بقلم د. رمزي بن دبكة

تواجه منطقة آسيا والمحيط الهادي (APEC)، مع جائحة كوفيد-19، تحديًا جديدًا لمحركها الاقتصادي والتجاري. فمع استمرار انتشار الفيروس، احتلت القضايا الاقتصادية العالمية والصحة العامّة و الطب الوقائي مركز الصدارة في دول آسيا والمحيط الهادئ من بداية عام 2020 حتى اليوم.

ونتيجة لذلك ، تشير توقعات صندوق النقد الدولي للنمو في المنطقة إلى 0٪ في عام 2020 ، وهو أسوأ أداء في 60 عامًا الأخيرة، مع انخفاض النمو في الصين من 6.1٪ في 2019 إلى 1.2٪ في 2020. ومن المتوقع حدوث انكماش أكثر ضرراً في الولايات المتحدة ، حيث يمكن أن ينخفض ​​نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى -6٪ في عام 2020.
تثير هذه النظرة في ظل الأزمة الراهنة مسألة مستقبل التعاون الإقليمي والاتفاقيات التجارية في منطقة آسيا والمحيط الهادي ، وكيف ستتكيّف البلدان في عالم ما بعد كوفيد-19.

تعتبر اتفاقيات التجارة الحرة الحجر الأساس الذي بني عليه محرك APEC التجاري. فعلى مدار العشرين عامًا الماضية ، شهدت APEC زيادة هائلة في عدد اتفاقات التجارة الحرة (FTAs) ، من إجمالي 51 مبادرة للتجارة الحرة في عام 2000 إلى 300 اعتبارًا من الربع الأول من عام 2020 ، منها حوالي 70 ٪ اتفاقات ثنائية. كما أن اتفاقيات التجارة الحرة هي التي تقرّب الاقتصادات من بعضها البعض وتسمح بأسواق مفتوحة بشكل متزايد مما يسمح بالنمو الاقتصادي السريع. تتمتع الدول الواقعة في منطقة آسيا والمحيط الهادي بقوة التصدير الهائلة والأعلى في العالم من حيث مجموعة أوسع من الأسواق ، مع استخدام الشركات المحلية بشكل أكبر لتفضيلات اتفاقية التجارة الحرة.

ومع ذلك ، وعلى الرغم من النمو الملحوظ في عدد اتفاقات التجارة الحرة واتفاقات التجارة الإقليمية لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ (RTAs)، فإنها تتناقض بشكل كبير مع نظيراتها الأوروبية. فعلى سبيل المثال ، في الاتحاد الأوروبي ، هناك تمسّك أكبر وتقيّد بالالتزامات القانونية الواردة في المعاهدات المنشئة لاتفاقية التجارة الحرة ، والأهم من ذلك ، هناك إرادة سياسية أكبر لتنفيذ الاتفاقات. وفي هذا الصدد ، لم تحل اتفاقات التجارة الحرة في منطقة آسيا والمحيط الهدي بشكل ملائم مشاكل التعاون والتكامل الإقليمي التي تهدف الدول الموقّعة إلى تحقيقها.

باختصار ، إنّ وجود قواعد وترتيبات اتفاقية التجارة الحرّة لم يغيّر الكثير في سلوك معظم دول آسيا والمحيط الهادي مثل الولايات المتحدة والصين وروسيا واليابان. فهي لم تمنعهم من السعي إلى زيادة قوّة المساومة ، وفي النهاية من تعزيز مصالحهم الاقتصادية بدل التعاون مع الدول الإقليمية في مسار متكافئ. في هذا الصدد ، يقف الاتحاد الأوروبي كإستثناء وليس كنموذج يمكن تطبيقه في منطقة الباسفيك.

لقد تغيّرت طبيعة ما يُنظر إليه على أنه قضايا حرجة في آسيا والمحيط الهادي مع جائحة كوفيد-19 بشكل أساسي منذ يناير 2020. يمكن أن يؤدّي تغيير الأولويات في المنطقة إلى توقّف اتفاقات التجارة الحرة. فلقد أصبح من الصعب الموازنة بين الصحّة العامة والأولويات الاقتصادية ، على المستويات الوطنية والإقليمية والعالمية. لقد تصدّى العديد من أعضاء اتفاقات التجارة الإقليمية واتفاقيات التجارة الحرة، التي تأسّست في البداية للتعامل بشكل حصري تقريبًا مع القضايا الاقتصادية والتجارية مثل التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي (APEC) ، ورابطة أمم جنوب شرق آسيا (ASEAN) ، والشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) أو الشراكة عبر المحيط الهادي (TPP) للضغوطات من أجل إدخال أي قضية جديدة في جدول أعمالهم ، مثل الصحة العامّة.

ففي السنوات السابقة ، على سبيل المثال ، جعلت أحداث 11 سبتمبر مكافحة الإرهاب على رأس جدول أعمال منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادي ، وكذلك في العديد من المنظمات والاتفاقات الإقليمية الأخرى. و في عام 2003 ، وتحت ضغط من الولايات المتحدة وبعض أقرب حلفائها ، رفع بيان أبيك الرسمي القضايا الأمنية إلى نفس مستوى التجارة وغيرها من القضايا الاقتصادية، مما تسبّب في بعض الخلافات مع الدول الأعضاء الأخرى الأكثر حرصًا على التركيز على جدول الأعمال الاقتصادي والتجاري الأصلي ، مثل الصين وسنغافورة وفيتنام وماليزيا وتايلاند.

