وليد عبد الحي

هل ينطوي التورط الامريكي الاوروبي في الأزمة الاوكرانية بكل احمالها الاقتصادية والسياسية والعسكرية على غواية للصين لاقتناص هذه الفرصة لإعادة تايوان الى الحضن التاريخي مع الصين الام.؟

ثمة نزعتان في استراتيجية الصين الكبرى، الاولى تتمحور حول نظرية بيجيان للصعود السلمي(والتي عدلتها القيادة الصينية الى التنمية السلمية) وعمادها إدارة العلاقات الدولية على اساس تغليب التنمية الذاتية واستمرار النهج الاشتراكي بمنظور براغماتي وادارة العلاقات الدولية على اساس اعتبار الخلافات ” نزاعات ” وليس “صراعات(Disputes not Conflicts). أما النزعة الاستراتيجية الثانية فهي نزعة تنمية القوة الخشنة لحماية المصالح الصينية المتسعة تدريجيا في اسواقها الدولية وحجم استثمارتها الخارجية الى جانب المنافسة مع القوى الاخرى بخاصة العظمى منها، ويقود هذا التيار المفكر الصيني دينغلي شين(Dingli Shen).

في ظل هذين التوجهين الصينيين، فان مستقبل تايوان مرهون بمحددات واضحة وهي:

أ‌- ان استعادة تايوان وانهاء استقلالها وشخصيتها الدولية “كدولة مستقلة ذات سيادة” هو مبدأ مركزي للسياسة الصينية لا مجال بأي شكل من الاشكال للتخلي عنه ، وهو امر يختلف عن اوكرانيا من حيث السيادة او الضم أو الموقف الدولي .

ب‌- ان كيفية تطبيق المبدأ السابق هو نقطة النقاش داخل الحزب الشيوعي الصيني ، وهنا لا بد من عرض التوجهات الصينية :

1- الاستمرار في التنمية الاقتصادية بشكل رئيسي وزيادة حجم التبادل التجاري مع تايوان ، فقد تطور حجم التجارة بين الصين وتايوان من عام 1978 من 46 مليون دولار الى حوالي 273 مليار دولار عام 2021 ، وبلغ حجم الاستثمارات التايوانية في الصين قرابة 72 مليار دولار. ذلك يعني أن التزايد في التجارة بين الطرفين يزيد عن 5.2 مليار دولار سنويا. وتسعى الصين بهذه الاستراتيجية الى توسيع دائرة المصالح الى الحد الذي يجعل من الجوانب المتناقضة بينها وبين تايوان امرا هامشيا وبالتالي تصبح نزعة العودة التايوانية لحضن الام هي الاقوى فيتم التوحيد سلميا مع اغراءات صينية بان الضم قد يعيد نموذج هونغ كونغ ” دولة واحدة بنظامين مختلفين” ، لكن ذلك يستدعي فترة زمنية طويلة الى حد ما، وهو امر قد تعاكسه تطورات دولية لاحقة تربك هذا المشهد كليا.

2- الضغط العسكري التدريجي على تايوان والذي شاهدناه في الشهور القليلة الماضية بخاصة مع استمرار الحزب التايواني الحاكم (الحزب التقدمي الديمقراطي) في سياسته المعادية تماما للصين ، فالى جانب استمرار المناورات العسكرية الصينية بين الحين والآخر حول تايوان وبخاصة في بحر الصين الجنوبي وفي مضيق تايوان ، فقد تنتقل الامور باتجاه السيطرة على بعض الجزر الصغيرة او المدن المهمة التايوانية خارج البر التايواني مثل كينمين او ماتسو “Kinmen and Matsu”، او تصعيد الامور باتجاه حافة الحرب من خلال فرض حصار بحري على كامل تايوان او شن هجمات سبرانية على تايوان ، او الوصول بالامور الى حد الهجوم العسكري المباشر والشامل. وتنطوي هذه البدائل لاسيما الاخير على مخاطر المواجهة مع الولايات المتحدة ثم استدراج اليابان واستراليا الى ميدان المعركة ، ناهيك عن الدمار والخسائر البشرية والمادية لمثل هذه الاستراتيجية. ويبدو ان دبلوماسية النفس الطويل هي الاكثر حضورا من ناحية والاعتماد من ناحية اخرى على تراكم الضغوط ، فمنذ 1993 مرورا بعام 2000 ثم في شهر 8 من هذا العام تم نشر ما يسمى الكتاب الابيض الصيني والذي يؤكد على تبعية تايوان تماما للصين وان من واجب الصين اعادتها “سلما أو حربا” وهو ما عاد الرئيس الصيني لتاكيده في خطابه هذا اليوم في افتتاح المؤتمر العشرين للحزب الشيوعي الصيني، وكان موضوع ضم تايوان قد ورد في الكتاب الابيض لهذا العام تحت عنوان ” المسالة التايوانية واعادة توحيد الصين في العهد الجديد ” وهو صادر عن كل من مكتب الشؤون التايوانية في مجلس الدولة والمكتب الاعلامي لمجلس الدولة. وعلى الرغم من أن النزعة السلمية كانت هي الاقوى في كافة الفترات السابقة(في عهود ماوتسي تونغ، دينغ هيساو بنغ، جيانغ زيمين، هو جينتاو، تشي جينغ بينغ ) لكن تنامي القوة الخشنة للصين يعزز احتمال اللجوء لها إذا ابدت الولايات المتحدة او تايوان رعونة في التعامل مع الموضوع، ويكفي ان نشير الى ارتفاع نسبة الانفاق الدفاعي الصيني هذا العام بمعدل 7.1% ليصل الى 230 مليار دولار ، مع وضع خطة لبلوغ التحديث التام لكل وحداتها العسكرية مع عام 2027، وتشير الارقام المتوفرة الى ان الزيادة عام 2021 كانت 6,8%… وفي عام 2019 بلغ الانفاق 177.6 مليار مقابل 175 مليار عام 2018 و 113 مليار عام 2013 ، مما يشير الى تصاعد متواصل في نسبة الانفاق العسكري من عام لآخر، وهو ما يؤكد ” عسكرة تدريجية ” ترافقها بداية حضور عسكري صيني خارج الحدود بدءا من جزر المحيط الهادئ( جزر سليمان التي عقدت تحالفا معها مرورا بمحاولات مع جزر كيريباتي وفانتو )، وفي افريقيا بدأت ملامح العسكرة منذ 2017 مع انشاء قاعدة عسكرية صينية في جيبوتي، وهو تجسيد لشعار الرئيس هو جينتاو “المهمة التاريخية الجديدة” للجيش الصيني عام 2004، ومع طرح مشروع مبادرة الحزام والطريق عام 2013 اصبح ضرورة العسكرة لطرق التجارة الصينية على طول مسارات هذا الحزام امرا استراتيجيا، فالكتاب الابيض للدفاع الصادر عن الصين عام 2015 حدد ” حماية المصالح الصينية” في الخارج كأحد مهام الجيش الصيني، وفي عام 2019 اشار الكتاب الابيض في هذه العام الى ضرورة انشاء مرافق لوجستية(سَوْقِيَة) في اعالي البحار ، ويبدو ان من بين الدول التي ستعمل الصين على التواجد العسكري فيها أو بناء مرافق تخدم احتياجات مهمات قواتها في الخارج في انغولا وكينيا وتنزانيا وسيشل وربما تكون دولة الامارات العربية وكمبوديا من ضمنها لاحقا.

