة لهذا النظام في توفير السيولة لمواجهة الاختلالات العارضة والمؤقتة في موازين مدفوعاتها.

ومر النظام المالي العالمي بعد فك ارتباط الدولار عن الذهب بقرار من الرئيس نيكسون عام 1971 بحالة عدم الاستقرار في الأسعار ساعد في زيادة التضخم، ولابد لنا أن نشير إلى الاستراتيجية التي تقف وراء ذلك الذي لخصها هنري كيسنجر مستشار الأمن القومي ثم وزير الخارجية في قوله “من يسيطر على الغذاء يسيطر على الشعوب ومن يسيطر على الطاقة يسيطر على القارات ومن يسطر على المال يسيطر على العالم”، وتحول الدولار  إلى عملة ورقية تعتمد على قرار باعتمادها وسيلة دفع.

وأفرز النظام المالي هذا، الولايات المتحدة الأمريكية كقوة اقتصادية أولى في العالم، لكن هذه القوة هي الآن في طور التآكل وربما السقوط النهائي، حيث لم تعد قادرة على مواجهة المنافسة الاقتصادية والتجارية والتقنية التي تمثلها اليابان كدولة مؤيدة لسياسات الولايات المتحدة وألمانيا والصين كدول لها وضع مميز في الاقتصاد العالمي، وقد تولد في الأونة الأخيرة  في مقابل القوة الأمريكية قوى أخرى تمثلت في تحالف مواقف بين الصين وروسيا كأحد أهم إرهاصات الصراع بين الشرق والغرب منذ استلام الحزب الشيوعي الصيني بزعامة ماوتسي تونغ زمام الحكم في الصين والإعلان عن قيام دول إشتراكية في أكتوبر 1949.

ثانياً- النظام المالي العالمي الراهن.. تحديات وأخطار:

لا يزال النظام المالي العالمي يعاني الكثير من المشكلات والأزمات الكبيرة التي أفرزتها الأزمة المالية العالمية ومضاعفاتها السلبية المستمرة، التي أثرت بشكل سلبي على كل مرافق الحياة خاصة القطاع المصرفي الذي عانى من انتكاسات وخسائر كبيرة، دفعت العديد من المؤسسات المصرفية إلى إعتماد خطط وقرارات جديدة منها تقليص أو إلغاء بعض فروعها وتسريح موظفيها وغيرها من الإجراءات الأخرى التي تضمن لها البقاء والاستمرار وتوفير السيولة اللازمة لتمويل نشاطاته، وفي فترة ما بعد الأزمة المالية العالمة تزامنت 4 إضطرابات غير مسبوقة أثرت سلباً على النظام المالي العالمي، وهي التغيرات المناخية والهجرة وأعمال المصارف المراسلة وجرائم شبكة الانترنت، التي خلفت ضغوطاً غير مسبوقة وغير متوقعة على الأسواق المالية العالمية، التي سنستعرضها بشي من الإيجاز دون إسهاب، كالتالي:

إن أولى التحديات التي خلفها النظام المالي العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية هو قضية التغيرات المناخية، إذ شهد العالم إنقسامات حادة وتبادل في المواقف إزاء هذه القضية خاصة من جانب الولايات المتحدة، وعليه، فإن مدى قدرة القطاع المالي على الصمود إزاء المخاطر الناجمة عن تغير المناخ، ومدى فعالية القطاع المالي في تخصيص الموارد المالية اللازمة لهذا الغرض يشكل تحدياً يواجهه النظام المالي العالمي، علماً بأن عدم الالتزام بالاستخدام الواعي للوقود الأحفوري وغياب ضريبة الكربون يعوقان دون تحويل السوق الموارد المالية اللازمة من الاقتصاد التقليدي إلى الاقتصاد المراعي للبيئة.

التحدي الثاني يتمثل في قضية الهجرة التي شاعت وانتشرت بشده خلال العقد الأخير سواء نتيجة نشوب نزاعات أو صراعات أو غيرها، وبحسب البنك الدولي يوجد على مستوى العالم، نحو 65 مليون شخص يتم تهجيرهم قسراً، وبالطبع فإن الهجرة أو إعادة التوطين أو الترحيل تؤثر على مكان إيصال المساعدات إلى من يحتاجون إليها ووسيلة ذلك، ولكن الأهم أنه مع استقرار النازحين- سواء مؤقتاً أو علي المدى البعيد- ليصبحوا قادرين على الوفاء باحتياجاتهم وتحقيق النجاح، فإنهم سيحتاجون إلى إقامة علاقات مالية جديدة، وذلك يمكن أن يكون لإجراء معاملات بسيطة مثل تلقي المساعدات من خلال بطاقات الدفع (كبديل عن المساعدة النقدية) أو لإرسال تحويلات مالية، أو ربما يكون أكثر تعقيدا مثل الحصول على قرض أو بدء نشاط تجاري.

