تأتي انتخابات التجديد النصفي للكونجرس في سياق محتدم داخلياً وخارجياً بالنسبة لواشنطن؛ فعلى الصعيد الداخلي تواجه الدولة إشكاليات اقتصادية ومجتمعية عديدة كانت موضع استقطاب سياسي هائل بين الديمقراطيين والجمهوريين. وبالتزامن مع هذه الإشكاليات تواجه السياسة الخارجية الأمريكية سياقاً دولياً أكثر تعقيداً في ظل استمرار الحرب الأوكرانية وحالة الغموض التي باتت تسيطر على مشهد الحرب، ناهيك عن تزايد حدة الصراع مع بكين وخصوصاً في منطقة الهندو-باسيفيك، علاوة على حالة اللا وضوح التي تهيمن على علاقات واشنطن بحلفائها التقليديين.

وفي هذا الإطار، يبدو أن نتائج انتخابات التجديد النصفي سيكون لها، بشكل أو بآخر، انعكاسات على السياسات الأمريكية داخلياً وخارجياً؛ فحتى إن لم يتمكن الجمهوريون من تحقيق فوز كاسح – وهو ما كانت تشير إليه بعض التقارير واستطلاعات الرأي – فإنهم سيتمكنون من تحقيق مكاسب مهمة في الانتخابات، وخاصة في مجلس النواب، قد تؤدي إلى نموذج للتوازن السياسي، وهو ما سيكون له بطبيعة الحال تداعيات جوهرية على مستقبل الرئيس “بايدن”.

التأثيرات الداخلية

تستدعي انتخابات التجديد النصفي للكونجرس عدداً من التداعيات المحتملة على المشهد الداخلي في الولايات المتحدة، وهو ما يمكن تناوله على النحو التالي:

1- إمكانية مساهمة الانتخابات في تعزيز مكانة “ترامب”: يُدرك الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” أن نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس ستلعب دوراً محورياً في تعزيز مكانته السياسية في البلاد إذا تمكن الجمهوريون من الفوز بها؛ ولذلك كثف “ترامب” جهوده في الفترة التي سبقت الانتخابات لاستمالة الناخبين لصالح التصويت للحزب الجمهوري عبر القيام بجولات في بعض الولايات، وحرص خلال تلك الجولات على الهجوم بقوة على الحزب الديمقراطي وسياساته على الصعيدين الداخلي والخارجي.

ويدعم ذلك التقاريرُ التي صدرت في الأيام الأخيرة والتي توقعت إطلاق “ترامب” حملة ترشحه للانتخابات الرئاسية لعام 2024 في منتصف نوفمبر الجاري. ويدعم ذلك تأكيدُ “ترامب” يوم 7 نوفمبر الجاري أنه بصدد الكشف عما وصفه بأنه “إعلان هام جداً” يوم 15 نوفمبر الجاري في مارالاجو في بالم بيتش بفلوريدا، وهو ما أثار تكهنات حول أنه قد يعلن عن ترشحه لخوض الانتخابات الرئاسية المقبلة.

2- وجود توقعات بإضعاف الانتخابات شعبية “بايدن”: توقعت الكثير من استطلاعات الرأي أن يؤدي فوز الجمهوريين المتوقع في انتخابات التجديد النصفي إلى إضعاف شعبية الرئيس “جو بايدن” المتراجعة في الأصل. ويتسق مع ذلك إظهار سلوك “بايدن” قبيل الانتخابات قلقاً كبيراً من نتائج هذه الانتخابات؛ حيث قال، على سبيل المثال، خلال تصريحات له يوم 3 نوفمبر الجاري، موجهاً حديثه للشعب الأمريكي: “لا ترتكبوا خطأ؛ فالديمقراطية في ورقة الاقتراع لصالحنا جميعاً”.

ويُشار في هذا الصدد إلى أن استطلاع رأي أجرته “رويترز” و”إبسوس”، يوم 7 نوفمبر الجاري، أظهر تراجع شعبية “بايدن” إلى 39%، وأوضح أن تأييد الأمريكيين لأداء “بايدن” تراجع نقطة واحدة، ليقترب من ‏أدنى مستوى وصل إليه خلال ولايته. يُضاف إلى ذلك اهتزاز صورة الرئيس “بايدن” وقدرته على قيادة البلاد في ضوء تكراره الأخطاء خلال أحاديثه، فضلاً عن كشف وسائل إعلام أمريكية عن قيامه بالترويج لأكاذيب ومعلومات غير صحيحة خلال خطاباته الأخيرة. 

