وليد عبد الحي

هل يمكن النظر لصراع تاريخي وشمولي من خلال ” اللحظة؟ ام لا بد من تتبع المسار التاريخي وتحقيبه للاستدلال على المنطق التاريخي السائد وتحديد الاتجاه العام لحركة التاريخ؟
في الدراسة المستقبلية يتم التركيز على الاتجاهات لا على الوقائع ، وهنا لا بد من تحقيب المسار التاريخي وتحديد الاتجاهات العامة للصراع العربي الصهيوني على النحو التالي:
أولا: مرحلة تاسيس الكيان الصهيوني / وهذه المرحلة سارت على النحو التالي:
1- مرحلة تاسيس الكيان اصهيوني من 1897( مؤتمر بازل وهو اول مؤتمر صهيوني للمشروع) الى 1947( وهي مرحلة الاعتراف الدولي بقيام دولة اسرائيل )، وقد استغرقت هذه الفترة 50 سنة
2- مرحلة الرفض العربي القاطع لوجود هذا الكيان ، وهي المرحلة التي امتدت من 1947-1967 ، أي انها استغرقت 20 سنة
3- مرحلة بداية الاعتراف العربي بالكيان الصهيوني 1967( قبول قرار مجلس الامن الدولي 242) الى 1977 ( زيارة السادات للقدس) والتي استغرقت 10 سنوات
4- مرحلة ” بداية ” التحول العسكري العربي من اسرائيل لايران مع بداية الحرب العراقية الايرانية عام 1980 والتي استغرقت 3 سنوات بعد زيارة السادات للقدس.
4- مرحلة اعتراف جميع الدول االعربية باسرائيل (من مشروع فهد 1981 الى اعلان المبادرة العربية في بيروت 2002)، وهذه استغرقت عامين تقريبا للشروع بها بعد المرحلة السابقة.
الدلالات: الملاحظ ان طول هذه الفترة من الشروع في التاسيس للشروع في القبول العربي الكامل استغرقت 85 سنة باتجاه يدل على نجاح متوال للمشروع الصهيوني، اما الاتجاهات الفرعية داخل الاتجاه العام فتدل على تناقص تدريجي في المسافة الزمنية لكل اتجاه فرعي تباعا( من 50 الى 20 الى 10 الى 3 الى 2، وهو ما يشير لتسارع واضح في الاتجاه العام للسياسة العربية .

ثانيا: مرحلة الاعتراف الفلسطيني باسرائيل : وقد سار الاتجاه العام في هذا الجانب على النحو التالي:
أ- مرحلة اعلان الدولة الفسطينية في الجزائر 1988 أي بعد 6 سنوات من مرحلة المبادرة العربية
ب- مرحلة الاعتراف الكامل باسرائيل 1993( اتفاق أوسلو) أي بعد 5 سنوات من اعلان الجزائر
ج- مرحلة التنسيق الامني مع اسرائيل 1994 و1995 اتفاقية القاهرة واتفاقية طابا ، وهو أول انتقال من الصراع الى التعاون بين الطرفين.
د- زيارة شيمون بيريز لقطر عام 1996 والتي مثلت اول تطبيع خليجي معلن ، أي بعد سنتين من اتفاقية طابا.
الدلالات:
1- طول الفترة 14 سنة أي ما يعادل 17% من طول المرحلة الاولى.
2- استمرار اتجاه التسارع في الاتجاهات الفرعية من 6 الى 5 الى 2 الى 1

المرحلة الثالثة: الانتقال من الصراع الخارجي الى الصراع الداخلي نتيجة الفشل :
أ‌- احتلال العراق عام 2003 أي بعد 7 سنوات من اول تطبيع علني مع الخليج.
ب‌- بداية الربيع العربي 2010 أي بعد سبع سنوات من احتلال العراق.
ت‌- عودة القوى الدولية عسكريا للمنطقة والانصراف عن اسرائيل ( تدخل الناتو وروسيا وايران وتركيا )
وهنا لا بد من ملاحظة ان جبهة المقاومة للمشروع انحسرت لتبقى في غزة ولبنان وسوريا وايران والعراق: ولكن شعار هذه الجبهات هو:
1- ايران: تؤكد انها لن تهاجم اسرائيل الا كرد فعل على أي هجوم اسرائيلي
2- تؤكد حماس والجهاد الاسلامي التزامهما بالهدنة التي رتبتها مصر مع اسرائيل
3- يؤكد حزب الله انه لن يهاجم اسرائيل الا كرد فعل لاي عدوان اسرائيلي
4- سوريا بحاجة لعقد كامل لتستعيد عافيتها وهي المرحلة التي ستعمل اسرائيل فيها على تحقيق انشاء منظمة الامن والتعاون الشرق اوسطي الواردة في صفقة القرن.
5- العراق في حالة تجاذب داخلي حاد ، مع ملاحظة تكرار التصريحات من المسؤولين العراقيين بان العراق سيحافظ على عدم تدخله في ” جميع ” دول المنطقة .