التحدي الثالث وهو الانسحاب من أعمال المصارف المراسلة، فنظراً لأن القطاع المصرفي العالمي يشدد من اللوائح والقوانين، فإن عددا كبيراً من المصارف ينسحب من أعمال المصارف المراسلة ويغلق بعض خطوط الأعمال غير المستدامة جدواها، وكان لهذه الظاهرة الحديثة أثرا كبيرا في بعض المناطق على الشركات الصغيرة والمتوسطة، وعلى شركات تحويل الأموال التي تتعامل أساساً في التحويلات المالية.

ويبرز التحدي الرابع في تصاعد وتيرة الحرب الإلكترونية، التي أصبحت خطراً ملموساً علي مستوى الأسواق المالية الوطنية والدولية، وتزايد ابمخاطر الأمن الإلكتروني، بالتوازي مع انتشار الإنترنت وتكنولوجيا المعلومات، وغيرت التكنولوجيا المالية وجه القطاع المالي- من خلال زيادة إمكانية الأفراد والشركات الصغيرة والمتوسطة للحصول على الخدمات المالية بعد أن كانوا يعانون من إهمال النظام المالي السابق لهم- غير أنها أثارت العديد من التساؤلات بما في ذلك المخاوف المتعلقة بالأمن الإلكتروني، فالتقدم التكنولوجي الذي يدفع التكنولوجيا المالية قدماً، يواجه هو ذاته مخاطر تتعلق بالأمن الإلكتروني.

ثالثاً- موقف الصين ورسيا من النظام المالي الحالي:

تعد الصين ثاني اقتصاد في العالم ويستمد قوته من قدرته على تحريك عجلة الاقتصاد العالمي، إلى جانب قدرته على مواجهة الأزمات كما حدث في الفترة (2007-2009). وبدأ الاقتصاد الصيني في التفوق على نظيره الأمريكي، فمنذ عام 2010 والصين هي أكبر مصدر للسلع التجارية وثاني أكبر مستورد لها، كما أنها خامس أكبر مصدر وثالث أكبر مستورد للخدمات التجارية، إضافة إلى ذلك، فإن الصين ثاني أكبر مزود للاستثمارات الأجنبية المباشرة بعد الولايات المتحدة، وفي مقابل الولايات المتحدة الأمريكية تمتلك الصين أدوات قوة جعلتها تتعامل نداً بند، حيث أن المحرك الرئيسي لحرب العملات هو العجز الثنائي الضخم الذي يجعل الصين أكبر دائن للولايات المتحدة الأمريكية، وبعد فترة طويلة من تواجد علاقات تجارية واستثمارية كبيرة ومتنامية بينهما، تفجرت في الأونة الأخيرة نزاعات وإنشقاقات سواء على مستوى حرب العملات أو على مستوى تحرير وتقييد التجارة بين البلدين. وهنا تبرز المخاوف الأمريكية التي لديها خلخلة واهتزاز للدولار في الوقت الذي تتصاعد فيه القوة التصديرية للصين، وقد تنامى هذا التوجه في أعقاب الأزمة المالية العالمية التي اندلعت منتصف 2007 وبلغت ذروتها عامي 2008 و2009، وكان للصين دوراً رائداً وحيوياً في التخفيف من وطأة الأزمة.