3- التأثير الممتد للتغير في الميول التصويتية للولايات: بصرف النظر عن النتيجة النهائية المتوقعة للانتخابات، فإن من الطبيعي أن تُسفر نتائجها عن تغير في الميول التصويتية للولايات لصالح الحزب الجمهوري أو الديمقراطي، وهو الأمر الذي يعني بالتبعية حدوث تحول واقعي في السلوك التصويتي لها بالمقارنة بالانتخابات السابقة. وسيعطي هذا التحول انطباعاً، ولو رمزياً، بشأن السلوك التصويتي للولايات في الانتخابات الرئاسية في عام 2024، كما تكشف هذه الانتخابات مجدداً عن أهمية التصويت المبكر؛ حيث أظهرت استطلاعات الرأي أن أكثر من 42 مليون أمريكي أدلوا بأصواتهم من خلال بطاقات الاقتراع بالبريد أو بالتوجه إلى مراكز التصويت المبكر.

4- مواصلة الصراع السياسي حول الملفات الاقتصادية: يشكل الملف الاقتصادي – وخصوصاً مع ارتفاع معدل التضخم الذي سجل 8.2% في سبتمبر 2022 بعد أن سجل أعلى مستوى له منذ أربعين عاماً في يونيو 2022 بمعدل بلغ 9.1% على أساس سنوي – إحدى القضايا المهمة المرتبطة بانتخابات التجديد النصفي، بل تشكل محدداً هاماً في تصويت الناخبين الأمريكيين، وظهر ذلك مثلاً في استطلاعات الرأي التي سبقت الانتخابات؛ فعلى سبيل المثال، أشار استطلاع للرأي أعدته شبكة “إيه بي سي نيوز ABC”، في شهر أكتوبر الماضي، تزايد أعداد الأمريكيين الذين يثقون بالجمهوريين على حساب الديمقراطيين فيما يتعلق بالاقتصاد وأسعار الوقود.

وفي هذا الإطار، ستُحدِّد نتائج الانتخابات تركيبة الكونجرس التي لديها القدرة على سَن سياسات من شأنها تغيير المشهد المالي؛ إذ سيتحتم على الكونجرس التعامل مع بعض الملفات المهمة، مثل الضريبة الاستثنائية التي اقترح الرئيس “بايدن” مؤخراً فرضها على شركات النفط الكبرى. وبالرغم من ذلك فمن غير المرجح أن يوافق الجمهوريون، في حال سيطرتهم على الكونجرس، على فرض هذه الضريبة على أرباح شركات النفط، وخصوصاً أن الجمهوريين بشكل عام لا يؤيدون الزيادات الضريبية على الأثرياء. وبوجه عام، سيكون من الصعب سن أي تخفيضات ضريبية كبيرة في حال سيطرة الجمهوريين على الكونجرس.

ثمة ملف آخر متعلق بحدود الدين والانفاق الحكومي؛ فإدارة “بايدن” يبدو أنها تستهدف رفع سقف الدين من أجل ضمان اقتراض الأموال التي تحتاجها لإدارة الدولة وضمان التشغيل السلس لسوق سندات الخزانة الأمريكية. وفي المقابل، فإن سيطرة الجمهوريين على الكونجرس قد يُعقِّد مساعي إدارة “بايدن” في هذا الصدد؛ إذ إنه ربما يطالب الجمهوريون في مجلس النواب بتخفيضات حادة في الإنفاق مقابل رفع سقف الدين. علاوة على ذلك، فقد يعرقل الجمهوريون أي خطط من الإدارة الأمريكية بشأن الإنفاق المجتمعي (على غرار توسيع التغطية الصحية) أو أي تحركات متعلقة بالتوسع في حزم الإغاثة.

ولن تكون سياسات الاحتياطي الفيدرالي بعيدة عن المناكفة السياسية بين الجمهوريين والديمقراطيين في المرحلة القادمة، وخصوصاً أن ثمة اتجاهاً جمهورياً يُعارِض سياسات الاحتياطي الفيدرالي برفع سعر الفائدة على الدولار الأمريكي.

5- الانعكاسات المحتملة على القضايا المجتمعية: تمثل القضايا والملفات المجتمعية محوراً مهماً في المشهد الأمريكي الراهن، وستظل أهمية هذه القضايا في مرحلة ما بعد انتخابات التجديد النصفي، بل يمكن القول إن هذه القضايا كانت جزءاً من الأجندة الانتخابية للحزبين؛ فقد كانت قضية الإجهاض إحدى القضايا المثيرة للجدل في المجتمع الأمريكي خلال الشهور الأخيرة، وخصوصاً مع إخفاق الرئيس الأمريكي في مواجهة قرار المحكمة العليا الأمريكية إلغاء حق الإجهاض؛ وذلك فيما احتفى الجمهوريون بهذا القرار. وعليه يمكن القول إن تركيبة الكونجرس بعد الانتخابات ستكون لها ارتدادات على هذه القضية.