ومع ذلك ، فإنّ التغيير الجذري في الوضع الذي أحدثه فيروس كوفيد-19 قد فرض العديد من القضايا الحرجة ذات العواقب الاقتصادية والتجارية الكبيرة التي يمكن أن تكون ضارة جدًا لمستقبل اتفاقات التجارة الحرة في المنطقة. وفي الواقع لا يمكن لاتفاقات التجارة الإقليمية واتفاقات التجارة الحرة تجنّب توسيع نطاقها الأصلي ليشمل جوانب جديدة مثل القضايا الصحيّة الواردة، مع وجود خطر حقيقي للغاية بأنّ هذه القضايا الجديدة لها الأسبقية على التجارة، على الأقل في المدى القصير إلى المتوسّط​​. تغيير مؤقّت في بنية اتفاقات التعاون التي بنيت على الاقتصاد فتصبح أكثر فاعلية من حيث الصحة في الوقت الراهن. و قد تفاوتت في هذه المسألة ، ردود فعل واستجابات الدول على كل من جائحة كوفيد-19 والركود الاقتصادي بشكل كبير ،حسب شدّة مخاوفها بشأن انتشار الفيروس وتأثيره على سلامتها و مصالحها.

كانت دول آسيا والمحيط الهادي بشكل عام  تركّز أكثر على القضايا الداخلية بدلاً من التجارة الدولية والاستثمارات الداخلية / الخارجية. أما الشاغل الأساسي لها الآن هو كيفية تقليل الضرر الاقتصادي وإنقاذ الأرواح ، بدلاً من توليد ثروة جديدة. و يجعل هذا الواقع المؤكّد إمكانية تقلّص النمو في اتفاقات التجارة الحرة والذي سيقف عند أدنى مستوى له، على الأقل في السنوات الخمس المقبلة.

بالإضافة إلى ذلك ، فمن المحتمل أن تتأثّر المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم (Small and Medium Entreprises) -والتي تعتبر قلب اتفاقيات التجارة الحرة الخاصة بمنطقة آسيا والمحيط الهادي- بشكل خاص بالانكماش الاقتصادي الناجم عن الإنغلاق العالمي. ستكون برامج المساعدة المالية الضخمة حاسمة في الحفاظ على نشاط الشركات الصغيرة والمتوسطة ومنع موجة الحظر المفرطة.

علاوة على ذلك، يقتصر الاستثمار والتجارة المحليان الآن بشكل أساسي على السلع الإستراتيجية والأساسية، مثل معدات الرعاية الصحيّة والأدوية. وبالتالي ، سيتم تشجيع البلدان على الامتناع عن فتح هذه القطاعات الاستراتيجية أكثر ممّا هي عليه، ممّا يمهّد الطريق لتقييد نطاق اتفاقيات التجارة الحرة في المستقبل القريب.

على الرغم من النمو الهائل في عدد اتفاقيات التجارة الحرة في منطقة آسيا والمحيط الهادي في العقدين الماضيين، إلاّ أنّ تحوّل الأولويات نتيجة لوباء كوفيد-19، من التجارة الحرة والليبرالية الاقتصادية إلى الصحّة والشؤون العامّة والطب الوقائي والصحّة الجوارية، لا يمكن أن يتحوّل مرة أخرى إلى الاقتصاد إلاّ إذا التزمت الحكومات المحلية بزيادة التعاون في مكافحة الوباء واستعادة التجارة والخدمات فيما بينها بعد الأزمة.

يمكن أن يظهر هنا سيناريوهان مهمّان وهما: أولاً ، هناك احتمال قوي بأن تتمكن ASEAN من زيادة التعاون الإقليمي بشكل منفصل عن المنظمات الأخرى، مثل APEC أو RCEP أو TPP، في معالجة الأثر الاقتصادي السلبي لوباء كوفيد-19. إذا حدث مثل هذا “الفصل” بين الكتل التجارية ، فقد تتحول ASIAN إلى كتلة تجارية خاصة بها، معزولة نسبيًا عن الشركاء التجاريين الخارجيين. وقد يؤدي ذلك إلى المزيد من أنماط الهيكلة الإقليمية وإنهاء العولمة التي نعرفها بشكل فعال.

ثانيًا ، اعتمادًا على الكيفية التي سيخرج بها الاقتصاد الصيني من الأزمة، من المحتمل أن تكون الصين قادرة على لعب دور مطوّر نمو المنطقة مرة أخرى، مثلما حدث عقب الأزمة الآسيوية لعام 1997 والأزمة المالية العالمية لعام 2008. لذلك ، قد تجد الصين نفسها في وضع تحسد عليه من استبدال الاتفاقات المتعددة الأطراف بمهارة العلاقات الثنائية، وهي علاقة جعلتها تشعر براحة أكبر إذ إنهّا تضمن هيمنتها بسبب توازن القوى الغير المتكافئ في المنطقة. حيث أنّ العلاقات الثنائية هي هروب بشكل ذكي من الالتزامات المبرمة من خلال الاتفاقات الاقتصادية المتعدّدة الأطراف.

قد ينتهي بنا المطاف، في كلا السيناريوهين ، إلى ملاحظة ارتفاع متزايد للتبادلات التجارية داخل منطقة آسيا والمحيط الهادي، تحت مستوى غير مسبوق للتأثير الصيني لم يشهده العالم منذ القرن الثامن عشر….