ماذا عن روسيا اقتصادياً؟

إذا كان الأمر في علاقة الصين بالولايات المتحدة الامريكية هو بالدرجة الأولى حرب اقتصادية، فإن الأمر يختلف فيما يتعلق بعلاقة روسيا بالولايات المتحدة الأمريكية التي تبدو حرب سياسية وأيدولوجية بالدرجة الأولى، فمن القطبية الثنائية إلى القطبية الأحادية على ضوء تراجع الإتحاد السوفيتي وتفكيكه، غصت روسيا في ثبات عميق طوال ما يقرب من ثلاثة عقود من الزمان. وفي الأونة الاخيرة وجدت روسيا ضالتها في التحالف مع الصين كقوة اقتصادية عالمية متنامية  في الوقت الذي تعاني فيه روسيا من هشاشة اقتصادها، وتحتل روسيا المرتبة الـ12 في العالم من ناحية الناتج المحلي الإجمالي، وهي السادسة عالمياً من حيث القوة الشرائية، كما تحتوي على أكبر احتياطي غاز في العالم، وهي أكبر مصدر له، وعرفت روسيا منذ نهاية النظام الاشتراكي فترة انتقال من الاقتصاد المركزي والمخطط إلى اقتصاد حر. ويعتبر الاقتصاد الروسي متقدماً حالياً مقارنة بأوائل التسعينيات، كما تعتبر روسيا من الأسواق التي تشهد نموا مطردا في الفترة الحالية، إذ أنها تحقق أرباحاً نتيجة لارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي، وصناعياً تنتج روسيا الآلات الثقيلة والمعدات الكهربائية، ومن أهم منتجات الصناعة الكيماوية الألياف الكيماوية والأسمدة المعدنية ومنتجات البتروكيماويات والراتينج الصناعي.

دوافع الخروج من عباءة النظام المالي الدولي لدى كل من الصين وروسيا

على المستوى الاقتصادي تبدو الصورة لدى الصين أكثر وضوحاً من روسيا فيما يتعلق برغبتها في الخروج من عباءة النظام المالي الحالي والسعي نحو تشكيل نظام جديد، ولأن القوة الاقتصادية لابد لها من قوة سياسية تتوازن معها وتؤيدها، شكل التعاون الصيني الروسي ملاذاً أمناً لكلا الدوليتن في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية، ومع تصاعد نسبة المواجهة إلى مستويات لا يمكن تجاهلها، أعاد الصراع الحالي خطورة المواجهة كتلك التي كانت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في القرن الماضي، وسيكون بلا شك أكثر تعقيداً في عصرنا هذا، والسبب يعود إلى زيادة نطاق السلطة والنيات الغامضة حتى الآن للفاعل الرئيسي الثالث؛ ألا وهو الصين.

ومضى على بحث مسألة تشكيل نظام مالي عالمي جديد أعواماً عديدة ولم يتم التوصل إلى نتائج حتى الآن. ومازال بإمكان أمريكا إقناع العالم للعمل بالنظام القديم والحفاظ عليه ما أمكن ولكن هذا النظام لا يتناسب ومصالح الدول مثل روسيا والصين، بما يعني أنها في مصلحة أمريكا فقط، لأن الدول المقرضة هي التي تدفع الثمن التي تشتري السندات وفي الواقع تدعم اقتصادها بالديون وأمريكا تحصل على أرباح خيالية من خلال طباعة الدولار وبفضل هذا تنمو البنوك والمؤسسات الأمريكية وهي تملك الإمكانية لشراء ما ترغب، لكن الآن عندما تجاوز إصدار الدولار حدود المعقول وهذا يتمثل ليس فقط بالأوراق المالية بل و سجلات الحسابات الإلكترونية، فإن أي دولة عليها التفكير ملياً هل من مصلحتها التعامل بالدولار غير المدعوم بشيء لأن التضخم في هذه الحال واقع محتوم أي ارتفاع أسعار المنتجات المشتراة بالدولار وانخفاض أسعار السندات فمن سيستمر في هذه أطول سيخسر أكثر وحتى تخرج بأقل الخسائر يجب أن تخرج بسرعة وهذا ما يفعله الكثير من الدول حيث تشتري أصولاً أخرى حقيقية.

وعلى ضوء ما تقدم، يمكن أن نبرز عدداً من الدوافع لدى كل من الصين وروسيا تجعلها تحاول جاهدة نحو الخروج من النظام المالي الراهن وتشكيل نظام جديد، ومن بينها ما يلي :

محاولة البحث عن الذات ولعب دور أكبر على الصعيدين الاقتصادي بقيادة الصين والسياسي بزعامة روسيا، خاصة للأولى التي تشير مؤشراتها الاقتصادية إلى وجود قوة عظمى يمكنها أن تناطح الولايات المتحدة الأمريكية وسعيها لقيادة العالم في غضون سنوات قليلة قادمة وذلك كما يوضحة الجدول رقم (1). وتسعى كل من الصين وروسيا في إعادة تشكيل النظام المالي العالمي بهدف إعادة التوازن في المصالح وإعادة القطبية الثنائية ولكن في ثوب جديد.