وتشكل قضية حمل السلاح أيضاً محدداً هاماً في التصويت في الانتخابات الأمريكية، وستظل موضع صراع سياسي كبير في مرحلة ما بعد الانتخابات؛ إذ ينتقد الجمهوريون الديمقراطيين لضعفهم في التعامل مع الجريمة، متهمين إدارة الرئيس “بايدن” بالحد من حقوق وقدرة الأمريكيين العاديين على حماية أنفسهم؛ لذا يعارض الجمهوريون أي تحركات من إدارة “بايدن” للحد من امتلاك الأمريكيين السلاح.

السياسة الخارجية

يمكن تناول أبرز ملامح السياسة الخارجية الأمريكية، إذا سيطر الجمهوريون على الكونجرس أو كان هناك توازن بين الحزبين؛ وذلك على النحو التالي:

1- استمرار السياسة الأمريكية التصعيدية ضد الصين: تمثل العلاقة مع الصين أحد الملفات التي تحظى بإجماع نسبي بين الديمقراطيين والجمهوريين، ومن ثم من المتوقع، إذا سيطر الجمهوريون على الكونجرس أو كان هناك توازن بين الحزبين داخله، استمرار ضغوط واشنطن على بكين في ملف تايوان وعدم تغيير السياسات الأمريكية الداعمة لاستقلالية تايوان. ومن جانب آخر، سوف تستمر المحاولات الأمريكية لتعزيز التمويل المقدم لصناعة أشباه الموصلات في مواجهة بكين، حتى إن الحزبين كانا قد اتفقا في أغسطس 2022 على تمويل قدره 50 مليار دولار لهذا الملف وجذب استثمارات الحلفاء إلى الولايات المتحدة من أجل الحفاظ على التفوق الغربي على بكين، ومن ثم فإن التصعيد مع الصين أمر مرجح في السياسة الخارجية الأمريكية في المدى المنظور.

2- تسارع وتيرة الحروب التجارية لواشنطن: ستلقي نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي بظلالها على وتيرة الحروب التجارية القائمة بين واشنطن وعدد من منافسيها الاستراتيجيين، وفي مقدمتهم روسيا والصين، وحتى مع حلفائها الأوربيين الذين يرتبطون بمصالح تحالفية استراتيجية على الصعيدين السياسي والعسكري. وفي هذا الإطار، أثار عدد من قادة الاتحاد الأوروبي، في 8 نوفمبر 2022، مخاوف متزايدة بشأن النزعة الحمائية في الولايات المتحدة، في ظل اتهامات أوروبية لواشنطن بتوفير دعم استثنائي للشركات المنتجة على أراضيها؛ الأمر الذي يراه الأوروبيون متعارضاً بشكل كبير مع قواعد التجارة العالمية المتبعة.

وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي قد اتخذ خطوات إضافية مؤخراً بشأن مكافحة التضخم في الداخل عبر رفع أسعار الفائدة؛ الأمر الذي ألحق أضراراً اقتصادية بالغة بعدد من بالدول الغنية والفقيرة على السواء؛ فمع قرار الفيدرالي الأمريكي، وصلت قيمة الدولار مقارنة بالعملات الرئيسية الأخرى، مثل الين الياباني، إلى أعلى مستوياتها منذ عقود، ووصل اليورو الذي تستخدمه 19 دولة في جميع أنحاء أوروبا، إلى تعادل 1 إلى 1 مع الدولار في يونيو للمرة الأولى منذ عام 2002، فيما قامت الصين، التي تسيطر بشدة على عملتها، بتثبيت الرنمينبي عند أدنى مستوى له في عامين، بينما تتخذ خطوات لإدارة انخفاضه.

3- احتمالية تراجع الدعم الأمريكي العسكري لأوكرانيا: في حين تشير الكثير من استطلاعات الرأي والتقديرات الغربية إلى ثقة الأوكرانيين باستمرار الدعم الأمريكي العسكري المقدم لبلادهم، الذي يعد الركيزة الأساسية للأداء العسكري لكييف في التعامل مع القوات الروسية، فإن خبراء استراتيجيين لديهم شكوك حول استمرار المساعدات العسكرية الأمريكية لأوكرانيا إذا فاز الجمهوريون بانتخابات التجديد النصفي القائمة، لا سيما أن الولايات المتحدة هي أكبر مانح عسكري لأوكرانيا، ولا توجد دولة أخرى يمكنها تعويض نقص الإمدادات الأمريكية المقدمة إليها في الوقت الراهن.

