وليد عبد الحي

من الضروري التسليم بداية أن المجتمع الدولي المعاصر لا يعرف دولة واحدة متجانسة تماما اثنيا (Monoethnicity)، وتمثل اليابان وكوريا الجنوبية بالقياس الكمي الأعلى تجانسا بين دول العالم إذ لا يزيد عدد الاقليات الاثنية في كل منهما عن نسبة 1% من اجمالي السكان، وهناك 37 دولة تصل نسبة الاقليات فيها الى 15% من اجمالي السكان.

وتعرف الموسوعة البريطانية الاقلية بأنها ” مجموعة من السكان تنفرد بسمة سوسيوثقافية عن بقية المجتمع، وهذا يشمل العرق، الدين، الطائفة، المذهب، اللون ، اللغة، الثقافة بمعناها العام .

وتسعى اغلب الاقليات في العالم الى نزعة تحقيق قدر من الحفاظ على هويتها التاريخية والعمل على عدم ذوبانها في الاطار الاجتماعي الأشمل، وتشكل هذه النزعة احد مشكلات العالم المعاص وازدادت حدتها بفعل ضغوط العولمة وهو ما تبين في تزايد عدد الحروب الاهلية وتناقص عدد الحروب الدولية بشكل لا لبس فيه، نتيجة تزايد الترابط العضوي وتحويل العلاقات الدولية الى لعبة غير صفرية وهو ما ادى لتراجع البنيات الدولية التقليدية في القدرة على التكيف مع تنامي الروابط العضوية التي يكون احد اسبابها هو تراخي الروابط الآلية وبالتالي اعادة رسم الخرائط الدولية على هذا الاساس.

فاذا انتقلنا الى الدول العربية سنجد ما يلي:

1- هناك 13.7% من المجتمع العربي يتحدثون لغة غير اللغة العربية( الامازيغ، الاكراد،الارمن والآراميون،التركمان ، الايرانيون، النوبيون)

2- يدين 7,6% من المجتمع العربي بغير الدين الاسلامي(المسيحيون ويتوزعون على مذاهب ارثذوكس(اقباط-يعاقبة-ارمن) ولاتين / كاثوليك(روم وسريان وأرمن واقباط) وموارنة، وبروتستانت ، ثم الصابئة واليزيديون والبهائيون والوثنيون) وبعض الاديان الاخرىالصغيرة جدا، مع تداخل بين هذه الفئات من خلال السمات الاجتماعية الاخرى.

3- نسبة من ينتمون لغير المذهب السني من العرب المسلمين هي 8.8%(الشيعة الاثنا عشرية، الزيديون،الاسماعيليون، الدروز،العلويون، الخوارج)

4- نسبة من يصنفون من السود في المجتمع العربي هي 3.7%( يتركزون في السودان وموريتانيا وبعض دول الخليج).

ذلك يعني ان نسبة الكتلة المتجانسة تماما في المجتمع العربي هي 66,2%، وهو ما يعني أن حوالي ثلث المجتمع العربي يتمايز عن الثلثين الآخرين بسمة سوسيوثقافية او أكثر.

هذا يستدعي طرح اشكالية أخرى وهي دور النزعة القطرية( اردني فلسطيني جزائري سوداني موريتاني مصري عراقي…الخ)، وهي سمة ترسخت تدريجيا ولم تتمكن النزعة القومية من صهرها وابقتها في المستوى الوجداني فقط، وفشلت كل محاولات تذويبها لاسباب داخلية واخرى خارجية.

وفي دراسة سابقة لي حول هذا الموضوع اعتمدت فيها على قاعدة بيانات (MAR ) المتخصصة في بيانات الاقليات، تبين لي في احد الجوانب ومن تتبع 338 اقلية لديها نزعات انفصالية بمستوى أو آخر ان هناك 27 مؤشرا (سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وجغرافيا- داخليا وخارجيا) تتحكم في قوة النزعة الانفصالية من ناحية وفرص نجاحها في الوصول للانفصال والاستقلال او تحقيق قدر من الحكم الذاتي من ناحية ثانية.

ولكن عند تحديد وزن كل مؤشر (عبر التنسيب الاحادي ومعامل الارتباط بين المؤشرات) تبين لي ان المؤشر الاكثر قوة في تحديد النزعة الانفصالية هو المؤشر الجغرافي ويتمثل في 3 ابعاد هي:

أ‌- موقع الاقلية جغرافيا هل هي على الحدود او في وسط الدولة

ب‌- تجمع غالبية الاقلية في اقليم او منطقة جغرافية واحدة او تشتتها

ت‌- وجود مورد اقتصادي هام في المنطقة الجغرافية التي تتجمع فيها الاقلية.

وتبين من القياس أنه اذا توفرت العوامل الجغرافية( على الحدود،ومتجمعة في نفس المنطقة ولديها مورد اقتصادي هام) فان احتمالات الانفصال لا تقل عن 78%، وهذه المطيات الجغرافية هي التي تغري القوى الاجنبية على استغلال فرصة توفر هذه المتغيرات ، وهو ما يعزز النزعة الانفصالية بوجود سند اقليمي او دولي، ولكن في ظل غياب هذه الجوانب الثلاث( الحدود والتجمع والمورد) يخبو السند الاقليمي والدولي كثيرا.

وفي تقديري حول وضع العالم العربي ، فإن الأكراد يمثلون الحالة الأكثر توفرا على مؤشرات النزعة الانفصالية، ولكن مشكلة الاكراد انهم جغرافيا يقفون بين المؤشر ونقيضه، فإذا نظرت لموقعهم الجغرافي فهم في سوريا والعراق وايران وتركيا يقعون على الحدود لكل دولة، لكن إذا نظرت لهم جغرافيا على اساس أقليمي جيوسياسي وجيواستراتيجي فهم يقعون في وسط الاقليم وبالتالي فاقدين لاهم بعد جغرافي ، ورغم تجمعهم في مناطق متجاورة تقريبا الا أن بعضهم يفتقر للمورد الاقتصادي الهام، وهو ما يفسر تكرار التوظيف الدولي لهم تارة والانفضاض من حولهم تارة اخرى، دون اغفال بعض التباين بينهم انفسهم.

لذا ورغم مخططات أوديد ينون وبرنارد لويس وهنري ليفي وحواريي ترامب واركان الابراهيمية الجديدة فان تكرار انفصال جنوب السودان سيكون أكثر صعوبة وبشكل واضح –ولكنه ليس مستحيلا – ، وانفصال جنوب السودان كان متوفرا على المتغير الجغرافي( الحدود- التجمع- المورد) وهو ما جلب الاستثمار والتوظيف الدولي لمساندتهم.

ذلك يدعوني للنداء للاقليات العربية بأن لا يكونوا حصان طروادة للقوى الدولية والاقليمية ، ويكفي التأمل في استفتاء مسعود برزاني في كردستان العراق والذي ولد ميتا بالاختناق الجيوسياسي والجيواستراتيجي ، واغلب الاقليات العربية لا تتوفر على مقومات تجسيد النزعة الانفصالية بخاصة المؤشرات الفرعية للعامل الجغرافي ، ولكن بالمقابل لي نداء للدول العربية لا تجعلوا من المركزية العربية سببا في تأجيج مشاعر الاقليات لكي يتم تحييد دورهم في اتساع قاعدة عدم الاستقرار في المنطقة العربية والتي تعادل اكثر من ضعف مستوى عدم الاستقرار عالميا…ربما.