الخلاصة:
1- السمة العامة هي أن كل مرحلة لاحقة –بشكل عام – اقصر من المرحلة السابقة
2- ان السمة العامة هي التسارع في تناقص الفترة الزمنية مما يكشف الانهيار البنيوي
3- انتقال الصراع من الجوار (اسرائيل وإيران ) الى الداخل العربي وهو ما انتج المؤشرات التالية: ( طبقا لتقارير المعهد الاوروبي للدراسات والصندوق العربي وتقرير التنمية للامم المتحدة ومعهد Sipri :).
أولا: قتلى الصراع العربي الاسرائيلي من 1947 الى الان هو حوالي 91 الف قتيل عربي وفلسطيني مقابل 815 الف قتيل في الربيع العربي الذي لا علاقة لفلسطين( بشكل مباشر) به.
ثانيا: تراجع اجمالي الناتج المحلي العربي من 2010 الى 2019 بما قيمته 28%
ثالثا: مع نهاية الربيع العربي (الديمقراطي) احتلت المنطقة العربية المرتبة الأخيرة بين 7 أقاليم سياسية عالمية في مستوى الديمقراطية، وبلغ معدل الديمقراطية عالميا حوالي 5.4 بينما في العالم العربي 3.8.
رابعا: تكلفة الاضطرابات العربية( 2010-2019) 870 مليار دولار وارتفع اجمالي الديون العربية خلال الربيع العربي من 2010 الى عام 2019 ليصل الى 1.1 تريليون دولار بزيادة حوالي 350 مليار دولار خلال الربيع العربي.
خامسا: زاد عدد العاطلين عن العمل خلال الربيع العربي بحوالي 22 مليون عاطل
سادسا: هناك 17 مليون عربي مهاجر للخارج او نازح داخل الدول
اذن ما هي النتيجة النهائية:
1- اهم نقطة في صفقة القرن في تقديري(للمرحلة القادمة) هي يهودية الدولة والتي تعني احد احتمالين:
أ‌- تحويل الفلسطينيين العرب في 1948 الى مقيمين وهو ما تشير له صفقة القرن ونموذجها القرى العشر في الجليل( Residents )
ب‌- التهجير القسري الخشن( بالقوة ) او الناعم ( بالتضييق الاقتصادي والبيئي والجذب الخارجي في الخليج او اوروبا او كندا..الخ).
2- امكانيات اضطراب هذا المشهد: هناك متغيرات ” قليلة الاحتمال ” لكنها عظيمة التأثير التي يمكن ان تغير المشهد السابق:
أ‌- عودة الصراع نتيجة التهجير القسري الذي يمكن ان يحدث بين 2028 و 2030( وتم تحديد هذه الفترة باستخدام السلاسل الزمنية على مرحلتين بين الاتجاهات العظمى من ناحية وبين الاتجاهات الفرعية من ناحية ثانية ، وهو امر فيه تعقيدات تقنية ويطول شرحه..فالمعذرة عن الدخول في تفاصيلة).
ب‌- وقوع حرب ايرانية اسرائيلية
ت‌- تغير النظام السياسي في مصر
ث‌- تغير النظام السياسي في السعودية
ج‌- تطور التكنولوجيا العسكرية بيد التنظيمات المسلحة
ح‌- تزايد النزوع الامريكي لترك المنطقة وتزايد دور الصين وروسيا فيها.
اما العوامل التي تسرع المشهد الاول فاهمها احتمال الاضطراب في الوضع الايراني بعد مرحلة خامنئي، وهو ما سيبقي على الاتجاه التارخي بل ويسرعة ويفسر سياسة الخنق الامريكي لايران….ولا حصر لربما.

Print Friendly, PDF & Email