وجود نظام واهٍ للعملات الدولية ورغبة كل من الصين وروسيا أن تتم العودة لتطبيق نظام الصرف بالذهب، خاصة وأنه مع كل تراجع للدولار والذي بدأ يفقد مكانته كعملة احتياطية دولية، تستطيع أمريكا ان تمول ذلك بطيع المزيد منه. وفي الوقت ذاته فقد تم إدراج الي وان كعملة دولية بما يعني مزاحمته للدولار.

تتابع الأزمات المالية الدولية، فمنذ الأزمة المالية في عام 2008 ثم أزمة الديون السيادية الاوروبية والنظام المالي العالمي يعيش تخبطات تتوالى واحدة تلو الأخرى، حيث قامت الصين بدور القاطرة سواء على المستوى النقدي أو المستوى التجاري في الحفاظ على معدلات النمو العالمي من التدهور.

جدول (1) بعض المؤشرات الاقتصادية للدول الثلاث ( الولايات المتحدة والصين وروسيا) خلال عام 2016.

إجمالي الناتج المحلي بالأسعار الثابتة للدولار الأمريكي(تريليون)معدل نمو الناتج المحلي الإجماليإجمالي الإحتياطات بما فيها بالذب بالأسعار الجارية للدولار 

(مليار)

رصيد الحسابا الجارية – ميزان الدفوعات بالأسعار الجارية 

( مليار)

صادرات السلع والخدمات بالأسعار الجارية 

( تريليون)

صافي التدفقات الوافدة للأستثمار الأجنبي المباشر (% من إجمالي الناتج المحلي)صافي التدفقات الخارجة للأستثمار الأجنبي المباشر (% من إجمالي الناتج المحلي)
الولايات المتحدة16.92

 

1.49405.94-451.692.202.571.67
الصين9.56.693.10 *196.382.211.521.94
روسيا1.8-0.22377.0525.54332.40**2.451.74

*القيمة بالتريليون دولار

**القيمة بالمليار دولار

المصدر: إعداد الباحث إعتماداً على بيانات البنك الدولي.

السعي للسيطرة على منابع الطاقة، فما زال النفط والغاز يتصدران مشهد الصراعات الدولية، رغم التقدم في الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة، فبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية ومع برزو أهمية النفط، سيطرت الولايات المتحدة ومعها شركائها الأوروبيين على منابع النفط والغاز خاصة في منطقة الخليج العربي، ورغم إعلان الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما سياسة “التوجه شرقا”، لنقل الثقل الأمريكي إلى آسيا، إلا أن أمريكا لا يمكن أن تترك نفط الشرق الأوسط للصين لتهيمن عليه، بخلاف إرتفاع تكلفة إستخراج النفط الصخري الذي كانت تعول عليه أمريكا في تلبية إحتياجاتها.

تنامي الخلاف التجاري بين الصين ووالولايات المتحدة الأمريكية، حيث اشتد الخلاف التجاري مؤخرًا بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وجمهورية الصين الشعبية، حيث أصدر ترامب تعليمات لمسئولي التجارة الأمريكية بدراسة فرض رسوم جمركية إضافية على سلع صينية بقيم 100 مليار دولار, ويأتي هذا التصعيد عقب تقدم بكين بشكوى لدى منظمة التجارة العالمية ضد خطة خطة واشنطن لفرض رسوم جمركية على صادرات تستوردها الولايات المتحدة من الصين. وفي رد إنتقامي فرضت الصين رسومًا جمركية إضافية تصل إلى 25% على 128 منتج أمريكي، وقد أثار احتدام تلك التصعيدات عدة تساؤلات حول مصير العلاقات بين أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم بعد اقترابهما من خوض حرب تجارية مكتملة الملامح .

استغلال التباطؤ الاقتصادي الأمريكي الحالي واستغلال تراكم الديون الخارجية لديه كما سبق وأشرنا بأن الصين أكبر دائن له، وبالتالي فإن الفرصة سانحة لأن يمارس التحالف الصيني الروسي ضغطاً اقتصادياً على الولايات المتحدة الأمريكية لانتزاع زعامة العالم منها.