3- قوة الجذب للنموذج الصيني: لن تكون تايوان هي المانيا الغربية في فترة الحرب الباردة، اي النموذج الجاذب لألمانيا الشرقيا، ويكفي ان نلاحظ انه في عام 1980 كان اجمالي الناتح المحلي الصيني يساوي 7 اضعاف تايوان(303 مليار دولار للصين مقابل 42.3 مليار لتايوان)، ولكن مع نهاية 2021 اصبح اجمالي الناتج المحلي الصيني 22 ضعف الناتج المحلي التايواني (17.46 تريليون دولار مقابل 790 مليار دولار لتايوان).،ذلك يعني أن تايوان قد تكون جاذبة في بعض الجوانب مثل بعض الحريات او بعض الصناعات الهامة ( الرقائق الالكترونية)، او قد تكون معتمدة على تعهدات امريكية بالحماية وعلى بعض جماعات الضغط الامريكية مثل” The American Enterprise Institute” وغيره او كما اشرنا لى مساعدات يابانية او استرالية او اوروبية…الخ.

4- الاتجاه التاريخي: خضعت تايوان في تاريخها العميق والحديث والمعاصر لسيطرة جهات مختلفة، بدءا من فترة الممالك القديمة(230ق.م) الى الاحتلال الهولندي(1624) ثم الياباني(1895) ثم اعلان القاهرة عام 1943 ثم قرار الامم المتحدة 1971 بطرد تايوان من الامم المتحدة واعتبار الصين هي الممثل لكل الصين وصولا لقطع العلاقات الدبلوماسية معها والاعتراف الديلوماسي امريكيا ودوليا بان الصين هي الممثل الوحيد للصين منذ1979 وحتى الآن، ذلك يعني ان خضوع تايوان لقوى دولية مختلفة في مراحل تاريخية متباعدة كان ينتهي في كل مرة لعودتها لحضن الام.

5- ان اطالة امد الحرب الاوكرانية، والاستنزاف الذي تواجهه الولايات المتحدة على صعيد الطاقة وحجم الانفاق على المساعدات العسكرية والاقتصادية في اوكرانيا ، وعلى صعيد الخلافات مع اوروبا في بعض الجوانب وارهاق الاقتصاد الامريكي والاوروبي، هي امور قد تغري الصين على استعجال الضم بكافة السبل المتاحة من خشنة وناعمة لتغلق بذلك ملف توحيد الصين الكبرى ، وهو امر قد تستفيد منه روسيا بانصراف جهد من الفعل الامريكي والأوروبي عنها.

لذا نعتقد ان اجتماع هذه الايام للحزب الشيوعي الصيني سيؤكد بشكل اكثر وضوحا على هدف ضم تايوان ، وقد يتضمن بعض الفقرات التي توحي بموقف اكثر تشددا واكثر اقتناصا للظروف الدولية الحالية ، بل ستجد مساندة دبلوماسية أكثر كثيرا من المساندة لروسيا في الحرب الاوكرانية نظرا لتباين ملابسات كل من القضيتين من ناحية، ونظرا لقوة الاقتصاد الصيني وتعزيزا للمهام الجديدة للجيش الصيني من ناحية اخرى…ربما.