الكاتب الدكتور عادل زقاغ كلية العلوم السياسية جامعة الحاج لخضر -باتنة -الجزائر

يعتمد تحليل الظواهر المختلفة على متغيرات يسعى الباحث لإيجاد العلاقات السببية التي تربط بينها، وذلك بقياس طبيعة ومستوى التغير الذي يحدث في المتغير التابع لدى حدوث تغير في المتغير المستقل. وقد دأب باحثو العلاقات الدولية على انتقاء متغيراتهم التحليلية من أحد مستويات التحليل الثلاثة: مستوى التحليل الفردي، مستوى التحليل الوطني، ومستوى التحليل النظمي. وبحسب وولتز فإن الباحثين يوظفون متغيرات من المستويات الثلاثة إلا أنهم -ولضرورات منهجية- يميلون للتركيز على أحد هذه المستويات دون الأخرى
لقد ساهم وولتز في صقل تصور “مستوى التحليل” من خلال عمله الصادر عام 1959 بعنوان: “الإنسان، الدولة والحرب”، وفيه استعرض ما أسماه الصور الثلاثة images التي ترد ضمنها معظم التحاليل عن السياسة الدولية. وقد تم التحول عن مصطلح الصور إلى مصطلح مستويات التحليل لدى دايفيد سينقر David Singer في كتاب صدر عام 1961 بعنوان: “النظام الدولي” (حرره سيدني فيربا Sidney Verba وكلاوس كنور Klaus Knorr). وفي الفصل الأول الذي كتبه سينقر أشار إلى أن أغلبية المقاربات النظرية في العلاقات الدولية تندرج إما في المستوى النظمي أو المستوى تحت النظمي (الوطني). وفي هذا الصدد يشير إلى أن الباحث عليه دوما أن يختار بين التركيز على الكل أو على الأجزاء المشكلة له، على النظام أو على الوحدات المشكلة للنظام، على الغابة أو على الشجرة. ويشدد سينقر على أن هذا الاختيار ليس عشوائيا، بل يعتمد على الهدف من البحث ومدى فعالية الاختيار بين إحدى المستويات الثلاثة في الإجابة عن سؤال البحث، ولذلك يعمد باحثو العلاقات الدولية إلى تصميم أبحاثهم ضمن إحدى مستويات التحليل الثلاثة:

المستوى النظمي: ويتضمن متغيرات متنوعة مثل عدد القوى الكبرى في النظام وبالتالي طبيعة الاستقطاب القائم (بمعنى هل نحن إزاء أحادية قطبية أم ثنائية قطبية، …)؛ توزيع القوة الاقتصادية والعسكرية بين الدول؛ واقع التحالفات العسكرية والتكتلات الاقتصادية. ويتضح من ذلك أن المستوى النظمي يتشكل من البيئة الخارجية التي تتقاسمها كل الدول.
المستوى الوطني: ويشتمل على المتغيرات الحكومية: مثل بنية النظام السياسي وطبيعة عملية صناعة القرار أي التفاعل بين السلطات الثلاث، والبيروقراطية، والأحزاب السياسية، وجماعات المصالح، إضافة إلى العوامل المجتمعية كبنية النظام الاقتصادي، وتأثير المجموعات التي تتقاسم معتقدات مشتركة، الرأي العام، النقابات، مستويات الاستقطاب الإثني، فضلا عن الثقافة السياسية والأيديولوجية.

المستوى الفردي: يركز الباحث في هذا المستوى التحليلي على الطبيعة الإنسانية، والاستعدادات المسبقة (كالنزعة العدائية أو المسالمة)، إضافة إلى الأنظمة العقائدية للقادة السياسيين، والعمليات السيكولوجية التي ترافق مسار صناعة القرار.