رابعاً- تحركات الخروج وشواهده:

في ظل تجاهل القوى العالمية القوة الاقتصادية الصينية المتحالفة مع روسيا، وكذلك تجاهل الدول الرأسمالية المتحكمة في النظام الاقتصادي الدولي والإصرار على معاملتها كدولة عادية، واصلت الصين وروسيا تعاونهما وسعيهما الدائم لتغيير النظام المالي العالمي بشقيه النقدي والمصرفي وفيما يلي بعض النقاط التي تبرز هذا التحرك:

انضمام روسيا إلى منظمة شنغهاي التي تضم كل من الصين وأوزبكستان وكازخستان، قيرغيزستان، طاجكستان، الهند ، باكستان، وقد أدت هذه المنطة دوراً مهماً في المنطقة الأوراسية فيما يتعلق بحل المشاكل الحدودية أو محاربة الإرهاب والجريمة العابر للحدود، فضلا عن دعم مناخ إيجابي بين أعضائها للتعاون في شتى المجالات.

تعاظم دور تجمع البريكس الذي يضم في عضويته الصين وروسيا والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا، ويعمل هذا التجمع على إيجاد نوع من التوازن الدولي والتأثير المباشر في المنظومة الاقتصادية والسياسية في العالم، حيث يمثل التجمع 27% من الناتج المحلي العالمي أي ما يزيد عن ربع الناتج العالمي لخمس دول فقط، وتسعى هذه الدول إلى خلق وكالة للتصنيف الإئتماني وإنشاء صندوق احتياطات نقدية وإنشاء بنك التنمية برأسمال قدره  100 مليار دولار والذي بدء فعليا منذ  يوليو 2015.

التوقيع على اتفاقية المصرف الأسيوي للاستثمار بين الصين و 50 دولة برأسمال يبلغ 10 مليار دولار، والذي تم العمل به في ديسمبر 2015، حيث يُعنى هذا المصرف بتمويل الأشغال الخاصة بالبنى التحتية في آسيا، وذلك في ظل اعتراض الولايات المتحدة الأمريكية واليابان خشية أن يتحول هذا المصرف لخدمة المصالح الجيوسياسية والاقتصادية للصين.

إدراج اليوان الصيني كمكون رئيسي في وحدة حقوق السحب الخاصة لتصبح عملة رئيسية، وذلك في سبتمبر 2015، وتم التطبيق الفعلي في أكتوبر 2016. بما يعطي مؤشر لتنامي القوى الاقتصادية للصين، التي هي أكبر قوة تجارية على وجه الأرض، وذلك أيضاً في ضوء أن الصين ترى أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أساءت استخدام وضعية الدولار كعملة احتياط وبحثت عن مكاسبه فقط دون النظر لغيرها من الدول. بما يعني أنها لم تعد دولة مسئولة تسعى للحفاظ على إستقرار النظام المالي العالمي.

تنامي حركة التعاون الصيني الروسي والاتفاق في المواقف سواء على مستوى الدعوة لإعادة ربط العملات بالذهب أو على مستوى التعاون الثنائي والتعامل بين اليوان الصيني والروبل في أسواق المصارف ومؤسسات الصرافة لتسوية المبادلات التجارية الثنائية بعد تثبيت سعر الصرف على أسس سليمة فيما بنيهما، الأمر الذي يشكل حائط صد كبير أمام الدولار الأمريكي، ناهيك عن الربط بين موسكو وبيكين عبر أطول ممر اقتصادي في العالم سيتم الانتهاء منه في 2019. وعليه، فإن التوافق والتعاون الصيني الروسي في مجالات عدة يساعدهما في تنمية ذواتهما والتخلي عن النظام العالمي ذات القطبية الأحادية، بل ويساعدها في تكوين قطبية تمكنها من صناعة القرار والتأثير في التطورات ومجريات الأحداث العالمية.

مبادرة الحزام والطريق التي أطلقتها الصين، التي تعكس تطوراً سياسياً واقتصادياً مهماً لانتقال الصين من التكيف مع النظام الاقتصادي العالمي إلى فكرة إصلاح هذا النظام وبما يعكس مكانة الصين المتنامية والتي كان لها موقفها في إنقاذ العالم من أزمة 2008. كما أن مبادرة الحزام والطريق تهدف إلى بناء شبكة من التجارة والبنى التحتية تربط بين قارات أسيا وأفريقيا وأوروبا بطول المسارات التجارية لطريق الحرير القديم، وتحقيق الكسب المشترك لجميع الدول الواقعة على طول مبادرة الحزام والطريق، كما أن المبادرة تعد «المفتاح» لحل مشكلات الانتعاش البطئ للاقتصادات الاقليمية وكذلك الاقتصاد العالمي.