ومع ذلك، فإنه على الرغم من الانقسامات التي تبدو حادة في بعض الملفات بين الجمهوريين والديمقراطيين، فإن ثمة قواسم مشتركة على صعيد السياسة الخارجية، فقد فضل الحزبان اتخاذ موقف داعم لأوكرانيا ومتشدد ضد روسيا، وخاصةً بعد عمليتها العسكرية التي بدأت في فبراير 2022. صحيح أن مواقف الجمهوريين منقسمة بين تشدد البعض منهم في تقديم دعم عسكري أكثر فاعليةً لأوكرانيا مما عرضته الإدارة الديمقراطية حتى الآن، ورفض البعض منهم، لا سيما من هم أقل عداءً لروسيا، تقديم مزيد من الدعم العسكري والاقتصادي الواسع النطاق لأوكرانيا؛ ما قد يجعل من المنطقي رفض الكونجرس “الجمهوري” إرسال مليارات الدولارات إلى أوكرانيا في وقت يتزايد فيه الركود والأزمات الاقتصادية.

4- تعاطي الجمهوريين بشكل أقل حدةً مع النظام الروسي: نشرت الولايات المتحدة استراتيجيتها الجديدة للأمن القومي (NSS)، في أكتوبر 2022، التي أكدت استمرار الصين وروسيا باعتبارهما التهديدين الأكبر على الأمن القومي الأمريكي، على التوالي، لكن الحدة العدائية تجاه روسيا ربما يطالها تغيير محتمل في حال فوز الجمهوريين بانتخابات الكونجرس، لا سيما أن الخط العام للجمهوريين أقل حدة في العداء مع روسيا وربما أكثر تشدداً فيما يتعلق بالعداء مع الصين.

5- دعم جمهوري للعمل على توسيع حلف الناتو: هناك محاولات للتعاون بين الجمهوريين والديمقراطيين من أجل دعم حلف الناتو، وهو مسعى سوف يستمر حتى في حال سيطرة الجمهوريين على الكونجرس عقب انتخابات التجديد النصفي؛ ففي منتصف العام الجاري، قدم زعماء من الحزبين قراراً يدعم مساعي السويد وفنلندا للانضمام إلى الحلف، وهو مسعى يتناقض مع وجود أصوات جمهورية تؤكد النزعة القومية بقيادة الرئيس السابق دونالد ترامب، بيد أن تطورات الحرب الأوكرانية قد عززت ضرورة دعم الجمهوريين لتقوية الحلف في المرحلة المقبلة.

6- عدم إحداث تغيُّرات جوهرية إزاء الشرق الأوسط: لم تعد مواقف الحزبين متباعدة بشكل جذري حول ملفات الشرق الأوسط، ومن أبرز الأمثلة على ذلك تخلِّي الإدارة الديمقراطية بشكل كبير عن العودة إلى الاتفاق النووي مع إيران، خاصةً في ظل انتقادات الحزبين تعامل النظام مع الاحتجاجات في إيران، وكذلك تقديم طهران دعماً عسكرياً لروسيا في حربها مع أوكرانيا، وهي تطورات من المرجح أن تجعل العودة إلى الاتفاق النووي أقل احتمالاً. من جانب آخر يشترك كلا الحزبين في دعم واسع لإسرائيل ودعم اتفاقيات السلام في المنطقة، وهو مسعى من المرجح أن يستمر في قلب السياسة الخارجية الأمريكية في المديين المنظور والمتوسط.

وختاماً، ستحدد نتائج انتخابات التجديد النصفي للكونجرس، بشكل أو بآخر، المستقبل السياسي للرئيس “بايدن”، وفرصه في الحصول على ولاية جديدة في الانتخابات الرئاسية القادمة عام 2024؛ لأن الجمهوريين، في حال تحقيقهم فوزاً مريحاً في الانتخابات، سيمثلون عاملاً ضاغطاً على إدارة “بايدن”، وقد يعرقلون سياساته المقترحة، وخصوصاً السياسات الداخلية، علاوة على ذلك، فإن هذا السيناريو يعني إعادة الرئيس السابق “ترامب” إلى المشهد بصورة أكبر وتعزيز فرصه في الانتخابات الرئاسية القادمة.

المصدر:  إنترريجونال للتحليلات الاستراتيجية