وليد عبد الحي

يمكن اعتبار الفترة الممتدة من 2015 الى الآن واحدة من اعقد مراحل التاريخ السعودي المعاصر، ففي هذه الفترة وقعت تحولات جذرية في المملكة تمثلت في ثلاثة ابعاد هي:

1- وقوع شرخ عميق داخل الاسرة الحاكمة بلغ حد العزل والاعتقال والانتقادات العلنية المتبادلة وتغيير قيادات في ولاية العهد ولأكثر من مرة في فترة زمنية وجيزة( مقرن ثم محمد بن نايف ثم محمد بن سلمان) ثم في المؤسسة العسكرية بعزل وتغييب الرجل المتنفذ الامير متعب بن عبدالله ، وأخيرا الجمع بين ولاية العهد ورئاسة مجلس الوزراء وهو خروج على تقاليد ونصوص نظام الحكم في السعودية

2- وقوع شرخ عميق في بنية وصلاحيات ونفوذ الحركة الدينية التي شكلت “المرجعية لمشروعية النظام السياسي”، ورغم ان الثقافة الدينية الموغلة في نزعتها المحافظة تجذرت في المنظومة المعرفية والوجدان المجتمعي السعودي ، كما اصبح لهذه الثقافة ما يشبه الجهاز الأمني الذي يراقب مدى الالتزام بقواعد السلوك الفردي والمجتمعي ، لكن هذه الحركة واجهت تحد حاد من خلال اعتقال بعض رموزها، وتقليص صلاحياتها بفتح نوافذ تهب منها نسمات “الترفيه والاسترخاء “، ومنع الهيئة ذات الشأن في الامور الدينية من التدخل في سلوكيات المجتمع بخاصة ما يتعلق منها بحركة الامر في اللباس والغناء وقيادة السيارات…الخ، ومن المؤكد ان مجتمعا تربى على ثقافة الحلال والحرام لن يستقبل التغيير في وجدانه ، لكن السلطة السياسية تسعى لان تبدو اقرب الى فئة الشباب باعتبارهم الشريحة الأكبر، وهو ما سيخلق شقوقا في جدران الشرائح العمرية المختلفة وسيمتد الى تنازعات اسرية ، ناهيك عن الاستنكار الصامت للمس بالموروث الثقافي بكل قدسيته ..

3- طرح خطة تنموية تجعل من عام 2030 افقها الزمني، وتقوم هذه الخطة التي جاءت بعد عام من اعلان الحرب على اليمن على زيادة نصيب القطاعات غير النفطية في الاقتصاد السعودي لتصل من 16% الى 50% من اجمالي الناتج المحلي عام 2030 من ناحية وانشاء “مدينة ذكية” اطلق عليها نيوم كعاصمة تجارية واقتصادية عالمية تمثل روح العصر المرتبط بالذكاء الاصطناعي، الى جانب انشاء مدن ترفيهية وسياحية ومدن صناعية(اوكساجون)…الخ .

لكن النظر في اتجاهات التغيير يشير الى :

1- ان التنمية تحتاج في بعدها الاقتصادي الى مواكبة من التنمية السياسية، ولكن عند النظر في الوضع السعودي طبقا للارقام الدولية والعربية والسعودية نجد ما يلي:

أ‌- بلغ معدل الاستقرار السياسي في السعودية من عام 1996 الى عام 2021 اي خلال حوالي ربع قرن ما قيمته ( -0.36 ) اي بالسالب على مقياس كوفمان ، بينما المعدل العالمي لعدم الاستقرار لنفس الفترة هو( – 0,07) مما يعني أن عدم الاستقرار في السعودية يزيد عن المستوى العالمي اكثر من 5 اضعاف. والملاحظ ان الاتجاه لعدم الاستقرار السياسي يتزايد منذ بروز محمد بن سلمان كما يتضح في الرسم البياني المرفق في نهاية المقال:

ب‌- سجلت السعودية في مجال المؤشرات الفرعية للديمقراطية موقعا متأخرا للغاية فجاءت في الترتيب 152 بين 167 دولة، وكانت النتائج تشير الى :

– الانتخابات النيابية: حصلت على قيمة صفر من 4

– التعددية السياسية : حصلت على صفر من 4

– مشاركة المجتمع المدني في القرار السياسي: صفر من 4

– الفساد وسجلت فيه 1 من 4

– حرية التعبير صفر من 4

– الحرية الاكاديمية 1 من 4

– حرية انشاء الهيئات المدنية : صفر من 4

– استقلالية القضاء 1 من 4

والملاحظ ان هذه المؤشرات بقيت على حالها دون اي تغير خلال الفترة من 2015( تعيين محمد بن سلمان وزيرا للدفاع وبدء حرب اليمن) الى 2020، وخلال 2021 ارتفع المعدل العام 0,15 نقطة ليصل الى 2.08 من عشرة.

2- مؤشر عدالة توزيع الدخل( Gini Index) ، تفاوتت التقديرات للسعودية في هذا المؤشر الى حد ما، وهذا المؤشر يعتبر ان قيمة صفر في توزيع الثروة يعني عدالة مطلقة، واذا كانت القيمة 100 تعني عدم عدالة مطلقة، اي كلما زادت نقاط الدولة كان وضع العدالة الاقتصادية فيها اسوأ، وعند النظر في الوضع السعودي تراوحت التقديرات بين 46 و 59 نقطة، وهو ما يجعل السعودية ضمن المرتبة بين 15 و23 بين الدول الاسوأ في توزيع الثروة على اساس ما يحصل عليه اعلى 10% من السكان .

3- العاملين الاجانب : بلغ عدد الاجانب العاملين في السعودية 8,52 مليون عامل، يحولون سنويا (حتى عام 2021) ما قيمته 41 مليار دولار وبزيادة تصل الى 2.8% قياسا للعام الماضي، وهو ما يعني أن التنمية البشرية والخبرات العلمية والايدي العاملة الماهرة ما تزال متخلفة في السعودية، ويكفي ان نشير الى ان 77,4 % من العاملين في القطاع الخاص وهو القطاع الاكبر كثيرا من القطاع العام هم من الاجانب مقابل 22,6 % من السعوديين، ذلك يعني أن السعودية ستبقى بحاجة ماسة للاجانب ،لكن ذلك على حساب استنزاف الموارد المالية.

4- لا بد ان يكون لآثار الحرب اليمنية التي مضى عليها حوالي سبع سنوات اهمية في الاقتصادي السعودي، وتراوحت التقديرات بان الحرب كلفت السعودية طيلة الفترة 2015 الى 2022 ما بين 245 و 280 مليار دولار، وهو ما يعني ان الدولة تنفق حوالي 38 مليار سنويا دون تحقيق اية نتائج سياسية او اقتصادية ناهيك عن غلبة الموقف السلبي لاغلب دول العالم من هذه الحرب.

ان الجمع بين خلخلة اعمدة الحكم في السعودية (العائلة والحركة الدينية) وعدم اتساق النزوع للتنمية الاقتصادية مع ما يوازيه من تنمية سياسية يجعل الدولة تسير باتجاه مرتبك في الحد الادنى أو انفلات زمام الامور في الحد الاقصى لا سيما بعد غياب الملك سلمان الذي يبدو ان انتزاع رئاسة الوزراء منه مؤشر لعدم التفاؤل، مع تمنياتي للبلد الشقيق بالازدهار والاستقرار…ربما.