خاتمة

يظل الحديث عن صراع القطبية وانتزاع زعامة العالم اقتصاديا وسياسياً في مرمى وعين كل المتابعين والمحللين والكتاب، إلا أنه هذه المرة يخرج عن نطاق الصورة القديمة التي كانت تتم عبر وسائل مثل الحروب والاستعمار والدمار. فمع وصول العالم إلى حرفية إدارة الصراعات بين أطرافه الكبرى والسعي نحو تجنب الخيارات العسكرية التي أكلت الأخضر واليابس سابقاً، كان الصراع الاقتصادي هو الميدان الذي يمارس فيه اللاعبون الرئيسيون مخططاتهم. وقد ظل الحديث عن الخروج من النظام المالي العالمي أو إرساء قواعد جديدة لنظام الحالي أو حتى إعادة تشكيله بما ينم عن تولد قوى جديدة أمر ليس بالجديد، إلا أن الجديد هو وجود قوى فعليه على أرض الواقع تستطيع أن تغير من قواعد اللعبة وتجذب نحوها أطرافاً عدة. ومن المؤكد أن طرح فكرة الخروج من عباءة النظام المالي الدولية بشقيه المصرفي والنقدي، لم يعد حديثاً فارغاً، بل تجسد في شكل خطوات سريعة ومتنامية بما يمثل سحب البساط من تحت أقدام القيادة الحالية التي أساءت إستخدام هذه القيادة ووجهتها نحو مصالحها الفردية فقط ، دونما أي إعتبار للآخرين.

المصدر

– أحمد السيد النجار، مصر والعرب ومبادرة الحزام والطريق ومستقبل النموذج الصيني، دار ابن رشد، الطبعة الأولى ، القاهرة، 2017، ص15.– رمزي زكي، فكر الأزمة درسة في علم اللاقتصاد الرأسمالي والفكر التنموي العربي، مكتبة مدبولي، القاهرة ،1987، ص 39.– روبرت فارلي، لماذا يُحتمل أن تندلع حربًا بين الولايات المتحدة والصين؟، ترجمة نورهان جمال، أوراق بحثية، مركز البديل للتخطيط والدراسات الإستراتيجية، 16 إبريل 2018، – شريف عبد الرحيم، مرة أخري ..الصين أكبر دائن للولايات المتحدة، الأهرام الاقتصادي، 19 أغسطس 2017، – عبد الخالق عبد الله، العالم المعاصر والصراعات الدولية، سلسلة عالم المعرفة ، العدد133، المجلس الوطني للثقافة والعلوم والآداب، الكويت، يناير، 1979، ص47.– علاء عبد الحفيظ محمد، تأثير الصعود الروسي الصيني في هيكل النظام الدولي في إطار نظرية تحول القوة، المجلة العربية للعلوم السياسية، العدد 47-48، خريف، 2015. – غلوريا م. غراندوليني، وضع تصور للنظام المالي العالمي خلال عشر سنوات، 1 يناير 2017، وجهات نظر حول التنمية، البنك الدولي، – ماهر أحمد شرف الدين، مسارات الهيمنة الصينية على مفاصل التجارة العالمية، أرواق بحثية، مركز البديل للتخطيط والدراسات الإستراتيجية، 8 نوفمبر 2017– منال حميد، صحيفة أمريكية: المواجهة قادمة بين روسيا وأمريكا والصين، الخليج أونلاين، 18 أكتوبر 2015، – منصور أبو العزم، الهيمنة الناعمة للصين عبر «الحزام والطريق»، الأهرام، 5 فبراير 2018، – يحي مفرح الزهراني، هل ستقود روسيا العالم كقوة اقتصادية؟، صحفية الاقتصادية الإلكترونية، 13 مارس 2017، – Tom Daly, Russia and China are talking about linking currencies to end the US dollar’s dominance, Reuters, 1 November, 2017. – Wendy Wu, Moscow and Beijing join forces to bypass US dollar in world money market, – Will Martin, China’s ballooning debt is a major threat to global financial stability, IMF warns, 7 December, 2017, – Russia Leaving Global Banking System: Dumping US Dollar for Gold, Anti News Network May 12, 2017,

الوسوم
اظهر المزيد

الموسوعة الجزائرية للدراسات السياسية

مدون جزائري، مهتم بالشأن السياسي و الأمني العربي و الدولي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

error: Content is protected !!
إغلاق
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock